السلوك التنظيميعلم النفس التنظيميعلم نفس العمل

سلوك العمل المضاد للإنتاجية: التهديد الخفي للمؤسسات

دليل أكاديمي وبحثي شامل حول سلوك العمل المضاد للإنتاجية (CWB): تعريفه، أبعاده، أسبابه النفسية، ونماذجه النظرية وطرق قياسه والحد منه في المنظمات الحديثة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 7 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 7 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يشكل فهم السلوك الإنساني داخل البيئات التنظيمية أحد أبرز التحديات التي تواجه علم النفس الصناعي والتنظيمي المعاصر، حيث لا يقتصر أداء الموظف على المهام الرسمية الموكلة إليه فحسب، بل يمتد ليشمل طيفاً واسعاً من التصرفات الإرادية التي قد تدعم أهداف المنظمة أو تقوضها بشكل جوهري. ويبرز سلوك العمل المضاد للإنتاجية كأحد أكثر الظواهر السلوكية تعقيداً واستنزافاً للموارد البشرية والمادية، نظراً لما يترتب عليه من خسائر اقتصادية فادحة وتصدعات في المناخ النفسي والاجتماعي داخل بيئات العمل الحديثة.

سلوك العمل المضاد للإنتاجية

1. التعريف الموجز

يُعرَّف سلوك العمل المضاد للإنتاجية (Counterproductive Work Behavior – CWB) بأنه أي سلوك تطوعي أو متعمد يمارسه الموظف وينتهك المعايير التنظيمية الصريحة أو الضمنية، ويكون من شأنه إلحاق الضرر بالمنظمة ككيان مؤسسي، أو بالعاملين فيها، أو بكلا الطرفين معاً. يرتكز هذا التعريف بصورة أساسية على عنصر القصدية والتعمد، مستبعداً بذلك الأخطاء غير المقصودة أو نقص الكفاءة الناجم عن غياب التدريب والتأهيل المهني.

ويمتد المعنى الجوهري لهذا المفهوم ليشمل مصفوفة متكاملة من الأفعال السلبية التي تتراوح بين السلوكيات الخفية منخفضة الحدة—مثل المماطلة وتثبيط الهمم وإهدار وقت العمل—وصولاً إلى السلوكيات الجسيمة العلنية مثل التخريب المادي، والسرقة المؤسسية، والاعتداء الجسدي واللفظي على الزملاء والمرؤوسين. ويؤكد علماء النفس التنظيمي أن جوهر هذا السلوك يكمن في كونه تصرفاً انحرافياً موجهاً يخل بـ العقد النفسي القائم بين الفرد والمنظمة.

2. أصل المصطلح والاشتقاق اللغوي

يعود الأصل اللغوي للمصطلح الإنجليزي (Counterproductive Work Behavior) إلى دمج ثلاث مفردات دقيقة؛ فالسابقة اللاتينية “Counter” تعني العكس أو الضد أو المقاوم، وكلمة “Productive” المشتقة من اللاتينية “Producere” تعني الدفع للأمام أو الإنتاج والإنجاز، بينما تشير مفردة “Behavior” إلى النشاط الحركي والنفسي الصادر عن الكائن الحي. وبالتالي، فإن المصطلح يعني حرفياً: الأنماط السلوكية التي تعيق التقدم نحو الأهداف وتحقق نتائج عكسية لما هو مرجو من النشاط الوظيفي.

أما في المعجم اللغوي العربي، فإن تركيب “سلوك العمل المضاد للإنتاجية” يتألف من مصطلحات دقيقة الدلالة؛ فـ “السلوك” مشتق من جذر (س-ل-ك) بمعنى السير والنهج واتخاذ مسلك معين، و”العمل” من (ع-م-ل) وهو كل مهنة أو جهد يُبذل مقابل أجر، بينما “المضاد” مشتق من (ض-د-د) ويفيد المخالفة والمقابلة والمقاومة، و”الإنتاجية” مصدر صناعي مشتق من (ن-ت-ج) ويعبر عن القدرة على الإيجاد والتحقيق والعطاء. وقد تكرس استخدام هذا المصطلح في الأدبيات العربية الأكاديمية خلال أواخر تسعينيات القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين كترجمة معيارية للمفهوم الأنجلوسكسوني، متمايزاً عن مصطلحات شقيقة مثل “الانحراف الوظيفي” و”سوء السلوك التنظيمي”.

