نموذج الاتجاه المزدوج: صراع الوعي واللاوعي

يقدم نموذج الاتجاه المزدوج إطاراً نظرياً يوضح كيف يحمل الفرد تقييمين متزامنين لموضوع واحد: موقف ضمني تلقائي وآخر صريح واعٍ، مفسراً التناقضات السلوكية العميقة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 15 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 15 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يقدم نموذج الاتجاه المزدوج (Dual-Attitude Model) منظوراً ثورياً في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي، كاسراً النظرة التقليدية التي تفترض أن للإنسان تقييماً واحداً وثابتاً تجاه موضوع أو شخص أو فكرة معينة. يوضح هذا الإطار كيف يمكن للفرد أن يحمل في آنٍ واحد تقييمين متباينين تماماً تجاه الموضوع نفسه: أحدهما ضمني تلقائي لا واعٍ متجذر في الذاكرة الترابطية، والآخر صريح واعٍ تقريري قابل للمراجعة العقلانية والتبرير المنطقي، مما يفسر التناقضات السلوكية العميقة التي يعيشها البشر يومياً.

نموذج الاتجاه المزدوج

1. التعريف الدقيق والموجز

يُعرّف نموذج الاتجاه المزدوج بأنه نظرية نفسية معرفية تفترض قدرة الفرد على امتلاك موقفين تقييميين مختلفين ومتزامنين تجاه نفس «موضوع الاتجاه» (Attitude Object)؛ موقف ضمني قديم أو غير واعٍ، وموقف صريح جديد وواعٍ. ينشط الاتجاه الصريح عندما يمتلك الفرد الدافع والقدرة الإدراكية على استحضاره، في حين يظل الاتجاه الضمني كامناً ومؤثراً تلقائياً على الاستجابات العفوية وغير الواعية.

ويشير النموذج، الذي صاغه علماء النفس تيموثي ويلسون (Timothy D. Wilson) وصامويل ليندسي (Samuel Lindsey) وتونيا شولر (Tonya Y. Schooler)، إلى أن تغيير الموقف الواعي لا يمحو الموقف القديم من الجهاز العصبي والذاكرة؛ بل يُبنى الموقف الجديد فوقه كنظام صريح ومستقل جزئياً. ونتيجة لذلك، يظل الموقف القديم مخزناً كأثر ضمني في الذاكرة الترابطية، مستعداً للانبعاث والتأثير في السلوك بمجرد غياب الانتباه الإدراكي أو تحت ظروف الإجهاد الذهني ونقص سعة المعالجة المعرفية.

ويمثل هذا البناء النظري تجاوزاً حاسماً للمنظور التوحيدي الكلاسيكي للمواقف والاتجاهات، حيث يؤكد أن البشر ليسوا متسقين منطقياً بالضرورة في بنى تقييماتهم الذهنية، بل تتقاطع داخلهم مسارات تقييم متوازية قد تكون متناغمة أو متضاربة بعمق.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي

يستند مصطلح نموذج الاتجاه المزدوج (Dual-Attitude Model) في أصله الغربي إلى كلمتين محوريتين: الأولى (Dual) المشتقة من اللاتينية (dualis) التي تعني «المكون من اثنين» أو «الثنائية»، والثانية (Attitude) المنحدرة تاريخياً من اللاتينية المتأخرة (aptitudo) وتعني «اللياقة» أو «الملاءمة والوضعية»، ثم تطورت في الإيطالية (attitudine) للدلالة على الوضعية الجسدية أو الوقفة التعبيرية للفنان، قبل أن تستقر في علم النفس للدلالة على الحالة الاستعدادية الذهنية والعصبية للفرد حيال البيئة.

أما في اللغة العربية، فيتألف المصطلح من مركب وصفي وإضافي: «نموذج» المعربة من الفارسية للدلالة على المثال المتبع أو الإطار الشارح، و«الاتجاه» المشتق من الجذر اللغوي (و-ج-ه)، حيث يقال «اتجه إلى الشيء» أي ولّى وجهه شطره وقصده، مجازاً للدلالة على الميل النفسي والنزوع الوجداني والمعرفي نحو هدف معين. وتدل صفة «المزدوج» المشتقة من الفعل (ازْدَوَجَ) والجذر (ز-و-ج) على الاقتران والتقابل بين شيئين متمايزين يعملان معاً في إطار واحد.

