قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي: قياس الحاجات النفسية

قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي (EPPS) هي أداة سيكومترية رائدة صممها ألين إدواردز لقياس 15 حاجة نفسية مستمدة من نظرية موراي باستخدام تقنية الاختيار القسري لتحييد الرغبة الاجتماعية.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 16 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 16 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

تُعد قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي واحدة من أبرز المعالم المنهجية في تاريخ القياس النفسي الإكلينيكي والمهني، حيث أحدثت ثورة حقيقية في كيفية ضبط التحيزات الاستجابية التي طالما شوهت نتائج اختبارات الشخصية التقليدية. من خلال الارتكاز على نظرية الحاجات النفسية ومحاولة تحييد الرغبة الاجتماعية، استطاع هذا المقياس تقديم قراءة نسقية للبنية الدافعية للإنسان توازن بين الرصانة النظرية والدقة الإحصائية.

قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي

1. التعريف الموجز

قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي (Edwards Personal Preference Schedule – EPPS) هي أداة تقييم نفسي موضوعية صممها عالم النفس الأمريكي ألين إدواردز عام 1954، وتهدف إلى قياس خمس عشرة حاجة دافعية أساسية من حاجات الشخصية المستمدة من النموذج النظري لهنري موراي. تعتمد الأداة على تقنية الاختيار القسري الثنائي لتقليل أثر المرغوبية الاجتماعية وتحديد القوة النسبية للحاجات داخل البنية النفسية للفرد.

تتميز القائمة بطبيعتها السيكومترية القائمة على القياس الذاتي المقارن (Ipsative Scoring)، حيث لا تقيس درجات الفرد مقارنةً بعينة معيارية خارجية بالمفهوم المطلق فحسب، بل تُظهر الأهمية النسبية لكل حاجة مقارنة ببقية الحاجات داخل الفرد نفسه. يتيح هذا التصميم للمختصين النفسيين فهم الترتيب الهرمي للدوافع التي توجه السلوك البشري في مواقف الحياة اليومية والمهنية، مما يجعلها أداة فريدة لدراسة التفضيلات الفردية بمنأى عن التظاهر بالصورة الإيجابية المثالية.

يتألف الاختبار من 225 زوجاً من العبارات التقريرية، حيث يُطلب من المفحوص في كل فقرة اختيار العبارة الأكثر تمثيلاً لسلوكه أو مشاعره من بين خيارين متكافئين في درجة القبول الاجتماعي. يوفر المقياس أيضاً مؤشراً للاتساق الداخلي (Consistency Score) للتحقق من مدى صدق المفحوص وجديته أثناء الاستجابة، مما يمنحه موثوقية عالية في الأوساط البحثية والإرشادية.

2. التأثيل والاشتقاق اللغوي

تعود التسمية إلى اسم مطور الأداة، ألين لويس إدواردز (Allen L. Edwards)، متبوعاً بمصطلح “التفضيل الشخصي” (Personal Preference). وكلمة “تفضيل” مشتقة في اللغة العربية من الجذر (ف-ض-ل)، والذي يدل على مزية الشيء وتقديمه واختياره على غيره؛ وفي السياق النفسي تشير إلى ميل الفرد الواعي أو غير الواعي لنمط سلوكي معين عند مواجهة بدائل متعددة. أما كلمة “شخصي” فترجع إلى “الشخص” وهو الذات الإنسانية بخصائصها المتفردة وسماتها الثابتة نسبياً.

أما مصطلح “Schedule” المترجم إلى “قائمة” أو “جدول مسحي”، فله جذور لاتينية مشتقة من الكلمة المتأخرة schedula (وتعني ورقة بردي صغيرة أو قصاصة للكتابة)، وتطورت في الإنجليزية لتشير إلى قائمة منظمة أو وثيقة مجدولة تحتوي على بنود مفصلة. وفي أدبيات القياس النفسي والتقييم السلوكي، يُستخدم مصطلح “Schedule” للإشارة إلى أداة قياس تقرير ذاتي تتضمن بنوداً محددة ومصنفة بعناية لاستقصاء سمات دافعية أو ميول دون أن تحمل طابع الاختبار التحصيلي ذي الإجابات الصحيحة والخاطئة.

