علم النفس الاجتماعيعلم النفس المعرفينظريات التعلم

إشراط الاتجاهات: كيف تُصاغ مشاعرنا وقناعاتنا؟

استكشف المفهوم الشامل لإشراط الاتجاهات النفسية والإشراط التقييمي، وتعرف على آليات تشكل المشاعر والتفضيلات الإنسانية وتطبيقاتها في التسويق والإعلام والعلاج السلوكي.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 4 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 4 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تتشكل الاتجاهات النفسية للإنسان عبر مسارات معرفية وشعورية معقدة، تتقاطع فيها الدوافع الذاتية مع المنبهات البيئية المحيطة، حيث لا يولد الفرد بمنظومة مسبقة من التفضيلات والنفور تجاه معظم الموضوعات الاجتماعية والمادية. يعد إشراط الاتجاهات (Conditioning of Attitudes) إحدى الركائز الأساسية في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس السلوكي والمعرفي، إذ يفسر كيفية اكتساب الأفراد لتقييمات إيجابية أو سلبية تجاه موضوعات أو أشخاص أو أفكار معينة دون المرور بالضرورة بعمليات تفكير منطقي متأنية. يُظهر هذا المفهوم كيف يمكن للارتباطات التكرارية والاقترانات الوجدانية البسيطة أن تعيد صياغة البنية المعرفية والعاطفية للإنسان، محولةً المثيرات المحايدة إلى كيانات محملة بالمعاني والدلالات القيمية العميقة.

المفهوم النظري والتعريف الأكاديمي لإشراط الاتجاهات

يُعرف الاتجاه النفسي في الأدبيات السيكولوجية بأنه نزعة نفسية مستقرة نسبياً يعبر عنها الفرد من خلال تقييم كيان معين بدرجة محددة من الاستحسان أو الاستهجان. وبناءً على ذلك، يمثل إشراط الاتجاهات تلك العملية التي يتم من خلالها تشكيل أو تعديل التقييم العاطفي والمعرفي لـ “موضوع الاتجاه” نتيجة لاقترانه بمثيرات أخرى تحمل بطبيعتها قيمة تقييمية مسبقة، سواء كانت إيجابية أو سلبية. تتجاوز هذه العملية الاستجابات السلوكية البسيطة التي ركز عليها الإشراط الكلاسيكي التقليدي، لتستهدف البنية القيمية والوجدانية الكامنة وراء السلوك الإنساني.

يميز الباحثون في هذا السياق بين نمطين بارزين: الإشراط التقليدي للمواقف (Attitude Conditioning) والإشراط التقييمي (Evaluative Conditioning). فبينما يركز الأول على الاستجابات التنبؤية القائمة على توقع حدوث مثير معين عقب مثير آخر كما في تجارب بافلوف، يختص الإشراط التقييمي بتعديل التكافؤ الوجداني للمثير المحايد بحيث يكتسب الخصائص العاطفية للمثير غير الشرطي بذاته، بصرف النظر عن التنبؤ بالوقوع المستقبلي للحدث. إن هذا التمييز الجوهري يجعل إشراط الاتجاهات حجر زاوية في فهم كيفية استدخال المشاعر والتحيزات دون حاجة إلى وعي كامل بآليات الاقتران الزمني.

تستند النظرة الحديثة للاتجاهات إلى النموذج الثلاثي الذي يرى أن الاتجاه يتألف من مكون وجداني (مشاعر وانفعالات)، ومكون معرفي (معتقدات وأفكار)، ومكون سلوكي (نوايا وتصرفات). يعمل الإشراط في المقام الأول على استهداف المكونين الوجداني والمعرفي معاً؛ إذ يُحدث الارتباط الشرطي استثارة عاطفية أولية تؤدي لاحقاً إلى بناء تبريرات عقلية ومعرفية تدعم هذا الموقف المتشكل حديثاً، مما يمنحه رسوخاً وثباتاً في وجه التغيير.

الجذور التاريخية والتطور الفكري للظاهرة

تعود الإرهاصات الأولى لتطبيق مبادئ التعلم الشرطي على الظواهر الاجتماعية إلى مطلع القرن العشرين مع أبحاث جون واطسون وروزالي راينر، وتحديداً في تجربة “الطفل ألبرت” الشهيرة عام 1920، والتي أثبتت إمكانية إشراط الخوف والنفور تجاه مثيرات محايدة كالفئران البيضاء عبر اقترانها بأصوات مفزعة. ورغم الطبيعة المثيرة للجدل لتلك التجربة أخلاقياً، إلا أنها وضعت اللبنة الأولى لإثبات أن الانفعالات والمواقف ليست فطرية بالكامل، بل يمكن برمجتها وتطويرها وفق آليات الاشتراط الاقتراني.

