يمثل مفهوم الانجراف التوافقي (Consensual Drift) إحدى الركائز النظرية العميقة في علم النظم والسيبرنيطيقا من الدرجة الثانية ونظريات المعرفة البنائية في علم النفس المعاصر. يشير هذا المفهوم إلى السيرورة الديناميكية التي تتطور من خلالها الأنساق الحية والاجتماعية عبر تفاعلات متبادلة ومستمرة، تؤدي إلى تحولات غير موجهة مسبقاً في السلوك واللغة والأطر التفسيرية المشتركة. ومن خلال تجاوز النماذج الميكانيكية الحتمية التي تفترض وجود خطط مسبقة للتغير الإنساني، يفسر هذا المفهوم كيف ينشأ التوافق النفسي والاجتماعي العضوي بوصفه نتاجاً للممارسات اليومية المتكررة بين الأفراد ضمن سياقاتهم البيئية والعلائقية.
الجذور الإبستمولوجية والتطور التاريخي للمفهوم
تعود الأصول المعرفية لمفهوم الانجراف التوافقي إلى أعمال عالمي الأحياء والسيبرنيطيقا التشيليين أومبرتو ماتورانا وفرانسيسكو فاريلا، وتحديداً ضمن أطروحتهما الرائدة حول التوليد الذاتي (Autopoiesis) والاقتران البنيوي (Structural Coupling). رأى ماتورانا وفاريلا أن الكائنات الحية لا تستقبل معلومات جاهزة وموضوعية من محيطها الخارجي، بل هي أنساق مغلقة تنظيمياً تتفاعل مع بيئاتها وفق محدداتها البنيوية الداخلية. وفي خضم هذا الاقتران المستمر، تتغير البنى الداخلية للأفراد استجابةً للمثيرات المتكررة دون أن تفقد هويتها أو تماسكها الذاتي، وهو ما أسس لفهم جذري لطبيعة الإدراك والخبرة الإنسانية.
انتقل هذا الفهم من النطاق البيولوجي الدقيق إلى النطاق السلوكي والنفسي والاجتماعي عندما بدأ المنظرون في استكشاف كيفية نشوء التوافق الإنساني المعقد. لم يعد التوافق يُعرَّف بأنه إجماع عقلاني مسبق يتم التوصل إليه عبر مفاوضات واعية فحسب، بل صار يُنظر إليه على أنه مسار “انجراف” تراكمي تشكّله التبادلات اللفظية وغير اللفظية المستمرة. هذا التطور التاريخي نقل علم النفس من دراسة الذات الفردية المنعزلة والمعالجة المعرفية الخطية إلى فضاء الأنظمة المفتوحة علائقياً والمغلقة دلالياً، حيث تتحدد المعاني ضمن سياق التفاعل المشترك وليس في العقول المفردة.
مع صعود حركة البنائية الاجتماعية في أواخر القرن العشرين، وجد علماء النفس الإكلينيكيون ومفكرو العلاج الأسري النسقي في مفهوم الانجراف التوافقي أداة تفسيرية ثورية. وقد أسهم علماء مثل إرنست فون غلاسر سفيلد وهاينز فون فورستر في ترسيخ هذه الرؤية الإبستمولوجية التي تنكر وجود واقع موضوعي مفارق ومستقل عن الملاحظ، مشددين على أن “الموضوعية بين أقواس” تعني الاعتراف بأن كل وصف للعالم ينطوي بالضرورة على بنية الملاحظ وعلاقاته التاريخية مع الآخرين.
تطور المفهوم لاحقاً ليشمل دراسة السلوكيات المنبثقة في الجماعات الصغيرة، والتحولات المؤسسية المعقدة، والتحالفات الإكلينيكية في حجرة العلاج النفسي. إن هذا التأصيل التاريخي يجعل من الانجراف التوافقي مفهوماً محورياً في الربط بين البيولوجيا العصبية واللسانيات والتحليل النسقي للظواهر الإنسانية، متجاوزاً بذلك الثنائيات التقليدية بين الجسد والعقل، وبين الفرد والمجتمع.
