العجز المكتسب: سيكولوجية الاستسلام وقيود الوهم

دليل أكاديمي شامل يستعرض مفهوم العجز المكتسب في علم النفس: جذوره التاريخية، آلياته العصبية والمعرفية، وتطبيقاته السريرية في تفسير الاكتئاب وبناء التفاؤل.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 1 نوفمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 1 نوفمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يشكل مفهوم العجز المكتسب أحد أهم المعالم النظرية والتطبيقية في علم النفس المعاصر؛ إذ يقدم تفسيراً عميقاً للآليات التي تجعل الكائن الحي يستسلم للظروف الضاغطة حتى حين تلوح في الأفق إمكانات حقيقية للخلاص. ينقلنا هذا المفهوم من النظرة التقليدية للسلوك البشري بوصفه استجابة ميكانيكية للمثيرات، إلى فضاء أوسع يرتبط بالإدراك المعرفي، وتوقعات التحكم، وتاريخ التعلم الشخصي، مما يجعله حجر زاوية في دراسة الاكتئاب، والدافعية، والصمود النفسي.

العجز المكتسب

1. التعريف الموجز والدقيق

العجز المكتسب (Learned Helplessness) هو حالة نفسية ومعرفية وسلوكية تنشأ عندما يتعرض الفرد لمواقف ضاغطة أو مؤلمة متكررة لا يملك القدرة على السيطرة عليها أو تجنبها، مما يولد لديه اعتقاداً راسخاً بعدم جدوى أي استجابة مستقبلية، حتى وإن تغيرت الظروف وأصبحت السيطرة ممكنة بالفعل.

يتجاوز هذا المفهوم مجرد الشعور العابر بالإحباط؛ إذ يمثل تحولاً جوهرياً في البنية التوقعية للكائن الحي، حيث يتعلم الفرد بصورة تجريبية أن النتائج الإيجابية أو السلبية مستقلة تماماً عن سلوكه الإرادي. ينعكس هذا التحول في ثلاثة أبعاد رئيسية: بعد دافعي يتمثل في الإحجام عن المبادرة، وبعد معرفي يتجلى في صعوبة إدراك احتمالات التحكم القائمة، وبعد انفعالي يظهر في هيئة قلق حاد يتطور لاحقاً إلى حالة من الخمول واليأس السريري.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي

يعود المصطلح في أصوله الإنجليزية إلى تركيب مركب من كلمتين: الأولى (Learned) المشتقة من الجرمانية القديمة والتي تدل على اكتساب المعرفة أو السلوك عبر التجربة والمران، والثانية (Helplessness) المكونة من المقطع (Help) بمعنى العون والمساندة ولاحقة النفي (less) ولاحقة الاسمية (ness)، لتعني حرفياً انعدام الحيلة وفقدان القدرة على مساعدة الذات.

وفي المعاجم العربية، تعود كلمة «العجز» إلى الجذر الثلاثي (ع-ج-ز) الذي يدل على التأخر عن الشيء والضعف والقصور عن إدراكه؛ فالعجز نقيض الحزم والقدرة، ويقال عجز عن الأمر إذا قصرت طاقته عن بلوغه. أما كلمة «المكتسب» فتنحدر من الجذر (ك-س-ب) وتدل على ما ناله الفرد بفعله وخبرته ولم يكن صفة فطرية أو غريزية لصيقة به منذ التكوين. دخل المصطلح المعجم النفسي العربي كترجمة دقيقة لمفهوم أرساه عالم النفس الأمريكي مارتن سيليغمان وزملائه في أواخر ستينيات القرن العشرين، للدلالة على أن هذا القصور ليس ضعفاً بنيوياً أولياً، وإنما هو نسق سلوكي تم استدماجه عبر التعرض لبيئة غير قابلة للتحكم.