شهدت ستينيات القرن العشرين قفزة نوعية بفضل الأبحاث الرائدة التي قادها آرثر ستايتس وكارولين ستايتس (Arthur & Carolyn Staats). قام الباحثان بسلسلة من التجارب المنهجية التي أظهرت إمكانية إشراط الكلمات المحايدة دلالياً (مثل أسماء شعوب أو مناطق جغرافية خيالية) عبر إقرانها بكلمات ذات حمولة وجدانية إيجابية (مثل: جمال، سعادة، نجاح) أو سلبية (مثل: قبيح، فشل، مرض). أثبتت نتائج ستايتس أن المشاركين طوروا تقييمات وجدانية مطابقة للمثيرات المقترنة، مما فتح الباب لاعتبار اللغة والرموز أدوات فعالة في الإشراط النفسي والاجتماعي.

مع بزوغ الثورة المعرفية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، أعيدت صياغة نظريات الإشراط لتتجاوز التفسيرات السلوكية الآلية الجافة. بدأ علماء النفس في فحص دور الإدراك والانتباه والذاكرة الضمنية في تشكيل الاتجاهات؛ حيث بينت أبحاث مارتن وليفي (Martin & Levey, 1975) أن تغير المشاعر تجاه الصور والوجوه لا يتطلب جهداً ذهنياً واعياً بالضرورة، مما رسخ مصطلح “الإشراط التقييمي” كحقل بحثي مستقل يجمع بين النظرة السلوكية الرصينة والتحليل المعرفي المعاصر.

الآليات النفسية والنماذج التفسيرية لتشكل الاتجاهات

تتعدد النماذج النظرية التي حاولت تفكيك الميكانيزمات الدقيقة المسؤولة عن إشراط الاتجاهات، ويمكن تصنيف هذه النماذج إلى أطر رئيسية تسلط الضوء على العمليات الذهنية والعصبية المعنية:

  • نموذج نقل التكافؤ الوجداني (Valence Transfer Model): يفترض هذا النموذج أن المشاعر المرتبطة بالمثير غير الشرطي تنتقل بصورة مباشرة وشبه أوتوماتيكية إلى المثير الشرطي. بموجب هذه الآلية، يكتسب المثير المحايد الشحنة العاطفية دون الحاجة إلى تشكيل روابط مفاهيمية معقدة بين المثيرين.
  • النموذج المقترح لتشكيل الروابط المفاهيمية (Associative-Propositional Model): يرى هذا الاتجاه، الذي صاغه غاورونسكي وبودنهاوزن (Gawronski & Bodenhausen)، أن الإشراط ينشط في مستويين متكاملين؛ مستوى ترابطي تلقائي (Associative) لا يتطلب حكماً منطقياً، ومستوى قضوي تقريري (Propositional) يقوم فيه العقل بتقييم صحة هذا الارتباط والتحقق من صدقيته المعرفية.
  • نموذج المحاذاة والتعلم الإجرائي (Operant Conditioning of Attitudes): يتأسس هذا المنحور على فكرة أن الاتجاهات تتعزز وتترسخ عندما يتلقى الفرد مكافآت اجتماعية أو نفسية (كالقبول أو الثناء) عند التعبير عنها، بينما تنطفئ إذا قوبلت بالرفض أو العقاب، مما يجعل التعبير عن الموقف سلوكاً متعلماً يخضع لقوانين التعزيز الإيجابي والسلبي.
  • المعالجة التلقائية والضمنية (Implicit Cognitive Processing): تشير التجارب الحديثة إلى أن الاتجاهات قد تتشكل وتترسخ حتى في غياب الإدراك الواعي للاقتران، من خلال مسارات التعلم الضمني غير الخاضع للتحكم الإرادي، وهو ما يفسر بقاء بعض المشاعر التفضيلية دون قدرة الفرد على عزوها إلى تجارب محددة.

تعمل هذه النماذج مجتمعة على إيضاح أن الإشراط ليس حدثاً معزولاً، بل هو تفاعل مستمر بين معالجات سفلية-علوية (Bottom-Up) تنطلق من الحواس، ومعالجات علوية-سفلية (Top-Down) تستند إلى المعتقدات السابقة والمخططات المعرفية للفرد.

