علم النفس السلوكينظريات التعلم

التعلم بالاقتران: الرابطة السلوكية المباشرة

استكشف نظرية التعلم بالاقتران لإدوين غاثري: أسسها الفلسفية، وقوانينها الحركية، وآليات كسر العادات دون الحاجة للتعزيز، وتطبيقاتها التربوية المعاصرة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 4 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 4 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد نظرية التعلم بالاقتران (Contiguity Learning Theory) واحدة من أكثر الرؤى السلوكية راديكالية وبساطة أنطولوجية في تاريخ علم النفس الحديث؛ إذ تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن مجرد التزامن الزمني والمكاني بين مثير واستجابة يكفي وحده لإحداث الارتباط العصبي والسلوكي دون حاجة إلى تعزيز أو مكافأة. وقد صاغ هذا الطرح عالم النفس الأمريكي إدوين غاثري (Edwin Guthrie)، مقدماً نموذجاً نظرياً يتحدى النزعات الغائية وتأكيدات نظرية ثورندايك وسكينر حول الأثر المعزز. يهدف هذا المدخل الموسوعي إلى تفكيك البنية الإبستمولوجية لهذه النظرية، واستعراض جذورها التاريخية، وشرح قوانينها الإجرائية، وصولاً إلى استقصاء تطبيقاتها التربوية والعلاجية وحدودها التفسيرية في ضوء الدراسات النفسية المعاصرة.

مدخل تعريفي: ماهية نظرية التعلم بالاقتران وأسسها الإبستمولوجية

تُعرّف نظرية التعلم بالاقتران بأنها نسق نظري سلوكي يقرر أن الارتباط بين المثير والاستجابة يكتسب قوته الكاملة من خلال حدوثهما المتزامن في تجربة واحدة، دون اشتراط تكرار مقترن بالإثابة أو إشباع دافع بيولوجي. وتستند هذه النظرية إلى مبدأ الاقتران الزمني المباشر (Temporal Contiguity)، حيث يُفترض أن أي نسق من المثيرات البيئية يكون مصحوباً بحركة حركية أو نشاط عضلي محدد، يميل إلى استدعاء تلك الحركة بالضرورة كلما تكرر ظهور ذلك النسق من المثيرات. وتتسم هذه الصياغة بالصرامة الوضعية والابتعاد التام عن المفاهيم الغيبية أو العمليات العقلية الوسيطة غير القابلة للملاحظة المباشرة.

تقوم الركيزة المعرفية للنظرية على رفض فكرة التدرج في قوة العادة عبر التكرار المعزز؛ إذ رأى غاثري أن الرابطة السلوكية لا تنمو بنسق تراكمي تدريجي كما اعتقد كلارك هل أو إدوارد ثورندايك، بل تتشكل بكامل طاقتها وقوتها في المحاولة الأولى ذاتها. ويقودنا هذا المنظور الإبستمولوجي إلى فهم أن الكائن الحي يتعلم في حقيقة الأمر ما يفعله بدقة في حضور المثير، وليس ما يحصل عليه من نتائج لاحقة لسلوكه. فالتركيز هنا ينصب على الفعل الحركي ذاته والتزامن اللحظي، مما يجعل النظرية تقترب من الميكانيكية الفيزيائية الخالصة في تفسير الظاهرة النفسية.

علاوة على ذلك، تتميز نظرية الاقتران بتعريف دقيق ومجهري للمثيرات والاستجابات؛ فالمثير ليس مجرد موضوع عام في البيئة كجرس أو رافعة، بل هو حزمة معقدة ومتغيرة باستمرار من الإشارات الحسية الخارجية والداخلية (مثل التحفيز الحشوي والحركي الذاتي). وبالمثل، لا تُعرّف الاستجابة بكونها عملاً عاماً كحل المتاهة، بل كسلسلة دقيقة من الانقباضات العضلية والحركات الإفرازية المحددة زمنياً. هذا التحليل الميكرو-سلوكي هو الذي مكّن النظرية من تفسير التباين الظاهري في سلوك الكائنات الحية مع الاحتفاظ بمبدأ الارتباط اللحظي الشامل.

