يمثل التماهي الدفاعي إحدى أكثر المناورات النفسية اللاشعورية تعقيداً وعمقاً في ترسانة الذات الإنسانية لحماية توازنها الداخلي من الانهيار تحت وطأة القلق الشديد أو التهديد الخارجي الساحق. عندما يواجه الفرد خطراً وجودياً أو سلطة قاهرة تفوق قدرته على التكيف الواعي، قد يلجأ جهازه النفسي إلى استدماج خصائص المعتدي أو مصدر التهديد وتحويل الذات الضحية إلى نسخة شبيهة بالمعتدي لتفادي مشاعر العجز المطلق. يفتح تفكيك هذا المفهوم نافذة واسعة لفهم ليس فقط الآليات الدفاعية الفردية في العيادة النفسية، بل أيضاً ديناميات القهر الجمعي، والولاء للمستبد، وتشكلات الهوية في سياقات الصدمة الممتدة.
التماهي الدفاعي
1. تعريف موجز
يُعرَّف التماهي الدفاعي (Defensive Identification) في أدبيات التحليل النفسي ونظرية الأنا بأنه آلية دفاعية لاشعورية يعمد من خلالها الفرد إلى استبطان صفات، أو سمات، أو سلوكيات، أو منظومة قيم شخصية أخرى يُنظر إليها كمصدر تهديد أو خطر أو تفوق، وذلك بهدف خفض التوتر النفسي، والتغلب على مشاعر العجز، وتحويل الخوف من المعتدي إلى إحساس زائف بالقوة والسيطرة.
يتجاوز هذا التحديد كونه مجرد تقليد سطحي للسلوك؛ إذ ينطوي على إعادة هيكلة عميقة للخبرة الذاتية للأنا (Ego)، حيث يُعيد الفرد رسم حدوده النفسية ليستوعب داخلها صورة المهدِّد، متخلياً في بعض جوانبه عن ذاته المستضعفة. وبالتالي، يعمل التماهي الدفاعي كوسيط نفسي لتحويل السلبية المطلقة للمتلقي للعدوان إلى فاعلية وهمية، مما يجنب الكيان النفسي خطر التمزق أو التفكك الوجداني في مواجهة القلق الرضحي أو قلق الإخصاء بحسب التوصيف الفرويدي الكلاسيكي.
وفي سياق العلاقات البينشخصية، يظهر هذا التماهي في صورة تبني رغبات الآخر وسلوكه العدواني، بحيث لا يعود التهديد قادماً من الخارج فقط، بل يصبح جزءاً من البناء الداخلي للذات، وهو ما يفسر استمرار أنماط الاستلاب وسوء المعاملة عبر الأجيال دون وعي صريح من الفرد بحقيقة دوافعه الدفينة.
2. التأثيل والاشتقاق اللغوي
يستند مصطلح التماهي في اللغة العربية إلى الجذر (م-هـ-ي) أو من صيغة (تَفَاعَلَ) المشتقة فلسفياً ونفسياً من الماهية (Essence)؛ فالتماهي يعني لغوياً ومعجمياً صيرورة الشيء عين ماهية الشيء الآخر، أو السعي نحو التماثل والاندماج التام معه حتى تتلاشى الفروق الجوهرية بينهما. أما لفظ الدفاعي، فيرجع إلى الجذر (د-ف-ع)، الذي يفيد التنحية، والرد، والدفع عن الذات، مما يعكس الطبيعة الوظيفية لهذا التماهي بوصفه ترساً وقائياً مصمماً لرد الخطر وحماية الكيان.
أما في الاصطلاح الغربي، فإن المصطلح الإنجليزي (Defensive Identification) يقابله في الألمانية التحليلية (Abwehridentifizierung) أو ما ارتبط به تاريخياً من صياغات مثل (Identifizierung mit dem Angreifer). وتعود جذور كلمة (Identification) اللاتينية إلى (Identificatio)، المركبة من (Identicus) وتعني «المتطابق أو المتماثل» والفعل (Facere) ويعني «يجعل أو يصنع». دخل المصطلح الحقل السيكولوجي على يد رواد التحليل النفسي في فيينا، ليتحول من مفهوم فلسفي منطقي يعبر عن الهوية الذاتية، إلى آلية دينامية يصف بها المحللون كيف تصنع النفس مطابقتها مع الخارج لإبعاد كابوس الهلاك الداخلي.