3. النطق والصيغة الصرفية

تُنطق التسمية باللغة العربية: “قَائِمَةُ إِدْوَارْدْز لِلتَّفْضِيلِ الشَّخْصِيّ”، وتُختصر عالمياً بالحروف اللاتينية (EPPS). من الناحية الصرفية والتركيبية في اللغة العربية، يتكون المصطلح من مركب إضافي (قائمة إدواردز) يتبعه شبه جملة للتعليل وتحديد الوظيفة (للتفضيل) ثم نعت مجرور (الشخصي). تُعامل كلمة “إدواردز” كاسم علم أعجمي ممنوع من الصرف يُجر بالفتحة نيابة عن الكسرة في الاستعمال اللغوي الدقيق، إلا أنه يشيع تركه ساكن الآخر في الاستخدام الأكاديمي المعرب.

في الأدبيات النفسية العربية المعاصرة، يُستخدم المصطلح كاسم علم دال على أداة قياس سيكومترية محددة. وتتعدد الترجمات الجزئية للمصطلح في المراجع المتخصصة، حيث يستخدم بعض الباحثين “مقياس إدواردز للتفضيلات الشخصية”، بينما يفضل آخرون “قائمة إدواردز للميول الشخصية” أو “جدول إدواردز للأفضليات”، غير أن المصطلح الأكثر استقراراً في الجمعيات النفسية العربية هو “قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي”.

4. الشرح المفاهيمي المفصل

تنطلق قائمة إدواردز من افتراض مفاده أن الشخصية الإنسانية يمكن فهمها بدقة من خلال شبكة من الحاجات النفسية الظاهرة (Manifest Needs) التي تتفاعل داخلياً لتوجه الفرد نحو أهداف بيئية محددة. هذه الحاجات ليست مجرد رغبات عابرة، بل هي قوى موجهة تنظم الإدراك والتفكير والعمل، وتحدد الكيفية التي يستجيب بها الشخص للضغوط والمثيرات المحيطة. تهدف القائمة إلى تحديد البصمة الدافعية الفريدة للمفحوص، عبر بيان أي الحاجات تمثل أولوية قصوى لديه، وأيها تقع في قاع سلم اهتماماته النفسية.

يكمن الابتكار الجوهري لقائمة EPPS في معالجتها للمعضلة المنهجية الكبرى في أدوات التقرير الذاتي: مشكلة المرغوبية الاجتماعية (Social Desirability). في المقاييس الكلاسيكية ذات التدريج الفردي (مثل مقياس ليكرت)، يميل المفحوصون غالباً إلى تبني إجابات تظهرهم بمظهر إيجابي ومقبول اجتماعياً، حتى دون وعي كامل منهم بالتزييف. واجه إدواردز هذه الظاهرة عبر تطوير أسلوب “الاختيار القسري بين بدائل متكافئة”، حيث يُجبر المفحوص على الاختيار بين عبارتين تمثل كل منهما حاجة نفسية مختلفة تماماً، ولكنهما تتطابقان إحصائياً في مستوى جاذبيتهما الاجتماعية كما حددتها دراسات تجريبية سابقة.

تنتج القائمة ما يعرف بالدرجات الذاتية النسبية أو الدرجات القسرية المقارنة ذاتياً (Ipsative Scores). في هذا النمط من القياس، تعني الزيادة في درجة حاجة معينة بالضرورة انخفاضاً مقابلاً في درجات حاجات أخرى لدى نفس الشخص؛ لأن مجموع الدرجات الكلي عبر جميع الأبعاد يظل ثابتاً دائماً (210 نقاط عبر الحاجات الخمس عشرة). هذا التوصيف يجعل المقياس مثالياً لفهم الصراعات الداخلية والتوازنات الدافعية داخل الذات الواحدة، ولكنه يفرض في الوقت نفسه قيوداً إحصائية ورياضية عند الرغبة في إجراء مقارنات مباشرة بين أفراد مختلفين.