3. النطق والصيغة الصرفية والنحوية

يُنطق المصطلح باللغة العربية بضم السين وفتح اللام في كلمة “سُلُوك”، وتأتي في الموقع الإعرابي بحسب سياق الجملة، وهي مضاف، وكلمة “العَمَلِ” مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة. وتأتي كلمة “المُضَادّ” نعتاً تابعاً لكلمة “سلوك” (نعت مرفوع أو منصوب أو مجرور حسب إعراب المتبوع)، وهي اسم فاعل مشتق من الفعل الخماسي “ضَادَّ” ومبني بصيغة التضعيف، ثم يتبعها شبه الجملة “للإنتاجية” المتكون من جار ومجرور ومضاف بالمعنى الدلالي.

من الناحية الصرفية والاصطلاحية، يُستخدم المصطلح بصيغتي المفرد والجمع؛ حيث يُشار إليه أحياناً بـ “سلوكيات العمل المضادة للإنتاجية” للدلالة على الطبيعة التعددية لهذه الممارسات واختلاف فئاتها وأبعادها الميدانية. ويُعد هذا المركب الوصفي الإضافي هو الصيغة الاصطلاحية القياسية المعتمدة في المراجع المحكمة للجمعيات النفسية ومؤسسات الموارد البشرية الناطقة بالعربية.

4. الشرح المفاهيمي المفصل

يمثل سلوك العمل المضاد للإنتاجية مفهوماً شاملاً ومظلياً يغطي مساحة واسعة من الانحرافات الإجرائية والأخلاقية في مكان العمل. ولتحديد معالم هذا المفهوم بدقة، يميز علماء النفس بين نتيجتين مترتبتين على أفعال الموظف: النوايا التدميرية العمدية، مقابل النتائج غير المقصودة الناجمة عن ضعف المهارة أو تقلبات البيئة الخارجية. إذ لا يمكن تصنيف الخطأ الناتج عن الإرهاق الشديد أو شح التدريب على أنه سلوك مضاد للإنتاجية، لأن غياب الدافع العمدي ينزع عن الفعل طابعه الانحرافي المستهدف في هذا السياق.

ينقسم نطاق هذا البناء المفاهيمي إلى مستويين رئيسيين وفقاً للوجهة التي يستهدفها السلوك؛ المستوى الأول هو السلوك المضاد الموجه نحو المنظمة (CWB-O)، ويشمل الإضرار المباشر بأصول المنظمة أو بنيتها التحتية أو سمعتها السوقية، ومن أمثلته تخريب المعدات، والسرقة، والإفراط في التغيب دون عذر، وإضاعة وقت الدوام في استخدام الإنترنت لأغراض شخصية (التسكع الإلكتروني)، وتسريب أسرار العمل الحساسة. أما المستوى الثاني فهو السلوك المضاد الموجه نحو الأفراد (CWB-I)، ويستهدف زملاء العمل أو الرؤساء أو العملاء بصورة مباشرة، مثل إطلاق الشائعات المغرضة، والمضايقات اللفظية، والتنمر، وتجاهل التعاون المتعمد لعرقلة نجاح الآخرين.

كما يرتبط المفهوم بحدود فاصلة ومتقاطعة مع مفاهيم نفسية وتنظيمية أخرى؛ إذ يتقاطع مع “العدوان في مكان العمل” (Workplace Aggression)، لكنه يتسع عنه ليشمل ممارسات لا تنطوي بالضرورة على عنف أو صراع شخصي مثل التكاسل والتباطؤ في الإنتاج. وفي الوقت ذاته، يتمايز عن مفهوم “الانحراف البنّاء” (Constructive Deviance) الذي ينتهك فيه العامل القواعد التنظيمية القائمة لكن بدافع خدمة المصلحة العليا للشركة والابتكار، في حين أن السلوك المضاد للإنتاجية يحمل دائماً طابعاً إضرارياً أو استغلالياً منافياً لأهداف المنظمة السوية.

5. التطور التاريخي للمفهوم

تدرج الاهتمام بسلوكيات العمل السلبية عبر محطات تاريخية متتالية تعكس تطور مدارس الفكر الإداري والنفسي. ففي بدايات القرن العشرين، ركز فريدريك تايلور ورواد حركة الإدارة العلمية على ظاهرة أطلقوا عليها اسم “التمارض أو التباطؤ المتعمد” (Soldiering)، حيث لاحظ تايلور أن العمال يتعمدون تقييد إنتاجيتهم للضغط على الإدارة أو لحماية زملائهم الأقل سرعة من التسريح، وكان التركيز حينها منصباً بالكامل على الخسائر التشغيلية المادية المباشرة.