وقد دخل هذا المصطلح القاموس السيكولوجي العربي ترجمةً للأبحاث المعرفية المتقدمة التي ظهرت مع مطلع الألفية الثالثة، ليميز بين النظريات الأحادية الكلاسيكية للاتجاهات والنماذج التعددية الحديثة التي تفرّق بين الأنظمة الضمنية والصريحة.

3. الصيغة النحوية والصرفية

يُصنّف المصطلح في النحو العربي بوصفه مركباً اسمياً يتألف من مضاف ومضاف إليه متبوعاً بنعت: «نموذجُ» (اسم مفرد، مذكر، مبتدأ أو خبر بحسب السياق التركيبي)، وهو مضاف، و«الاتجاهِ» (مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو مصدر قياسي على وزن افتعال من الفعل اتجه الخماسي، وأصله اوْتَجَهَ قُلبت واوه تاءً وأُدغمت)، و«المزدوجِ» (نعت أو صفة للاتجاه مجرور مثله، وهو اسم مفعول من الفعل الخماسي ازْدَوَجَ).

وتشمل الصيغ المترادفة في الأدبيات العربية استخدام مصطلحات مثل: «نموذج الموقف المزدوج»، و«نظرية الاتجاهات الثنائية»، و«ثنائية التوجه الذهني». ويُستعمل المصطلح في سياق الأبحاث الأكاديمية بصيغة المفرد والجمع للدلالة على البنية الكلية أو التمظهرات المتعددة لهذه الظاهرة في الشخصية الفردية والجماعية.

4. الشرح المفاهيمي الموسع

يتناول نموذج الاتجاه المزدوج الكيفية التي يُنظم بها العقل البشري المعلومات التقويمية حول العالم الاجتماعي والفيزيائي. في صميم هذا المفهوم تكمن فكرة أساسية: عندما يغير شخص ما موقفه حيال قضية معينة (مثل التوقف عن التدخين، أو التخلي عن تحيز عنصري، أو تبني علامة تجارية جديدة)، فإن الموقف السابق لا يتعرض للمحو التام أو الاستبدال المطلق، بل يُزاح إلى طبقات الذاكرة غير المصرح بها (Implicit Memory).

يتشكل الاتجاه الضمني من خلال عمليات الإشراط الكلاسيكي والتعلم الترابطي التكراري على مدى زمني طويل. يتسم هذا الموقف بكونه سريع التفعيل، وتلقائياً، ولا يتطلب استهلاك طاقة ذهنية كبيرة، ويعمل خارج نطاق الإدراك الواعي المباشر. يحدد هذا الاتجاه في المقام الأول ردود الفعل العفوية اللاإرادية، مثل لغة الجسد، وتعبيرات الوجه المجهرية، وزمن الرجع عند اتخاذ القرارات فائقة السرعة.

في المقابل، يمثل الاتجاه الصريح التقييم الواعي الذي يتبناه الفرد ويعلنه صراحة أمام نفسه والآخرين. يتشكل هذا الاتجاه عبر عمليات عقلانية استدلالية واقتراحية (Propositional Processes)، ويستند إلى الحجج المنطقية والمعايير الاجتماعية والالتزام الأخلاقي. يتميز الاتجاه الصريح بمرونته وقابليته للتعديل السريع استجابة للمعلومات الجديدة المقنعة، ولكنه يتطلب توفر الموارد المعرفية الكافية (مثل الانتباه والتركيز والوقت) لكي يتم استدعاؤه وفرض رقابته على السلوك.

تنشأ الدينامية المعقدة للنموذج عندما يتعارض الاتجاهان؛ حيث يخوض الجهاز المعرفي صراعاً خفياً. إذا كان الشخص يمتلك الحافز والوقت والطاقة الذهنية، فإنه يعتمد على اتجاهه الصريح لتوجيه أحكامه وسلوكياته المصرح بها. أما إذا تعرض الشخص لضغط معرفي، أو تشتت، أو إرهاق عصبي، أو كان الموقف يستدعي رد فعل غريزياً فورياً، فإن الاتجاه الضمني يقفز متجاوزاً الموقف الصريح، ليملي على الفرد سلوكاً قد يناقض تماماً قيمه وقناعاته المعلنة.