لا يقف الشرح المفاهيمي عند حدود رصد الحاجات، بل يمتد إلى مفهوم “ثبات الاستجابة وصدقها”. يتضمن المقياس آلية داخلية لمراقبة جودة الأداء تُعرف بمقياس الاتساق (Consistency Scale)، وتتكون من 15 زوجاً مكرراً من الفقرات موزعة في مواقع استراتيجية داخل الاختبار. إذا اختار المفحوص نفس البديل في الأزواج المتطابقة، يحصل على نقطة اتساق؛ مما يتيح للأخصائي استبعاد البروتوكولات غير الجادة الناتجة عن الإجابة العشوائية، أو ضعف الفهم اللغوي، أو المقاومة السلبية للاختبار.

5. التطور التاريخي

بدأ تبلور القائمة في أوائل خمسينيات القرن العشرين في جامعة واشنطن، في سياق تميز بالانتقادات الحادة الموجهة لاستخبارات الشخصية الشائعة آنذاك، مثل استخبار بيرنرويتر للشخصية وقوائم مسح الشخصية الأولى في مينيسوتا. نشر ألين إدواردز عام 1953 دراسته الرائدة التي أثبتت وجود ارتباط خطي قوي بين احتمالية موافقة الفرد على عبارة شخصية معينة والدرجة التي تُعتبر بها تلك العبارة مرغوبة اجتماعياً في ثقافته، مما ألقى بظلال من الشك على مصداقية معظم مقاييس التقرير الذاتي المنشورة في تلك الحقبة.

استجابة لهذه الأزمة المنهجية، عمل إدواردز على ترجمة الإطار النظري للحاجات الذي وضعه هنري موراي في أواخر الثلاثينيات إلى أداة عملية تتبع المنهجية التجريبية لغوستاف ثيرستون في التدريج السيكوفيزيائي. قام إدواردز في البداية بحساب قيم المرغوبية الاجتماعية لمئات العبارات من خلال تحكيم عينات واسعة من الأفراد، ثم شكل منها أزواجاً متقاربة جداً في قيم المرغوبية، بحيث يمثل كل طرف في الزوج حاجة نفسية مختلفة ومستقلة، لتصدر النسخة الأولى من القائمة رسمياً عام 1954 عن مؤسسة “The Psychological Corporation”.

خضعت القائمة لتعديلات طفيفة في دليلها الفني عام 1959 لتعزيز المعايير الإحصائية وتوسيع عينات التقنين، التي شملت في الأصل طلبة الجامعات الأمريكية ثم امتدت لتشمل عينات من البالغين وعينات مهنية متعددة. وخلال عقدي الستينيات والسبعينيات، تحولت قائمة EPPS إلى واحدة من أكثر الأدوات استخداماً في أبحاث الشخصية في علم النفس الإرشادي والمهني، وألهمت ظهور أجيال لاحقة من الاختبارات السيكومترية القائمة على القياس القسري، على الرغم من تصاعد الجدل الرياضي حول طبيعة البيانات القسرية لاحقاً.

6. الأسس النظرية

تستند قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي بشكل رئيسي إلى نظرية الشخصية التي صاغها عالم النفس الأمريكي هنري موراي في كتابه التأسيسي “استكشافات في الشخصية” (Explorations in Personality) الصادر عام 1938. ميز موراي بين نوعين رئيسيين من الحاجات: الحاجات الأولية أو الحشوية (Viscerogenic) المرتبطة بالمتطلبات البيولوجية، والحاجات الثانوية أو النفسية المنشأ (Psychogenic) التي تنشأ من تفاعل الفرد مع بيئته الاجتماعية وتكتسب وظيفة دافعية مستقلة ودائمة.

ركز إدواردز على انتقاء خمس عشرة حاجة نفسية من قائمة موراي الطويلة، واختار تحديداً الحاجات التي تتميز بدرجة عالية من الوضوح السلوكي وقابلية الملاحظة في البيئات التعليمية والمهنية السوية، مبتعداً عن المفاهيم المرضية العميقة التي كانت تركز عليها التحليلات الإكلينيكية الفرويدية. وفقاً لهذا الإطار، فإن كل حاجة تمثل قوة تنظيمية تسعى إلى توجيه الانتباه وإثارة طاقة الفرد لتحقيق حالة إشباع محددة أو تجنب حالة إحباط معينة.

