العلاقات الأسرية والصدماتعلم النفس الإكلينيكيعلم النفس الاجتماعي

دورة العنف: فك شيفرة التكرار والسيطرة

دليل أكاديمي ونفسي شامل يستعرض مفهوم دورة العنف: مراحله، أسسه النظرية، آليات الارتباط الصدمي، وانتقاله عبر الأجيال وفق أحدث الدراسات الإكلينيكية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 8 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 8 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد ظاهرة العنف الأسري والعلائقي واحدة من أكثر القضايا النفسية والاجتماعية تعقيداً، حيث تتجاوز في جوهرها مجرد النوبات الانفعالية العابرة لتشكل نمطاً سلوكياً منظماً ومستداماً. يقدم مفهوم “دورة العنف” إطاراً تفسيرياً بالغ الأهمية يسلط الضوء على الكيفية التي يعلق بها الضحايا والمعتدون ضمن حلقة مفرغة يصعب كسرها دون تدخل متخصص. يهدف هذا المدخل المعجمي والأكاديمي الموسع إلى تفكيك أبعاد هذا المفهوم من منظور التحليل السلوكي، والاجتماعي، والإكلينيكي الشامل.

دورة العنف

1. التعريف الموجز والدقيق

تُعرّف دورة العنف (Cycle of Violence) بأنها نموذج نظري ونفسي-اجتماعي يصف الأنماط المتكررة والمتوقعة للسلوك العدواني، والسيطرة القسرية، والإيذاء العاطفي أو الجسدي داخل العلاقات الحميمة والعائلية. تتألف هذه المنظومة من مراحل محددة تبدأ بتصاعد التوتر، وتصل إلى الانفجار السلوكي العنيف، ثم تتبعها فترة من التهدئة والندم الظاهري، قبل أن تبدأ الدورة مجدداً بشدة أكبر.

يتجاوز هذا التعريف النظرة التبسيطية للعنف باعتباره حدثاً معزولاً؛ إذ يؤكد أنه آلية ديناميكية مستمرة تعيد إنتاج نفسها عبر الزمن. تعتمد هذه الدورة على تفاعل معقد بين موازين القوى غير المتكافئة، والاعتمادية النفسية، والتحكم السلوكي، مما يؤدي إلى ترسيخ شعور العجز المكتسب لدى الطرف المتعرض للإيذاء، وصعوبة التنبؤ بنهاية هذا المسار القهري بمعزل عن تدخلات خارجية جذرية.

2. الأصول اللغوية والاشتقاقية

يعود الأصل اللغوي لمفهوم العنف في اللغة العربية إلى الجذر (ع-ن-ف)، والذي يدل في المعاجم على الشدة، والقسوة، والخرق بالأمر، والتعامل بفظاظة ضد الرفق واللين. أما مصطلح “الدورة” فيشتق من (د-و-ر)، ويدل على الحركة التي تبدأ من نقطة معينة وتعود إليها في مسار مغلق ومتكرر.

وفي الأدبيات النفسية الغربية، تمت صياغة المصطلح بالإنجليزية تحت اسم (Cycle of Violence). وقد دخل المصطلح الحقل الأكاديمي رسمياً في أواخر السبعينيات من القرن العشرين، وتحديداً عام 1979، بعد أن نشرت عالمة النفس الأمريكية لينور ووكر (Lenore E. Walker) كتابها الرائد “المرأة المعنفة” (The Battered Woman). استخدمت ووكر المصطلح لتفسير السلوكيات الدورية التراكمية التي تبقي الضحية محاصرة داخل العلاقة التعسفية رغم الأذى المستمر.

3. الصياغة النحوية والاستعمال اللغوي

تُعرب عبارة “دورةُ العنفِ” كتركيب إضافي؛ حيث تقع كلمة “دورة” مضافاً (اسماً معرباً يتغير حسب موقعه الإعرابي)، وكلمة “العنف” مضافاً إليه مجروراً وعلامة جره الكسرة الظاهرة. تشمل التباينات المصطلحية المترادفة في السياقات الإكلينيكية والاجتماعية: “حلقة العنف المفرغة”، و”متوالية الإيذاء العلائقي”، و”الديناميكية الدائرية لسوء المعاملة”.