3. الصيغة النحوية والصرفية والتلفظ
يُصاغ المصطلح في اللسان العربي كمركب وصفي يتكون من كلمتين: الأولى «التَّمَاهِي» (بفتح التاء والميم وكسر الهاء يليها ياء مدية)، وهي اسم مشتق على وزن «التَّفَاعُل» من الفعل تماهى، ويعرب وفق موقعه في الجملة بحركات مقدرة على الياء للثقل، ويدل الصرف هنا على التشارك والانخراط المستمر في عملية الصيرورة. والكلمة الثانية «الدِّفَاعِيُّ» (بكسر الدال وتشديد الفاء المفتوحة والياء المشددة للمنسوبية)، وهي نعت يصف طبيعة هذا التماهي وغايته الوظيفية.
من الناحية الاستعمالية، يظهر المصطلح أيضاً في الترجمات العربية تحت مسميات متقاربة مثل «التوحد الدفاعي» أو «التماثل الدفاعي». ويُفضَّل في المعاجم النفسية الأكاديمية استخدام «التماهي الدفاعي» للتمييز الدقيق بين التماهي كعملية دينامية مستمرة داخل الأنا، وبين «التوحد» (Autism) الذي يحيل في التصنيفات المعاصرة إلى اضطراب نمائي عصبي مختلف تماماً في بنيته وسياقه السريري.
4. شرح مفهومي مفصل
يمثل التماهي الدفاعي نمطاً بنيوياً رفيع التعقيد من أنماط المعالجة النفسية اللاشعورية، ينهض على فرضية أساسية مؤداها أن العقل البشري يفضل التحالف مع مصدر الألم على البقاء في دائرة الاستهداف السلبي المستمر. في هذا النطاق، ينبغي تفكيك الآلية إلى مستويات متعددة: المستوى الإدراكي، والمستوى الانفعالي، والمستوى العلائقي السلوكي. فعلى الصعيد الإدراكي، يعيد الأنا صياغة المشهد الكارثي؛ فبدلاً من إدراك الفرد لذاته كضحية مهددة وضعيفة ومستلبة الإرادة، يقوم بتبني منظور المعتدي وإسناد الشرعية إلى تصرفاته، وكأن الفرد يقول في لاوعيه: «إن لم أستطع هزيمته، فسأصبح هو، وبذلك يزول التهديد».
وعلى الصعيد الانفعالي، يعمل التماهي الدفاعي كمخدر فعال ضد مشاعر الرعب، والمهانة، وقلق الفناء. إن الإحساس بالعجز التام يعد من أشد التجارب تدميراً للتكامل النفسي؛ ومن ثم، فإن استعارة قوة المعتدي وانتحال جبروته يمنح الفرد شعوراً بدلياً بالقوة المطلقة (Omnipotence). هذا التحول الوجداني ينطوي على قمع هائل لمشاعر التعاطف مع الذات الحقيقية ومع الضحايا الآخرين، بل قد ينقلب إلى احتقار موجه نحو كل ما هو ضعيف أو هش داخل الذات أو في البيئة المحيطة، وهو ما يُعرف في الأدبيات التحليلية بالتحول من الموقف السلبي إلى الموقف الإيجابي الفاعل (Turning passive into active).
ويمتد نطاق المفهوم ليشمل ديناميات تشكل «الأنا الأعلى» (Superego). ففي التطور النفسي السوي، يستبطن الطفل الأوامر والنواهي الوالدية برباط من الحب والتقدير الممزوج ببعض الإحباط البناء. أما في التماهي الدفاعي، فإن الأنا الأعلى يتغذى على القسوة والعدوانية الصرفة؛ حيث يستدمج الطفل صورة والدية مهددة، مما يؤدي إلى نشوء أنا أعلى عقابي وفاشي في تعامله مع الأنا الواقعي. وتتجلى حدود هذا المفهوم في كونه يفقد فاعليته التكيفية ليصبح عائقاً أمام النمو النفسي المستقل؛ فالشخص لا يكتسب هوية أصيلة ومرنة، بل يرتدي قناع المعتدي كدرع صلب يمنع عنه نماء العلاقات العاطفية القائمة على الثقة والتعاطف المتبادل.