3. النطق والصيغة الصرفية واللغوية

يُنطق المصطلح باللغة العربية بفتح العين وسكون الجيم وضمه الزاي في المفرد «العَجْز» (أو بكسر الجيم في بعض الاستخدامات المادية)، تليه صفة مشتقة على وزن اسم المفعول من الفعل الخماسي اكتسب: «المُكْتَسَب» بضم الميم وفتح التاء والسين، وتُستخدم أيضاً صيغة «العجز المتعلَّم» بضم الميم وفتح اللام المشددة، للدلالة على البعد الإشراطي للظاهرة.

من الناحية الصرفية، يمثل المركب تركيباً وصفياً (موصوف وصفة) يعمل ككتلة اصطلاحية واحدة في السياقات الأكاديمية والنفسية، ويُعرب وفق موقعه الإعرابي في الجملة. يُشتق منه مصطلحات فرعية متداولة مثل «الاستعجاز» أو «الاستسلام المكتسب»، ويُستعمل في اللغة الفصحى كاسم معرف للدلالة على المتلازمة السلوكية المعرفية المستقرة في الأدبيات السريرية والتجريبية.

4. الشرح المفاهيمي الموسع والحدود النظرية

يقوم مفهوم العجز المكتسب على فرضية محورية مفادها أن التعرض للمثيرات المنفرة غير القابلة للسيطرة ينتج عجزاً في ثلاثة مستويات وظيفية متكاملة. المستوى الأول هو العجز الدافعي (Motivational Deficit)، حيث يتراجع الحافز الذاتي للبدء بأي استجابة تكيفية نشطة نتيجة تآكل الرابط بين الجهد والنتيجة؛ فالفرد الذي يوقن بأن جهوده لن تغير شيئاً يميل تلقائياً إلى الانكفاء والسلبية وتوفير الطاقة السلوكية حتى في المواقف التي تستوجب الدفاع عن النفس.

أما المستوى الثاني فهو العجز المعرفي (Cognitive Deficit)، وهو الجانب الأكثر تعقيداً في الظاهرة؛ إذ يؤدي التعرض المسبق لانعدام التحكم إلى تشويه قدرة الجهاز المعرفي على التعلم من النجاحات اللاحقة. عندما يوضع الفرد الذي خبر العجز في موقف يتيح له بالفعل التحكم والنجاة، يواجه صعوبة شديدة في إدراك العلاقة السببية بين تصرفه والنتيجة الإيجابية الحاصلة، ويميل إلى عزو النجاة إلى المصادفة أو الحظ العابر، مما يعطل تشكل الروابط الإشراطية الفعالة.

ويتمثل المستوى الثالث في العجز الانفعالي والفسيولوجي (Emotional Deficit)، ويبدأ عادة بحالة من الاستثارة الانفعالية الحادة والتوتر المصحوب بارتفاع هرمونات الشدة كالكورتيزول والنورادرينالين أثناء محاولات المقاومة الأولى. ولكن مع استمرار الفشل وتأكد استحالة الإفلات، تنقلب هذه الاستثارة إلى حالة من التبلد الوجداني والانهيار العصبي، وتدني المناعة، وانخفاض النشاط، وهي الأعراض التي تحاكي إلى حد التطابق الملامح الأساسية لمرض الاكتئاب الجسيم في البشر.

تتحدد الحدود النظرية للمفهوم من خلال تمييزه الصارم عن حالات التثبيط الناتجة عن التعب العضلي أو الإعياء الفسيولوجي المجرد؛ فالعجز المكتسب ليس إنهاكاً بيولوجياً بقدر ما هو تمثيل معرفي مستقر يتوسط العلاقة بين الفرد وبيئته. كما يختلف المفهوم عن الإهمال الإرادي أو التكيف الاستراتيجي السلبي الذي يلجأ إليه الفرد بوعي لتجنب معارك خاسرة؛ فالعجز المكتسب ينطوي على فقدان حقيقي للقدرة على تمييز فرص السيطرة حتى بعد زوال مصدر التهديد الخارجي وانفتاح مسارات النجاة.

