يُعد مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي (Edwards Personal Preference Schedule – EPPS) أحد أبرز المعالم السيكومترية التي أحدثت ثورة منهجية في ميدان قياس الشخصية وتقييم الدوافع النفسية الإنسانية. نشأ هذا الاختبار كاستجابة علمية رصينة لمعضلة كبرى واجهت أدوات التقرير الذاتي التقليدية، وهي ميل المفحوصين الفطري نحو التزييف وتصوير ذواتهم بصورة مقبولة اجتماعياً. عبر تبني تقنية الاختيار الإجباري المتوازن، استطاع المقياس تقديم قراءة متعمقة ودقيقة للبنية الفوقية للحاجات النفسية لدى الأفراد، مما جعله أداة لا غنى عنها في التوجيه النفسي، والاستشارات المهنية، والبحوث الأكاديمية لعقود متتالية.
مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي (EPPS)
1. التعريف الموجز والدقيق
مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي (EPPS) هو أداة تقييم سيكومترية ذاتية التقرير، غير إكلينيكية، صممها عالم النفس الأمريكي ألين إدواردز عام 1954، وتهدف أساساً إلى قياس الأهمية النسبية لخمس عشرة حاجة نفسية مستمدة من نظرية الدوافع لـ هنري موراي. يتميز المقياس بأسلوبه الإجباري (Ipsative Forced-Choice)، حيث يطلب من المفحوص الاختيار بين عبارتين متكافئتين في درجة المرغوبية الاجتماعية، مما يحد من تشويه الإجابات ويوفر صورة بنيوية لحاجات الفرد الذاتية.
يتجاوز المقياس مجرد حصر السمات السلوكية الظاهرة إلى تفكيك القوى الدافعة والمحركات الكامنة وراء السلوك الإنساني اليومي. فالأداة لا تسعى إلى تصنيف الأفراد وفق متصل الأمراض النفسية أو تشخيص الاضطرابات الذهانية والعصابية، بل تركّز بشكل كلي على الشخصية السوية والخيارات القيمية والتفضيلية التي توجه الأفراد في بيئاتهم الأكاديمية والمهنية والاجتماعية.
يعتمد المقياس نظام الدرجات المقارنة ذاتياً (Ipsative Scoring)، مما يعني أن درجات الفرد في بُعد معين لا تعكس مستواه مقارنة بعينة معيارية عامة فحسب، بل تُظهر الأهمية والأولوية النسبية لهذه الحاجة مقارنة ببقية حاجاته النفسية الذاتية الأخرى، وهو ما يمنح الأخصائي النفسي فهماً شاملاً لنسق التفضيلات الديناميكية داخل المنظومة النفسية الواحدة.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يرجع مصطلح “مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي” (Edwards Personal Preference Schedule) إلى اسم مبتكره عالم المقاييس النفسية ألين ل. إدواردز (Allen L. Edwards). تشير كلمة “جدول” أو “مقياس” المنقولة عن الإنجليزية (Schedule) في سياق القياس النفسي إلى قائمة منظمة ومجدولة من الفقرات أو الاستبيانات التي تقيس مجالات متعددة ضمن إطار موحد ومقنن. أما لفظ “التفضيل” (Preference) المشتق لغوياً من الجذر اللاتيني (praeferre) والذي يعني تقديم شيء على آخر أو حيازته لمرتبة عليا في الإيثار، فقد اختاره إدواردز بعناية ليعكس الطبيعة النسبية للاختبار القائمة على اختيار الفرد لحاجة مفضلة لديه على حساب حاجة أخرى.
دخل المصطلح إلى الأدبيات النفسية العربية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حيث تُرجم بعدة صيغ منها: “قائمة إدواردز للتفضيلات الشخصية”، و”اختبار إدواردز للميول والتفضيلات النفسية”، واستقر المصطلح في أغلب أقسام علم النفس الأكاديمية العربية على تسميته “مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي” لكونه يعبر بدقة عن وظيفة الأداة ومصدرها النظري الأصيل.