5. التطور التاريخي ومسار المفهوم

هيمنت النظرة الأحادية للاتجاه على علم النفس الاجتماعي لعقود طويلة؛ إذ كان جوردون ألبورت (Gordon Allport) ومن تلاه من رواد نظريات الاتساق المعرفي، مثل ليون فيستينجر (Leon Festinger) صاحب نظرية التنافر المعرفي، يفترضون أن الاتجاه بنية معرفية موحدة لا يمكن أن تحتمل التناقض الجذري داخل الفرد دون إثارة توتر حاد يدفعه للتسوية والتوافق السريع.

بدأت التصدعات في هذا المنظور الأحادي بالظهور في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، ولا سيما مع أبحاث باتريشيا ديفين (Patricia Devine) عام 1989 حول القوالب النمطية والتحيزات التلقائية، حيث أثبتت تجريبياً أن المعرفة النمطية التلقائية المخزنة في الذاكرة يمكن أن تنشط بمعزل عن معتقدات الفرد الشخصية الواعية والرافضة للتمييز. وتزامن ذلك مع صعود ثورة علم النفس المعرفي واكتشاف الفروق العميقة بين الذاكرة الإجرائية والذاكرة التقريرية.

شهد عام 2000 النقطة المفصلية الأبرز حين نشر ويلسون وليندسي وشولر دراستهم المرجعية التأسيسية بعنوان «نموذج للاتجاهات المزدوجة» (A Model of Dual Attitudes) في مجلة Psychological Review المرموقة. قدم هذا البحث الإطار المتكامل الذي برهن على أن الاتجاهات القديمة لا تُمحى ببساطة عند اكتساب اتجاهات جديدة، بل تكمن تحت السطح كاتجاهات ضمنية تواصل عملها السيكولوجي بالتوازي مع الاتجاهات الصريحة الجديدة.

توالت بعد ذلك النماذج المعرفية التراكمية، ومن أبرزها نموذج التقييم الترابطي والاقتراحي (Associative-Propositional Evaluation Model – APE) الذي طوره يان غاورونسكي (Jan Gawronski) وبيرترام بودنهاوزن (Bertram Bodenhausen) في عام 2006، والذي وسع أركان نموذج ويلسون مقدماً صياغة دقيقة لكيفية التفاعل الجدلي والتحول المتبادل بين العمليات الترابطية غير الواعية والعمليات المنطقية الاقتراحية الواعية.

6. الأسس والأطر النظرية

يرتكز نموذج الاتجاه المزدوج على عدة أسس نظرية متداخلة تنتمي إلى حقول معرفية متعددة:

أولاً، نظريات المعالجة المزدوجة (Dual-Process Theories): يستند النموذج مباشرة إلى تقسيم المعالجة الذهنية البشرية إلى نظامين رئيسيين، كما صاغهما دانيال كانمان (Daniel Kahneman) وجوناثان إيفانز؛ «النظام 1» (الحدسي، السريع، التلقائي، غير الخاضع لجهد واعٍ) الذي يولد الاتجاهات الضمنية، و«النظام 2» (التحليلي، البطيء، المنهجي، المعتمد على القواعد الصورية) الذي يصوغ ويوجه الاتجاهات الصريحة.

ثانياً، نظريات الشبكات العصبية والترابطية (Connectionist and Associative Models): تفترض هذه النظريات أن الخبرات والمشاعر والمفاهيم تُخزن في الذاكرة على شكل عقد وشبكات عصبية مترابطة. عندما يقترن موضوع ما بانفعال معين عبر التكرار أو الشحنة العاطفية، يتعزز هذا الرابط العصبي تلقائياً ويصبح مستقلاً عن التقييم المنطقي اللاحق، مما يفسر بقاء الاتجاه الضمني حتى بعد أن يقرر العقل الواعي بطلانه.