5. التطور التاريخي والمحطات المفصلية

تعود الجذور التجريبية للعجز المكتسب إلى أواخر ستينيات القرن العشرين في مختبرات علم النفس التجريبي بجامعة بنسلفانيا، حيث كان الباحثان الشابان آنذاك، مارتن سيليغمان وستيفن ماير (Steven F. Maier)، يدرسان أثر الإشراط الكلاسيكي لـ بافلوف على سلوك الكلاب تحت إشراف ريتشارد سولومون. في عام 1967، لاحظ الباحثون سلوكاً محيراً: الكلاب التي تعرضت لصدمات كهربائية خفيفة لا يمكن تجنبها أثناء تثبيتها في أحزمة، فشلت لاحقاً في تعلم القفز فوق حاجز منخفض للهروب من الصدمات في صندوق الاختبار المزدوج (Shuttlebox)، وجلست مستسلمة تعوي بهدوء رغم أن الكلاب السوية كانت تقفز بسهولة بمجرد ظهور الإشارة التحذيرية.

صاغ ماير وسيليغمان وبروس أوفرماير (Bruce Overmier) في عام 1967 الورقة البحثية التأسيسية التي أطلقت مصطلح «العجز المكتسب»، مؤكدين أن ما عطل سلوك الهروب ليس الصدمة الكهربائية بحد ذاتها، بل غياب الرابط الإجرائي بين السلوك والنتيجة أثناء فترة التدريب الأولى. وقد شكل هذا الاكتشاف صدمة للمدرسة السلوكية الراديكالية التي كانت تنكر وجود تمثيلات معرفية أو توقعات ذهنية لدى الحيوان.

شهد عام 1978 محطة مفصلية حين نشرت لين أبرامسون (Lyn Abramson) ومارتن سيليغمان وجون تيسدال (John Teasdale) مراجعتهم الشهيرة بعنوان «العجز المكتسب لدى البشر: نقد وإعادة صياغة». هدفت هذه المراجعة إلى معالجة أوجه القصور في النموذج الحيواني الأصلي الذي عجز عن تفسير التباين الفردي الواسع لدى البشر؛ حيث لوحظ أن بعض الأفراد يصابون بانهيار كامل إثر تجارب الإخفاق، بينما يستجمع آخرون قواهم ويقاومون بشراسة، وهو ما قاد إلى إدخال نظرية العزو المعرفي في قلب النموذج.

وفي العقدين الأخيرين، أحدثت أبحاث الدماغ ثورة في فهم الفسيولوجيا العصبية للظاهرة؛ ففي عام 2016، قدم ستيفن ماير ومارتن سيليغمان مراجعة تاريخية بعد خمسين عاماً من بحثهما الأول، أثبتت أن العجز والتبلد الوجداني يمثلان «الاستجابة الافتراضية التلقائية» للدماغ الثديي أمام المثيرات الضاغطة الشديدة بواسطة نواة الرفاء الظهرية (Dorsal Raphe Nucleus)، وأن ما يتعلمه الكائن الحي في الحقيقة ليس العجز، بل «التحكم والسيطرة» عبر القشرة الجبهية الحجاجية والبطنية الإنسية التي تقوم بتثبيط مراكز الخوف واليأس في جذع الدماغ.

6. الأسس والأطر النظرية

يستند نموذج العجز المكتسب إلى تقاطع خصب بين النظريات السلوكية الإجرائية والنماذج المعرفية لتجهيز المعلومات. يقوم الإطار السلوكي الأولي على مفهوم «الاستقلال الاحتمالي» (Contingency Independence)، حيث ينشأ العجز عندما تكون احتمالية وقوع النتيجة مع الاستجابة مساوية لاحتمالية وقوعها بدون تلك الاستجابة؛ أي عندما تنعدم تماماً قيمة الاحتمال الشرطي المشترك بين الفعل ونتيجته في البيئة الخارجية.