علاوة على ذلك، يتقاطع التماهي الدفاعي مع آليات الانشطار (Splitting) والإسقاط (Projection)؛ إذ يقوم الفرد بشطر ذاته، فيسقط الجزء الضعيف والمتألم على المحيطين به، بينما يحتفظ بالجزء المعتدي المتماهى معه، مما يدفعه إلى ممارسة العدوان على الآخرين كرد فعل استباقي لمنع تعرضه هو للأذى. هذه الدينامية تشرح كيف يتحول الأطفال المعنفون في كثير من الحالات إلى معتدين، ليس حباً في العنف بحد ذاته، بل كاستراتيجية دفاعية ميؤوس منها لتفادي تجربة العجز الصادمة التي خبروها في طفولتهم المبكرة.
5. التطور التاريخي
تعود الإرهاصات الأولى للمفهوم إلى أعمال سيغموند فرويد (Sigmund Freud) في مطلع القرن العشرين، وتحديداً في مقاربته لعقدة أوديب (Oedipus Complex) وقلق الإخصاء (Castration Anxiety). في كتابيه «الحداد والملنخوليا» (1917) و«الأنا والهو» (1923)، أوضح فرويد أن الطفل، لمواجهة قلقه الشديد من بطش الأب المنافس وخوفه من العقاب، يتخلى عن رغبته في التملك المباشر للأم ويعمد بدلاً من ذلك إلى «التماهي مع الأب». هذا التماهي هو في جوهره دفاعي، إذ يسمح للطفل بامتصاص تهديد الأب عبر التحول إلى شبهه واكتساب خصائصه، وهو ما يسهم لاحقاً في تكوين الأنا الأعلى.
شهد المفهوم نقلة نوعية وجذرية على يد المحلل النفسي المجري ساندور فيرينزي (Sándor Ferenczi) في ورقته التاريخية الشهيرة عام 1932 بعنوان «ارتباك الألسنة بين البالغين والطفل». وصف فيرينزي بدقة سريرية متناهية كيف أن الطفل الذي يتعرض للاعتداء من قبل شخص بالغ يلجأ بدافع الرعب المطلق إلى التخلي عن إرادته والتماهي التام مع المعتدي، مستدخلاً رغبات المعتدي وشعوره بالذنب في بنيته النفسية الخاصة، وهو ما يُعد التأسيس المباشر لمفهوم «التماهي مع المعتدي».
وفي عام 1936، قامت آنا فرويد (Anna Freud) في كتابها المرجعي «الأنا وآليات الدفاع» (The Ego and the Mechanisms of Defence) بصياغة وتأطير «التماهي مع المعتدي» (Identification with the Aggressor) كواحد من أهم وأبرز الدفاعات النفسية النمائية والمرضية. قدمت آنا فرويد أمثلة إكلينيكية حية بينت فيها كيف يقلد الطفل معلمه الغاضب أو طبيب الأسنان المخيف، محولاً نفسه من متلقٍ مذعور للضربة إلى ضارب فاعل، ومؤكدة أن هذه الآلية تدمج بين التماهي المقلد والاعتداء التعبيري في آن واحد.
استمر تطوير المفهوم في النصف الثاني من القرن العشرين؛ حيث أدخلت مدرسة العلاقة بالموضوع (Object Relations Theory) بقيادة ميلاني كلاين ومن بعدها هاينز كوهوت وأوتو كيرنبيرغ تعديلات عميقة على المفهوم، بربطه بآليات التماهي الإسقاطي (Projective Identification) والتنظيمات الحدية للشخصية. وفي سبعينيات القرن العشرين، وسعت الدراسات الاجتماعية والنفسية هذا المفهوم لتفسير الظواهر الصادمة الكبرى، مثل «متلازمة ستوكهولم» (Stockholm Syndrome) وتواطؤ الرهائن مع خاطفيهم، مما نقل المفهوم من العيادة التحليلية الفردية إلى فضاءات التحليل السياسي والاجتماعي للضحايا والشعوب المقهورة.
6. الأسس والنظريات المؤطرة
يستند التماهي الدفاعي إلى عدة أطر نظرية متماسكة داخل علم النفس التحليلي والدينامي، تشرح الدوافع الكامنة وراء هذه الاستجابة المعقدة:
أولاً، النموذج البنيوي للتحليل النفسي (Structural Model): يفترض هذا النموذج صراعاً ثلاثياً مستمراً بين نزوات «الهو» (Id)، ومحاذير «الأنا الأعلى» (Superego)، ومتطلبات الواقع التي يتوسطها «الأنا» (Ego). عندما يتعرض الأنا لضغط هائل وتهديد يثير قلقاً موضوعياً لا قِبل له به، يعجز عن استخدام آليات التفاوض الواعية، فيلجأ إلى تغيير بنائه الذاتي عبر التماهي لترضية الأنا الأعلى المستبطن أو لتهدئة رعب الهو، محققاً بذلك توازناً اقتصادياً هشاً في توزيع الطاقة النفسية (Libidinal and aggressive cathexes).