ومع صعود مدرسة العلاقات الإنسانية في منتصف القرن العشرين، تحول الاهتمام نحو البواعث النفسية والمشاعر الدفينة التي تولد التمرد ومقاومة السلطة داخل المصانع. إلا أن القفزة المنهجية الكبرى ظهرت في ثمانينيات القرن العشرين بفضل أبحاث ريتشارد هولينجر وجون كلارك (Hollinger & Clark, 1983)، اللذين قدما تصنيفاً ثنائياً رائداً للسلوك الانحرافي شمل: انحراف الممتلكات (كالسرقة والتخريب) وانحراف الإنتاجية (كالغياب والتراخي)، مما وضع الأساس التجريبي لقياس هذه الظواهر بصورة علمية منضبطة.

وفي عام 1995، حققت الباحثتان ساندرا روبنسون وريبيكا بينيت (Robinson & Bennett) تحولاً نوعياً بصياغة مصفوفة تصنيفية رباعية لانحراف مكان العمل، صنفت السلوكيات بناءً على بعدين: الهدف (المنظمة مقابل الأفراد) والشدة (طفيفة مقابل جسيمة). وبحلول مطلع القرن الحادي والعشرين، قام علماء النفس التنظيمي البارزون، وفي مقدمتهم بول سبكتور (Paul Spector) وسوزي فوكس (Suzy Fox) وبول ساكيت (Paul Sackett)، بتوسيع الإطار وبلورة مصطلح “سلوك العمل المضاد للإنتاجية” كنموذج متكامل ومستقل يرتكز على الأبعاد الانفعالية والمعرفية للشخصية وتفاعلها مع بيئة العمل المحيطة.

6. الأسس والأطر النظرية المفسرة

تستند دراسة سلوكيات العمل المضادة للإنتاجية إلى ترسانة من النظريات النفسية والاجتماعية التي تحلل الدوافع العميقة الكامنة وراء هذه الممارسات، ومن أبرز هذه الأطر:

نموذج الضغوط-الانفعالات (The Stressor-Emotion Model): صاغه بول سبكتور وسوزي فوكس، ويعد هذا النموذج من أكثر الأطر تفسيراً لـ CWB. يفترض النموذج أن الموظف يدرك عوامل الضغط في بيئة العمل (مثل غموض الدور، أو تعسف المشرف، أو عبء العمل الزائد)، مما يولد لديه انفعالات سلبية حادة مثل الغضب والإحباط والاستياء والقلق. وفي ظل غياب استراتيجيات التكيف الإيجابية، يلجأ الموظف إلى السلوك المضاد للإنتاجية كآلية دفاعية غير سوية أو كرد فعل انتقامي لتفريغ هذه المشاعر السلبية ومحاولة استعادة التوازن النفسي المفقود.

نظرية التبادل الاجتماعي (Social Exchange Theory): تؤكد هذه النظرية، المستندة إلى أطروحات بيتر بلاو، أن العلاقات الوظيفية تقوم على مبدأ التبادلية والمنفعة المتبادلة. فعندما يشعر الموظف بانتهاك “العقد النفسي”—أي إخلال المنظمة بوعودها الضمنية مثل التقدير أو العدالة أو الأمان الوظيفي—يشعر بالظلم التنظيمي (Organizational Injustice). كرد فعل على هذا الانتهاك، يلجأ الفرد إلى السلوكيات المضادة كوسيلة لإعادة التوازن للتبادل، عبر تقليص جهده عمداً أو الإضرار بموارد المنظمة بما يوازي شعوره بالحرمان والتهميش.

نظرية حفظ الموارد (Conservation of Resources Theory – COR): يرى ستيفان هوبفول أن الأفراد يسعون دائماً للحفاظ على مواردهم النفسية والجسدية والمادية وحمايتها وتنميتها. فعندما يتعرض الموظف لاستنزاف مستمر لموارده نتيجة بيئة عمل سامة ومجهدة، قد يلجأ إلى سلوكيات مثل الانسحاب وتجنب المهام وحجب المساعدة عن زملائه كاستراتيجية تحفظية لحماية ما تبقى لديه من طاقة ذاتية وتفادي الوقوع في هاوية الاحتراق النفسي.

نظرية تفعيل السمة (Trait Activation Theory): تفسر التفاعل الجدلي بين الاستعدادات الشخصية للفرد ومحفزات البيئة التنظيمية؛ حيث تشير إلى أن سمات الشخصية الكامنة المؤدية للانحراف (مثل تدني اليقظة والضمير، أو النرجسية والميكيافيلية) تظل كامنة ما لم تنشطها مواقف ومثيرات تنظيمية معينة توفر فرصة لممارسة السلوك المضاد أو تضغط على الفرد لإظهاره.