السياق التاريخي والتطور الفكري للترابطية السلوكية

تمتد الجذور الفلسفية لنظرية التعلم بالاقتران إلى الفلسفة الأرسطية القديمة، وتحديداً قوانين أرسطو في تداعي الأفكار، والتي حصرها في الاقتران الزمني، والمشابهة، والتضاد. وقد تلقف الفلاسفة التجريبيون البريطانيون، ومن أبرزهم جون لوك وديفيد هيوم وديفيد هارتمان، هذه القوانين وطوروها لتصبح حجر الزاوية في المدرسة الترابطية (Associationism). كان الافتراض السائد آنذاك يدور حول كيفية ترابط الأفكار والخيالات الذهنية في العقل البشري عندما تتكرر مجتمعة في الوعي الحسي، وهو ما مهد الطريق لتحويل هذا التداعي الفلسفي إلى علم تجريبي لاحقاً.

مع مطلع القرن العشرين وظهور الثورة السلوكية على يد جون واطسون، حدث تحول أنطولوجي حاسم في الفكر النفسي؛ حيث جرى استبدال «تداعي الأفكار» بمفهوم «ترابط المثيرات والاستجابات الحركية». وقد استفاد إدوين غاثري من أبحاث إيفان بافلوف في الانعكاسات الشرطية، إلا أنه رفض فكرة التدعيم البافلوفي كعامل ضروري لتكوين الشرط، ورأى أن تجارب بافلوف نفسها تثبت الاقتران البسيط؛ فاللعاب يسيل لأن تقديم الطعام تزامن مع المثير الشرطي، وليس لأن الطعام يمثل مكافأة تزيد من «قوة ارتباط» مستمرة بصورة غائية.

بلغ هذا التطور ذروته الفكرية في كتابات غاثري خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، لا سيما في مؤلفه العمدة «علم نفس التعلم» (The Psychology of Learning) الصادر عام 1935. جاءت أطروحة غاثري في خضم احتدام السجال السلوكي بين نظريات التعزيز بزعامة ثورندايك وكلارك هل، والاتجاه الغائي المعرفي لإدوارد تولمان. استطاع غاثري أن يحافظ على موقعه كرائد للسلوكية الترابطية الخالصة، مقدماً نموذجاً نظرياً يتميز بالاقتصاد المفاهيمي الشديد والقدرة على تفسير الوقائع السلوكية المعقدة بأقل عدد ممكن من المسلمات الافتراضية.

المبادئ الأساسية والقوانين الجوهرية لنظرية إدوين غاثري

يرتكز البناء النظري للتعلم بالاقتران على قانون رئيسي واحد صيغ بدقة بالغة: «إذا اقترن نسق من المثيرات بحركة معينة، فإن تكرار ظهور هذا النسق من المثيرات سيميل إلى أن تعقبه تلك الحركة ذاتها». يمثل هذا القانون، المعروف بـ قانون الاقتران (Law of Contiguity)، القاعدة الوحيدة التي يحتاجها السلوك لتفسير عملية الاكتساب السلوكي؛ فهو ينفي الحاجة لأي مبدأ ملحق مثل التخفيض الدافعي، أو اللذة، أو التعزيز التفاضلي. فالسلوك يقع لأن الشروط البيئية الحركية التي رافقت حدوثه في آخر مرة عادت للظهور ثانية.

يتفرع عن هذا القانون مبدأ جوهري آخر يُعرف باسم التعلم في محاولة واحدة (One-Trial Learning). وفقاً لهذا المبدأ، يصل الارتباط بين مثير وحيد واستجابة حركية دقيقة إلى أقصى قوته الممكنة من أول مرة يتزامنان فيها، ولا تزيد الممارسة اللاحقة من قوة هذا الارتباط المحدد. وإذا كان التعلم يكتمل من المحاولة الأولى، فكيف يُفسر التحسن التدريجي في أداء المهارات الإنسانية المعقدة كالعزف على البيانو أو الرماية؟ يوضح غاثري ذلك عبر التمييز الدقيق بين ثلاثة مستويات من النشاط السلوكي:

  • الحركات (Movements): وهي الانقباضات العضلية الأولية والإفرازات الغدية الدقيقة، وهي التي ترتبط بالمثيرات اللحظية من محاولة واحدة فقط.
  • الأفعال (Acts): وهي مجموعات من الحركات المتتالية التي تنجز هدفاً ظاهرياً عاماً، مثل الإمساك بكرة أو الضغط على مفتاح كهربائي في ظروف بيئية متنوعة.
  • المهارات (Skills): وهي نسق مركب يتألف من مئات أو آلاف الأفعال المختلفة التي يجب أن تتوافق مع ظروف ومثيرات متباينة للغاية في المكان والزمان.