ثانياً، نظرية العلاقة بالموضوع (Object Relations Theory): تنظر هذه النظرية إلى التماهي الدفاعي بوصفه استجابة لانهيار العلاقة الآمنة مع «الموضوع» (الآخر المهم كالأب أو الأم). وفقاً لـ ميلاني كلاين (Melanie Klein)، يرتبط التماهي بمحاولة الأنا السيطرة على الموضوع السيئ والمدمر عبر استدماجه وتضمينه داخل الذات (Introjection). من خلال هذه العملية، يعتقد الطفل اللاشعوري أنه بابتلاعه لمصدر الخطر قد سيطر عليه وجرده من قدرته على الإيذاء الخارجي، دون إدراك أن هذا الاستدماج يحول الخطر إلى سموم تسري في نسيج الذات نفسه.
ثالثاً، نظرية الصدمة المعاصرة وعلم النفس العصبي العلائقي: ينظر هذا الاتجاه إلى التماهي الدفاعي بوصفه استجابة بقائية متجذرة في البيولوجيا العصبية. في مواجهة المعتدي الحتمي الذي لا يمكن الهروب منه (Flight) أو قتاله (Fight)، يلجأ الجهاز العصبي إلى استجابة الإذعان التكيفي والتحالف (Fawn or Appease). على المستوى المعرفي والوجداني، يتحول هذا الخضوع العصبي والفسيولوجي إلى تماهٍ نفسي كامل؛ حيث تصبح قراءة أفكار المعتدي وتوقع رغباته وتقمص شخصيته الطريقة الوحيدة لضمان تفادي غضبه وتأمين البقاء الجسدي.
7. المكونات الأساسية والأنماط والأبعاد
يتألف التماهي الدفاعي من بنية دينامية مركبة تضم أبعاداً معرفية، وانفعالية، وسلوكية، ويمكن تصنيفه إلى عدة أنماط فرعية وفق السياق والمستوى السريري:
- استدخال خصائص المعتدي (Introjection of the Aggressor): الامتصاص اللاشعوري للسمات والرموز والملامح العدوانية للشخص المهدِّد ونقلها إلى الفضاء الداخلي للذات.
- الانقلاب من الانفعال السلبي إلى الفعل (Reversal of Roles): التخلي القسري عن موقع الضحية المستكينة عبر ممارسة نفس السلوك القمعي على أفراد آخرين أضعف من الفرد نفسه.
- التبرير والتعاطف المشوه: خلق تبريرات أخلاقية ومعرفية لاشعورية لتصرفات المعتدي، وإلقاء اللوم على النفس أو الضحايا الآخرين لتفادي إدانة مصدر القوة.
- التماهي التنازلي أو الخضوعي (Appeasement Identification): التماهي القائم على إذعان الأنا الكامل لرغبات الطرف المهيمن لتحقيق الحماية وتجنب النبذ أو العقاب الجسدي والنفسي.
- التماهي مع الضحية كدفاع (Identification with the Victim): نمط معكوس يتماهى فيه الفرد دفاعياً مع دور الضحية المطلقة لتجنب مواجهة دوافعه العدوانية الخاصة أو لتفادي مشاعر الذنب المرتبطة بقوته التدميرية.
- التماهي الدفاعي التوقعي (Anticipatory Identification): تبني استباقي لمنظومة قيم الخصم قبل وقوع الصدام الفعلي، كوسيلة لإلغاء أي دافع لدى الخصم لممارسة العدوان مستقبلاً.
8. أمثلة ونماذج وحالات توضيحية
تتعدد تجليات التماهي الدفاعي في الواقع الحياتي والممارسات الإكلينيكية، ومن أبرز هذه النماذج:
النموذج المدرسي (التنمر): حالة التلميذ (سامي)، البالغ من العمر عشر سنوات، والذي تعرض على مدار أشهر طويلة لتنمر منهجي وإذلال جسدي ولفظي من قبل مجموعة من زملائه الأكبر سناً دون قدرة على الدفاع عن نفسه. بعد فترة وجيزة، لاحظ المعلمون تحولاً راديكالياً في سلوك سامي؛ إذ بدأ يرتدي ملابس شبيهة بملابس زعيم المتنمرين، واقتبس نبرة صوته الحادة وألفاظه النابية، وشرع في ممارسة تنمر شديد وقاسٍ على أطفال الروضة الأصغر سناً في المدرسة. يجسد هذا التحول الكلاسيكي «التماهي مع المعتدي»؛ حيث لم يجد سامي مخرجاً من رعب الاستهداف إلا بتقمص دور الوحش الذي أرهبه.