يُستخدم هذا التعبير في التحليل النفسي والقانوني والاجتماعي للإشارة تارة إلى النمط الصغير المتكرر داخل العلاقة الفردية (Micro-cycle)، وتارة أخرى للإشارة إلى الانتقال الجيلي للعنف عبر التنشئة (Macro-cycle / Intergenerational Transmission)، حيث يتعلم الطفل السلوك العنيف ليطبقه في مرحلة البلوغ، وهو ما يستوجب تدقيق السياق عند الاستخدام الأكاديمي.

4. الشرح المفاهيمي المعمق

يقوم مفهوم دورة العنف على فرضية مفادها أن العلاقات الإيذائية لا تتسم بالعداء الصريح والضرب المبرح على مدار الساعة؛ فلو كانت كذلك، لكان قرار الهروب منها أكثر وضوحاً وسهولة للضحية. بدلاً من ذلك، تتسم هذه العلاقات بتناوب متقلب بين الخوف الشديد والاعتداء من جهة، واللطف المؤقت والوعود الكاذبة من جهة أخرى. هذا التناوب المتقطع يولد ما يُعرف في علم النفس بـ “الارتباط الصدمي” (Trauma Bonding)، حيث يتعزز التعلق المرضي بالمعتدي نتيجة الاستجابة لجرعات متفرقة من الأمان بعد كل مرحلة ترهيب.

تبدأ هذه الديناميكية ببناء صامت للتوتر، يشعر خلاله الطرف المتضرر بأنه يسير فوق حقل من الألغام أو “قشور البيض”؛ محاولاً استرضاء الشريك وتفادي أي محفزات قد تثير غضبه. ومع ذلك، وبما أن المحفزات غالباً ما تكون ذريعة واهية لدافع السيطرة الكامن لدى المعتدي، فإن انفجار العنف يصبح أمراً حتمياً لا مفر منه، سواء اتخذ شكلاً جسدياً، أو جنسياً، أو نفسياً تدميرياً.

يعقب هذا الانفجار تحول مفاجئ في موازين السلوك؛ إذ ينهار المعتدي متظاهراً بالندم، أو مقدماً تبريرات خارجية للموقف (مثل ضغوط العمل أو فقدان الأعصاب)، ما يمنح الضحية بصيص أمل كاذب بأن الأمور ستتغير. هذا الأمل هو الغراء النفسي الذي يثبت أركان الدورة ويضمن بقاء الطرفين داخل نفس الحلقة المغلقة، التي لا تلبث أن تعيد إنتاج نفسها ولكن بفواصل زمنية أقصر وعنف أشد قسوة في كل مرة.

5. التطور التاريخي والمسار الزمني

قبل سبعينيات القرن العشرين، كان العنف المنزلي يُعامل في الغالب بوصفه مسألة عائلية خاصة، أو مشكلة ناتجة عن اضطرابات شخصية معزولة أو إدمان الكحوليات. تم تجاهل الطبيعة الهيكلية والنمطية لهذه السلوكيات لعقود طويلة، ولم تكن المنظومة القانونية توفر حماية ملموسة للضحايا ما لم تسفر الحوادث عن وفيات أو عاهات دائمة مثبتة.

في عام 1979، أحدثت الدكتورة لينور ووكر ثورة مفاهيمية من خلال نشر دراساتها الميدانية الموسعة التي أجرتها على مئات النساء المتعرضات للإيذاء، مما قادها لصياغة “نظرية الدورة الثلاثية للعنف” (Cycle Theory of Battering) وربطها بمفهوم العجز المكتسب الذي طوره مارتن سيلجمان. وفر هذا الطرح الأساس العلمي لفهم لماذا لا تغادر الضحية العلاقة بسهولة.

خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات، وسعت كاثي سباتز ويدوم (Cathy Spatz Widom) نطاق المفهوم عبر أبحاثها الطولية حول “فرضية دورة العنف”، مركزة على انتقال العنف بين الأجيال؛ حيث أثبتت إحصائياً أن التعرض للإهمال والإيذاء الجسدي في مرحلة الطفولة يرفع بشكل ملحوظ احتمالية ممارسة الجريمة والسلوك العنيف في الكبر. وفي العقدين الأخيرين، دُمج النموذج مع مفاهيم التحكّم القسري (Coercive Control) الذي طرحه إيفان ستارك، لتوسيع الفهم وتجاوز التركيز الحصري على الأفعال الجسدية المباشرة.

6. الأسس والأطر النظرية

تستند دورة العنف إلى تضافر عدة مدارس وأطر نفسية واجتماعية رصينة تفسر ديمومتها:

نظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning Theory): تفترض نظرية ألبرت باندورا أن الأفراد يتعلمون الاستجابات العدوانية من خلال الملاحظة، والنمذجة، والتعزيز البديل. في سياق دورة العنف، يتعلم الأطفال الذين ينشؤون في بيئات مسيئة أن العدوان أداة فعالة ومقبولة لحل النزاعات وفرض السيطرة على الآخرين.

نظرية التعلّق والارتباط الصدمي: يفسر علم النفس الإكلينيكي بقاء الضحايا ضمن هذه الدورة من خلال آليات التعلّق غير الآمن والارتباط القائم على الصدمة. يُحدث التعزيز المتقطع (Intermittent Reinforcement) من قِبل المعتدي إدماناً بيوكيميائياً ونفسياً لدى الضحية، يشبه آليات الإدمان على القمار؛ حيث يبقي الترقب العاطفي الضحية متمسكة بلحظات الأمان النادرة.

المنظور النسوي والاجتماعي-الهيكلي: ينظر هذا الإطار إلى دورة العنف باعتبارها انعكاساً لعلاقات القوة الأبوية غير المتوازنة وتطبيع الهيمنة في المجتمع. لا يُنظر إلى العنف هنا كفقدان لحظي للسيطرة، بل كممارسة مقصودة وممنهجة تهدف للحفاظ على الامتيازات والتحكم المطلق بمصير الشريك داخل النواة الأسرية.

7. المكونات والمراحل والأبعاد الأساسية

  • مرحلة تصاعد التوتر (Tension-Building Phase): تتميز بتراكم الاستياء والعداء الخفي، وانتقادات متكررة، وانسحاب عاطفي، ونوبات غضب طفيفة. تسعى الضحية جاهدة لتهدئة المعتدي والتكيف مع متطلباته غير المنطقية خوفاً من الانفجار الوشيك.
  • مرحلة الحادث الحاد أو الانفجار (Acute Battering/Explosion Phase): تفريغ كامل ومكثف للعدوان، يتجلى في اعتداء جسدي، أو نفسي شديد، أو جنسي، أو تدمير للممتلكات. يفقد المعتدي هنا الرغبة في كبح سلوكه، وتتحول الأولوية لدى الضحية إلى النجاة وحماية النفس والأطفال.
  • مرحلة شهر العسل أو التهدئة (Honeymoon/Reconciliation Phase): فترة من الانفراج والندم المصطنع أو الحقيقي، حيث يقدم المعتدي اعتذارات متكررة، وهدايا، ووعوداً قاطعة بعدم تكرار ما حدث، أو يلقي باللوم على المؤثرات الخارجية (كالضغط والمسكرات). تشعر الضحية خلالها بالراحة وتأمل في صلاح الشريك.
  • مرحلة الهدوء والعودة للواقع (Calm Phase): فترة استقرار نسبي توهم الطرفين بأن العلاقة عادت لطبيعتها، لكنها في الحقيقة تخفي جذور المشكلة دون حل، وسرعان ما تتلاشى لتبدأ مرحلة تصاعد التوتر من جديد وبوتيرة أسرع.
  • البعد الجيلي التراكمي (Intergenerational Dimension): تكرار هذه المتوالية عبر خطوط الزمن الأسرية، حيث يعيد الأبناء تجسيد أدوار الجلاد أو الضحية بناءً على النصوص المعرفية والعاطفية المستدمجة في طفولتهم.