الأسس النظرية والبنائية في علم النفس النسقي
يقوم الانجراف التوافقي في جوهره النفسي على فرضية الاقتران البنيوي الدوري؛ إذ يتفاعل نسقان مستقلان أو أكثر عبر تاريخ مشترك من التبادلات المستمرة. في كل تفاعل، يمثل سلوك الطرف الأول اضطراباً (Perturbation) محفزاً لبنية الطرف الثاني، ويستجيب الثاني ليس بنسخ سلوك الأول، بل بإعادة تنظيم حالاته الداخلية بناءً على تاريخه وتكوينه الخاص. وعندما تتكرر هذه الدورة عبر الزمن، تتزامن الاستجابات المتبادلة دون وجود قيادة مركزية أو إملاء أحادي الجانب من أي طرف.
يترتب على هذه الآلية نشوء ما يُسمى بـ “المجالات التوافقية” (Consensual Domains)، وهي حقول دلالية وسلوكية مشتركة يتم فيها تنسيق الأفعال المشتركة بين الأفراد. في هذه المجالات، يصبح التفاهم ممكناً لأن تاريخ الانجراف المشترك جعل استجابات الأطراف قابلة للتنبؤ المتناغم ضمن السياق العلائقي، حتى لو لم تكن تلك الاستجابات متطابقة عقائدياً أو متماثلة في الخبرة الداخلية الذاتية. إن النظام النفسي هنا لا يبحث عن الحقيقة المطلقة، بل يسعى للحفاظ على التلاؤم والتكيف الوظيفي المستمر.
يرى علم النفس البنائي النسقي أن الاستقرار النفسي ليس حالة سكونية جامدة، بل هو توازن حركي مستدام يتم الحفاظ عليه من خلال الانجراف التوافقي اليومي. فعندما تنخرط أسرة معينة أو فريق عمل في تفاعلات متكررة، فإنهم ينحرفون وينجرفون معاً في مسار تطوري تركيبي يخلق تقاليدهم العاطفية والمعرفية الخاصة. هذا التدفق العلائقي المشترك يمنح الأفراد شعوراً بالأمان والانتماء الوجودي، لأنه يؤسس لواقع معيش متماسك ومبرر داخلياً.
تتضمن هذه الأسس أيضاً مراعاة “الاعتماد الدائري المتبادل”، حيث لا يمكن فصل سبب أي تصرف عن نتيجته داخل النسق البشري. فالأعراض النفسية أو النزاعات العلائقية لا تنشأ من علة أولى معزولة في شخص مريض، بل تتبلور كنتيجة لانجراف طويل الأمد رسخ أنماطاً تكيفية معينة تحولت بمرور الوقت إلى قيود صلبة تعيق النمو الفردي والجمعي.
الانجراف اللغوي والمجالات السلوكية التوافقية
تحتل اللغة مكانة مركزية في صياغة الانجراف التوافقي الإنساني؛ فاللغة في المنظور السيبرنيطيقي ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومات الجاهزة بين عقول مغلقة، بل هي ممارسة فعلية وتنسيق لتنسيق الأفعال (Languaging). ينجرف البشر توافقياً عندما يستخدمون الرموز والمفردات للتفاوض المستمر حول المعنى؛ فتكتسب الكلمات دلالاتها الدقيقة فقط من خلال السياق التاريخي المشترك الذي نشأت فيه بين المتحاورين.
في المجتمعات والعلاقات الإنسانية الحميمية، تتشكل لهجات دلالية خاصة واصطلاحات رمزية فريدة لا يفهم مغزاها العميق سوى المنخرطين في ذلك الانجراف التاريخي المحدد. قد تكون نبرة صوت معينة، أو إيماءة طفيفة، أو كلمة رمزية عابرة كافية لتفعيل نسق كامل من التفسيرات والاستجابات الشعورية المتوافقة. هذا الاستقرار الرمزي ليس مبنياً على قواعد لغوية مجردة، بل هو ثمرة مسار بيولوجي واجتماعي متراكم من الإشارات المتبادلة وردود الفعل المتزامنة.
يتضح هذا الانجراف اللغوي بوضوح شديد في ظواهر التمايز الثقافي الفرعي، واللغات المهنية المتخصصة، وحتى لغة الأزواج السرية. إن الفهم المشترك هنا هو نتاج التعايش الطويل والخبرة التراكمية، حيث تتغير دلالات الألفاظ بانجراف بطيء لا يشعر به المشاركون إلا عندما يقارنون حاضرهم بنقطة انطلاقهم السابقة. هذه الخاصية الانجرافية هي التي تمنح الأنظمة الاجتماعية مرونتها العالية في استيعاب التغيرات ومواجهة الأزمات المفاجئة.