النموذج العائلي (العنف الأسري): حالة شابة نشأت في كنف أب نرجسي استبدادي كان يعنف والدتها وأبناءه باستمرار ويسخر من مشاعرهم الإنسانية. على الرغم من معاناتها الشديدة وكراهيتها الواعية لسلوك والدها أثناء الطفولة، إلا أنها عندما بلغت سن الرشد وتزوجت، أصبحت تمارس نفس الأسلوب الاستبدادي والازدراء العاطفي تجاه شريك حياتها وأطفالها. يوضح هذا المثال استبطان منظومة المعتدي الدفاعية؛ فالأنا الداخلي يرى أن الملاذ الآمن الوحيد لتجنب أن تكون «أماً ضعيفة ومسحوقة» هو أن تصبح «أباً باطشاً وقوياً».
النموذج الجمعي (متلازمة ستوكهولم): في حوادث احتجاز الرهائن، مثلما حدث في بنك ستوكهولم عام 1973، أظهر الرهائن تعاطفاً جارفاً مع محتجزيهم المسلحين، بل ودافعوا عنهم أمام قوات الشرطة ورفضوا الشهادة ضدهم لاحقاً. هذا السلوك يمثل دفاعاً نفسياً بيولوجياً ووجدانياً حاداً؛ حيث يُرغم التهديد المطلق بالموت الرهينة على الانصهار نفسياً مع رغبات الخاطف وتبرير أفعاله لضمان بقائه حياً على قيد الحياة.
9. القياس والتقييم النفسي
نظراً لأن التماهي الدفاعي عملية لاشعورية غائرة في البناء النفسي للفرد، فإنه لا يخضع للقياس الكمي المباشر عبر استبيانات بسيطة تقريرية (Self-report inventories)، بل يعتمد تقييمه السريري على مصفوفة من الأدوات الإسقاطية والمقابلات الدينامية المتعمقة:
أولاً، الاختبارات الإسقاطية (Projective Tests): يُعد اختبار بقع الحبر لرورشاخ (Rorschach Inkblot Test) من أهم الأدوات في هذا السياق؛ إذ تكشف استجابات المفحوص التي تتضمن رموزاً عدوانية متزاوجة مع استجابات تشويه صورة الجسد أو إدراك كائنات جبارة تبتلع كائنات أصغر، عن وجود آليات دفاعية قائمة على الاستدماج والتماهي العدواني. كما يوفر اختبار تفهم الموضوع (TAT – Thematic Apperception Test) مادة غنية لتحليل قصص المفحوص؛ حيث يميل الأفراد ذوو التماهي الدفاعي إلى سرد قصص يتطابق فيها البطل الضعيف فجأة مع شخصيات المعتدين ويبدأ في إبادة الشخصيات الأخرى لتبرير سلامته.
ثانياً، استبيانات آليات الدفاع (Defense Style Questionnaires): بالرغم من محدودية التقرير الذاتي، فإن مقياس أنماط الدفاع (DSQ-40) الذي طوره بوند وزملاؤه (Bond et al.) يساعد في قياس مستوى اعتماد المفحوص على الدفاعات غير الناضجة (Immature Defenses)، مثل الانشطار والإسقاط والتماهي العدواني؛ مما يعطي مؤشراً بنيوياً عاماً على التكيف الدفاعي للأنا.
ثالثاً، تقنية اختبار آلية الدفاع (DMT – Defense Mechanism Test): وهو اختبار إدراكي دقيق ابتكره أولف كراج (Ulf Kragh)، يعتمد على عرض صور ذات طابع تهديدي لومضات بصرية بالغة القصر (Tachistoscopically). يُقاس فيه مدى قيام المفحوص بتشويه صورة الشخصية المهددة أو تحويلها إلى شخصية صديقة متطابقة مع الذات، وهو مؤشر تجريبي مثبت على التماهي الدفاعي السريع ضد الخطر الإدراكي المفاجئ.