3. النطق والبنية الصرفية والنحوية
يُنطق المصطلح باللغة العربية: مِقْيَاس إِدْوَارْدز لِلتَّفْضِيلِ الشَّخْصِيّ. صرفياً، كلمة “مِقْيَاس” تأتي على وزن “مِفْعَال”، وهو اسم آلة مشتق من الفعل الثلاثي “قَاسَ” ويدل على الأداة التي يُوزن بها الشيء أو يُحدد مقداره. و”إدواردز” اسم علم أعجمي مضاف إليه مجرور تقديراً. أما “التفضيل” فهو مصدر قياسي للفعل الرباعي المجرد بالزيادة “فَضَّلَ”، و”الشخصي” نعت منسوب بياء النسبة المشددة المشتقة من كلمة “الشخص”. ويُشار إليه اختصاراً بالأحرف اللاتينية الأولى (EPPS).
4. الشرح المفاهيمي الموسع
يمثل مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي قفزة نوعية في تاريخ القياس السيكولوجي، نظراً لأنه ابتكر آلية للتغلب على إحدى أعقد المشكلات المنهجية التي واجهت علماء النفس لعقود: ظاهرة المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability Bias). ففي الاستبانات التقليدية التي تستخدم مقياس ليكرت التراكمي (مثل: أوافق، لا أوافق)، يميل معظم المشاركين دون وعي، أو بقصد موجه، إلى اختيار العبارات التي تجعلهم يظهرون كأفراد أسوياء، متعاونين، وناجحين، ويتجنبون العبارات التي توحي بالعدوانية، أو الدونية، أو التبعية، مما يفقد الاختبارات جزءاً كبيراً من صدقها التنبئي وموضوعيتها العلمية.
استند إدواردز في بناء أداته إلى مفهوم القياس الإجباري ذي المقارنة المزدوجة (Paired-Comparison Technique). تتكون الأداة من 225 زوجاً من العبارات. كل زوج يحتوي على عبارتين تمثل كل منهما حاجة نفسية مختلفة تماماً عن الأخرى، ولكن جرى تقنينهما بعناية بالغة بحيث تتطابقان إحصائياً في مستوى جاذبيتهما الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، يوضع المفحوص أمام خيارين كلاهما إيجابي بالقدر نفسه، مثل: (أ) أحب أن أساعد أصدقائي عندما يكونون في مأزق، (ب) أحب أن أكون قائداً وموجهاً للجماعات في إنجاز المهام. يضطر المفحوص هنا إلى التضحية بأحد الخيارين لصالح الآخر، مما يرفع النقاب عن الحافز الداخلي الحقيقي والأكثر سيطرة على سلوكه وشخصيته.
تكمن حدود هذا الإجراء في أنه ينتج درجات مقيدة بالذات تسمى القياسات الإبسية (Ipsative Assessment). في هذا النمط من القياس، يكون مجموع درجات الفرد ثابتاً عبر جميع المقاييس الفرعية؛ فإذا ارتفعت درجة الفرد في حاجة الإنجاز، فإن ذلك يقتضي بالضرورة انخفاض درجاته في حاجات أخرى مثل التبعية أو الرعاية. هذا يجعل المقارنات المعيارية المباشرة بين الأفراد عبر الدرجات الخام مسألة تتطلب حذراً إحصائياً وتأويلياً بالغاً، ويجعل المقياس أكثر قوة وملاءمة لفهم البنية الداخلية لشخصية الفرد في ذاتها بدلاً من إجراء المفاضلات الوظيفية البحتة بين المتقدمين المختلفين.
إلى جانب قياس الحاجات الخمس عشرة، زُوّد المقياس بمقياس ضبط فريد يُعرف باسم “مقياس الاتساق” (Consistency Scale). يتكون هذا المقياس من 15 زوجاً من العبارات المكررة والموزعة بدقة عبر فقرات الاختبار. تهدف هذه الآلية الإحصائية الرصينة إلى كشف مدى ثبات المفحوص في إجاباته، وما إذا كان يجيب بوعي وجدية أم يختار بصورة عشوائية ومتقلبة، مما يمنح الفاحص النفسي معياراً حاسماً للحكم على مدى موثوقية البروتوكول وصلاحيته للتفسير والتحليل النهائي.