ثالثاً، نموذج التقييم الترابطي والاقتراحي (APE Model): يُعد المرتكز النظري المباشر المفسر لنموذج ويلسون؛ حيث يرى أن الاتجاهات الضمنية تنبثق من التنشيط التلقائي لروابط الذاكرة الإيجابية أو السلبية بغض النظر عما إذا كان الفرد يرى هذا التنشيط «صحيحاً» أم «خاطئاً»، بينما تخضع الاتجاهات الصريحة لحكم تقييمي يُحدد صحة أو صدق تلك الروابط عبر اختبارات المنطق والحقيقة المعرفية.

7. المكونات الأساسية والأبعاد والأنماط

يقوم نموذج الاتجاه المزدوج على بنية تفاعلية تتألف من مكونات وخصائص متباينة تحكم حركة المواقف الإنسانية، وتتفرع كالتالي:

  • الاتجاه الضمني (Implicit Attitude): هو استجابة تقويمية تلقائية سريعة تستند إلى روابط سابقة كامنة في الذاكرة الترابطية. يتم تفعيله تلقائياً وبشكل غير واعٍ، ويصعب تعديله بالحوار المنطقي الصرف، ويتطلب تغييره زمناً طويلاً وممارسات تعزيزية أو تفكيكية متكررة للإشراط العاطفي.
  • الاتجاه الصريح (Explicit Attitude): هو موقف واعي وتقريري يصرح به الفرد علانية ويتبناه فكرياً. يتأسس على معالجة المعلومات والحجج المنطقية، ويتميز بسهولة التعديل السريع مقارنة بالضمني، ولكنه يتطلب جهداً وانتباهاً معرفياً مستمراً ليبقى فعالاً في قيادة السلوك.
  • المحددات الموجهة للسلوك (Behavioral Determinants): يتخصص كل اتجاه في توجيه نمط مختلف من السلوكيات؛ فالاتجاه الضمني يحكم السلوك التلقائي العفوي (Nonverbal Behaviors، لغة الجسد، المسافة بين الأشخاص، استجابات الخوف المفاجئة)، بينما يوجه الاتجاه الصريح السلوكيات المدروسة والمخططة (مثل قرارات التصويت السياسي، شراء سلعة باهظة، أو كتابة مقال يعبر عن الرأي).
  • آلية القمع والرقابة الإدراكية (Cognitive Capacity & Suppression): تمثل الحاجز الرقابي الذي يفرضه الاتجاه الصريح على نظيره الضمني لمنعه من الظهور. يتطلب هذا الحاجز موارد إدراكية حيوية، وينهار عندما يمر الفرد بحالات إجهاد نفسي، أو استهلاك ذهني، أو تحت تأثير الكحول والمخدرات.

8. أمثلة توضيحية ودراسات حالة واقعية

لتوضيح النموذج في الواقع العملي، يمكن إيراد حالات تطبيقية تكشف التنازع بين الاتجاهين:

حالة التحيز العرقي والاجتماعي: قد ينشأ شخص في بيئة اجتماعية مشبعة بأفكار نمطية ضد جماعة عرقية معينة، فيكتسب اتجاهاً ضمنياً سلبياً متجذراً في ذاكرته الترابطية. في شبابه، يلتحق بالجامعة ويتبنى فكرياً وقيمياً مبادئ المساواة وحقوق الإنسان، مما يشكل لديه اتجاهاً صريحاً إيجابياً ومناهضاً للعنصرية بنسبة 100%. في المواقف المخططة والمقابلات الرسمية، يعامل أفراد تلك الجماعة بعدالة واحترام مطلقين، ولكن إذا تعرض لموقف مفاجئ في شارع مظلم أو ضغط زمني مباغت، قد يُظهر لاإرادياً خوفاً عفوياً أو تجنباً جسدياً مجهرياً نابعاً من اتجاهه الضمني الدفين الذي لم يُمحَ نهائياً.