10. التطبيقات والأهمية العملية والسريرية
يحظى فهم التماهي الدفاعي بأهمية بالغة في شتى ميادين الممارسة النفسية والاجتماعية:
في ميدان العلاج النفسي الفردي، يشكل تفكيك التماهي الدفاعي حجر الزاوية في التعامل مع حالات اضطراب ما بعد الصدمة المعقد (C-PTSD) واضطرابات الشخصية، ولا سيما الشخصية الحدية والنرجسية ومضادة للمجتمع. يتعين على المعالج التحليلي رصد استجابات التحويل (Transference) بحذر؛ حيث يميل المريض في كثير من الأحيان إلى ممارسة دور المعتدي داخل الجلسة (كالسخرية من المعالج أو مهاجمته)، ليعيد تكرار ما تعرض له. يكمن الهدف العلاجي في مساعدة المريض على إدراك خوفه العميق المخبأ خلف قناع العنف، وفصل هويته الحقيقية عن صورة المعتدي المستدمجة في داخله، وصولاً إلى الحداد الصحي على طفولته المستلبة.
في علم النفس الجنائي والعدلي، يساعد المفهوم في تفسير الجذور النفسية الكامنة وراء انخراط الشباب المعنفين في العصابات الإجرامية والتنظيمات المتطرفة. فكثير من الجناة يعيدون دون وعي إنتاج صدماتهم الأسرية من خلال التماهي مع أيديولوجيات عنيفة ورموز سلطوية بطاشة، مانحين أنفسهم الإذن الأخلاقي بممارسة العنف كدرع يقي من تكرار دور الضحية.
في علم النفس التنظيمي والمؤسساتي، يبرز التماهي الدفاعي في البيئات المهنية السامة والمستبدة؛ حيث يلاحظ استنساخ الموظفين لأساليب الإدارة القمعية ونقلها إلى مرؤوسيهم كآلية للتقرب من الإدارة المتسلطة أو لتحصين أنفسهم ضد الإقصاء الوظيفي، وهو ما يؤدي إلى تجذر ثقافة مؤسسية تقوم على الخوف والتسلط المتبادل بدلاً من التعاون والإنتاجية.
11. البحث العلمي والأدلة التجريبية
أولى البحث السيكولوجي والتجريبي المعاصر اهتماماً كبيراً لاختبار فرضيات التماهي الدفاعي ونقلها من الفضاء التأملي إلى المختبر العلمي والدراسات الميدانية المنضبطة:
أظهرت دراسات رائدة في سيكولوجية إساءة معاملة الأطفال، مثل أبحاث دانتي تشيكيتي (Dante Cicchetti) وزملاؤه حول النماء المرضي العصبي، أن الأطفال الذين يتعرضون للإيذاء الجسدي المزمن يطورون تحيزات إدراكية حادة في التعرف على تعبيرات الوجه الغاضبة قبل غيرهم بأجزاء من الثانية. وقد بينت النتائج أن جزءاً كبيراً من هؤلاء الأطفال يميل في مواقف التفاعل الاجتماعي غير المنظمة إلى تقليد ملامح الوجه العدوانية وتبني استجابات هجومية مباغتة، وهو ما يدعم مفهوم التحول الدفاعي من الضحية إلى المعتدي كآلية تكيف بيولوجية عصبية لدرء الخطر المتوقع.
وفي سياق علم النفس الاجتماعي، أعادت دراسات تجارب الطاعة الكلاسيكية مثل تجربة ستانلي ميلغرام (Stanley Milgram) وتجربة سجن ستانفورد لفيليب زيمباردو (Philip Zimbardo) تسليط الضوء على هذه الآلية. فقد وثقت التحليلات النفسية اللاحقة لسلوك السجانين والمتطوعين الخاضعين لأوامر قاسية، كيف أن بعض المشاركين انخرطوا في تماهٍ دفاعي سريع ومكثف مع السلطة الآمرة، متبنين قسوتها المفرطة لتجنب التوتر الوجداني الشديد الناجم عن الوقوف في وجه المنظومة القمعية وتفادياً لمشاعر الذنب الهدامة.
كما أثبتت الدراسات الطولية المقارنة المعاصرة (Longitudinal Studies) في مجال انتقال الصدمة عبر الأجيال (Transgenerational Trauma) أن غياب الدعم النفسي والتدخل السريري المبكر لدى ضحايا العنف، يرفع بشكل دال إحصائياً من احتمالية تحول الفرد الضحية إلى ممارس لنفس أنماط الإساءة في علاقاته الوالدية المستقبلية، مؤكدة صحة الطروحات الفرويدية الأصلية حول قوة التماهي اللاشعوري كوسيلة مستمرة لإنكار العجز والألم.