5. التطور التاريخي والسياق الأكاديمي
ظهر مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي في منتصف القرن العشرين، وهي حقبة شهدت ازدهاراً منقطع النظير في استخدام الاختبارات النفسية في المجالات العسكرية والتعليمية والصناعية في أعقاب الحرب العالمية الثانية. إلا أن هذا الازدهار ترافق مع تصاعد الانتقادات المنهجية الموجهة لأدوات التقييم الذاتي الشائعة آنذاك، مثل مقاييس التكيف ومقاييس الشخصية الكلاسيكية، والتي كانت تعاني من سهولة تزييف الإجابات، وضعف الحصانة أمام أسلوب الاستجابة المرغوبة.
في عام 1953، بدأ ألين ل. إدواردز، الأستاذ بجامعة واشنطن، تجاربه المكثفة لتحديد القيمة التجريبية لمفهوم المرغوبية الاجتماعية في بناء أدوات القياس النفسي. ونشر في عام 1954 النسخة الأولى من دليله لمقياس التفضيل الشخصي، والتي تلتها نسخة منقحة وموسعة في عام 1959 حظيت بانتشار عالمي واسع. قام إدواردز بجهد إحصائي وتجريبي مضنٍ لحساب معاملات المرغوبية الاجتماعية لمئات العبارات السلوكية عبر استطلاعات ضخمة شملت آلاف الطلاب والمواطنين، حتى تمكن من تشكيل الأزواج المتكافئة التي بنى عليها أداته.
خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، غدا مقياس EPPS واحداً من أكثر مقاييس الشخصية استخداماً واستشهاداً بها في أطروحات الدكتوراه والأبحاث المنشورة في كبرى الدوريات النفسية الأمريكية والدولية. استُخدم المقياس بكثافة في دراسة الفروق الفردية بين الجنسين، والتنبؤ بالنجاح الأكاديمي، ودراسة الخصائص النفسية للمهن المختلفة (مثل الممرضين، والمعلمين، والمهندسين). ومع حلول ثمانينيات القرن الماضي وصعود نظرية العوامل الخمسة الكبرى في الشخصية (Big Five) وتطور تقنيات الاستجابة للفقرة (IRT)، وُجهت للمقياس بعض الانتقادات المتعلقة بالدرجات الإبسية، إلا أنه حافظ على مكانته المرجعية كنموذج رائد في التغلب على عيوب التقرير الذاتي.
6. الأسس والمنطلقات النظرية
يقوم مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي على المزاوجة البارعة بين نظريتين أساسيتين في تاريخ علم النفس: الأولى نظرية الشخصية المتجذرة في الاحتياجات، والثانية نظرية القياس السيكومتري لأساليب الاستجابة.
يرتكز الأساس البنائي للمقياس على نظرية الحاجات (Personology) التي صاغها عالم النفس الأمريكي هنري موراي في كتابه الشهير “استكشافات في الشخصية” (1938). افترض موراي أن السلوك البشري مدفوع بقوى حركية داخلية تُسمى “الحاجات النفسية المنشأ” (Psychogenic Needs)، والتي تنشأ في الدماغ وتوجه الإدراك والتفكير والفعل لتقليل التوتر واستعادة التوازن النفسي الداخلي. قام إدواردز بانتقاء 15 حاجة نفسية من قائمة موراي، واعتبرها تمثل الأبعاد المركزية التي يمكن ملاحظتها وقياسها في التفاعلات الإنسانية السوية واليومية دون الدخول في دهاليز التحليل النفسي الإكلينيكي المعقد.
أما الأساس السيكومتري، فيستند إلى أبحاث إدواردز المستفيضة حول أثر المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability) كمتغير ملوث للقياس (Confounding Variable). انطلق إدواردز من فرضية تجريبية مفادها أن احتمال تأييد المفحوص لأي عبارة يزداد طردياً مع تزايد درجة مرغوبيتها الاجتماعية المجردة، بغض النظر عما إذا كانت العبارة تصف واقعه الحقيقي أم لا. ولذلك صاغ نظريته في بناء المقياس القائمة على موازنة الجاذبية الاجتماعية للبدائل المتنافسة، مستخدماً منهجية مقارنة الأزواج لتقليل الخطأ التبايني الناتج عن أساليب الاستجابة الزائفة لأدنى حد ممكن، مما يتيح التوصل إلى جوهر البناء الدافعي الحقيقي للفرد.