حالة الإقلاع عن التدخين: مدخن سابق ينجح في تبني اتجاه صريح سلبي جداً تجاه السجائر، معتقداً بحزم أنها سامة ومميتة ومكلفة مادياً، ويحث الجميع على الإقلاع عنها. ومع ذلك، قد يظل لديه اتجاه ضمني إيجابي حيال السجائر ناجم عن سنوات من ارتباط النيكوتين بمشاعر الاسترخاء أو المتعة الاجتماعية. عندما يمر بظرف انفعالي ضاغط كفقدان وظيفة، تتراجع قدرة الاتجاه الصريح على الرقابة المعرفية، ليجد نفسه وبشكل آلي غير واعٍ يشعل سيجارة استجابةً للاتجاه الضمني غير المنطفئ.

حالة سلوك المستهلك والعلامات التجارية: مستهلك يقرأ تقارير بيئية وصحية تثبت أن مشروباً غازياً شهيراً يضر بالصحة العامة، فيبني اتجاهاً صريحاً يقضي بمقاطعة هذا المشروب. ومع ذلك، وبسبب تعرضه لملايين الرسائل الإعلانية الجذابة المرتبطة بالسعادة منذ طفولته، يمتلك اتجاهاً ضمنياً فائق الإيجابية نحو العلامة. عندما يدخل متجراً وهو على عجلة من أمره ومشتت الذهن بالهاتف، تمتد يده عفوياً لشراء هذا المشروب ذاته، متفاجئاً بقراره بعد إتمام عملية الشراء.

9. طرائق القياس وأدوات التقييم النفسي

تطلب نموذج الاتجاه المزدوج ابتكار أدوات ومنهجيات قياس نفسية متمايزة جذرياً؛ نظراً لعجز المقاييس التقليدية عن سبر أغوار الاتجاهات غير الواعية:

لقياس الاتجاهات الصريحة، يعتمد الباحثون على المقاييس التقريرية المباشرة (Direct Self-Report Measures)، مثل مقاييس ليكرت (Likert Scales)، واستبيانات التمايز الدلالي (Semantic Differential Scales). تتيح هذه الأدوات للفرد تقييم مشاعره وقناعاته بدرجات رقمية واضحة ومدروسة. تكمن نقطة ضعف هذه المقاييس في خضوعها التام لمرشحات «المرغوبية الاجتماعية» (Social Desirability) ورغبة الفرد في الظهور بمظهر المتسق والأخلاقي أمام الباحث.

ولقياس الاتجاهات الضمنية وتجاوز الرقابة الواعية، ابتكر العلماء أدوات قياس غير مباشرة ترتكز في معظمها على زمن الرجع (Response Latency) بالمللي ثانية، ومن أبرزها:

  • اختبار الترابط الضمني (Implicit Association Test – IAT): الذي ابتكره أنتوني غرينوالد (Anthony Greenwald) وزملاؤه عام 1998؛ حيث يقيس مدى سرعة استجابة الفرد عند ربط مفاهيم معينة (مثل فئات عرقية أو علامات تجارية) بكلمات تقييمية (مثل جيد أو سيئ). كلما كان الارتباط المعرفي أقوى وأكثر رسوخاً في الذاكرة الترابطية، قل زمن الرجع العصبي للمشارك.
  • إجراء التوجيه التقييمي المسبق (Evaluative Priming Task): طوره راسل فازيو (Russell Fazio)، ويقيس التنشيط التلقائي للاتجاه عبر عرض سريع جداً لصورة أو كلمة (محفز مسبق لا يُدرك بوضوح) تليها كلمة إيجابية أو سلبية يُطلب من الفرد تصنيفها بسرعة.
  • إجراء النسبة الخاطئة للمشاعر (Affect Misattribution Procedure – AMP): طوره كيث باين (Keith Payne)، وفيه يُعرض محفز الاتجاه في جزء من الثانية يليه رمز مبهم (مثل رمز صيني غير مفهوم)، ويُطلب من المشارك تقييم مدى جمال الرمز؛ حيث يُسقط الفرد مشاعره التلقائية تجاه المحفز الأول على الرمز اللاحق دون وعي منه.