12. الاعتبارات الثقافية والمجتمعية
تتأثر مظاهر التماهي الدفاعي وتداعياته بصورة جوهرية بالسياقات الثقافية والاجتماعية والسياسية المحيطة بالفرد والجماعة:
في الثقافات الجمعية (Collectivist Cultures) التي تشدد على الامتثال المطلق للسلطة الوالدية أو العشائرية وتعد التمرد خروجاً مداناً، قد يتم إضفاء الشرعية على التماهي الدفاعي باعتباره برّاً وطاعة ووفاءً للتقاليد. يتعلم الأفراد في هذه البيئات قمع أي تمرد ذاتي والتماهي التام مع بطش الرموز الأبوية أو المجتمعية المستبدة، مما يجعل استنساخ العنف الأسري والمجتمعي مغلفاً بواجب أخلاقي يصعب تفكيكه أو نقده داخل العيادة دون الاصطدام بالمقدس الثقافي.
أما على الصعيد السياسي والاجتماعي الكلي، فيعتبر المفكر فرانتز فانون (Frantz Fanon) في كتابه التأسيسي «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» أن الاستعمار يفرض تماهياً دفاعياً جماعياً على الشعوب المستعمرة (بفتح العين)؛ حيث يضطر المستعمَر، تحت وطأة العنف الرمزي والمادي وسحق هويته الأصلية، إلى التماهي مع لغة وثقافة ونمط حياة المستعمِر الأبيض والتصرف على غراره لاحتقار ذاته وجماعته. هذا التماهي ليس رغبة أصيلة في التطبيع الثقافي، بل هو درع دفاعي جماعي للهروب من واقع الدونية والاضطهاد المفروضين بالقوة.
وعلى النقيض من ذلك، في الثقافات الفردانية الحديثة، قد يتخذ التماهي الدفاعي شكلاً أكثر مواربة؛ حيث يتماهى الأفراد المهمشون مع قيم «النجاح الرأسمالي الشرس» والمؤسسات المالية الكبرى التي تسحقهم، متبنين خطابات المنافسة القاسية واحتقار الضعفاء والفقراء كآلية للدفاع ضد مشاعر الفشل والتهميش الاجتماعي.
13. الانتقادات والجدليات وحدود المفهوم
على الرغم من القيمة التفسيرية العميقة لمفهوم التماهي الدفاعي، إلا أنه واجه جملة من الانتقادات والتحفظات الأكاديمية والسريرية:
يوجه علماء النفس المعرفي والسلوكي انتقادات حادة لكون المفهوم يستند إلى افتراضات دينامية لاشعورية يستحيل إخضاعها بشكل حاسم للتحقق التجريبي القابل للتكرار والتكذيب (Falsifiability) بمفهوم كارل بوبر. ويرى هؤلاء أن سلوكيات تقليد المعتدي أو الخضوع له يمكن تفسيرها بشكل أكثر بساطة واقتصاداً من خلال «نظرية التعلم الاجتماعي» (Social Learning Theory) لألبرت باندورا عبر النمذجة (Modeling) والتعزيز الشرطي، دون الحاجة لافتراض بنى لاشعورية معقدة كاستدخال الموضوع والأنا الأعلى الاستبدادي.
من جانب آخر، أثارت الحركات النسوية والنقاد في حقل علم الضحايا (Victimology) جدلاً أخلاقياً حول استعمال التماهي الدفاعي ومتلازمة ستوكهولم في المحاكم والسياقات القانونية؛ حيث يُخشى أن يؤدي الإفراط في تشخيص هذا الدفاع إلى لوم الضحية (Victim Blaming) والتعامل مع استجابات البقاء الاضطرارية التي يبديها ضحايا العنف المنزلي أو الاختطاف وكأنها تواطؤ مرضي ورغبة باطنية في تبني سلوك الجلاد، بدلاً من إدراكها كمناورات ذكية ومضطرة لإنقاذ الحياة تحت التهديد المباشر.