7. المكونات الأساسية والأبعاد النفسية
يقيس مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي 15 حاجة نفسية متباينة، إضافة إلى بُعد الاتساق الداخلي للاستجابات، وتتوزع هذه الأبعاد على النحو التالي:
- حاجة الإنجاز (Achievement – ach): الرغبة في إتقان المهام الصعبة، والنجاح، والتفوق على المعايير القائمة، وإنجاز أمور تتطلب مهارة وجهداً فكرياً أو بدنياً كبيراً.
- حاجة الخضوع أو الاحترام (Deference – def): الميل للحصول على التوجيه من الآخرين، وإبداء التقدير والامتثال لأصحاب السلطة والخبرة، ومسايرة آراء الجماعة وقبول القيادة.
- حاجة النظام (Order – ord): الرغبة في الترتيب، والتنظيم المنهجي للأعمال والوقت، وتفضيل الروتين، والتخطيط المسبق والتفصيلي لكل خطوة سلوكية.
- حاجة الاستعراض أو الظهور (Exhibition – exh): النزوع إلى لفت انتباه الآخرين، والحديث عن الذات والإنجازات الشخصية، وأن يكون الفرد مركز الاهتمام في المواقف الاجتماعية.
- حاجة الاستقلال الذاتي (Autonomy – aut): التطلع إلى التحرر من القيود، واتخاذ القرارات الفردية دون إملاءات خارجية، ورفض التبعية، ومقاومة الضغوط الاجتماعية والتقليدية.
- حاجة الانتماء أو التواد (Affiliation – aff): الرغبة في تكوين الصداقات والروابط الوثيقة، والوفاء للأصدقاء، والمشاركة الفعالة في الأنشطة الجماعية، وإظهار المودة للآخرين.
- حاجة الاستبطان أو الفهم النفسي (Intraception – int): الميل إلى تحليل دوافع وسلوكيات الذات والآخرين، وملاحظة المشاعر الداخلية، ومحاولة فهم العوامل السيكولوجية وراء الأحداث.
- حاجة الاستناد أو الرعاية الذاتية (Succorance – suc): الرغبة في تلقي الدعم النفسي والتشجيع والمساعدة من الآخرين، والبحث عن العطف والمواساة عند التعرض للمحن والأزمات.
- حاجة السيطرة أو التسيد (Dominance – dom): النزوع إلى قيادة الآخرين، وتوجيه آرائهم وتصرفاتهم، والتأثير في الجماعة وتولي المناصب الإدارية والتنفيذية.
- حاجة تصغير الذات أو التماس العذر (Abasement – aba): الشعور بالذنب، وتقبل اللوم عند ارتكاب الأخطاء، والميل إلى استصغار القدرات الشخصية أمام تفوق الآخرين، والشعور بالدونية.
- حاجة العطف أو رعاية الآخرين (Nurturance – nur): الميل إلى مساعدة الضعفاء والمحتاجين، وإظهار الشفقة والحنان، وتوفير الدعم والراحة النفسية للأفراد الذين يمرون بظروف قاسية.
- حاجة التغيير (Change – chg): الرغبة في تجربة أشياء جديدة، والسفر، والتعرف على ثقافات مختلفة، وكسر الروتين اليومي، وتفضيل التجديد والتنويع في النشاطات.
- حاجة التحمل أو المثابرة (Endurance – end): القدرة على مواصلة العمل الدؤوب لفترات طويلة، وعدم التخلي عن المهام حتى إنجازها بالكامل، ومقاومة التشتت والإرهاق.
- حاجة التجاذب الجنسي أو المغايرة (Heterosexuality – het): الاهتمام بالعلاقات العاطفية والتفاعل مع الجنس الآخر، والمشاركة في الأنشطة الرومانسية والاجتماعية المشتركة.
- حاجة العدوان (Aggression – agg): النزوع إلى مجادلة الآخرين، ومهاجمة وجهات النظر المعارضة، والتعبير العلني عن الغضب والانتقاد الشديد لمن يخطئون.
- مقياس الاتساق (Consistency Score): ليس حاجة بحد ذاته، بل مؤشر سيكومتري يتكون من 15 زوجاً متطابقاً يُحسب لتحديد مدى اتساق المفحوص؛ فالحصول على درجة أقل من 9 يشير غالباً إلى استجابات عشوائية أو عدم فهم لمحتوى الفقرات.