7. المكونات والأبعاد والأنماط الرئيسية

أرسى بول سبكتور وفريقه البحثي (Spector et al., 2006) نموذجاً تصنيفياً خماسياً صار المرجع القياسي لتفكيك أبعاد سلوك العمل المضاد للإنتاجية، وتتوزع هذه الأبعاد على النحو الآتي:

  • الإساءة نحو الآخرين (Abuse Toward Others): وتتضمن الأفعال والممارسات اللفظية والجسدية والسيكولوجية الموجهة لإلحاق الأذى بالزملاء أو العملاء أو الرؤساء؛ مثل الإهانة، والتهكم، ونشر الشائعات المؤذية، وممارسة السلوك العدواني السلبي، والتنمر، وحجب المعلومات الضرورية لتعطيل الآخرين.
  • انحراف الإنتاجية (Production Deviance): ويقصد به التعمد في أداء العمل ببطء غير مبرر، وتدني معدلات الجودة عمداً، وإطالة فترات الراحة المقررة، أو ممارسة التكاسل السيبراني والتشتت عبر تصفح المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي أثناء ساعات الدوام الرسمية.
  • التخريب (Sabotage): إتلاف أو تخريب الممتلكات المادية للمنظمة عمداً، سواء كان ذلك تدميراً مادياً للمعدات والأجهزة، أو تخريباً للملفات والبرمجيات وقواعد البيانات الرقمية، أو إفساد وتلويث مخرجات الإنتاج النهائي للتشهير بجودة الشركة.
  • السرقة (Theft): الاستيلاء غير المشروع على أموال وموارد المنظمة أو مقتنيات الزملاء؛ وتتراوح بين السرقات الطفيفة للمستلزمات المكتبية البسيطة وصولاً إلى الاختلاسات المالية الكبرى، وتزييف تقارير المصروفات وساعات العمل الإضافية.
  • الانسحاب الوظيفي (Withdrawal): وهي الأنماط السلوكية التي يعمد فيها الموظف إلى تقليص وقت وجوده داخل المنظمة إلى الحد الأدنى؛ مثل التأخر المتكرر، والتغيب غير المصرح به بادعاء المرض، ومغادرة مكان العمل قبل انتهاء الدوام، والانفصال الذهني التام عن بيئة العمل.

8. أمثلة وحالات توضيحية من الواقع

تتنوع التمظهرات الميدانية لسلوك العمل المضاد للإنتاجية بتنوع السياقات المهنية. ومن أبرز الأمثلة الواقعية الشائعة في قطاع الخدمات التقنية والشركات المكتبية ظاهرة التسكع السيبراني (Cyberloafing)؛ حيث يقضي موظف ساعات طويلة يومياً في التسوق الإلكتروني والتفاعل عبر منصات التواصل أثناء فترات تسليم المشاريع الحرجة، ما يؤدي إلى تأخر تسليم مخرجات الفريق وإلحاق أضرار بالغة بسمعة المؤسسة أمام عملائها.

وفي القطاعات التصنيعية والصحية، تتجلى هذه السلوكيات بصورة أشد خطورة؛ كأن يعمد فني صيانة يشعر بالإحباط من رئيسه إلى التغاضي عن تزييت إحدى الآلات الثقيلة بشكل دوري، مما يؤدي إلى تعطل خط الإنتاج وتكبد خسائر بملايين الدراهم. وفي البيئة الطبية، قد يترجم السلوك المضاد في صورة “إساءة موجهة للآخرين” كحجب ممرض لمعلومات حيوية تخص حالة مريض عن زميل بديل بدافع الغيرة المهنية، الأمر الذي قد يهدد سلامة المرضى بشكل مباشر.

دراسة حالة توضيحية: يعمل “خالد” كمدير مشروعات في مؤسسة مالية رائدة ويتمتع بخبرة تجاوزت سبع سنوات. تفاجأ خالد بترقية زميل أحدث منه خبرة لشغل منصب مدير القطاع نتيجة علاقاته الشخصية مع الإدارة العليا. شعر خالد بانهيار تام لمفهوم العدالة التوزيعية والتعاملية، وبدلاً من مواجهة الإدارة أو تقديم استقالته، بدأ في ممارسة سلوكيات مضادة للإنتاجية؛ فأخذ يتعمد إرجاء الرد على رسائل البريد الإلكتروني الحساسة، ويمرر تقارير ناقصة تتضمن أخطاء حسابية دقيقة يصعب اكتشافها مبكراً وتستغرق أياماً لتصحيحها، فضلاً عن إطلاق تعليقات تهكمية تقلل من شأن المدير الجديد أمام الفريق. تُجسد هذه الحالة نموذج الضغوط والانفعالات بوضوح؛ حيث أدى الظلم التنظيمي (ضاغط) إلى توليد مشاعر قهر وغضب (انفعال سلبي)، تُرجمت إلى تخريب إجرائي خفي موجّه نحو المنظمة والمسؤول عنها لاستعادة الشعور بالسيطرة الذاتية.