العوامل الوسيطة والمحددة لفاعلية الإشراط

لا تتشكل الاتجاهات بالدرجة ذاتها من الكفاءة والقوة في جميع الظروف والأحوال، إذ تتوسط هذه العملية جملة من المتغيرات النفسية والموقفية التي تحدد مدى استدامة الاتجاه المشروط وقوته. أول هذه العوامل هو الوعي بالاقتران (Contingency Awareness)؛ فرغم أن بعض الدراسات تدعم إمكانية حدوث الإشراط التقييمي دون وعي كامل، إلا أن الأدلة الميتاتحليلية تؤكد أن وعي الفرد بالعلاقة بين المثير الشرطي والمثير غير الشرطي يضاعف من حجم الأثر ويسرع من تكون الاتجاه واستقراره.

يلعب عامل الترتيب الزمني والتكرار دوراً حاسماً في دينامية الإشراط. فقد أظهرت التجارب أن الإشراط المتزامن (Simultaneous Conditioning)، الذي يظهر فيه المثيران في اللحظة ذاتها، غالباً ما يكون أكثر فعالية في تعديل التقييمات الوجدانية مقارنة بالإشراط المتأخر أو الإشراط الرجعي (Backward Conditioning). كما أن عدد مرات التكرار يؤثر تأثيراً غير خطي؛ إذ تؤدي التكرارات الأولى إلى مكاسب سريعة في تغيير الاتجاه، بينما قد يؤدي التكرار المفرط إلى ظاهرة التشبع أو حتى النفور العكسي الناتج عن الملل الإدراكي.

بالإضافة إلى ذلك، تبرز أهمية الصلابة السابقة للموقف (Prior Attitude Strength) والتماشي الدلالي. يصعب إشراط المواقف تجاه موضوعات يمتلك الفرد نحوها مواقف راسخة ومتجذرة في هويته الذاتية، بينما تظهر أعلى درجات القابلية للإشراط عند التعامل مع موضوعات غامضة، جديدة كلياً، أو تفتقر إلى المعنى المسبق. كما أن التوافق الدلالي والوجداني بين المثيرين يسهم في تسريع الاندماج المعرفي؛ فالشخص يتقبل بسهولة ربط منتج غذائي بصورة الطبيعة الخلابة أكثر من ربطه بمثير إيجابي لا ينتمي لمجاله الدلالي كالتكنولوجيا الميكانيكية.

التطبيقات المعاصرة في الميادين الحياتية

التسويق وسلوك المستهلك

يمثل قطاع الإعلانات وسلوك المستهلك الميدان الأكثر تطبيقاً واستثماراً لمبادئ إشراط الاتجاهات. تستثمر الشركات العالمية مليارات الدولارات سنوياً لربط علاماتها التجارية بمثيرات غير شرطية قوية الجاذبية، مثل المشاهير الرياضيين، أو الموسيقى التصويرية المبهجة، أو المشاهد الطبيعية الآسرة. لا يهدف الإعلان التجاري المعاصر في كثير من الأحيان إلى تقديم معلومات موضوعية عن خصائص السلعة بقدر ما يسعى إلى إحداث استجابة عاطفية إيجابية متكررة تُنقل تلقائياً إلى العلامة التجارية عبر الإشراط التقييمي، مما يرفع احتمالية تفضيلها عند اتخاذ قرارات الشراء غير المتروية في نقاط البيع.

كما تعتمد استراتيجيات تصميم المنتجات والتغليف على هذه الآليات؛ فالألوان والخطوط والأنسجة تُنتقى بعناية فائقة لتتوافق مع حالات مزاجية مرغوبة، مما يخلق رابطاً شرطياً يسبق التجربة الفعلية لاستخدام المنتج ويوجه توقعات العميل نحو الرضا النفسي.

تشكل القوالب النمطية والتحيزات الاجتماعية

في ميدان العلاقات بين الجماعات، يلعب الإشراط التقييمي دوراً مظلماً في تغذية التحيز الاجتماعي وتشكيل الصور النمطية العنصرية والمذهبية. عندما تقوم وسائل الإعلام بنقل أخبار جماعة عرقية أو دينية معينة مقترنة باستمرار بمفردات مثل “الإرهاب”، “الجريمة”، أو “التهديد”، فإن الأفراد يطورون دون وعي استجابات وجدانية تتسم بالخوف والاشمئزاز تجاه أعضاء تلك الجماعة عموماً.

تكمن خطورة هذا النوع من الإشراط في أنه يؤسس لما يسمى بـ “الاتجاهات الضمنية”؛ وهي تحيزات كامنة في اللاوعي تؤثر في سلوكيات الأفراد وقراراتهم المهنية والاجتماعية حتى وإن كانوا يرفضون العنصرية صراحةً على المستوى العقلاني. إن تفكيك هذه التحيزات يستلزم ما يسمى بإعادة الإشراط المضاد (Counter-Conditioning) عبر تعريض الأفراد المكثف والمتكرر لمثيرات إيجابية تقترن بصورة تلك الجماعات لكسر الروابط السلبية السابقة.