8. أمثلة وحالات توضيحية
لتوضيح الكيفية التي يعمل بها المقياس، يمكن النظر في هذا النموذج لأحد أزواج الفقرات: يُطلب من المفحوص الاختيار الإلزامي بين العبارتين التاليتين: (أ) أحب أن أخطط لعملي بعناية قبل أن أبدأ بتنفيذه (تمثل حاجة النظام). (ب) أحب أن أحل المشاكل المعقدة التي عجز الآخرون عن حلها (تمثل حاجة الإنجاز). نظراً لأن كلا الخيارين يمثلان سلوكيات مرغوبة وبنّاءة اجتماعياً، فإن اختيار أحدهما يكشف عن الأولوية النفسية الصادقة لدى الفرد: هل يوجه طاقته نحو التنظيم والدقة، أم نحو التحدي والإنجاز المتفوق؟
في حالة تطبيقية، خضع “سامي”، وهو مهندس برمجيات واعد يبلغ من العمر 28 عاماً، لاختبار EPPS كجزء من عملية تقييم لتولي منصب قيادي في شركته. أظهر البروتوكول الخاص به درجات بالغة الارتفاع في حاجات (الإنجاز، والمثابرة، والاستقلال الذاتي)، بينما جاءت درجاته منخفضة جداً في حاجات (الخضوع، والانتماء، والاستناد). كما حقق 13 درجة في مقياس الاتساق (مما يعكس موثوقية عالية جداً للاستجابة). بيّن التحليل أن سامي يمتلك محركات ذاتية استثنائية للعمل الفردي والابتكار، لكنه يفضل العمل مستقلاً وربما يجد صعوبة في الانصياع للأنظمة التقليدية أو تلبية المتطلبات الاجتماعية للعمل الجماعي، مما وجه الشركة لتعيينه في منصب “قائد الابتكار التقني” بدلاً من وضعه في إدارة شؤون الموظفين التقليدية.
وفي حالة أخرى، خضعت “سارة”، وهي طالبة جامعية في سنتها الأخيرة، للاختبار لتحديد مسارها الأكاديمي للدراسات العليا. كشفت نتائجها عن مستويات مرتفعة جداً في حاجات (الاستبطان، ورعاية الآخرين، والتغيير)، وانخفاض ملحوظ في حاجات (السيطرة، والنظام، والعدوان). عكست هذه البنية النفسية رغبة عميقة لديها في فهم المشاعر الإنسانية وتقديم الدعم للآخرين في بيئات مرنة وغير نمطية، مما جعل التوجيه النفسي والإرشاد الأسري والخدمة الاجتماعية الخيارات الأكثر توافقاً وانسجاماً مع تركيبتها الدافعية الشخصية مقارنة بمجالات الإدارة المالية التي كانت تفكر فيها سابقاً.
9. القياس والتقويم السيكومتري
يتألف مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي من 225 زوجاً من العبارات المكتوبة بصيغة المتكلم. يُطلب من المفحوص قراءة كل زوج واختيار عبارة واحدة فقط (أ) أو (ب) يراها الأكثر تعبيراً عن سلوكه ومشاعره الحقيقية، مع التشديد الصارم على عدم ترك أي زوج فارغاً. يستغرق تطبيق المقياس عادة ما بين 40 إلى 50 دقيقة في المتوسط، ويصلح للتطبيق الفردي والجمعي على حد سواء للأفراد من سن 16 عاماً فما فوق ممن يمتلكون قدرات قرائية ملائمة.
من الناحية السيكومترية، يتمتع المقياس بخصائص استقرار مقبولة إلى ممتازة في الأوساط الأكاديمية. تتراوح معاملات ثبات إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability) للأبعاد الفرعية الخمسة عشر بعد فترات زمنية تمتد من أسبوع إلى عدة أسابيع بين 0.74 و0.88، وهي معاملات مرتفعة تعكس استقرار النسق الدافعي لدى الأفراد عبر الزمن. أما الاتساق الداخلي (Internal Consistency) المقاس عبر معاملات كرونباخ ألفا أو التجزئة النصفية، فيتراوح عموماً بين 0.60 و0.85 وفقاً لمختلف الدراسات والمعايير المقننة.