9. أدوات القياس والتقييم السيكومتري

نظراً للطبيعة الحساسة والمخفية لسلوكيات العمل المضادة للإنتاجية، يواجه علماء النفس التنظيمي تحديات كبرى في قياسها بطرق موضوعية وخالية من التحيز. وتعتمد الممارسات الأكاديمية والمهنية على مجموعة من المقاييس السيكومترية المقننة، وأشهرها عالمياً:

قائمة مراجعة سلوك العمل المضاد للإنتاجية (CWB-C) لبول سبكتور وزملائه (2006): يتألف هذا المقياس من 45 إلى 32 بنداً في صورته القياسية والمختصرة، ويقيس الأبعاد الخمسة (الإساءة، الانحراف، التخريب، السرقة، الانسحاب) عبر درجات تكرار وقوع السلوك (من: لا يحدث أبداً، إلى: يحدث يومياً). ويتميز المقياس بخصائص سيكومترية مرتفعة من حيث الصدق والثبات عبر بيئات وثقافات عمل متعددة.

مقياس انحراف مكان العمل (Workplace Deviance Scale) لروبنسون وبينيت (2000): يركز هذا المقياس على 28 بنداً تغطي بعدين عريضين: الانحراف الشخصي الموجه للأفراد (Interpersonal Deviance)، والانحراف التنظيمي الموجه للمؤسسة (Organizational Deviance)، ويُستخدم بكثافة في الدراسات المقارنة والتحليلات البعدية.

تواجه هذه المقاييس مشكلة تحيز المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability Bias)، حيث يميل المبحوثون إلى إنكار ممارستهم للسلوكيات التدميرية تجنباً للعقاب أو للحفاظ على صورتهم الذاتية. وللتغلب على هذه العقبة، يعتمد الباحثون على أساليب منهجية متعددة تشمل: ضمان السرية التامة لهوية المشاركين، والاستعانة بتقييمات النظراء والمشرفين (Peer and Supervisor Ratings)، وتطبيق اختبارات النزاهة الظاهرة والضمنية (Overt and Personality-based Integrity Tests) أثناء مراحل الفرز والتوظيف، بالإضافة إلى رصد المؤشرات الموضوعية كبيانات الغياب وسجلات الحوادث التخريبية في السجلات المؤسسية.

10. التطبيقات والأهمية العملية في المؤسسات

تكتسب دراسة وإدارة سلوكيات العمل المضادة للإنتاجية أهمية استراتيجية في إدارة الموارد البشرية وتطوير المؤسسات، وتتجلى تطبيقاتها العملية في عدة محاور حيوية:

أولاً، في سياسات التوظيف والاستقطاب؛ حيث تعمد الشركات العالمية إلى تضمين بطاريات الاختبارات النفسية أدوات لقياس سمات الشخصية غير السوية ومقاييس النزاهة للتنبؤ بالسلوكيات الانحرافية قبل إلحاق المرشحين بالعمل، مع التركيز على تجنب المرشحين ذوي المعدلات المتطرفة في السمات العدائية أو تدني مستويات يقظة الضمير والمقبولية.

ثانياً، في بناء بيئة عمل يسودها العدل التنظيمي؛ إذ تُظهر التطبيقات الميدانية أن تعزيز العدالة الإجرائية والتوزيعية والمعاملاتية يقلل بصورة جذرية من دوافع الانتقام وممارسات CWB. ويشمل ذلك تبني معايير شفافة للترقيات وتقييم الأداء، وتوفير قنوات استماع مؤسسية آمنة تتيح للموظفين التعبير عن مشاعر الإحباط والشكاوى دون خوف من العقاب.

ثالثاً، في القيادة الإدارية وتطوير المشرفين؛ حيث يرتبط نمط القيادة الإشرافية السامة والمتعسفة (Abusive Supervision) طردياً بارتفاع وتيرة السلوكيات المضادة. لذا، تركز برامج التدريب التنظيمي على تنمية مهارات القيادة الأخلاقية والتحويلية، وتعليم القادة كيفية احتواء النزاعات والتعرف المبكر على بؤر التوتر قبل انفجارها في أشكال تخريبية مكلفة.