العلاج النفسي وتعديل السلوك

تعتمد التدخلات في العلاج المعرفي السلوكي على استراتيجيات مشتقة مباشرة من أبحاث إشراط المواقف. في حالات الرهاب المرضي واضطرابات القلق، يتم استخدام التعريض الممنهج المقترن بتمارين الاسترخاء العميق لفك الارتباط الشرطي بين موضوع الفوبيا والمشاعر الانفعالية المذعورة، واستبدالها بحالة من السكون والاسترخاء الفسيولوجي.

كذلك في علاج الإدمان، يتم اللجوء إلى الإشراط التنفيري (Aversive Conditioning) لربط المادة المدمنة (كالكحول أو النيكوتين) بمثيرات منفرة بيولوجياً أو نفسياً، مما يقلل من جاذبيتها ويعدل الاتجاه الإيجابي نحو تعاطيها إلى اتجاه دفاعي يتسم بالنفور والتجنب.

التأطير السياسي والدعاية الممنهجة

تستخدم الحملات الانتخابية والآلات الإعلامية مبادئ الإشراط لتشكيل المواقف العامة تجاه السياسيين والسياسات العامة. من خلال ربط الخصم السياسي بصور معتمة وموسيقى كئيبة وسياقات أزموية في الإعلانات الموجهة، يُخلق اتجاه سلبي تراكمي ينفر الناخبين منه دون تقديم حجة عقلانية تفند برنامجه السياسي. في المقابل، يُحاط المرشح المدعوم برموز وطنية مشرقة وموسيقى حماسية وجمهور مبتسم لبناء اتجاه إيجابي شرطي يستند إلى العاطفة الجمعية المشحونة.

الجدل الأكاديمي والنقد المنهجي

على الرغم من النجاح التجريبي الواسع لنظرية إشراط الاتجاهات، إلا أن هناك جدلاً أكاديمياً واسعاً لا يزال محتدماً في أوساط علماء النفس الاجتماعي والمعرفي حول طبيعة الظاهرة ومداها. تتلخص إحدى أبرز نقاط الخلاف في مدى مقاومة الانطفاء (Resistance to Extinction)؛ فبينما ينطفئ الإشراط الكلاسيكي التقليدي سريعاً بمجرد تقديم المثير الشرطي بمفرده مراراً وتكراراً دون المثير غير الشرطي، يجادل أنصار الإشراط التقييمي بأن الاتجاهات المشروطة تتسم بمناعة غير عادية ضد الانطفاء، حيث يحتفظ المثير بقيمته الوجدانية المكتسبة لفترات زمنية طويلة حتى بعد توقف الاقتران.

أثار هذا الفارق التساؤل عما إذا كان الإشراط التقييمي نوعاً فريداً ومستقلاً تماماً من التعلم يختلف جوهرياً عن الإشراط البافلوفي. يرى بعض المنظرين مثل جان دي هاور (Jan De Houwer) أن الإشراط التقييمي مجرد تأثير سلوكي يمكن تفسيره عبر آليات معرفية متعددة تتضمن تشكيل الفرضيات وتوليد المقترحات الذهنية، ولا يمثل بالضرورة مساراً فسيولوجياً خاصاً لنقل المشاعر المباشرة دون وسيط ذهني.

ينبع نقد آخر من معضلة القياس والتحقق المنهجي، ولا سيما عند المفاضلة بين مقاييس التقرير الذاتي الصريحة (Explicit Measures) ومقاييس التقييم الضمني مثل اختبار التداعي الضمني (IAT). يشير النقاد إلى أن التغيرات التي ترصدها التجارب المعملية قصيرة المدى قد تعكس أحياناً استجابات سطحية وتأثيرات للألفة (Mere Exposure Effect) بدلاً من أن تكون تغيراً عميقاً وحقيقياً في الاتجاه النفسي، مما يفرض تحديات منهجية أمام إثبات استمرارية هذه الاتجاهات في البيئات الواقعية المعقدة المليئة بالمشتتات.