10. التطبيقات والأهمية العملية

يمتلك نموذج الاتجاه المزدوج تأثيراً بالغاً وتطبيقات حيوية عبر مجالات إنسانية متعددة:

في العيادة النفسية والعلاج المعرفي السلوكي (CBT): يساعد النموذج المعالجين في فهم أسباب انتكاس المرضى الذين يعانون من الرهاب، أو الوسواس القهري، أو اضطرابات الإدمان. قد يقتنع المريض صراحة وبمنطق عقلاني قاطع بعدم وجود خطر من ركوب الطائرة، ومع ذلك يفشل في ركوبها. يرجع هذا إلى أن الاتجاه الضمني الارتكاسي لم يُعد تدريبه بعد، مما يوجه التدخلات العلاجية نحو أساليب التعريض الميداني وتعديل الانحياز المعرفي لتدريب النظام الترابطي بدلاً من الاكتفاء بالنقاش المنطقي.

في العدالة الجنائية والسياسات العامة: يستخدم النموذج لتفسير التحيز الضمني لرجال الشرطة والقضاة؛ إذ قد يكون القاضي ملتزماً أخلاقياً وقانونياً بالعدالة التامة (اتجاه صريح)، ولكنه يقع فريسة للأحكام الأقسى غير الواعية بحق أقليات معينة تحت وطأة الإجهاد الذهني أو غموض الأدلة (اتجاه ضمني). وقد أسفر هذا الفهم عن برامج تدريب وطنية شاملة لتفكيك الانحيازات غير الواعية في أجهزة إنفاذ القانون.

في التسويق وعلم النفس التنظيمي: تعتمد المؤسسات الكبرى على قياس الاتجاهات الضمنية للمستهلكين لأنها أثبتت دقة تفوق الاستبيانات التقليدية في التنبؤ بنجاح المنتجات وسلوكيات الشراء الاندفاعية. وفي بيئات العمل، يساعد النموذج في فهم التمييز غير المرئي في التوظيف والترقية ومكافحة ما يسمى بالسقف الزجاجي.

11. الشواهد التجريبية والأبحاث الميدانية

عززت مئات الدراسات التجريبية صحة الفرضيات التي قام عليها نموذج ويلسون وزملائه. في إحدى الدراسات الكلاسيكية لدوفيديو وغارتنر (Dovidio & Gaertner, 2000) حول «العنصرية المقنعة» (Aversive Racism)، خضع المشاركون لاختبارات قياس الاتجاهات الصريحة والضمنية قبل دخولهم في تفاعل حي مع أشخاص من أعراق مختلفة. أظهرت النتائج أن الاتجاهات الصريحة تنبأت بدقة بالسلوكيات الخاضعة للسيطرة الواعية (مثل الكلمات المنطوقة ودرجات التقييم الرسمية)، بينما تنبأت الاتجاهات الضمنية بالسلوكيات غير اللفظية التلقائية فقط (مثل تجنب التواصل البصري، والابتسام الزائف، والتباعد الجسدي).

وفي دراسة محورية قادها ويلسون وزملاؤه (Wilson et al., 2000)، أظهر الباحثون أنه عند حث المشاركين على تغيير اتجاههم تجاه أستاذ جامعي من خلال تقديم أدلة جديدة مقنعة، تغير اتجاههم التقريري الصريح فوراً، إلا أن مقاييس أزمنة الرجع أظهرت احتفاظهم بالتقييم التلقائي الأول كما هو، وسرعان ما عاد الموقف القديم لتوجيه خياراتهم عندما فرضت عليهم أعباء معرفية موازية (Cognitive Load Task) كحفظ أرقام متعددة أثناء اتخاذ القرار.

علاوة على ذلك، أيدت أبحاث العلوم الاستعرافية والتصوير العصبي الوظيفي (fMRI) هذا التمايز البنيوي؛ إذ وجد الباحثون أن الاتجاهات التلقائية الضمنية تنشط بالدرجة الأولى مناطق اللوزة الدماغية (Amygdala) ومسارات المعالجة الانفعالية الحوفية، في حين يرتبط تفعيل الاتجاهات الصريحة وتعديل السلوك بنشاط القشرة الجبهية الأمامية الظهرانية الجانبية (DLPFC) والقشرة الحزامية الأمامية (ACC)، وهي المناطق المسؤولة عن الوظائف التنفيذية وضبط الذات.