إلى جانب الإطار الدافعي لموراي، تتكئ القائمة على النظرية السيكومترية للقياس المقارن لـ لويس ليون ثيرستون، وتحديداً قانون الحكم المقارن (Law of Comparative Judgment). طبق إدواردز مبادئ ثيرستون عبر إجبار المفحوص على إجراء موازنة تقييمية مستمرة بين حاجتين متصارعتين داخل الموقف الواحد. يرى إدواردز من منظور نظري أن السلوك الإنساني في جوهره ليس استجابة لحاجة واحدة في فراغ، بل هو نتيجة ترجيح مستمر بين منظومة من الدوافع المتنافسة على الموارد المحدودة لطاقة الفرد ووقته.

كذلك تتبنى القائمة الافتراض الظاهراتي (Phenomenological Assumption) الذي يرى أن الأفراد يتمتعون بقدر كافٍ من الوعي بذواتهم يتيح لهم الإبلاغ عن تفضيلاتهم السلوكية بدقة، شريطة إزالة العوائق الدفاعية والاجتماعية التي تمنعهم من الصدق. لذا فإن تقنية المقياس ليست مجرد حيلة إحصائية، بل هي ترجمة لنظرة تعتبر الصدق النفسي عملية تتطلب تحييد الضغوط البيئية والمعيارية التي تدفع الفرد نحو الامتثال الاجتماعي.

7. المكونات والأبعاد الرئيسية

تقيس قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي 15 حاجة نفسية محددة بدقة، بالإضافة إلى مقياس الاتساق، وتتوزع هذه الأبعاد وفق الآتي:

  • حاجة الإنجاز (Achievement – ach): الرغبة في إتقان المهام الصعبة، والنجاح في المواقف التنافسية، وحل المشكلات المعقدة، والتفوق على معايير التميز السابقة.
  • حاجة الخضوع والمسايرة (Deference – def): الميل إلى قبول آراء الآخرين والامتثال لتوجيهات المراجع والقيادات، وإظهار التقدير للشخصيات ذات المكانة، وتجنب التمرد غير المبرر.
  • حاجة النظام (Order – ord): الحرص على التخطيط المسبق، والتنظيم المادي للأشياء، والالتزام بالروتين وجداول المواعيد، والانزعاج من الفوضى والغموض.
  • حاجة الاستعراض وجذب الانتباه (Exhibition – exh): الرغبة في التحدث عن الإنجازات الشخصية، والظهور في مركز الاهتمام، وتوجيه الأنظار نحو الذات في المواقف الاجتماعية.
  • حاجة الاستقلالية (Autonomy – aut): التطلع إلى التحرر من القيود الاجتماعية وأوامر الآخرين، واتخاذ القرارات الذاتية المستقلة، والتصرف وفق القناعات الشخصية دون الخضوع للإلزام.
  • حاجة الانتماء والألفة (Affiliation – aff): الرغبة في تكوين صداقات عميقة، ومشاركة المشاعر والأنشطة مع الآخرين، وإظهار الولاء للجماعة والحفاظ على الروابط الاجتماعية.
  • حاجة الفهم الذاتي والتأمل الداخلي (Intraception – int): الميل إلى تحليل دوافع وسلوكيات الذات والآخرين، وملاحظة الاستجابات النفسية العميقة، والاهتمام بالجانب الإنساني بدلاً من المادي المحض.
  • حاجة طلب العون والاعتمادية (Succorance – suc): الرغبة في تلقي التشجيع والدعم العاطفي والمساعدة من الآخرين عند مواجهة الأزمات، والاعتماد على عطف المحيطين.
  • حاجة السيطرة والقيادة (Dominance – dom): السعي للتأثير على الآخرين وتوجيه سلوكهم، وتولي الأدوار القيادية، وحسم النزاعات، والإشراف على إدارة الجماعات.
  • حاجة تحقير الذات ولوم النفس (Abasement – aba): الشعور بالذنب عند حدوث أخطاء، وتقبل اللوم والنقد بسهولة، والميل للاعتراف بالعجز والدونية في بعض المواقف بدلاً من المواجهة.
  • حاجة تقديم الرعاية والمساندة (Nurturance – nur): الميل إلى مساعدة المحتاجين والضعفاء، وإظهار التعاطف مع المنكوبين، والقيام بأعمال البر والمساعدة غير المشروطة.
  • حاجة التغيير والتجديد (Change – chg): الرغبة في تجربة أشياء جديدة ومبتكرة، والسفر، والتعرف على ثقافات مختلفة، والملل السريع من الروتين والرتابة.
  • حاجة التحمل والمثابرة (Endurance – end): القدرة على الاستمرار في العمل على مهمة معينة حتى إتمامها بالكامل، ومواصلة الجهد في وجه العقبات دون انقطاع.
  • حاجة الجنس المغاير (Heterosexuality – het): الاهتمام بتكوين علاقات عاطفية ورومانسية مع الجنس الآخر، والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية المختلطة، والحديث في شؤون العلاقات.
  • حاجة العدوان (Aggression – agg): الميل إلى التعبير الصريح عن الغضب والانتقاد، ومهاجمة الآراء المعارضة، والتنافس الهجومي، وإظهار مشاعر التحدي للآخرين.
  • مقياس الاتساق الداخلي (Consistency Score): مؤشر إحصائي يعتمد على تكرار 15 زوجاً من العبارات في مواضع مختلفة؛ لتحديد ما إذا كان المفحوص يجيب بنمط متسق أم عشوائي (الدرجة القصوى 15، والدرجة المقبولة 9 فأعلى).