وعلى الصعيد المعرفي، يعتمد النموذج المعدل بصورة جوهرية على نظرية العزو السببي، مفترضاً أن رد فعل الإنسان تجاه الأحداث الصادمة يتحدد بالطريقة التي يفسر بها أسباب حدوثها. عندما يقع الفرد تحت وطأة حدث سلبي غير قابل للتجنب، فإنه يبحث عن تفسير سببي، ويتحدد عمق العجز ومدته ومداه وفق ثلاثة محاور إسنادية: داخلي مقابل خارجي، ومستقر مقابل غير مستقر، وعام مقابل نوعي.

تطور هذا الطرح لاحقاً في أواخر الثمانينيات على يد لين أبرامسون وجيرالد ميتالسكي ولورين ألوي ليصبح معروفاً بـ «نظرية انعدام الأمل في الاكتئاب» (Hopelessness Theory of Depression)، والتي حددت العجز المكتسب كخطوة وسيطة تتطور في وجود أسلوب عزو تشاؤمي راسخ إلى قناعة تامة بأن أحداثاً كارثية ستقع لا محالة دون أي قدرة على تبديلها، مما يولد النمط الفرعي للاكتئاب المعتمد على فقدان الأمل.

وفي إطار علم النفس التطوري، يُنظر إلى العجز المكتسب على أنه آلية تكيفية قديمة لحفظ الطاقة وتجنب الإصابات المهلكة؛ فعندما يواجه الحيوان كائناً مفترساً أو ظرفاً بيئياً قاهراً لا طاقة له بمجابهته، تصبح محاولات الهروب المستميتة استنزافاً قاتلاً للموارد الحيوية، ويكون الاستسلام والجمود هو الخيار الأكثر أماناً لتقليل الأضرار المادية وزيادة فرص البقاء إلى أن تتبدل المعطيات المحيطة.

7. المكونات الأساسية والأنماط والأبعاد

يتشكل العجز المكتسب من شبكة معقدة من الأبعاد المترابطة التي تحكم استجابة الفرد النفسية والبيولوجية:

  • العجز الدافعي (Motivational Deficit): انحدار حاد في المبادرة السلوكية، وتفضيل الخضوع والاستكانة، وتأخر زمن الاستجابة في مواقف الحل والمواجهة.
  • العجز المعرفي (Cognitive Deficit): تشوه تفسيري يجعل الفرد عاجزاً عن استيعاب النجاح أو الربط بين سعيه الإيجابي والنتائج المحققة، مع الانغلاق ضمن نمط عقلي جامد يرفض احتمالات التغيير.
  • العجز الانفعالي والوجداني (Emotional Deficit): مشاعر قاهرة من القلق والضيق النفسي، تليها بلادة حسية، واكتئاب، وتراجع تقدير الذات، والشعور العميق بالدونية والمهانة.
  • البعد الداخلي/الخارجي (Internal vs. External): يحدد أثر العجز على تقدير الذات؛ فعزو الفشل إلى عيوب داخلية («أنا فاشل وغبي») يدمر الصورة الذاتية، بينما عزوه إلى قوى خارجية («الامتحان كان غير عادل») يحفظ كرامة الفرد رغم إحساسه بالعجز.
  • البعد المستقر/غير المستقر (Stable vs. Unstable): يحدد استمرارية العجز عبر الزمن؛ فالأسباب المستقرة («أنا عاجز وراثياً») تؤدي إلى عجز مزمن ودائم، بينما الأسباب العابرة («كنت منهكاً اليوم») تتيح سرعة التعافي مستقبلاً.
  • البعد العام/النوعي (Global vs. Specific): يحدد اتساع نطاق العجز؛ فالأسباب العامة تجعل الفرد يستسلم في جميع مناحي حياته المهنية والاجتماعية والرياضية، بينما الأسباب النوعية تحصر الشعور بالعجز في مجال معين ومحدد كالحساب أو القيادة.