رابعاً، في برامج مساعدة الموظفين (EAP) والصحة النفسية؛ عبر توفير الدعم النفسي والإرشاد الوظيفي للموظفين الذين يعانون من ضغوط شديدة واحتراق وظيفي، ومساعدتهم على تبني استراتيجيات مواجهة تكيفية وبناءة تحميهم وتحمي المنظمة من العواقب التدميرية لردود الأفعال غير السوية.

11. الأبحاث والأدلة التجريبية

توصلت البحوث التجريبية والتحليلات البعدية (Meta-analyses) في علم النفس التنظيمي إلى نتائج حاسمة تؤطر فهمنا لسلوك العمل المضاد للإنتاجية. ففي تحليل بعدي بارز أجراه روجين دلال (Dalal, 2005)، فُحصت العلاقة الجدلية بين سلوك العمل المضاد للإنتاجية وسلوك المواطنة التنظيمية (OCB) عبر مئات الدراسات؛ وخلص التحليل إلى أن المفهومين ليسا مجرد طرفي نقيض على متصل واحد، بل هما بناءان نفسيان مستقلان إلى حد كبير وبينهما ارتباط عكسي متوسط القوة فقط (-0.32)، مما يعني أن الموظف قد ينخرط في سلوكيات المواطنة وسلوكيات مضادة في أوقات متقاربة تحت تأثير دوافع متباينة.

وفي تحليل بعدي موسع قاده كريستوفر بيري وزملاؤه (Berry et al., 2007)، أظهرت النتائج أن نموذج عوامل الشخصية الخمسة يلعب دوراً تنبؤياً فائق الدلالة؛ حيث ارتبطت سمتا يقظة الضمير (Conscientiousness) والمقبولية (Agreeableness) ارتباطاً سلبياً وثيقاً بكل من CWB-O و CWB-I، بينما كان العصابية (Neuroticism) مرتبطة ارتباطاً إيجابياً بزيادة معدلات الانفعال والسلوكيات المضادة الموجهة للأفراد تحديداً.

كما سلطت الدراسات المعاصرة الضوء على تأثير الثالوث المظلم للشخصية (Dark Triad)، والذي يضم: النرجسية والميكيافيلية والاعتلال النفسي (السيكوباتية تحت الإكلينيكية). وأثبتت الأبحاث أن الأفراد الذين يسجلون درجات مرتفعة على هذا الثالوث ينخرطون بمعدلات أعلى بكثير في أشكال CWB الماكرة؛ كاستغلال موارد الشركة لمصالح شخصية، والتلاعب بالزملاء، والسرقة المبطنة، مدفوعين بتدني التعاطف وغياب المشاعر الأخلاقية الرادعة والنزوع نحو استغلال المنظومة لمصالحهم النفعية البحتة.

12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات

تتباين مظاهر وإدراك سلوك العمل المضاد للإنتاجية بصورة ملحوظة عبر السياقات الثقافية المتنوعة، وذلك بتأثير من القيم المجتمعية والمعايير الحاكمة للعلاقات المهنية وفقاً لأبعاد جيرت هوفستيد (Hofstede) الثقافية:

في الثقافات الفردية (مثل الولايات المتحدة ودول شمال أوروبا)، يتحدد السلوك غالباً بحسابات المنفعة الذاتية والإنجاز الفردي؛ ويميل الموظفون غير الراضين إلى إظهار سلوكيات مضادة مباشرة أو الانسحاب العلني السريع من المنظمة في حال تضررت أهدافهم الفردية. في المقابل، تشهد الثقافات الجمعية (مثل العديد من المجتمعات الآسيوية والعربية) حساسية بالغة للحفاظ على التناغم الظاهري للجماعة وحفظ ماء الوجه (Face-saving)؛ ولذا نادراً ما تتخذ السلوكيات المضادة طابعاً صدامياً أو علنياً، بل تميل بقوة نحو الأنماط الخفية غير المباشرة، كالمقاومة السلبية، وتخفيض الجهد بسرية، وحجب التعاون الحقيقي وراء قناع من المجاملة الرسمية.

كذلك يلعب بعد مسافة القوة (Power Distance) دوراً محورياً؛ ففي المجتمعات ذات مسافة القوة العالية، يقبل العاملون التفاوت الهرمي وسلطوية الإدارة كأمر واقع، مما يجعل ممارسة CWB الموجهة نحو المشرفين أمراً نادراً ومحفوفاً بالمخاطر، فتحول الشحنات الانفعالية السلبية مسارها لتتفرغ في صورة سلوكيات مضادة موجهة نحو الزملاء الأضعف (CWB-I) أو التكاسل وإهدار الموارد المادية غير الخاضعة للمراقبة المباشرة (CWB-O). وتفرض هذه التباينات ضرورة ملحة لإعادة تقنين وتكييف مقاييس السلوك المضاد للإنتاجية سيكومترياً وثقافياً قبل تطبيقها في سياقات غير غربية.