12. الاعتبارات الثقافية وعبر الثقافية

تتأثر دينامية نموذج الاتجاه المزدوج بالبيئة الثقافية والسياقات المجتمعية الحاضنة للأفراد. ففي الثقافات الجمعية (مثل العديد من المجتمعات العربية والآسيوية) التي تؤكد على التناغم الاجتماعي ومفهوم «حفظ ماء الوجه»، قد تكون الفجوة بين الاتجاه الصريح والاتجاه الضمني أوسع بكثير مقارنة بالثقافات الفردية الغربية.

في مثل هذه البيئات، يفرض الضغط الاجتماعي والمحددات المعيارية تشكيل اتجاهات صريحة صارمة تتسق مع التوقعات الأسرية أو الدينية أو القبلية، في حين تظل المشاعر الفردية الحقيقية والمغايرة مكبوتة في نطاق الاتجاهات الضمنية غير المصرح بها تجنباً للنبذ أو التوتر الاجتماعي. يمثل هذا التباعد آلية تكيفية ضرورية للعيش المشترك ولكنه يفرض عبئاً مستمراً على الموارد الرقابية المعرفية للأفراد.

من جهة أخرى، تشير الأبحاث عبر الثقافية إلى أن محتوى الذاكرة الترابطية (مصدر الاتجاه الضمني) هو نتاج خالص لثقافة الأغلبية والمخزون اللغوي والرمزي للبيئة؛ مما يعني أن أفراداً من الأقليات قد يحملون اتجاهات ضمنية سلبية نحو جماعتهم التي ينتمون إليها نتيجة استبطانهم للرسائل الإعلامية السائدة، حتى وإن كانوا يناضلون صراحة للدفاع عن حقوق تلك الجماعة.

13. الانتقادات والمناظرات العلمية والحدود

على الرغم من النجاح الواسع الذي حققه نموذج الاتجاه المزدوج، فإنه واجه انتقادات منهجية ونظرية حادة من مدارس سيكولوجية متعددة:

أبرز الانتقادات قادها أري كروغلانسكي (Arie Kruglanski) عبر ما يُعرف باسم «النموذج الأحادي» (Unimodel)؛ حيث جادل بأن افتراض وجود نظامين أو اتجاهين منفصلين هو تعقيد غير ضروري (انتهاك لمبدأ نصل أوكام). يرى كروغلانسكي أن هناك اتجاهاً واحداً فقط في العقل، وما يبدو كثنائية هو في الحقيقة ناتج عن اختلاف قواعد الاستدلال والجهد الإدراكي المستثمر في اللحظة المعطاة وليس وجود مستودعين مستقلين للتقييم.

كما انتقد باحثون آخرون موثوقية وثبات أدوات قياس الاتجاهات الضمنية وخاصة اختبار الترابط الضمني (IAT)؛ إذ تشير الدراسات إلى أن معامل ثبات الاختبار وإعادة الاختبار (Test-Retest Reliability) فيه أدنى بكثير من مقاييس الشخصية الكلاسيكية، مما يشير إلى أن ما يقيسه قد يكون حالات ذهنية عابرة وتأثيرات سياقية لحظية وليست بنى تقييمية مستقرة وعميقة الجذور.

وهناك أيضاً جدل فلسفي وأخلاقي عميق: هل الاتجاه الضمني يمثل «الذات الحقيقية» للفرد بينما الاتجاه الصريح هو مجرد قناع اجتماعي؟ يرفض ويلسون هذا التبسيط، مؤكداً أن كلا الاتجاهين حقيقيان ويمثلان جانباً من تكوين الإنسان النفسي، وأن الاتجاه الصريح الذي يبنيه الإنسان بوعيه وقيمه هو التعبير الأصدق عن اختياراته الأخلاقية المستقلة.