8. الأمثلة الواقعية والحالات التوضيحية

تتعدد تجليات العجز المكتسب في الحياة الإنسانية، وتظهر بوضوح في العلاقات الأسرية والعاطفية المؤذية. في حالات العنف المنزلي المزمن ضد الشريك، نجد في كثير من الأحيان ضحية تظل خاضعة للطرف المعتدي على الرغم من توفر فرص مادية أو شبكات دعم عائلية تمكنها من الهرب؛ إذ تتشكل لديها قناعة مبنية على سنوات من القهر بأن أي محاولة للنجاة ستؤدي حتماً إلى عقاب أشد قسوة، فتستسلم لحالة من الشلل السلوكي الكامل الذي يفسره المحيطون خطأً على أنه رغبة في البقاء.

وفي البيئات المدرسية والأكاديمية، يتجسد العجز في سلوك طالب يعاني من صعوبات في مادة الرياضيات، وتلقى انتقادات لاذعة ومتكررة من معلميه ووالديه؛ فيتوقف تماماً عن فتح الكتاب أو محاولة حل التمارين السهلة، مستنتجاً أن «عقله لا يستوعب الأرقام»، وتتعزز قناعته السلبية عندما ينجح صدفة في اختبار ما فيرجعه فوراً إلى «سهولة الأسئلة المفرطة» بدلاً من كفاءته الذاتية.

وعلى المستوى التنظيمي والمهني، يعاني موظف كفء في بيئة عمل تسلطية لا تقبل المبادرات وتجهض كل اقتراح تطويري دون فحص؛ فبعد سلسلة من الإحباطات المتراكمة، يدخل الموظف في نمط العجز المؤسسي، متوقفاً عن طرح الأفكار الجديدة، ومؤدياً فقط الحد الأدنى من مهامه بروح منهكة، وحتى عند قدوم إدارة قيادية جديدة تشجع الابتكار وتفتح الأبواب، يظل على تحفظه ويأسه متوقعاً الإجهاض الحتمي لكل جهد.

9. أدوات القياس والتقييم النفسي

يعتمد تشخيص وقياس العجز المكتسب لدى البشر على مجموعة من المقاييس السيكومترية المقننة، التي تقيس أنماط العزو المعرفي وتوقعات التحكم الداخلي والخارجي، ومن أبرزها:

  • استبيان أسلوب العزو (Attributional Style Questionnaire – ASQ): أداة قياسية أسسها بيترسون وسيليغمان وزملاؤهما، تتألف من مواقف افتراضية سلبية وإيجابية، وتطلب من المفحوص تعيين أسبابها وفق أبعاد (داخلي/خارجي، مستقر/غير مستقر، عام/نوعي)، وهو المقياس الأكثر استخداماً في تحديد القابلية للاكتئاب القائم على العجز.
  • استبيان النمط التفسيري للأطفال (Children’s Attributional Style Questionnaire – CASQ): نسخة معدلة ومبسطة تتناسب مع الإدراك الطفولي لقياس الأساليب التشاؤمية والتفاؤلية لدى الناشئة في البيئات المدرسية.
  • مقياس بيك لليأس (Beck Hopelessness Scale – BHS): مقياس يتكون من 20 عبارة يقيس التوقعات السلبية للفرد حيال مستقبله، ويعد شديد الارتباط بقياس النهايات القصوى لمتلازمة العجز المكتسب والميول الانتحارية.
  • نماذج التقييم التجريبي في المختبر: استخدام مهام حل المشكلات المستحيلة (Soluble vs. Insoluble Tasks)، مثل الألغاز اللغوية المعقدة التي لا حل لها، ثم تعريض المفحوص بعدها لمهمة قابلة للحل لرصد مدى تدهور أدائه مقارنة بمجموعة ضابطة لم تتعرض للإحباط المسبق.

10. التطبيقات والأهمية العملية

تنبثق أهمية العجز المكتسب من تطبيقاته السريرية الواسعة في مجال العلاج النفسي؛ حيث أرسى المفهوم أسس التدخل المعرفي السلوكي الموجه لعلاج الاكتئاب عبر تقنيات دحض الأفكار المشوهة وإعادة الهيكلة المعرفية. يساعد المعالجون مرضاهم على تفكيك الأسلوب التفسيري التشاؤمي، وتدريبهم على استبدال التفسيرات العامة والدائمة بتفسيرات نوعية ومؤقتة للأحداث السلبية، فضلاً عن استخدام استراتيجية «الواجبات المتدرجة» (Graded Task Assignments) لإعادة بناء الإحساس بالكفاءة عبر تحقيق نجاحات صغيرة وملموسة.