علاوة على ذلك، يفسر هذا المنحى كيف تترسخ التحيزات الفكرية والافتراضات المسبقة داخل المجتمعات عبر عقود من التفاعل غير المشكوك فيه؛ إذ ينجرف أفراد المجتمع معاً نحو تبني قناعات معينة تبدو لهم طبيعية وحتمية، في حين أنها ليست سوى نتاج تاريخي لانجراف لغوي وسلوكي توافقي رسخه التكرار والاقتران البنيوي الجمعي المتوارث عبر الأجيال.
الانجراف التوافقي في ديناميات الأسرة والعلاج النسقي
في سياق العلاج الأسري النسقي، يقدم مفهوم الانجراف التوافقي إطاراً تشخيصياً وعلاجياً عميقاً لفهم المشكلات الأسرية المزمنة. تنشأ المنظومات الأسرية وتتطور عبر سنوات من الانجراف التوافقي غير الواعي؛ حيث يتبنى كل فرد دوراً نفسياً وسلوكياً محدداً (مثل دور الحامي، أو الضحية، أو العاجز، أو المشاغب) استجابةً للأدوار التي يمارسها بقية الأعضاء. وبمرور الوقت، تتجذر هذه التفاعلات وتصبح قواعد غير مكتوبة تحكم المنظومة الأسرية برمتها وتوجه خياراتها.
في العديد من الحالات الإكلينيكية، قد ينجرف النسق الأسري نحو أنماط مرضية أو غير تكيفية دون أن يقصد أي فرد إلحاق الأذى بالآخر؛ فالأم التي تبالغ في القلق والتدخل قد تدفع الابن نحو الانسحاب والعجز السلوكي، مما يدفع الأم بدورها إلى مزيد من القلق والتدخل لتغطية عجزه المفترض. هذا الانجراف التوافقي المتصاعد يخلق حلقة مفرغة محكمة الإغلاق تصبح معها الأعراض المرضية جزءاً جوهرياً من الاتزان الداخلي (Homeostasis) للنسق الأسري.
يتدخل المعالج النسقي لإحداث خلخلة علاجية موجهة في هذا الانجراف التاريخي الراكد؛ إذ لا يسعى المعالج إلى البحث عن المخطئ أو لوم أحد الأطراف، بل يعمل على فحص مسار الاقتران البنيوي للأسرة ومساعدتهم على إدراك كيفية وصولهم التشاركي إلى الوضع الراهن. من خلال تقنيات مثل الأسئلة الدائرية (Circular Questioning) وإعادة التأطير الدلالي، يتم تشجيع أفراد الأسرة على بدء “انجراف توافقي بديل” يتسم بالمرونة، ويفسح المجال لحلول إبداعية جديدة تلبي الاحتياجات النفسية للجميع.
إن التحالف العلاجي نفسه بين المعالج والأسرة هو نموذج حي لانجراف توافقي وليد؛ فالمعالج لا يفرض حلولاً خارجية جاهزة وقسرية على الأسرة، بل ينخرط معها في اقتران بنيوي مؤقت يُحترم فيه تاريخ الأسرة وبنيتها الحالية، ومن خلال هذا التفاعل الحواري التوليدي، ينجرف المعالج والنظام الأسري معاً نحو توليد معانٍ وسلوكيات تمكّن الأسرة من التعافي والنمو الذاتي.
المقارنة النظرية: الانجراف التوافقي مقابل النماذج التوافقية الكلاسيكية
لتوضيح الخصوصية الإبستمولوجية للانجراف التوافقي، من الضروري مقارنته بالنماذج التقليدية في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع المعرفي التي فسرت الاتفاق والامتثال والتوافق الإنساني:
- الامتثال الاجتماعي القسري (Social Conformity): في التجارب السلوكية الكلاسيكية (مثل تجارب سولومون آش)، يُفسر التوافق على أنه استسلام الفرد للضغوط الجماعية الخارجية تجنباً للنبذ أو التشكيك في الذات. أما في الانجراف التوافقي، فإن التوافق ليس رضوخاً قسرياً لقوة خارجية، بل هو تعديل بنيوي داخلي وتلقائي ينبثق من رغبة الكائن الحي العميقة في الحفاظ على تعايشه وتلاؤمه مع بيئته العلائقية الحيوية.