وبناءً على هذا التمايز، يفسر غاثري ضرورة الممارسة؛ فالتكرار لا يخدم تقوية رابطة مفردة سابقة، بل يتيح للكائن الحي الفرصة لربط الحركات الصحيحة بآلاف المثيرات الطارئة والجزئيات البيئية المتباينة التي تصاحب الموقف العام. فالطالب لا يكرر حل المسألة ليزيد من «متانة» الرابطة، بل ليربط الخطوات المنطقية بمختلف الصياغات الحسية والظروف المزاجية والمشتتات البيئية المحتملة.

آليات تشكيل العادات وتعديل السلوك في ضوء الاقتران

تُعرّف العادة في سياق نظرية الاقتران بأنها سلسلة نمطية من الاستجابات الحركية التي ارتبطت بمجموعات واسعة ومتشابكة من المثيرات البيئية والحشوية. وبما أن المثيرات التي تسبق السلوك تتكرر في الحياة اليومية، فإن الكائن الحي يجد نفسه مساقاً لتكرار ذات الحركات تحت ضغط التزامن الحسي. ولهذا السبب، فإن العادات ليست قوى غامضة مستقرة في النفس، بل هي انعكاس مباشر لكثافة الاقترانات السلوكية المتطابقة مع عناصر البيئة المحيطة بالإنسان.

ولأن كسر العادات لا يمكن أن يتم عبر «إضعاف» الارتباطات بالزمن المجرد أو بمجرد الإرادة الواعية، فقد ابتكر غاثري أساليب إجرائية واضحة لتعديل السلوك تعتمد على فكرة مركزية: «للتخلص من عادة سيئة، يجب ربط استجابة بديلة جديدة بذات المثيرات التي كانت تستدعي العادة القديمة». ومن هذا المنطلق، حدد غاثري ثلاث طرائق إجرائية رئيسية لكسر العادات غير المرغوبة:

  • طريقة العتبة (The Threshold Method): وتعتمد على تقديم المثير المثير للعادة غير المرغوبة بدرجة شدة ضعيفة جداً تقع دون عتبة استدعاء الاستجابة السيئة، ثم زيادة شدة المثير تدريجياً وببطء شديد حتى يصبح بالإمكان تقديم المثير بكامل قوته دون استدعاء الاستجابة القديمة، حيث يحل محله استجابة الهدوء أو عدم الاكتراث.
  • طريقة الإجهاد أو الإنهاك (The Fatigue Method): وتقوم على إجبار الكائن الحي على أداء الاستجابة غير المرغوبة بصورة متكررة ومستمرة في حضور المثير حتى يصيبه الإعياء الشديد، وعند نقطة الإنهاك يتوقف الكائن أو يبدي استجابة استرخاء جديدة، فتقترن تلك الاستجابة الجديدة البديلة بالمثير الأصلي.
  • طريقة المثيرات غير المتوافقة (The Incompatible Stimulus Method): وتتضمن تقديم المثير الذي يستدعي العادة غير المرغوبة في وقت يكون فيه الكائن الحي منخرطاً في استجابة أخرى قوية تتناقض تماماً وتتعارض فيزيولوجياً مع العادة القديمة، مما يجبر الجهاز العصبي على ربط المثير بالاستجابة المتناقضة الجديدة.

توضح هذه الأساليب أن تغيير السلوك لدى غاثري هو مسألة إدارة صارمة للمثيرات والبيئة الحسية؛ فالإنسان لا يمكنه محو استجابة قديمة وترك فراغ سلوكي، بل يجب دوماً استبدال سلوك بآخر من خلال ضمان حدوث السلوك البديل في اللحظة الزمنية الدقيقة التي تبرز فيها المثيرات المحفزة.