13. الانتقادات والجدليات والحدود المفاهيمية

على الرغم من الرسوخ العلمي لمفهوم سلوك العمل المضاد للإنتاجية، إلا أنه يواجه انتقادات وجدليات نظرية ومنهجية مستمرة في أروقة علم النفس التنظيمي:

تتمثل أولى هذه الجدليات في إشكالية التداخل بين النوايا والنتائج؛ فالتركيز الصارم على القصدية في تعريف CWB يثير معضلة عملية تتمثل في صعوبة إثبات النية الباطنة للموظف بصورة قطعية في البيئات العملية المعقدة. فهل يعد التباطؤ ناتجاً عن إحباط عمدي أم عن إنهاك وإرهاق إدراكي غير واعٍ؟ كما يرى بعض النقاد أن التركيز على النتائج الضارة قد يتجاهل السياقات التي تُلحق فيها أفعال حسنة النية أضراراً غير مقصودة، مما يضع مسؤولي الموارد البشرية في حيرة بين محاسبة النوايا أو النتائج.

ويتمثل الجدل الثاني في مفهوم الانحراف البنّاء أو الإيجابي (Positive / Constructive Deviance) وتحدي كسر القواعد لمصلحة العمل؛ حيث يجادل باحثون بأن بعض السلوكيات التي تخرق اللوائح الرسمية الصارمة للمنظمة قد تكون في حقيقتها بدافع إنقاذ المنظمة من قرارات قيادية خاطئة أو تقديم خدمة استثنائية لعميل مهم. وبناءً على التعريف التقليدي المتشدد لـ CWB، قد تُصنف هذه المبادرات على أنها سلوك مضاد للإنتاجية لأنها خرقت المعايير المقررة، في حين أنها تعود في جوهرها بنفع استراتيجي، مما يشير إلى ضرورة إعادة النظر في النظرة الأحادية السلبية المطلقة لمخالفة الإجراءات.

أما من الناحية المنهجية، فيتركز النقد حول الاعتماد المفرط على مقاييس التقرير الذاتي (Self-reports) ومخاطر تزييف الإجابات؛ حيث تشير دراسات متعددة إلى أن الموظفين نادراً ما يعترفون بجرائم جسيمة كالسرقة أو التخريب المتعمد في الاستبيانات المكتوبة، مما يرجح أن المقاييس المتاحة ترصد فقط السلوكيات الطفيفة والشائعة وتفشل في التقاط الانحرافات الأخلاقية الأكثر خطورة التي تجري في الخفاء.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية

تتقاطع في أدبيات السلوك التنظيمي مجموعة من المفاهيم المتشابهة مع سلوك العمل المضاد للإنتاجية، وتتضح الفروق الدقيقة بينها في النقاط الآتية:

  • انحراف مكان العمل (Workplace Deviance): مصطلح رديف وشديد القرب، إلا أنه يركز بصورة أضيق على مخالفة القواعد والمعايير الإجرائية الرسمية المكتوبة للمؤسسة، بينما يتسع CWB ليشمل السلوكيات الموجهة للإضرار بالرفاه النفسي والعلائقي حتى وإن لم تخالف لائحة صريحة مكتوبة.
  • سوء السلوك التنظيمي (Organizational Misbehavior): يركز هذا المصطلح المستمد من علم الاجتماع التنظيمي على انتهاك القوانين واللوائح المجتمعية العامة والمعايير الأخلاقية الأساسية، وغالباً ما يشمل الجرائم الاقتصادية الكبرى، بينما يركز CWB على الأبعاد النفسية والانفعالية الفردية المسببة للسلوك داخل بيئة العمل اليومية.
  • العدوان في مكان العمل (Workplace Aggression): ينحصر العدوان في الأفعال التي تهدف بوضوح إلى إلحاق أذى جسدي أو نفسي مباشر بالأفراد، بينما يتضمن CWB نطاقاً أوسع بكثير يشمل التكاسل التلقائي والسرقة غير العنيفة والانسحاب التي لا تحمل طابعاً عدوانياً مباشراً في حد ذاتها.
  • التنمر الوظيفي (Workplace Bullying): يشير إلى نمط متكرر ومستمر وطويل الأمد من الإساءات الموجهة من طرف أقوى ضد طرف أضعف لعزله وتدميره معنوياً. يُعد التنمر أحد الأشكال الشديدة المندرجة تحت بعد “الإساءة للآخرين” في مصفوفة CWB، ولكنه لا يغطي الأبعاد الأخرى مثل التخريب المادي أو الانسحاب أو التراخي الإنتاجي.
  • سلوك المواطنة التنظيمية (Organizational Citizenship Behavior – OCB): يمثل النقيض الوظيفي المباشر لـ CWB؛ فهو يشير إلى الأفعال التطوعية غير الإلزامية التي تتجاوز التوصيف الوظيفي الرسمي وتخدم المنظمة وتساعد زملاء العمل بروح إيجابية، في حين يمثل CWB الأفعال التطوعية التي تعيق العمل وتستنزف موارده.