- الفعل التواصلي العقلاني (Rational Communicative Action): تفترض النظريات العقلانية (كنظرية يورغن هابرماس) أن التوافق يتحقق عندما ينخرط الفاعلون في حوار عقلاني تحكمه حجج منطقية موضوعية للوصول إلى اتفاق مبني على الصدق والموضوعية. في المقابل، ينكر الانجراف التوافقي وجود معايير عقلانية موضوعية مطلقة ومستقلة عن بنية المتحاورين؛ إذ يرى أن العقلانية ذاتها هي بناء مشتق ومولّد من التفاعلات الجسدية والعاطفية والرمزية المتزامنة، وليست سابقة عليها.
- الحتمية البيئية السلوكية (Behavioral Determinism): تفترض السلوكية الراديكالية أن البيئة تشكل السلوك البشري عبر آليات التعزيز والعقاب بشكل خطي أحادي الاتجاه. بينما يرفض مفهوم الانجراف التوافقي هذا التحديد الخطي، مؤكداً على الانغلاق التنظيمي للأنظمة الذاتية؛ فالبيئة لا تحدد مخرجات النسق مباشرة، بل تستثير فقط قدرات النسق الذاتية على التكيف وإعادة التشكيل، بحيث يؤثر النسق في بيئته بالقدر ذاته الذي تؤثر به البيئة فيه.
- الانتقاء الطبيعي الدارويني الكلاسيكي: على المستوى الحيوي، يركز الانتقاء الدارويني الكلاسيكي على صراع البقاء والبقاء للأصلح عبر مطابقة مسبقة مع البيئة المفترسة. بينما يقدم الانجراف التوافقي (كما وضعه ماتورانا وفاريلا تحت مسمى الانجراف الطبيعي Natural Drift) رؤية بديلة تؤكد أن التطور لا يقوم على التعظيم والكمال الوظيفي (Optimization)، بل على التلاؤم الكافي (Sufficiency) الذي يتحقق عبر الانجراف السلس المتزامن بين الكائن ومحيطه الحيوي.
التطبيقات الإكلينيكية في العلاج النفسي الفردي والجمعي
يمتد تطبيق الانجراف التوافقي إلى صلب العمليات العلاجية في العلاج النفسي الفردي والمعرفي السلوكي المتقدم، وخاصة الموجة الثالثة القائمة على القبول واليقظة الذهنية والتحليل التفاعلي. في العلاج الفردي، يساعد هذا المفهوم المعالج على تفكيك الصلابة النفسية للمسترشد؛ حيث يتم فهم المعتقدات الجوهرية غير القابلة للنقاش بأنها مسارات انجراف تاريخية تشكلت في الطفولة المبكرة لحماية الذات ضمن بيئة علائقية معينة، وليست حقائق ثابتة غير قابلة للتغيير حول الهوية أو العالم.
عندما يدرك العميل أن نمط تفكيره الحالي هو نتاج اقتران بنيوي طويل الأمد مع بيئات غير داعمة، يقل لومه لذاته وتتراجع مشاعر الذنب القهري. هنا يتحول دور المعالج النفسي من خبير معرفي يصحح “أخطاء التفكير” بشكل فوقي، إلى شريك استكشافي ينخرط في حوار متكافئ يسمح بظهور مسار إدراكي جديد ينحرف بالتدريج عن المسارات الرضية القديمة، مما يفتح آفاقاً جديدة للمرونة النفسية وإعادة بناء الذات.
أما في العلاج النفسي الجمعي (Group Psychotherapy)، فيتجلى الانجراف التوافقي كظاهرة حية ومباشرة أمام أعين المعالج؛ فالأفراد الذين يجتمعون للمرة الأولى يجلبون معهم تاريخهم الذاتي الخاص، وبمرور الجلسات الأسبوعية، تتشكل ثقافة المجموعة وتنشأ معايير تواصلية غير رسمية تنظم الإفصاح عن الذات والتعاطف وإدارة النزاعات. المعالج الجمعي الحاذق يراقب الانجراف التوافقي للجماعة بدقة، ويتدخل في اللحظات المناسبة لإعادة توجيه المسار إذا كان الانجراف الجمعي يميل نحو التطبيع مع المقاومة، أو تجنب المواجهة البناءة، أو استبعاد بعض الأعضاء.