14. المفاهيم المقترنة والفروق الدقيقة

تتقاطع عدة مفاهيم مع نموذج الاتجاه المزدوج، وتبرز الفروق الجوهرية بينها على النحو التالي:

  • الاتجاه المزدوج مقابل التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance): التنافر المعرفي حالة من الانزعاج والتوتر النفسي الحاد تنشأ من إدراك الفرد الواعي لوجود تعارض بين معتقدين أو بين فكرة وسلوك. أما في الاتجاه المزدوج، فقد يتعايش التقييمان المتناقضان بسلام دون أن يختبر الفرد أي انزعاج أو توتر، وذلك لكون الاتجاه الضمني يعمل خارج دائرة الإدراك والوعي المباشر.
  • الاتجاه المزدوج مقابل ازدواجية الاتجاه الواعية (Attitudinal Ambivalence): الازدواجية الكلاسيكية تعني أن الفرد يدرك بوعي تام وجود مشاعر إيجابية وسلبية مختلطة في آن واحد تجاه موضوع معين (مثل حب السفر ولكن الخوف من تكاليفه). في المقابل، يمتلك الفرد في الاتجاه المزدوج موقفاً صريحاً واحداً ومحسdevوماً (إيجابياً تماماً مثلاً)، بينما يظل الموقف المعاكس ضمنياً وغير معترف به ذاتياً.
  • نموذج الاتجاه المزدوج مقابل نموذج احتمال التوسع (ELM): يركز نموذج احتمال التوسع لريتشارد بيتي وجون كاسيوبو على مسارات الإقناع وكيفية معالجة الرسائل الترويجية (المسار المركزي والمسار الهامشي)، بينما يهتم نموذج الاتجاه المزدوج بطبيعة التمثيل المعرفي للتقييم ذاته وكيفية تخزينه واستدعائه في البنية الذهنية.

15. الخلاصة والاستنتاجات الأساسية

يمثل نموذج الاتجاه المزدوج نقلة نوعية في سبر أغوار السلوك الإنساني؛ حيث يُظهر أن عقولنا لا تعمل كصفحات بيضاء تُمحى فيها الكتابات القديمة بمجرد تدوين أفكار جديدة، بل تشبه المخطوطات القديمة متراكبة النصوص (Palimpsests)، حيث تظل آثارنا التقييمية العاطفية والتاريخية حية في طبقات الذاكرة الترابطية العميقة حتى بعد تبنينا لمواقف وقيم عقلانية مغايرة.

تكشف النظرة الشاملة للنموذج أن السلوك البشري هو محصلة لتفاوض مستمر بين قوتين: العفوية التلقائية المتجذرة في التاريخ الفردي والاجتماعي، والسيطرة الإدراكية الواعية المستندة إلى الإرادة والمعرفة. إن فهم هذا التمايز يفتح آفاقاً رحبة لإصلاح الممارسات السريرية، وتطوير الأنظمة القانونية والمؤسسية، وبناء مجتمعات أكثر وعياً بطبيعة انحيازاتها الكامنة، وصولاً إلى تحقيق اتساق إنساني أكثر عمقاً وأصالة.

المراجع

  • Devine, P. G. (1989). Stereotypes and prejudice: Their automatic and controlled components. Journal of Personality and Social Psychology, 56(1), 5–18. https://doi.org/10.1037/0022-3514.56.1.5
  • Dovidio, J. F., & Gaertner, S. L. (2000). Aversive racism and selection decisions: 1989 and 1999. Psychological Science, 11(4), 315–319. https://doi.org/10.1111/1467-9280.00262
  • Gawronski, B., & Bodenhausen, G. V. (2006). Associative and propositional processes in evaluation: An integrative review of implicit and explicit attitude change. Psychological Bulletin, 132(5), 692–731. https://doi.org/10.1037/0033-2909.132.5.692
  • Greenwald, A. G., McGhee, D. E., & Schwartz, J. L. (1998). Measuring individual differences in implicit cognition: The implicit association test. Journal of Personality and Social Psychology, 74(6), 1464–1480. https://doi.org/10.1037/0022-3514.74.6.1464
  • Wilson, T. D., Lindsey, S., & Schooler, T. Y. (2000). A model of dual attitudes. Psychological Review, 107(1), 101–126. https://doi.org/10.1037/0033-295X.107.1.101

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 15). نموذج الاتجاه المزدوج: صراع الوعي واللاوعي. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/dual-attitude-model/
looti, Mohammed. “نموذج الاتجاه المزدوج: صراع الوعي واللاوعي.” عرب سايكلوجي, 15 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/dual-attitude-model/.
looti, Mohammed. “نموذج الاتجاه المزدوج: صراع الوعي واللاوعي.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 15, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/dual-attitude-model/.