أما فيما يخص الصدق (Validity)، فقد تم التحقق من صدق البناء والمحتوى عبر دراسات مستفيضة شملت التحليل العاملي، والمقارنات الارتباطية مع مقاييس أخرى بارزة مثل اختبار تفهم الموضوع (TAT) واختبار مينيسوتا متعدد الأوجه للشخصية (MMPI). ورغم أن المقياس ينتج درجات إبسية، فقد طُورت له معايير مئينية مشتقة من عينات واسعة لطلاب الجامعات والبالغين من مختلف التخصصات، مما يوفر نقاط مرجعية تساعد الأخصائيين في قراءة المنحنيات الشخصية للأفراد وتأويلها وفق أطر القياس النفسي الحديثة.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يمتلك مقياس EPPS طيفاً واسعاً من التطبيقات العملية في عدة حقول حيوية، نظراً لطبيعته غير السريرية وتركيزه على الدوافع السوية:
في ميدان التوجيه والإرشاد المهني، يمثل المقياس أداة بالغة النفع لتحديد المواءمة الوظيفية بين البنية الدافعية للفرد والمتطلبات النفسية لبيئات العمل المختلفة. فالأفراد الذين يظهرون حاجات مرتفعة للإنجاز والسيطرة يميلون للازدهار في الأدوار القيادية وريادة الأعمال، بينما يناسب أصحاب الدرجات العالية في الرعاية والتواد العمل في المجالات الإنسانية كالتمريض والعمل الاجتماعي والتدريس.
في السياق التعليمي والجامعي، يساعد المقياس المرشدين الأكاديميين في تشخيص الصعوبات غير المعرفية التي تعترض مسار الطلبة. إذ قد يفسر الانخفاض الشديد في حاجة المثابرة، المترافق مع ارتفاع مفرط في حاجة التغيير أو الاستعراض، أسباب التعثر الدراسي للطلبة المتفوقين عقلياً، مما يتيح بناء تدخلات إرشادية مخصصة لتعزيز الدافعية للإنجاز وتنظيم الوقت.
في الاستشارات الزوجية والأسرية، يُطبق المقياس على الزوجين لاستكشاف مدى التوافق الدافعي بينهما. إذ توفر الأداة فهماً دقيقاً لنقاط الاتصال ونقاط الصدام المحتملة؛ فالزواج بين شريك يتمتع بحاجة سيطرة عالية وشريك آخر يمتلك حاجة استقلال ذاتي مرتفعة قد يولد صراعات سلطوية مستمرة، بينما تكامل حاجة السيطرة لدى أحدهما مع حاجة الخضوع والاحترام لدى الآخر قد يؤدي أحياناً إلى نمط علائقي أكثر استقراراً وفقاً لديناميات الشخصية المشتركة.
11. الأدلة التجريبية والبحوث العلمية
أنتجت العقود اللاحقة لظهور مقياس إدواردز آلاف الأوراق البحثية المحكمة التي وظفت الأداة لدراسة الفروق النفسية. من الدراسات التأسيسية البارزة، دراسة ألين إدواردز نفسه (Edwards, 1959) التي قارنت بين عينات الذكور والإناث، ووجدت فروقاً ذات دلالة إحصائية؛ حيث أظهر الذكور ميولاً أعلى دلالة في حاجات الإنجاز، والسيطرة، والاستقلال، والتجاذب الجنسي، والعدوان، بينما أظهرت الإناث درجات أعلى دلالة في حاجات الرعاية، والتوافق والانتماء، وتصغير الذات، والاستبطان، وهي نتائج عكست أيضاً جانباً من التنشئة الاجتماعية والأدوار الجندرية السائدة في تلك الفترة.
قام باحثون مثل جيلفورد (Guilford, 1959) ورادكليف (Radcliffe, 1963) بإخضاع مصفوفات مقياس EPPS للتحليل العاملي المتقدم لاستكشاف بنيتها الكامنة. وكشفت هذه التحليلات أن الحاجات الخمس عشرة تتكتل غالباً حول أربعة عوامل رئيسية أوسع نطاقاً: عامل التوجه نحو الإنجاز والمهمة، وعامل التوجه الاجتماعي الإيجابي، وعامل التحرر والاستقلال، وعامل الامتثال والتبعية العاطفية، مما يعزز الصدق التكويني للنموذج الأصلي.