يفيد هذا الفهم أيضاً في علاج الصدمات النفسية المعقدة (Complex PTSD) التي تنشأ عادة ضمن سياقات علائقية مسيئة؛ فالضحية غالباً ما تنجرف توافقياً للتكيف مع المعتدي لحماية حياتها النفسية والجسدية، وهو ما يفسر الارتباط الصدمي المعقد (Trauma Bonding). إن تفكيك هذا النمط في بيئة علاجية آمنة يتيح للناجين إعادة بناء قدرتهم على تأسيس حدود علائقية صحية دون الخوف الدائم من الانهيار النفسي أو فقدان الهوية.
الانجراف التوافقي في السياقات المؤسسية والاجتماعية
على مستوى علم النفس المؤسسي والتنظيمي، يشكل الانجراف التوافقي أداة لا غنى عنها لتحليل الثقافات المؤسسية وتفسير فشل برامج التغيير الإداري الفوقية. كثيراً ما تصيغ الإدارات العليا استراتيجيات وقوانين وإجراءات عمل مكتوبة بدقة بالغة، إلا أن الممارسة الواقعية اليومية للموظفين تسلك مساراً مغايراً تماماً؛ هذا المسار الموازي هو الانجراف التوافقي الفعلي للمؤسسة، حيث يطور الموظفون حلولاً غير رسمية وطرقاً التفافية لتجاوز البيروقراطية والحفاظ على سير العمل وتلبية احتياجاتهم النفسية والاجتماعية.
إن محاولات فرض التغيير التنظيمي بالقوة أو عبر التعليمات المباشرة غالباً ما تواجه بمقاومة مستترة وعنيفة؛ لأنها تتجاهل التاريخ التراكمي للاقتران البنيوي داخل فرق العمل. يوصي علماء النفس التنظيمي البنائيون بضرورة التدخل عبر المشاركة الأفقية والممارسات التفاعلية المصغرة التي تسمح بانجراف توافقي طبيعي ومستدام نحو الأهداف الجديدة، بدلاً من فرض قوالب سلوكية غريبة عن البيئة التنظيمية الحية، مما يضمن ديمومة التغيير وتجذره في الوجدان المهني للعاملين.
على الصعيد المجتمعي الأوسع، يفسر هذا المفهوم كيفية تشكل “غرف الصدى” والاستقطاب الفكري الحاد في العصر الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي؛ إذ تؤدي الخوارزميات الرقمية والتفاعلات المتكررة إلى عزل المجموعات البشرية داخل مجالات توافقية مغلقة. في هذه المساحات المغلقة، ينجرف أفراد المجموعة الواحدة توافقياً نحو مزيد من التطرف المعرفي والانفصال عن الروايات البديلة، معتبرين أن نسقهم المعرفي المشترك هو الواقع المطلق الوحيد، مما يولد صراعات مجتمعية عميقة ناتجة عن انقطاع قنوات الاقتران البنيوي المتبادل بين الفئات المختلفة.
يوضح هذا التحليل أيضاً كيف يمكن للمجتمعات الإنسانية أن تنحدر تدريجياً نحو ممارسات غير إنسانية أو تشهد تدهوراً في القيم الأخلاقية عبر مسار بطيء من الانجراف التوافقي اليومي؛ حيث يتم تطبيع الانحرافات الصغيرة خطوة بخطوة إلى أن تصبح سلوكيات شائعة ومقبولة لا تثير أي استهجان جمعي، وهو ما يبرز الأهمية الفائقة لليقظة النقدية المستمرة في الفضاء العام لمراقبة اتجاهات هذا الانجراف وتعديل مساره عند الضرورة.