8. أمثلة وحالات توضيحية

الحالة الأولى (العنف الزوجي الكلاسيكي): سارة متزوجة منذ أربع سنوات من شخص يعاني من تقلبات مزاجية حادة. تبدأ الدورة عندما يبدأ زوجها بالتذمر المستمر من طريقة ترتيب المنزل أو نفقات المعيشة (تصاعد التوتر). تحاول سارة الصمت وتنفيذ كل رغباته تجنباً للمشاكل. فجأة، وبسبب تأخرها عشر دقائق في إعداد العشاء، يقدم الزوج على صفعها وإهانتها وتحطيم هاتفها (الانفجار). في اليوم التالي، يبكي الزوج جاثياً على ركبتيه، مؤكداً أنه لا يستطيع العيش بدونها ويلوم إرهاق العمل، واعداً بأنه سيتغير (شهر العسل). بعد أسابيع قليلة من السلام الهش، يبدأ الزوج في إبداء انتقادات جديدة، لتعود الدورة إلى نقطة الصفر.

الحالة الثانية (الدورة الجيلية المؤسسية): نشأ أحمد في منزل يمارس فيه والده الضرب المبرح ضد والدته كحل وحيد لفرض الطاعة. على الرغم من معاناته النفسية الشديدة وشعوره بالقهر في طفولته، وجد أحمد نفسه بعد زواجه يمارس الصراخ والتكسير والتهديد الجسدي ضد زوجته عند مواجهة أي خلاف، عاجزاً عن تبني استراتيجيات تواصل صحية، ومعيداً إنتاج نفس المنظومة التدميرية التي أقسم يوماً على التخلص منها.

9. القياس والتقييم الإكلينيكي

يتطلب تقييم دورة العنف في البيئات الإكلينيكية والاجتماعية أدوات متخصصة تقيس ليس فقط تكرار الاعتداءات الجسدية، بل وأيضاً أنماط الهيمنة النفسية والعاطفية الكامنة. من أبرز هذه المقاييس:

مقياس تكتيكات النزاع (Conflict Tactics Scale – CTS-2): الأداة الأكثر شيوعاً في البحوث النفسية لقياس كيفية تعامل الشركاء مع الخلافات، وتغطي خمسة أبعاد: التفاوض، والاعتداء النفسي، والاعتداء الجسدي، والإصابة، والإكراه الجنسي.

مؤشر تقييم الخطورة (Danger Assessment – DA): أداة إكلينيكية صممتها جاكلين كامبل لتحديد مستوى خطر التعرض للقتل أو الإصابة المميتة لدى النساء المعنفات، وتتضمن فحصاً دقيقاً لوتيرة تكرار دورة العنف وزيادة حدتها بمرور الوقت.

كما يعتمد الأخصائيون على المقابلات شبه المنظمة والملاحظة السريرية لتحديد مدى وجود أعراض اضطراب ما بعد الصدمة المعقد (C-PTSD)، وتفكيك مظاهر الإنكار والترشيد العاطفي لدى الضحايا لتقييم المرحلة الراهنة من الدورة بدقة.

10. التطبيقات والأهمية العملية

يحظى فهم دورة العنف بأهمية استثنائية في تطوير برامج التدخل والحماية على عدة مستويات:

في التدخل الإكلينيكي والعلاج النفسي: يساعد هذا النموذج المعالجين على توعية الضحايا بـ “طبيعة الفخ” الذي يقعون فيه؛ فالوعي بأن مرحلة شهر العسل ليست دليلاً على التعافي بل هي جزء عضوي من الدورة نفسها يمثل حجر الزاوية في مساعدة الناجيات على كسر التبعية النفسية والتخطيط للسلامة الشخصية.