دور التعزيز والمكافأة والعقاب: منظور نقدي فريد

يشكل تفسير غاثري لدور التعزيز والمكافأة أحد أكثر الإسهامات النظرية أصالة وتفرداً في تاريخ علم النفس السلوكي؛ إذ جادل بقوة ضد قانون الأثر لثورندايك. رأى غاثري أن المكافأة لا تؤثر رجعياً في الزمن لتقوية الرابطة العصبية بين المثير والاستجابة التي سبقتها، لأن الزمن لا يعود إلى الوراء، والقول بأن النتيجة المستقبلية تغير الماضي الفيزيائي هو وقوع في شراك التفكير الغائي (Teleology) غير العلمي.

وبدلاً من ذلك، فسر غاثري فاعلية المكافأة بأنها حدث مغير للموقف المثيري (Situation-Altering Event). فعندما يضغط القط على المزلاج في صندوق الأحجية ويفتح الباب ليجد الطعام، فإن وصوله إلى الطعام وخروجه من الصندوق يغيران كلياً نسق المثيرات التي كانت تحيط به داخل القفص. هذا التغيير المفاجئ للمثيرات يحمي آخر حركة صحيحة قام بها القط (وهي لمس المزلاج) من أن يطرأ عليها تعلم جديد أو حركات مشوشة تلغيها. وبالتالي، فإن المكافأة لا تقوي السلوك السابق، بل تحفظه من النسيان عبر إزالة الكائن من الموقف المثيري السابق فوراً.

أما بخصوص العقاب، فقد أكد غاثري أن العقاب لا يكون فعالاً لمجرد إحداثه ألماً جسدياً أو تقليله من دافع المتعة، بل تتحدد فاعليته بطبيعة السلوك الذي يستدعيه العقاب نفسه في وجود المثير الأصلي. فإذا جعل العقاب الكائن الحي يؤدي حركة تتناقض مع السلوك السيئ المراد التخلص منه، فإن العقاب سينجح؛ أما إذا دفع العقاب الكائن لأداء نفس السلوك أو سلوك هارب يزيد من السلوك المضطرب، فإن العقاب سيفشل تماماً. المعيار الوحيد هنا هو: ما الاستجابة التي يفعلها الفرد بالضبط أثناء تلقيه العقاب؟

النسيان وانطفاء الاستجابة: آليات التدخل وتلاشي الارتباط

يرفض إدوين غاثري بصورة قاطعة فكرة أن النسيان يحدث نتيجة «ضمور الأثر» (Trace Decay) السلبي عبر مرور الوقت والزمن المجرد. فالزمن بذاته لا يمحو الآثار العصبية، ومجرد عدم ممارسة السلوك لا يضعف الرابطة إطلاقاً؛ والدليل على ذلك أن استجابات معينة قد تبقى خاملة لسنوات وتظهر فوراً بمجرد ظهور نسق المثيرات المتطابق. النسيان، في نظرية الاقتران، هو عملية نشطة وإيجابية تُفسر بالكامل عبر آلية التدخل والتعلم اللاحق (Retroactive Interference).

وفقاً لهذا التفسير، لا ينسى الكائن الحي استجابة معينة إلا لأنه تعلم استجابة أخرى جديدة ارتبطت بنفس المثيرات القديمة، مما أدى إلى كف الاستجابة السابقة وحجبها. فالنسيان هو في جوهره تعلم بديل؛ فكلما مر وقت طويل، زادت احتمالية تعرض الفرد لمواقف جعلته يربط مثيرات بيئته اليومية بحركات جديدة مغايرة لتلك التي تعلمها سابقاً. وبالتالي، فإن الاستجابة الأولى لا تتلاشى داخل الجهاز العصبي، بل يُعاد توجيه مسارات المثيرات التي كانت تؤدي إليها نحو سلوكيات أخرى مستحدثة.