كما أظهرت بحوث نافارو وبيريز (Navarro & Pérez) أن السيطرة على متغير المرغوبية الاجتماعية عبر الاختيار الإجباري نجحت بنسبة تزيد عن 70% في خفض معامل التزييف الإيجابي مقارنة بمقاييس التقرير الذاتي التراكمية، إلا أن الباحثين أشاروا أيضاً إلى أن بعض الأفراد الأذكياء لا يزال بإمكانهم تخمين المعنى الدفين خلف بعض الأزواج إذا خضعوا لاختبارات توظيف حاسمة تتطلب إظهار كفاءات مهنية نوعية.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للحضارات
يحمل نقل مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي إلى بيئات ثقافية غير غربية تحديات بالغة الحساسية، لا سيما ما يتعلق بمفهوم “المرغوبية الاجتماعية” ذاته. فالمرغوبية الاجتماعية ليست مفهوماً مطلقاً أو ثابتاً عبر الحضارات، بل هي نتاج ثقافي ومعياري شديد الخصوصية. فالعبارة التي تُعد دالة على استقلال ذاتي مرغوب في المجتمعات الغربية الفردانية، قد تُفسر في المجتمعات الشرقية والجمعية (كالمجتمعات العربية والآسيوية) على أنها علامة على التمرد والتفكك الاجتماعي وضعف الامتثال لقيم الأسرة والجماعة.
عند تعريب المقياس وتقنينه في البيئات العربية (كما في دراسات عبد السلام عبد الغفار، وفؤاد أبو حطب، ومحمد عماد الدين إسماعيل في مصر والعالم العربي)، اضطر الباحثون إلى إعادة تقييم معاملات المرغوبية الاجتماعية لجميع الفقرات لضمان تكافؤ الأزواج وفق المعايير القيمية للمجتمع العربي. فالأبعاد مثل “الخضوع” و”تصغير الذات” قد تتداخل دلالاتها مع قيم التواضع وبر الوالدين واحترام المعلم في الثقافة الإسلامية والعربية، مما يتطلب تكييفاً لغوياً ومفاهيمياً رصيناً لضمان قياس السمة النفسية المستهدفة دون تشويه ثقافي.
13. الانتقادات والجدل والحدود المنهجية
على الرغم من المكانة العلمية الرفيعة التي حظي بها مقياس EPPS، فإنه واجه عدة انتقادات منهجية وسيكومترية حادة في أوساط علماء القياس، وتتلخص أبرز هذه الجدليات في الآتي:
معضلة البيانات الإبسية (The Ipsative Dilemma): يُعد هذا النقد المنهجي الأخطر الموجه لاختبار إدواردز. فنظراً لأن مجموع درجات المفحوص ثابت ومحدود بمجموع الفقرات، فإن الدرجة المرتفعة في بُعد تعني حتماً انخفاض الدرجة في أبعاد أخرى، مما يخلق ارتباطات سالبة زائفة (Spurious Negative Correlations) بين الأبعاد في التحليلات الإحصائية الجماعية. هذا الأمر يجعل استخدام المعاملات الإحصائية الكلاسيكية (مثل تحليل التباين والتحليل العاملي التقليدي) موضع شك رياضي، ويحد من مشروعية مقارنة درجات شخص مع شخص آخر مقارنة معيارية حقيقية.
طول الاختبار وإجهاد المفحوص: يتطلب الإجابة على 225 زوجاً من العبارات تركيزاً ذهنياً متواصلاً. وتكرار الاختيار بين بدائل متشابهة في الصعوبة أو التكافؤ يولد شعوراً كبيراً بالإحباط والإجهاد السريع لدى المفحوصين (Response Fatigue)، مما قد يؤثر سلباً على مصداقية الأداء في النصف الأخير من الاختبار ويزيد من احتمالات الاختيار العشوائي.
ثنائية الخيار الإجباري: يعترض بعض السيكولوجيين الإنسانيين على إجبار المفحوص على اختيار عبارة واحدة حتى وإن كانت العبارتان كلتاهما لا تنطبقان عليه إطلاقاً، أو كانتا تنطبقان عليه بشكل مطلق وبالقدر نفسه، مما يخلق شعوراً بالانفصال بين خيارات الاختبار والواقع المعاش للمفحوص.