الاتجاهات البحثية المعاصرة والرؤى المستقبلية

أدى تطور تقنيات التصوير العصبي الوظيفي (fMRI) إلى فتح آفاق جديدة لفهم الأساس العصبي لإشراط الاتجاهات. تظهر الدراسات العصبية المعاصرة أن اللوزة الدماغية (Amygdala) ومناطق القشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex) تلعب دوراً جوهرياً في معالجة التكافؤ الوجداني وربط الإشارات الحسية بالمكافأة أو التهديد. يساعد هذا التتبع العصبي في حل الخلاف التاريخي حول دور الوعي؛ إذ تُظهر البيانات العصبية أن الاستجابات التقييمية المشروطة يمكن تنشيطها في المسارات الدماغية التحت قشرية السريعة قبل وصول الإشارة إلى المناطق القشرية المسؤولة عن التفكير التأملي الواعي.

في الفضاء الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، اكتسب إشراط الاتجاهات بعداً إلكترونياً غير مسبوق؛ حيث تقوم الخوارزميات الذكية بتخصيص المحتوى وإقران موضوعات بعينها بردود أفعال انفعالية مستمرة (عبر الإعجابات، والتعليقات، والرموز التعبيرية)، مما يؤدي إلى إشراط مكثف للمواقف السياسية والثقافية داخل ما يعرف بـ “غرف الصدى”. يشير علماء النفس المعرفي إلى أن التعرض المتكرر والمتسارع للمحتوى الرقمي المشحون عاطفياً يعيد تشكيل خارطة الاتجاهات النفسية لدى الأجيال الرقمية بمعدلات غير مسبوقة في تاريخ البشرية.

يتجه البحث المستقبلي نحو تطوير نماذج تكاملية تدمج بين علم النفس السيبراني، والعلوم العصبية، والنظرية الحسابية للتعلم، بهدف وضع تقنيات لمساعدة الأفراد على تحصين أذهانهم ضد الإشراط القسري والتلاعب بالاتجاهات، وتنمية الوعي النقدي القادر على تفكيك الروابط الانفعالية المصطنعة والتمييز بين القناعات المنطقية الحرة وتلك المبرمجة آلياً عبر الاقتران الإشراطي المستمر.

في الختام، يظل إشراط الاتجاهات أحد المفاهيم الأكثر محورية وثراءً في الفكر النفسي الحديث؛ فهو يثبت أن قناعاتنا وتفضيلاتنا ليست دائماً نتاجاً لحسابات عقلانية مستقلة، بل هي إلى حد بعيد نسيج مركب من تجارب الاقتران والتعزيز التي مررنا بها في سياقاتنا الحياتية. إن فهم هذه الآليات لا يسهم فقط في تفسير السلوك البشري بصورة أدق، بل يمنح الإنسان بصيرة نقدية تحميه من التوجيه الخفي في مجالات الإعلام والتسويق والسياسة، وتفتح آفاقاً رحبة لإعادة تشكيل الوعي الفردي والجمعي نحو خيارات أكثر توازناً ونضجاً.

المراجع

  • De Houwer, J., Thomas, S., & Baeyens, F. (2001). Associative learning of likes and dislikes: A review of 25 years of research on human evaluative conditioning. Psychological Bulletin, 127(6), 853–869.
  • Gawronski, B., & Bodenhausen, G. V. (2006). Associative and propositional processes in evaluation: An integrative review of implicit and explicit attitude change. Psychological Bulletin, 132(5), 692–731.
  • Hofmann, W., De Houwer, J., Perugini, M., Baeyens, F., & Field, A. P. (2010). Evaluative conditioning in humans: A meta-analysis. Psychological Bulletin, 136(3), 390–421.
  • Levey, A. B., & Martin, I. (1975). Classical conditioning of human ‘evaluative’ responses. Behaviour Research and Therapy, 13(4), 221–226.
  • Petty, R. E., & Cacioppo, J. T. (1986). The Elaboration Likelihood Model of persuasion. Advances in Experimental Social Psychology, 19, 123–205.
  • Staats, A. W., & Staats, C. K. (1958). Attitudes established by classical conditioning. The Journal of Abnormal and Social Psychology, 57(1), 37–40.
  • Watson, J. B., & Rayner, R. (1920). Conditioned emotional reactions. Journal of Experimental Psychology, 3(1), 1–14.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 4). إشراط الاتجاهات: كيف تُصاغ مشاعرنا وقناعاتنا؟. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/conditioning-of-attitudes-2/
looti, Mohammed. “إشراط الاتجاهات: كيف تُصاغ مشاعرنا وقناعاتنا؟.” عرب سايكلوجي, 4 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/conditioning-of-attitudes-2/.
looti, Mohammed. “إشراط الاتجاهات: كيف تُصاغ مشاعرنا وقناعاتنا؟.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 4, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/conditioning-of-attitudes-2/.