في السياسات الجنائية والقانونية: يسهم في توفير التفسير النفسي لإسقاط بعض الضحايا للدعاوى القضائية أو التراجع عن أقوالهم ضد المعتدي أثناء مرحلة شهر العسل، مما دفع الأنظمة القضائية الحديثة إلى اعتماد بروتوكولات الملاحقة الإلزامية التي تستمر حتى لو تنازلت الضحية تحت وطأة الضغط النفسي.

في الملاجئ ودور الإيواء: يوجه تصميم برامج الدعم الطارئ وخطط الأمان الشخصية (Safety Planning)، مع التركيز على حماية الضحايا تحديداً أثناء لحظة اتخاذ قرار المغادرة، والتي تُعد إحصائياً أكثر المراحل خطورة وقابلية للاشتعال في الدورة بأكملها.

11. الأدلة التجريبية والبحوث العلمية

أكدت عقود من الأبحاث الإمبراطورية المتراكمة صحة نموذج دورة العنف وتأثيراته الخطيرة. أظهرت الدراسات التأسيسية التي قامت بها ووكر (1979، 1984) أن أكثر من 65% من العلاقات الإيذائية المزمنة تتبع نمط التذبذب بين التوتر والانفجار والمصالحة بدقة متناهية.

وفي سياق الانتقال الجيلي، قادت الباحثة كاثي سباتز ويدوم دراسات تتبعية امتدت لعقود شملت آلاف الحالات، وأثبتت نتائجها المنشورة في كبرى الدوريات النفسية أن الأطفال الذين تعرضوا للإيذاء والإهمال الجسدي هم أكثر عرضة بنسبة تقارب 40% للاعتقال لارتكاب جرائم عنف في سنوات الرشد مقارنة بأقرانهم في المجموعات الضابطة، مما يرسخ الطبيعة النظامية المتوارثة لدورة العنف عبر الأجيال ما لم يتم قطعها بتدخل علاجي ممنهج.

12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للمجتمعات

تتباين مظاهر دورة العنف وشدتها بصورة ملموسة عبر السياقات الثقافية المختلفة، رغم ثبات آليتها الأساسية. في المجتمعات ذات الصبغة الجماعية والتقليدية، قد يكتسب العنف غطاءً اجتماعياً يُضفي عليه طابع “التأديب” أو الحفاظ على الشرف وتماسك الأسرة، مما يجعل مرحلة تصاعد التوتر أطول ومرحلة الانفجار محاطة بصمت مجتمعي وتواطؤ أسري يدفع الضحية إلى لوم ذاتها.

علاوة على ذلك، تلعب العوامل الاقتصادية والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالطلاق دوراً كبيراً في تعميق العجز المكتسب لدى الضحايا في بعض الثقافات النامية، حيث تنعدم الملاجئ المستقلة وشبكات الأمان المالي. في المقابل، قد تتخذ دورة العنف في المجتمعات الفردية أشكالاً أكثر ارتباطاً بالعزل الاجتماعي التكنولوجي، والإيذاء القانوني، والتلاعب المالي المستتر، مما يفرض على الباحثين مراعاة الخصوصيات الثقافية عند تصميم أدوات القياس وبرامج الدعم المجتمعي.

13. الانتقادات والجدل الأكاديمي

على الرغم من المكانة المركزية لنموذج دورة العنف، إلا أنه واجه انتقادات منهجية ونظرية معتبرة من قِبل بعض رواد علم الاجتماع الإكلينيكي:

التعميم المفرط والخطية الصارمة: يرى نقاد النموذج، مثل إيفان ستارك (Evan Stark)، أن فكرة المرور بثلاث مراحل منتظمة لا تنطبق على جميع العلاقات التعسفية؛ فالكثير من المعتدين يمارسون العنف والسيطرة بصورة يومية ومستمرة ومتسربة في تفاصيل الحياة دون الحاجة إلى “مرحلة شهر عسل” أو اعتذارات نادمة، وهو ما يجعل النموذج قاصراً عن وصف حالات التحكم القسري المستمر.