14. المصطلحات ذات الصلة والتمايزات المفهومية
لفهم حدود مقياس EPPS بوضوح، لا بد من تمييزه ومقارنته بالمفاهيم وأدوات القياس ذات الصلة:
- اختبار تفهم الموضوع (TAT): صممه موراي وهو الأب النظري لحاجات إدواردز، ولكنه أداة إسقاطية (Projective Test) غير مقننة سيكومترياً بشكل صارم، تعتمد على تفسير القصص وتستغرق تحليلاً ذاتياً طويلاً، بينما مقياس EPPS هو أداة موضوعية ومقننة ذاتياً تعتمد على الأرقام والبيانات الكمية الدقيقة.
- مؤشر مايرز بريجز للأنماط (MBTI): يقوم على نظرية يونغ في الأنماط النفسية ويهدف لتصنيف الأفراد إلى 16 نمطاً ثنائياً ثابتاً، في حين يركز EPPS على قياس الدوافع والحاجات الديناميكية كمتصلات كمية وليس كأنماط حتمية.
- اختبار مينيسوتا متعدد الأوجه للشخصية (MMPI): مقياس إكلينيكي يهدف في المقام الأول لتشخيص الأمراض والاعتلالات النفسية والعصابية والذهانية، بينما صُمم مقياس إدواردز خصيصاً للشخصية السوية والتقييم الإرشادي والمهني غير المرضي.
- المقاييس المعيارية التراكمية (Normative Scales): مثل مقاييس ليكرت الخماسية؛ تمكن من مقارنة الأفراد ببعضهم البعض بحرية إحصائية تامة، بعكس مقياس إدواردز الذي ينتج بيانات إبسية مقارنة بذات الفرد.
15. خلاصة واستنتاجات رئيسية
يظل مقياس إدواردز للتفضيل الشخصي (EPPS) تحفة سيكومترية بارزة في تاريخ تقييم الشخصية والدوافع الإنسانية. استطاع إدواردز بعبقرية تصميمية التوفيق بين عمق نظرية الاحتياجات لهنري موراي والصرامة الإحصائية التي تروض عيوب الاستجابة والمرغوبية الاجتماعية عبر استراتيجية الاختيار الإجباري المتوازن. وبالرغم من التحديات الرياضية التي تفرضها الدرجات الإبسية والجهد الذهني الذي يتطلبه إكمال فقراته الطويلة، إلا أن الأداة ما تزال تقدم حتى اليوم رؤى تشخيصية فائقة الثراء والتفرد للتركيبة الدافعة للإنسان، وتُعد معلماً لا غنى عن استيعابه لكل باحث ومتخصص في علم النفس والقياس السيكومتري الحديث.
في ختام هذا العرض الشامل، يتضح أن مقياس إدواردز ليس مجرد قائمة استقصائية عابرة، بل هو مرآة دافعية متعددة الأبعاد تعكس الأولويات القيمية والنفسية الحقيقية التي تحرك السلوك البشري من الداخل، موفراً جسراً متيناً يربط بين التنظير السيكولوجي للدوافع والتقييم التطبيقي في مجالات الحياة المتنوعة.
المراجع
- Edwards, A. L. (1954). Manual for the Edwards Personal Preference Schedule. The Psychological Corporation. https://www.worldcat.org/title/edwards-personal-preference-schedule-manual/oclc/1054933
- Edwards, A. L. (1957). The Social Desirability Variable in Personality Assessment and Research. Dryden Press. https://psycnet.apa.org/record/1958-00445-000
- Edwards, A. L. (1959). Edwards Personal Preference Schedule: Manual (Revised). The Psychological Corporation.
- Murray, H. A. (1938). Explorations in Personality: A Clinical and Experimental Study of Fifty Men of College Age. Oxford University Press. https://psycnet.apa.org/record/1938-05995-000
- Radcliffe, J. A. (1963). Some properties of ipsative score matrices and their relevance for factor analysis. Australian Journal of Psychology, 15(1), 1–11. https://doi.org/10.1080/00049536308255462