15. ملخص وخلاصات أساسية

يمثل سلوك العمل المضاد للإنتاجية (CWB) تهديداً صامتاً ومعقداً لاستقرار واستدامة المنظمات الحديثة؛ فهو ليس مجرد تقاعس عارض عن أداء المهام، بل منظومة متكاملة من السلوكيات العمدية والانحرافية التي تستهدف الإضرار بالكيان التنظيمي وبأفراده على حد سواء. وتتنوع مظاهره بين الإساءة للآخرين، وتخريب الإنتاجية، والتدمير المادي، والسرقة، والانسحاب الوظيفي.

تكشف النماذج النفسية المفسرة، لا سيما نموذج الضغوط-الانفعالات ونظرية التبادل الاجتماعي، أن هذا السلوك نادراً ما ينشأ من فراغ؛ بل هو نتاج تفاعل عميق ومتبادل بين سمات الشخصية الكامنة (كالنزعات النرجسية والعصابية وضعف الضمير) ومثيرات البيئة التنظيمية الضاغطة المتمثلة في مشاعر الظلم وغياب التقدير وسوء الإشراف. وتؤكد الدراسات التطبيقية أن مكافحة هذه الظاهرة لا تتحقق بالحلول الأمنية والمراقبة القمعية العقيمة، بل تتطلب استراتيجيات وقائية متكاملة تدمج بين التوظيف النفسي الانتقائي الدقيق، وتأسيس ثقافة قائمة على العدالة المؤسسية الراسخة، وتأهيل قيادات داعمة تسهم في صيانة العقد النفسي مع العاملين وتعزيز صحتهم النفسية.

المراجع

فيما يلي أبرز المراجع الأكاديمية التأسيسية التي اعتمدت عليها هذه المقالة لدراسة سلوك العمل المضاد للإنتاجية وفق المعايير البحثية المعتمدة:

  • Berry, C. M., Ones, D. S., & Sackett, P. R. (2007). Interpersonal deviance, organizational deviance, and their common correlates: A review and meta-analysis. Journal of Applied Psychology, 92(2), 410–424. https://doi.org/10.1037/0021-9010.92.2.410
  • Dalal, R. S. (2005). A meta-analysis of the relationship between organizational citizenship behavior and counterproductive work behavior. Journal of Applied Psychology, 90(6), 1241–1255. https://doi.org/10.1037/0021-9010.90.6.1241
  • Robinson, S. L., & Bennett, R. J. (1995). A typology of deviant workplace behaviors: A multidimensional scaling study. Academy of Management Journal, 38(2), 555–572. https://doi.org/10.2307/256693
  • Spector, P. E., & Fox, S. (2005). The Stressor-Emotion Model of Counterproductive Work Behavior. In S. Fox & P. E. Spector (Eds.), Counterproductive work behavior: Investigations of actors and targets (pp. 151–174). American Psychological Association. https://doi.org/10.1037/10893-007
  • Spector, P. E., Fox, S., Penney, L. M., Bruursema, K., Goh, A., & Kessler, S. (2006). The dimensionality of counterproductivity: Are all counterproductive behaviors created equal? Journal of Vocational Behavior, 68(3), 446–460. https://doi.org/10.1016/j.jvb.2005.10.005

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 7). سلوك العمل المضاد للإنتاجية: التهديد الخفي للمؤسسات. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/counterproductive-work-behavior-cwb/
looti, Mohammed. “سلوك العمل المضاد للإنتاجية: التهديد الخفي للمؤسسات.” عرب سايكلوجي, 7 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/counterproductive-work-behavior-cwb/.
looti, Mohammed. “سلوك العمل المضاد للإنتاجية: التهديد الخفي للمؤسسات.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 7, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/counterproductive-work-behavior-cwb/.