كما يناقش بعض المحللين المعاصرين مسألة الغلو في التعميم؛ فالتعرض للصدمة والعنف لا يؤدي حتماً إلى التماهي مع المعتدي؛ إذ يطور كثير من الناجين آليات تكيف ناضجة وبناءة مثل «المرونة النفسية» (Resilience) والتماهي الإيثاري المعكوس (Altruism born of suffering)؛ حيث يصبح الفرد حامياً ومدافعاً شرساً عن الضعفاء رافضاً ممارسة أي عدوان، مما يشير إلى أن التماهي الدفاعي مسار احتمالي يخضع لتفاعل سمات شخصية ونمائية معقدة وليس حتمية سيكولوجية مطلقة.
14. المفاهيم المقارنة والتمايزات
لتلافي الخلط الشائع في الأدبيات السريرية، يتعين التمييز بدقة بين التماهي الدفاعي ومجموعة من المفاهيم المتداخلة معه:
- التماهي الدفاعي مقابل التماهي النمائي (Developmental Identification): التماهي النمائي السوي عملية بناءة مدفوعة بالحب والإعجاب بالوالدين والمربين، تسهم في تعزيز نمو الأنا واكتساب مهارات الحياة في مناخ آمن؛ بينما ينشأ التماهي الدفاعي كرد فعل قسري للخوف والتهديد، ويعمل على إيقاف نمو الذات الحقيقية لصالح بناء درع متصلب مستعار.
- التماهي الدفاعي مقابل التماهي الإسقاطي (Projective Identification): في التماهي الإسقاطي، يطرد الفرد جزءاً غير مرغوب فيه من ذاته ويسقطه على شخص آخر، ثم يتعامل مع هذا الشخص بطريقة تدفعه لتجسيد هذا الجزء المسقط؛ أما في التماهي الدفاعي، فالاتجاه معكوس: الفرد يستدخل صورة الآخر المهدد إلى داخله ويتطابق معها لدرء خطر خارجي قائم بالفعل.
- التماهي الدفاعي مقابل التقليد الواعي (Imitation): التقليد الواعي سلوك خارجي حركي أو لفظي يدرك فيه الفرد أنه يحاكي شخصاً آخر لتحقيق مصلحة أو تعلم مهارة، ويمكن التراجع عنه بإرادة حرة؛ في حين أن التماهي الدفاعي عملية لاشعورية عميقة تعيد هيكلة كينونة الأنا دون وعي مباشر من الفرد، ويصعب التخلي عنها بقرار عقلي وافتراضي.
- التماهي الدفاعي مقابل التقمص التعاطفي (Empathy): التعاطف هو القدرة على فهم واستشعار مشاعر الآخر مع الحفاظ الصارم على الحدود الفاصلة بين الذات والآخر؛ بينما في التماهي الدفاعي تنهار هذه الحدود تماماً لصالح الاندماج والامتصاص اللاشعوري لمنظومة الآخر وسلوكياته.
15. الخلاصة والنتائج الرئيسة
يعد التماهي الدفاعي شاهداً إكلينيكياً ونظرياً بالغ الأهمية على البراعة المأساوية التي يمتلكها العقل البشري للتكيف مع الأهوال؛ فعندما تستحيل مقاومة العنف وتنهار كل سبل النجاة الواقعية، تفضل النفس التنازل عن براءتها والتحالف مع جلادها على أن تسحق تحت وطأة الانهيار والعجز المطلق. تبدأ هذه الآلية كدرع للبقاء المؤقت في أوقات الشدة القصوى، لكنها إذا لم تفكك وتُعالج، تتحول إلى سجن مؤبد يستنسخ القهر عبر الأجيال، مغلقة الأبواب أمام النماء العاطفي الأصيل والتواصل الإنساني الصحي المبني على الثقة والحرية والتعاطف.
المراجع
- Freud, A. (1936). The Ego and the Mechanisms of Defence. International Universities Press. https://www.sas.upenn.edu/~cavitch/pdf-library/Freud_Anna_Ego_and_Mechanisms.pdf
- Ferenczi, S. (1949). Confusion of the tongues between the adults and the child: The language of tenderness and of passion. International Journal of Psycho-Analysis, 30, 225-230. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pubmed/15403061
- Freud, S. (1923). The Ego and the Id. Standard Edition (Vol. 19, pp. 1-66). Hogarth Press. https://www.sigmundfreud.net/the-ego-and-the-id-pdf.jsp
- Fanon, F. (1952). Black Skin, White Masks. Éditions du Seuil. https://ar.wikipedia.org/wiki/بشرة_سوداء،_أقنعة_بيضاء