8. أمثلة وحالات توضيحية

لتوضيح الكيفية التي تُبنى بها بنود القائمة، يمكن النظر إلى زوج افتراضي من العبارات التي تمثل أسلوب الاختيار القسري المزدوج:

  • (أ) أحب مساعدة أصدقائي عندما يقعون في مشكلات عاطفية حرجة (تمثل حاجة تقديم الرعاية – Nurturance).
  • (ب) أحب أن أنجز عملاً يحظى بتقدير واسع ويثبت تفوقي على أقراني (تمثل حاجة الإنجاز – Achievement).

في هذا النموذج، تتمتع كلتا العبارتين بدرجة قبول اجتماعي متقاربة للغاية في عينات التقنين. هنا يجد المفحوص نفسه غير قادر على مجرد اختيار العبارة “الأفضل أخلاقياً” أو الأكثر استحساناً، بل يضطر إلى التفكير في واقعه الداخلي: هل دافعه الأساسي هو المساندة أم التميز الفردي؟ هذا الإجبار يكشف الصراع الداخلي الدقيق بين الدوافع.

حالة تطبيقية (1): الانتقاء القيادي في الشركات: تقدم مرشح لوظيفة مدير تنفيذي لشركة تكنولوجيا ناشئة. عند تطبيق قائمة EPPS، أظهر البروتوكول درجات مئينية مرتفعة جداً في حاجة الإنجاز (95%) وحاجة السيطرة (90%) وحاجة الاستقلالية (85%)، في حين كانت درجاته في حاجة الخضوع (10%) وحاجة الانتماء (15%) متدنية للغاية. تشير هذه البنية إلى شخص يمتلك دافعية داخلية هائلة للمبادرة وقيادة الفرق وحسم القرارات، لكنه قد يواجه صعوبات في بيئات العمل التشاركية التي تتطلب دبلوماسية مكثفة أو في الانصياع للوائح مجالس الإدارة الصارمة.

حالة تطبيقية (2): الإرشاد النفسي الأكاديمي: طالب جامعي يعاني من التسويف الأكاديمي المزمن وشكاوى من القلق، على الرغم من تميزه في اختبارات الذكاء. كشف تطبيق المقياس عن درجات عالية جداً في حاجة النظام (92%) وتحقير الذات/لوم النفس (88%)، مصحوبة بدرجة متدنية جداً في حاجة التحمل والمثابرة (18%) والعدوان (5%). بينت القراءة الإكلينيكية أن الطالب يتبنى معايير كمالية غير واقعية (نظام مفرط)، وعندما يشعر بعدم قدرته على إنجاز المهمة وفق تلك المعايير، يلوم نفسه بقسوة وينسحب خوفاً من الفشل، مما يظهر على هيئة ضعف في المثابرة الميدانية.