وفي قطاع التربية والتعليم، يوجه المفهوم المعلمين لتجنب الممارسات التقييمية المدمرة التي تزرع العجز في نفوس الطلاب، مثل المقارنات العقيمة والتركيز المطلق على الذكاء الثابت. بدلاً من ذلك، يُستثمر المفهوم في بناء بيئات تعليمية تركز على «عقلية النمو» (Growth Mindset)، حيث يُفسر الفشل على أنه فرصة للتعديل واكتساب مهارات جديدة وليس دليلاً على نقص العقل والقدرة.

كما يمتد التطبيق إلى مجالات علم النفس الاجتماعي والسياسي وعلم الإجرام؛ إذ يفسر كيف تنهار المقاومة الشعبية في ظل الأنظمة القمعية التي تستخدم العقاب العشوائي غير القابل للتوقع لشل قدرة الجماهير على الفعل السياسي. وفي المقابل، فتحت دراسة العجز المكتسب الباب واسعاً لنشوء حركة علم النفس الإيجابي ومفهوم «التفاؤل المكتسب» (Learned Optimism)، الذي يركز على تزويد الأفراد بالمهارات التحصينية لمقاومة الضغوط وبناء المناعة النفسية.

11. الأبحاث والدلائل التجريبية الحديثة

شهدت الأبحاث البيولوجية العصبية المعاصرة تحولاً جذرياً في فهم العجز المكتسب، لا سيما مع أعمال ستيفن ماير في مختبر علم الأعصاب السلوكي بجامعة كولورادو في بولدر. أظهرت هذه الدراسات المتقدمة باستخدام التقنيات الجزيئية وتصوير الأعصاب أن التعرض لصدمات غير قابلة للتحكم يطلق نشاطاً كثيفاً في خلايا السيروتونين داخل نواة الرفاء الظهرية (DRN)، مما يحدث فرط تحفيز يؤدي مباشرة إلى شل المسارات الحركية في الحبل الشوكي والمناطق الحوفية المسؤولة عن الهروب والمواجهة.

وفي المقابل، أثبتت الدراسات أن الكائن الذي يملك زمام التحكم (عبر القدرة على إيقاف الصدمة بالضغط على رافعة مثلاً) يقوم بتفعيل قشرة الفص الجبهي البطنية الإنسية (vmPFC). ترسل هذه المنطقة العليا إشارات مثبطة عبر مادة الغابا (GABA) إلى نواة الرفاء الظهرية، مما يوقف استجابة العجز والهلع في مهدها، مما برهن تجريبياً على أن التحكم هو مهارة عصبية مكتسبة ومعقدة تمارس هيمنة هابطة على الدوائر العاطفية القديمة في جذع الدماغ.

كما ربطت أبحاث الدونة العصبية والوراثة فوق الجينية (Epigenetics) بين متلازمة العجز المكتسب وتغيرات في مستويات عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ (BDNF) في الحصين والقشرة المخية، مما يفسر سبب ارتباط العجز الطويل بتراجع الذاكرة والقدرات الإدراكية والتنكس العصبي في اضطرابات ما بعد الصدمة المزمنة.

12. الاعتبارات الثقافية والمجتمعية

تتأثر مظاهر العجز المكتسب وتداعياته بالنسيج الثقافي والاجتماعي الذي ينشأ فيه الفرد. في المجتمعات الفردانية الغربية التي تضع استقلالية الذات والتحكم الداخلي في أعلى سلم القيم، يُنظر إلى العجز المكتسب على أنه فشل شخصي فادح يؤدي إلى تآكل سريع في تقدير الذات والوقوع في هاوية الاكتئاب السريري الحاد.