وعلى المنوال ذاته، يُعاد تفسير ظاهرة الانطفاء الشرطي (Extinction)؛ فالانطفاء ليس فقداناً للارتباط الشرطي، بل هو «تعلم شرطي مضاد» (Inhibitory Conditioning). عندما يرن الجرس لدى كلب بافلوف دون تقديم طعام، يبدأ الكلب في إظهار استجابات جديدة للمثير الصوتي (كالالتفات، أو لعق الشفاه بفتور، أو الاستلقاء)، فترتبط هذه الاستجابات البديلة بصوت الجرس. وبذلك، يكون الانطفاء مجرد اقتران جديد بين الجرس وحركات عدم إفراز اللعاب، متطابقاً تماماً مع القانون الحاكم للنظرية دون حاجة لافتراض آليات كف غامضة داخل المراكز الدماغية العليا.

التطبيقات التربوية والإكلينيكية لنظرية التعلم بالاقتران

تتمتع نظرية الاقتران بتطبيقات بالغة الدقة والأهمية في مجال علم النفس التربوي وإدارة الفصول الدراسية؛ فالقاعدة الذهبية لغاثري للمعلمين هي: «توقع ما سيفعله الطلاب بدقة في حضور المثير، لأن ما يفعلونه هو بالضبط ما سيتعلمونه». فإذا طلب المعلم من تلاميذه قراءة كتاب، ولكن قراءتهم ترافقت مع الملل والتثاؤب والشرود، فإنهم يتعلمون الاقتران بين الكتب وهذه المشاعر والحركات السلبية؛ لذلك يجب على المعلم هندسة بيئة الصف بحيث تصدر الاستجابة المرغوبة فور ظهور المثير الأكاديمي.

وفي مجال تدريب العادات والتهذيب السلوكي، قدم غاثري مثالاً كلاسيكياً حول فتاة اعتادت رمي معطفها على الأرض فور دخولها المنزل. كان عقاب الأم التقليدي يتمثل في مناداتها وتوبيخها وإلزامها برفع المعطف وتعليقه، ولكن هذا لم يغير السلوك؛ لأن المثير (دخول الباب) كان مقترناً برمي المعطف، بينما اقترن تعليق المعطف بمثير آخر تماماً هو صراخ الأم. وجاء الحل السلوكي الصارم بجعل الفتاة ترتدي المعطف، وتخرج خارج المنزل، ثم تدخل الباب وتذهب فوراً لتعليق المعطف؛ وبذلك تم ربط المثير الحقيقي (دخول الباب) بالاستجابة السليمة (التعليق المباشر).

أما على الصعيد الإكلينيكي والعلاجي النفسي، فإن استراتيجيات غاثري تتقاطع بعمق مع ممارسات العلاج السلوكي الحديث وأساليب التعريض وإزالة الحساسية المنهجية (Systematic Desensitization) التي صاغها جوزيف وولبي لاحقاً. فطريقة العتبة لغاثري هي الأصل النظري المباشر لأساليب التقليل التدريجي للمخاوف المرضية (الفوبيا)، حيث يُعرّض المريض للمثير المخيف بدرجات طفيفة جداً تزامناً مع استجابة الاسترخاء، مما يحل ارتباط الاسترخاء محل الذعر والهلع، موضحاً القوة التنبؤية والتطبيقية لنظرية الاقتران في الصحة النفسية.

التقييم النقدي والمقارنة مع النظريات السلوكية والمعرفية المعاصرة

تحظى نظرية التعلم بالاقتران بتقدير أكاديمي كبير نظراً لبساطتها المنهجية وأناقتها الفلسفية وتجنبها للتعقيدات الرياضية المتكلفة التي وسمت نماذج معاصريها كنظرية هل؛ فهي تمثل أقصى درجات «نصل أوكام» (Occam’s Razor) في تفسير السلوك، حيث اختزلت التعلم البشري والحيواني في مبدأ فيزيائي بسيط يمكن اختباره تجريبياً. كما نجحت في تسليط الضوء على الأهمية الحاسمة للمثيرات البيئية الدقيقة وحركات الجسم الداخلية في تشكيل عادات الإنسان.