9. القياس والتقييم النفسي

تستغرق الإجابة على قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي عادة ما بين 40 إلى 55 دقيقة، وتتألف من كراسة أسئلة تضم 225 زوجاً من العبارات مع ورقة إجابة مصممة في مصفوفة محددة. تتم عملية التصحيح يدوياً عبر مفاتيح شفافة مخصصة أو آلياً من خلال برمجيات القياس النفسي. يتم تقييم الاختبار عبر رصد التكرار الإجمالي لاختيار العبارات الممثلة لكل حاجة من الحاجات الخمس عشرة، حيث تتراوح الدرجة الخام لكل حاجة بين 0 و28 نقطة.

تُنظم ورقة الإجابة بحيث تتقاطع الحاجات في شبكة مربعة؛ لضمان مقارنة كل حاجة بجميع الحاجات الأربع عشرة الأخرى مرتين في بنود منفصلة. عند الانتهاء من حساب الدرجات الخام، يتم فحص درجة الاتساق (Consistency). إذا انخفضت درجة الاتساق عن 9 درجات من أصل 15، يُعتبر البروتوكول بأكمله غير موثوق به إحصائياً، وتُلغى نتائجه لاحتمال وجود إجابات عشوائية أو سوء فهم لغوي.

تُحول الدرجات الخام المقبولة بعد ذلك إلى رتب مئينية (Percentile Ranks) ودرجات معيارية مستمدة من جداول المعايير المناسبة (مثل معايير طلبة الجامعات، أو معايير عموم البالغين الذكور أو الإناث؛ نظراً لوجود فروق ذات دلالة بين الجنسين في بعض الحاجات كالجنس المغاير والرعاية). ومن الضروري هنا أن يتعامل الأخصائي بحذر بالغ مع تفسير الرتب المئينية؛ فالدرجة المئينية المرتفعة لحاجة ما لا تعني مطلقاً أن المفحوص يمتلك كمية مطلقة تفوق أقرانه في العالم الخارجي، بل تعني أن هذه الحاجة تهيمن على بنيته النفسية الشخصية بنسبة أكبر مقارنة بغيرها من حاجاته الخاصة.

10. التطبيقات والأهمية العملية

تتعدد مجالات توظيف قائمة EPPS عبر قطاعات حيوية تشمل الإرشاد، والتنظيم، والبحث الأكاديمي:

  • التوجيه والإرشاد المهني: مساعدة الخريجين والباحثين عن عمل في استكشاف المسارات المهنية التي تتوافق بنيتها مع أولوياتهم الدافعية؛ فالمهن التي تتطلب عملاً اجتماعياً تحتاج درجات عالية في الألفة وتقديم الرعاية، بينما تتطلب المهن البحثية والاستشارية درجات في التأمل الذاتي والاستقلالية.
  • الاختيار الوظيفي وإدارة المواهب: تستخدم المؤسسات القائمة لبناء ملفات التوافق الوظيفي (Job Matching)، وتحديد الشخصيات المؤهلة للقيادة والعمل التنافسي مقابل تلك التي تفضل المهام الداعمة والعمليات التشغيلية المنظمة.
  • الإرشاد الزواجي والأسري: تقييم التوافق النفسي بين الشريكين من خلال مقارنة مصفوفة الحاجات لكل منهما؛ مما يساعد في تفسير الصراعات الناشئة عن تضارب الدوافع، كأن يمتلك أحد الشريكين حاجة استقلالية مفرطة بينما يمتلك الآخر حاجة اعتمادية ورعاية ملحة.
  • الإرشاد النفسي الجامعي: الكشف عن المعوقات الدافعية التي تؤثر على التكيف الأكاديمي والاجتماعي للطلاب في البيئات الجامعية الجديدة.

11. الأبحاث والأدلة التجريبية

شهدت قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي زخماً بحثياً ضخماً منذ صدورها. أظهرت الدراسات الأولية التي قادها ألين إدواردز (1954، 1959) معدلات ثبات جيدة بطريقة إعادة الاختبار (Test-Retest Reliability) تراوحت معاملاتها بين 0.74 و0.88 عبر فترات زمنية بلغت أسبوعاً إلى ثلاثة أسابيع، بينما تراوحت معاملات الاتساق الداخلي (معامل سبيرمان-براون للتجزئة النصفية) بين 0.60 و0.87 لمختلف الحاجات النفسية.