خطر لوم الضحية غير المباشر: يجادل البعض بأن التركيز المكثف على مفهوم “العجز المكتسب” للضحية قد يوحي خطأً بوجود استسلام سلبي أو تواطؤ غير واعٍ في إدامة الدورة، متجاهلاً أن بقاء الضحية غالباً ما يكون قراراً عقلانياً مبنياً على تقييم دقيق للمخاطر، حيث يمثل الهروب الفعلي التهديد الأكبر بالقتل وفقاً للبيانات الإحصائية.

إغفال الأنماط المتزامنة: يرى البعض أن حصر النمط في دائرة يعطي انطباعاً بأن الإيذاء ينتهي ويبدأ فجأة، في حين أنه يمثل في الواقع شبكة معقدة ودائمة من الضغوط النفسية المتداخلة التي لا تخضع دائماً للتنبؤ الدوري المنتظم.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية

  • التحكم القسري (Coercive Control): نمط استراتيجي مستمر من التهديد، والمراقبة، والعزل المصمم لتجريد الضحية من استقلاليتها. يختلف عن دورة العنف في كونه حالة مستمرة وشاملة لا تعتمد بالضرورة على المرور بدورات متقطعة أو انفجارات جسدية صريحة.
  • العجز المكتسب (Learned Helplessness): حالة نفسية يستنتج فيها الفرد أنه عاجز تماماً عن تغيير بيئته أو تفادي الألم بعد تجارب فشل متكررة. يُعد العجز المكتسب نتيجة معرفية وعاطفية تترتب على دورة العنف، ولكنه ليس الدورة بحد ذاتها.
  • الارتباط الصدمي (Trauma Bonding): الرابطة العاطفية القوية وغير الصحية التي تنشأ بين شخصين في علاقة تتسم بالإيذاء الدوري والمتناوب مع المودة. يُعتبر الآلية النفسية المحركة التي تجعل الخروج من دورة العنف أمراً بالغ الصعوبة.
  • العنف الظرفي بين الشركاء (Situational Couple Violence): شجار أو اعتداء جسدي ينشأ عن تصاعد مفاجئ لخلاف محدد دون وجود دافع طويل الأمد للهيمنة والسيطرة المستمرة؛ ويختلف عن دورة العنف المنهجية بغياب النمط الدوري التصاعدي وهيكل السيطرة الأبوية.

15. خلاصة واستنتاجات رئيسية

تظل دورة العنف نموذجاً تحليلياً أساسياً لفك شفرات العلاقات التدميرية وسلوكيات الإيذاء المتكررة. تكشف هذه المنظومة أن العنف ليس مجرد نوبات غضب عشوائية بل بنية سلوكية ونفسية محكمة تتقلب بين التهديد، والتفجير، والاعتذار الخادع، بهدف شل إرادة الطرف الآخر وإحكام الهيمنة عليه. يتطلب كسر هذه الحلقة المفرغة فهماً عميقاً لأبعادها الفردية والأسرية والجيلية، وتوفير استجابات مجتمعية وقانونية ونفسية متكاملة تضمن أمان الضحايا وتضع حداً للإفلات من العقاب وللتطبيع الثقافي مع الإيذاء.

المراجع

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 8). دورة العنف: فك شيفرة التكرار والسيطرة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/cycle-of-violence-psychology/
looti, Mohammed. “دورة العنف: فك شيفرة التكرار والسيطرة.” عرب سايكلوجي, 8 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/cycle-of-violence-psychology/.
looti, Mohammed. “دورة العنف: فك شيفرة التكرار والسيطرة.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 8, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/cycle-of-violence-psychology/.