أما في المجتمعات الجمعية التي تسود فيها فلسفات التناغم الاجتماعي والخضوع للأقدار أو مشيئة الجماعة، قد يتخذ العجز المكتسب قناعاً من «القبول والرضا»، حيث يتم تبرير غياب المبادرة السلوكية بمفاهيم مثل الصبر أو الحكمة الاجتماعية في تجنب الصدام مع المنظومة. ومع ذلك، فإن الفسيولوجيا العصبية للألم الداخلي تظل واحدة، وإن اختلفت أساليب التعبير الرمزي عنها.

وتلعب الفروق الاجتماعية والاقتصادية دوراً حاسماً في تعزيز العجز؛ فالأقليات المهمشة والفئات الفقيرة التي تتعرض بصورة منتظمة ومنهجية لظلم مؤسسي وتمييز عنصري لا تملك حياله حيلة، تطور ما يسميه علماء الاجتماع «العجز المجتمعي المكتسب»؛ حيث يسود شعور جمعي بعبثية الكفاح، ويُنظر إلى أي دعوة للترقي الاجتماعي على أنها وهم خادع، مما يكرس الفقر والتبعية عبر الأجيال.

13. الانتقادات والجدل العلمي والحدود المعرفية

على الرغم من النجاح المدوي لنظرية العجز المكتسب، إلا أنها واجهت انتقادات علمية رصينة منذ مراحلها الأولى. تركزت الانتقادات المبكرة على إشكالية «التعميم الأنثروبومورفي» (Anthropomorphism)، حيث رأى نقاد من علماء السلوك أن تعميم نتائج التجارب المجراة على الحيوانات في أقفاص معزولة وصدمات كهربائية قسرية على الواقع الإنساني بالغ التعقيد يمثل تبسيطاً مفرطاً يتجاهل الفروق النوعية في الوعي والتاريخ الاجتماعي.

كما واجه النموذج المعدل المبني على نظرية العزو انتقادات تتعلق بـ «الترهل المعرفي»؛ إذ يفترض النموذج أن الإنسان يقوم بعمليات منطقية وعقلانية معقدة للغاية في لحظات الصدمة والهلع لتحديد ما إذا كان السبب داخلياً أم خارجياً، عاماً أم نوعياً، بينما تشير أبحاث علم النفس المعرفي اللاواعي إلى أن كثيراً من استجابات الاستسلام واليأس تحدث بصورة انفعالية حدسية سريعة تتجاوز التفكير الواعي التحليلي.

ومن أهم النقاشات الحديثة ما أثاره ستيفن ماير نفسه عندما دعا إلى قلب النموذج النظري كلياً؛ معتبراً أن تسمية «العجز المكتسب» كانت في أصلها خطأ مفاهيمياً؛ فالعجز والجمود والانكفاء رد فعل بيولوجي أولي غير متعلم ينبع من أدمغتنا البدائية، والمكتسب الحقيقي في التجربة الإنسانية هو السيطرة والأمل، مما يدعو الباحثين للتركيز على كيفية تعلم المقاومة بدلاً من الانشغال بآليات الاستسلام وحدها.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية

لتجنب اللبس المفاهيمي الشائع في الأدبيات السيكولوجية، تجب التفرقة بين العجز المكتسب والمفاهيم المتداخلة معه:

  • العجز المكتسب مقابل الكفاءة الذاتية المتدنية (Low Self-Efficacy): الكفاءة الذاتية تركز على قناعة الفرد بقدرته على تنفيذ مهارة معينة («أنا لا أستطيع السباحة»)، بينما العجز المكتسب أعمق وأشمل، إذ يقوم على قناعة بأن السلوك حتى وإن تم إنجازه بكفاءة فلن يغير النتيجة ولن يمنع الألم.
  • العجز المكتسب مقابل الاكتئاب السريري (Clinical Depression): العجز المكتسب هو آلية معرفية وسلوكية أو نموذج سببي لتفسير نشوء بعض الاضطرابات، في حين أن الاكتئاب هو اضطراب نفسي كامل يضم طيفاً أوسع من الأعراض الحيوية مثل اضطرابات النوم، والشهية، والتقلبات البيوكيميائية المزاجية.
  • العجز المكتسب مقابل التكاسل أو التراخي الإرادي (Procrastination): التكاسل ينطوي على اختيار تأجيل السلوك الإرادي مع بقاء الاعتقاد بالقدرة على التحكم والحل لاحقاً، بينما العجز المكتسب شلل إجباري ينبع من فقدان الأمل في جدوى المحاولة برمتها.
  • العجز المكتسب مقابل موضع الضبط الخارجي (External Locus of Control): موضع الضبط يمثل سمة شخصية واسعة تميل لعزو النتائج للحظ أو القدر عموماً، في حين أن العجز المكتسب هو حالة نفسية مستحثة بتجربة الفشل غير القابل للتحكم، وقد تكون نوعية في سياق دون آخر.

15. الخلاصة والنقاط الجوهرية

يمثل العجز المكتسب بنية سيكولوجية عميقة تفسر كيف يمكن للبيئات القاسية وغير القابلة للتحكم أن تعطل فاعلية الإنسان الحيوية وتحوله إلى سجين داخل قناعات معرفية مشوهة ترى الأبواب المفتوحة جدراناً مصمتة. تنطلق هذه الظاهرة من غياب الرابط الإجرائي بين الجهد والنتيجة، وتترسخ عبر أسلوب عزو تشاؤمي يسقط الفشل على عيوب شخصية داخلية وثابتة ومطلقة.

إن إدراك أن العجز هو استجابة سلبية افتراضية يتم تفكيكها عبر التعلم المعرفي العصبي للسيطرة، يفتح نافذة رحبة للأمل والتعافي السريري والتربوي. فكما يتعلم العقل البشري الاستسلام واليأس تحت ضغط الإحباطات المتكررة، فإنه يمتلك ذات القابلية العصبية والمرونة النفسية لتعلم التفاؤل والتحكم والكفاءة إذا ما أتيحت له بيئات داعمة تمنحه فرصاً متتالية لصناعة أثره الإيجابي واستعادة سيادته على حياته ومصيره.

المراجع

  • Abramson, L. Y., Seligman, M. E., & Teasdale, J. D. (1978). Learned helplessness in humans: Critique and reformulation. Journal of Abnormal Psychology, 87(1), 49–74. https://doi.org/10.1037/0021-843X.87.1.49
  • Maier, S. F., & Seligman, M. E. (1976). Learned helplessness: Theory and evidence. Journal of Experimental Psychology: General, 105(1), 3–46. https://doi.org/10.1037/0096-3445.105.1.3
  • Maier, S. F., & Seligman, M. E. (2016). Learned helplessness at fifty: Insights from neuroscience. Psychological Review, 123(4), 349–367. https://doi.org/10.1037/rev0000033
  • Overmier, J. B., & Seligman, M. E. (1967). Effects of inescapable shock upon subsequent escape and avoidance responding. Journal of Comparative and Physiological Psychology, 63(1), 28–33. https://doi.org/10.1037/h0024166
  • Peterson, C., Semmel, A., von Baeyer, C., Abramson, L. Y., Metalsky, G. I., & Seligman, M. E. (1982). The Attributional Style Questionnaire. Cognitive Therapy and Research, 6(3), 287–299. https://doi.org/10.1007/BF01173577
  • Seligman, M. E. (1975). Helplessness: On depression, development, and death. W. H. Freeman.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, نوفمبر 1). العجز المكتسب: سيكولوجية الاستسلام وقيود الوهم. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/learned-helplessness-psychology/
looti, Mohammed. “العجز المكتسب: سيكولوجية الاستسلام وقيود الوهم.” عرب سايكلوجي, 1 نوفمبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/learned-helplessness-psychology/.
looti, Mohammed. “العجز المكتسب: سيكولوجية الاستسلام وقيود الوهم.” عرب سايكلوجي. نوفمبر 1, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/learned-helplessness-psychology/.