ركزت أبحاث الصدق المتقارب والتمايزي على فحص علاقة القائمة باختبار تفهم الموضوع (TAT) الذي طوره موراي، غير أن النتائج التي توصل إليها باحثون مثل كابلان (Kaplan) وهيكس (Hicks) أظهرت غالباً ارتباطات منخفضة بين الأداتين. عُزي هذا الاختلاف إلى أن اختبار TAT يقيس الحاجات في المستوى الإسقاطي اللاشعوري (Implicit Motives)، بينما تقيس قائمة EPPS الحاجات الظاهرة والواعية لدى الفرد على مستوى تقرير الذات (Self-Attributed Needs).

في مراجعة سيكومترية نقدية بارزة قدمها لويس هيكس (Hicks, 1970) حول طبيعة الدرجات الذاتية النسبية في المقاييس النفسية، لفت الانتباه إلى الآثار الرياضية لطريقة القياس القسري؛ حيث أثبتت الدراسات التجريبية أن التحليل العاملي التقليدي (Factor Analysis) لمصفوفات الارتباط الناتجة عن EPPS يفرز أبعاداً مشوهة رياضياً بفعل القيد التراكمي للدرجات، مما حفز تطوير نماذج إحصائية متقدمة للتعامل مع هذا النوع من القياس في العقود اللاحقة.

12. الاعتبارات الثقافية والعبر-ثقافية

يثير تطبيق قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي في سياقات غير غربية – ومنها البيئة العربية – قضايا منهجية تتعلق بمدى ثبات المرغوبية الاجتماعية عبر الثقافات. إن العبارات التي تم التوفيق بينها لتتساوى في جاذبيتها الاجتماعية لدى المجتمع الأمريكي في خمسينيات القرن العشرين لا تتمتع بالضرورة بنفس الجاذبية في المجتمعات الشرقية أو ذات الطابع الجمعي.

على سبيل المثال، في المجتمعات العربية التي تُعلي من شأن التكافل والتماسك الأسري، قد تحظى حاجة “الخضوع والمسايرة” وحاجة “تقديم الرعاية” بقبول اجتماعي أعلى بكثير من حاجة “الاستقلالية”، التي قد يُساء فهمها في بعض البيئات المحافظة على أنها تمرد أو تفكك قيمي. كما أظهرت الدراسات التعريبية للقائمة (مثل أعمال طلعت منصور، ومحمد عماد الدين إسماعيل، ودراسات التقنين في مصر والأردن والسعودية) ضرورة إعادة صياغة ومواءمة بنود أبعاد معينة، لا سيما بعد “الجنس المغاير” (Heterosexuality) وبعد “العدوان” (Aggression)؛ لضمان التوافق مع المعايير الأخلاقية والاجتماعية المحلية دون الإخلال بالمغزى التشخيصي للحاجة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن المفهوم النسبي للأولويات يتأثر بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية؛ فالبيئات سريعة التحول ترفع من القيمة التكيفية لحاجة “التغيير والتجديد” على حساب حاجة “النظام”، مما يفرض على الباحثين المحليين ضرورة استخراج معايير محلية مجددة بصفة دورية وعدم الاعتماد على المعايير الأصلية المترجمة.

13. الانتقادات والجدل والحدود المنهجية

على الرغم من المكانة التاريخية والمنهجية الرفيعة لقائمة EPPS، فإنها واجهت انتقادات علمية جوهرية تركز معظمها على الجوانب السيكومترية التالية:

  • معضلة البيانات النسبية الذاتية (The Ipsative Dilemma): المأخذ الأكبر الذي أثاره علماء القياس النفسي هو أن ثبات المجموع الكلي للدرجات يمنع استخدام الإحصاءات المعلمية الكلاسيكية؛ إذ لا يمكن القول علمياً إن الفرد (أ) يمتلك حاجة إنجاز أعلى من الفرد (ب) لمجرد أن درجته الخام أعلى، لأن الدرجة تمثل حصة الحاجة من الطاقة الكلية للمفحوص نفسه وليست كمية مستقلة في ذاتها.
  • إجهاد المفحوص ومقاومته: يجد العديد من المفحوصين صعوبة نفسية بالغة وإحباطاً أثناء الإجابة على 225 زوجاً من الفقرات، لا سيما عندما يُجبرون على الاختيار بين بديلين كلاهما شديد الإيجابية في نظرهم، أو كلاهما شديد السلبية، مما يدفع البعض في النصف الثاني من الاختبار نحو الملل وفقدان الدقة.
  • عدم التحصين التام ضد التزييف: أثبتت تجارب لاحقة أن الأفراد ذوي الذكاء الاجتماعي المرتفع يمكنهم إدراك المقاصد التشخيصية لبعض الأزواج، وبالتالي يستطيعون توجيه إجاباتهم لصالح الوظيفة المستهدفة رغم أسلوب الاختيار القسري.
  • تقادم المحتوى اللغوي للأدوات الأصلية: تعكس الصياغات الأصلية لبعض العبارات المفردات والأنماط المعيشية التي كانت سائدة في المجتمع الغربي في منتصف القرن العشرين، مما يجعلها تبدو قديمة لغوياً لجيل الألفية إذا لم يتم تحديث صياغتها بعناية.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية

لتحديد موضع القائمة بدقة على خريطة التقييم النفسي، ينبغي تمييزها عن أدوات ومفاهيم أخرى مشابهة:

  • استمارة أبحاث الشخصية (PRF – Personality Research Form): أداة صممها دوجلاس جاكسون لتقييم حاجات موراي أيضاً، ولكنها تستخدم نظام التدريج المعياري المستقل (Normative) القائم على إجابات (نعم/لا) لكل عبارة على حدة، ولا تعتمد على الاختيار القسري المزدوج كقائمة إدواردز.
  • اختبار تفهم الموضوع (TAT): أداة إسقاطية تستخدم لوحات مصورة لاستدعاء قصص من المفحوص؛ لقياس الحاجات النفسية في المستوى اللاشعوري الكامن، بينما تقيس EPPS الحاجات الظاهرة والواعية عبر التقرير الذاتي الموضوعي.
  • مؤشر مايرز بريجز للأنماط (MBTI): يركز على تصنيف الأنماط المعرفية واستقبال المعلومات واتخاذ القرارات وفق نظرية يونغ، في حين تركز EPPS على القوى الدافعية والحاجات النفسية المحركة للسلوك العملي.
  • استخبار الشخصية متعدد الأوجه (MMPI): صُمم كأداة تشخيصية إكلينيكية تركز على الاضطرابات والباثولوجيا النفسية، بينما تستهدف قائمة إدواردز الشخصية السوية والتقييم الإرشادي والمهني العام.

15. الخلاصة والدروس المستفادة

تظل قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي معلماً بارزاً وشاهداً على الرغبة في تحويل النظرية النفسية الوصفية إلى نسق تجريبي منضبط. علمتنا هذه الأداة درساً منهجياً خالداً في السيكومتريا: أن قياس الذات لا يمكن فصله عن محاولات تجميل الذات، وأن الأداة القياسية الناجحة هي التي تدمج استراتيجيات الضبط داخل نسيجها البنائي.

وعلى الرغم من القيود الإحصائية المرافقة للدرجات القسرية المقارنة، فإن قوة القائمة تكمن في قدرتها التحليلية العميقة على رسم خريطة للديناميات الداخلية للشخص، وتوضيح كيف يتصرف الإنسان عندما تضطره الحياة إلى التضحية بحاجة من أجل تلبية حاجة أخرى؛ مما يجعلها إرثاً كلاسيكياً ما زال يلهم تقنيات القياس المعاصرة في علم النفس الدافعي والمهني.

ختاماً، تمثل قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي تجسيداً للتناغم بين عمق نظرية الحاجات لموراي ودقة المنهج السيكومتري لثيرستون وإدواردز، مؤكدة أن فهم الدافعية الإنسانية يتطلب دائماً الموازنة بين التحيزات السلوكية والأولويات النفسية للفرد في آن واحد.

المراجع

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 16). قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي: قياس الحاجات النفسية. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/edwards-personal-preference-schedule-epps/
looti, Mohammed. “قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي: قياس الحاجات النفسية.” عرب سايكلوجي, 16 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/edwards-personal-preference-schedule-epps/.
looti, Mohammed. “قائمة إدواردز للتفضيل الشخصي: قياس الحاجات النفسية.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 16, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/edwards-personal-preference-schedule-epps/.