ومع ذلك، واجهت النظرية انتقادات لاذعة من جانب المنظرين التجريبيين والمعرفيين على حد سواء. فقد عاب علماء النفس التجريبي على غاثري اعتماده على الملاحظات الوصفية والحكايات اليومية بدلاً من التجارب المعملية المحكمة ذات الضبط الإحصائي الصارم. ورغم التجربة الشهيرة التي أجراها غاثري وهورتون (Guthrie & Horton, 1946) باستخدام كاميرات التصوير لرصد حركات القطط في صندوق الألغاز وتوثيق تكرار نفس الحركات النمطية الدقيقة للهروب، إلا أن باحثين لاحقين مثل سكينر وبيركشك شككوا في دقة تفسير تلك الحركات النمطية وربطوها باستجابات فطرية للنوع وليست مجرد اقتران عشوائي خالص.

من المنظور المعرفي المعاصر، يُؤخذ على النظرية إنكارها التام للعمليات الإدراكية ومعالجة المعلومات والتوقعات العقلية. فالتجارب اللاحقة لروبرت ريسكورلا وليون كامين أثبتت أن مجرد الاقتران الزمني المتزامن ليس كافياً لحدوث الارتباط الشرطي إذا كان المثير يفتقر إلى القيمة التنبؤية (Predictive Value) أو إذا حدثت ظاهرة حجب المثير (Blocking Phenomenon). ورغم هذه التحديات الإبستمولوجية، تظل نظرية الاقتران معلماً بارزاً وأساساً صلباً ألهم نماذج الشبكات العصبية والتعلم الترابطي الحاسوبي الحديث (Hebbian Learning)، والتي تؤكد أيضاً أن الخلايا العصبية التي تنشط معاً، ترتبط معاً بالاقتران الزمني المباشر.

خاتمة

تظل نظرية التعلم بالاقتران لإدوين غاثري صرحاً متميزاً في البناء الفكري للسلوكية الكلاسيكية؛ إذ جسدت المحاولة الأكثر شجاعة وتماسكاً لتفسير السلوك الإنساني والحيواني المعقد دون استدعاء مفاهيم الغائية أو الأثر التعزيزي الرجعي. من خلال التأكيد على أن الكائن الحي يتعلم في محاولة واحدة ما يفعله بدقة تزامناً مع مثيرات البيئة، قدمت النظرية فهماً عملياً لآليات نشوء العادات وانطفائها، وفتحت آفاقاً رحبة لتقنيات تعديل السلوك والتعليم الدقيق. ورغم التطورات المعرفية والعصبية التي كشفت عن تعقيد الدماغ البشري بما يتجاوز النماذج الحركية المباشرة، فإن مبدأ الاقتران الزمني يظل ركيزة إبستمولوجية لا غنى عنها في تفسير الروابط الترابطية الأساسية التي تكمن في صلب التعلم الإنساني.

المراجع

  • Guthrie, E. R. (1930). Conditioning as a principle of learning. Psychological Review, 37(5), 412–428. https://doi.org/10.1037/h0072172
  • Guthrie, E. R. (1935). The Psychology of Learning. Harper & Row.
  • Guthrie, E. R. (1952). The Psychology of Learning (Rev. ed.). Harper & Row.
  • Guthrie, E. R., & Horton, G. P. (1946). Cats in a puzzle box. Rinehart & Company.
  • Hergenhahn, B. R., & Olson, M. H. (2005). An Introduction to Theories of Learning (7th ed.). Pearson Prentice Hall.
  • Hilgard, E. R., & Bower, G. H. (1975). Theories of Learning (4th ed.). Prentice-Hall.
  • Malone, J. C. (2014). Edwin Ray Guthrie (1886–1959): A contributor forgotten in mainstream psychology. The Behavior Analyst, 37(1), 39–48. https://doi.org/10.1007/s40614-014-0002-4
  • Rescorla, R. A. (1988). Pavlovian conditioning: It’s not what you think it is. American Psychologist, 43(3), 151–160. https://doi.org/10.1037/0003-066X.43.3.151
  • Schultz, D. P., & Schultz, S. E. (2016). A History of Modern Psychology (11th ed.). Cengage Learning.

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 4). التعلم بالاقتران: الرابطة السلوكية المباشرة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/contiguity-learning-theory/
looti, Mohammed. “التعلم بالاقتران: الرابطة السلوكية المباشرة.” عرب سايكلوجي, 4 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/contiguity-learning-theory/.
looti, Mohammed. “التعلم بالاقتران: الرابطة السلوكية المباشرة.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 4, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/contiguity-learning-theory/.