حدود المفهوم والانتقادات الموجهة إليه
على الرغم من القوة التفسيرية العميقة لمفهوم الانجراف التوافقي، فإنه لم يسلم من انتقادات حادة وجهها منظرون في علم النفس الاجتماعي، والنظرية النقدية، وفلسفة الأخلاق:
- النسبوية المعرفية والأخلاقية المفرطة: يرى النقاد أن التأكيد المبالغ فيه على أن الواقع نتاج نسقي داخلي لانجراف توافقي بلا مرجعية موضوعية خارجية يفتح الباب أمام نسبوية عدمية خطيرة. فإذا كانت كل الحقائق والقيم الأخلاقية مجرد مجالات توافقية انبثقت عن اقتران بنيوي محلي، فكيف يمكن إدانة الأنظمة القمعية أو الدفاع عن حقوق الإنسان العالمية دون الوقوع في التناقض؟
- تهميش علاقات القوة واللامساواة الهيكلية: يرى علماء الاجتماع النقدي المنتمون لتيارات ما بعد الحداثة ومدرسة فرانكفورت أن مفهوم “الانجراف التوافقي” قد يرسم صورة مفرطة في الانسجام والوداعة للتفاعلات البشرية، متجاهلاً أن التوافق في الواقع كثيراً ما يُفرض بالقوة أو عبر الهيمنة الأيديولوجية غير المتكافئة والظلم الطبقي الممنهج، وليس دائماً نتاج حوار وتكيف متكافئ وعضوي بين أطراف متساوية.
- صعوبة القياس الإمبريقي والتحقق التجريبي: تتبنى السيبرنيطيقا من الدرجة الثانية والبنائية الراديكالية لغة وصفية معقدة ومفاهيم فلسفية تجريدية يصعب في كثير من الأحيان تفكيكها إلى متغيرات قابلة للقياس الكمي أو الاختبار التجريبي الدقيق في مختبرات علم النفس التجريبي، مما جعل البعض يعتبرها أطراً فلسفية تأملية أكثر منها نظريات علمية بالمعنى الوضعي الصارم.
- إضعاف مفهوم الإرادة الحرة والمسؤولية الفردية: من خلال تصوير الأفعال الإنسانية كنتيجة لانجراف نسقي ديناميكي غير موجه، قد يؤدي هذا الفهم إلى تمييع المسؤولية الجنائية والأخلاقية الفردية؛ إذ يمكن للمسيء أو الجاني أن يدعي أن سلوكه لم يكن سوى نتاج حتمي لانجراف المنظومة العلائقية ككل، مما يفرغ مفهوم المسؤولية الذاتية من مضمونه القانوني والإنساني.
الخاتمة
يظل مفهوم الانجراف التوافقي إضافة نوعية وتحولاً إبستمولوجياً بارزاً في علم النفس المعاصر والعلوم الإنسانية عموماً؛ إذ يقدم رؤية متماسكة لكيفية نشوء التوافق الإنساني والمعاني المشتركة بعيداً عن وهم السيطرة الأحادية والحتمية الميكانيكية الصارمة. ومن خلال التأكيد على البعد التاريخي والعلائقي للتجربة النفسية، يدعونا هذا المفهوم إلى التعامل بتواضع معرفي عميق مع معتقداتنا وسلوكياتنا، وإدراك أن ما نعتبره حقائق صلبة ليس في جوهره سوى ثمرة مسار مشترك من التفاعل المستمر والتكيف المتبادل مع الآخرين في مسرح الحياة.
المراجع
- Maturana, H. R., & Varela, F. J. (1987). The tree of knowledge: The biological roots of human understanding. New Science Library/Shambhala Publications.
- Maturana, H. R. (1988). Reality: The search for objectivity or the quest for a compelling argument. The Irish Journal of Psychology, 9(1), 25–82. https://doi.org/10.1080/03033910.1988.10557705
- Von Foerster, H. (2003). Understanding systems: Conversations on epistemology and ethics. Kluwer Academic/Plenum Publishers.
- Von Glasersfeld, E. (1995). Radical constructivism: A way of knowing and learning. Falmer Press.
- Efran, J. S., Lukens, M. D., & Lukens, R. J. (1990). Language, structure, and change: Frameworks of meaning in psychotherapy. W. W. Norton & Co.
- Keeney, B. P. (1983). Aesthetics of change. Guilford Press.
- Dell, P. F. (1985). Understanding Bateson and Maturana: Toward a systemic foundation for family therapy. Journal of Marital and Family Therapy, 11(1), 1–20. https://doi.org/10.1111/j.1752-0606.1985.tb00588.x
- Gergen, K. J. (2009). Relational being: Beyond self and community. Oxford University Press.