العلاج النفسي الطارئ: التدخل الفوري في الأزمات

دليل أكاديمي شامل يستعرض مفهوم العلاج النفسي الطارئ وأسسه النظرية والتاريخية، ويوضح أساليب التقييم والتدخل السريري الفوري لإدارة الأزمات النفسية الحادة ومنع الانتحار.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 16 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 16 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثل العلاج النفسي الطارئ (Emergency Psychotherapy) ركيزة حيوية في منظومة الرعاية النفسية المعاصرة، إذ يتدخل في اللحظات الحرجة التي تفوق فيها شدة الضغط النفسي قدرات الفرد على التكيف والتوازن الذاتي. لا يهدف هذا النمط العلاجي إلى إعادة تشكيل البنية المعرفية أو الشخصية على المدى الطويل كالعلاجات التقليدية، بل يركز تركيزاً جوهرياً على استعادة الاستقرار النفسي، والحد من خطر التدهور المعرفي والوجداني، والحيلولة دون اتخاذ قرارات مصيرية مؤذية كالانتخار أو الإيذاء الجسدي، مما يجعله بمثابة خط الدفاع الأول لحفظ الحياة واستعادة التوازن الوظيفي.

العلاج النفسي الطارئ

1. التعريف الموجز

يُعرَّف العلاج النفسي الطارئ بأنه تدخل إكلينيكي فوري، مكثف ومحدد زمنياً، يُطبق في سياق الأزمات النفسية الحادة والصدمات النفسية المفاجئة بهدف التخفيف السريع من حدة المعاناة الانفعالية، واستعادة التوازن السيكولوجي، ومنع العواقب السلبية الوخيمة مثل إيذاء الذات أو التفكك الذهاني.

يمتد هذا المفهوم ليشمل حزمة واسعة من الممارسات السريرية العاجلة التي لا تتجاوز عادة بضع جلسات، وتُركز على اللحظة الراهنة (هنا والآن) لإعادة ضبط آليات التكيف المتداعية وتوفير شبكة حماية نفسية واجتماعية تسند المريض حتى تجاوزه المرحلة الخطرة. إنه جسر عبور آمن يفصل بين الاضطراب الحاد والاستقرار النسبي الذي يمهد الطريق للعلاج النفسي الممتد أو استئناف الحياة اليومية باستقلالية.

2. التأثيل والاشتقاق اللغوي

يتألف المصطلح من شقين في اللغة العربية: «العلاج النفسي»، المشتق من الجذر (ع ل ج) الدال على ممارسة المداواة وتدبير الأمر برفق، وكلمة «الطارئ» المشتقة من الجذر (ط ر أ) التي تدل على الأمر المفاجئ الذي يحدث دون سابق إنذار وبصورة مباغتة. يقابل هذا التعبير في اللغة الإنجليزية مصطلح (Emergency Psychotherapy) ومصطلح (Crisis Intervention)، حيث تعود جذور كلمة (Emergency) إلى الكلمة اللاتينية (Emergere) بمعنى الظهور المفاجئ أو الانبثاق من المجهول، في حين تشير (Psychotherapy) إلى العلاج القائم على الوسائل السيكولوجية المشتق من اليونانية (Psyche: النفس، وTherapeia: الرعاية والخدمة الطبية).

ارتبط ظهور هذا المفهوم في الأدبيات السريرية بالطب النفسي العسكري وطب الكوارث خلال منتصف القرن العشرين، حيث تطلبت الأحداث المفاجئة استجابات نوعية تتجاوز التحليل النفسي الكلاسيكي طويل الأمد، وتستحضر لغة الإنقاذ والإسعاف المعرفي والوجداني.

3. النطق والصيغة الصرفية

يُنطق المصطلح باللغة العربية: «العِلاَجُ النَّفْسِيُّ الطَّارِئُ» بكسر العين في (عِلاج) على وزن (فِعَال) وهو مصدر صريح للفعل الرباعي (عَالَجَ)، وتُنسب كلمة (النفسي) إلى النفس بضم النون أو فتحها مع تشديد الياء، أما (الطارئ) فهو اسم فاعل من الفعل الثلاثي المهموز (طرأ)، وجاءت الكلمة على وزن (فَاعِل) للدلالة على صفة المباغتة والسرعة. يُستخدم المصطلح كمركب وصفي في السياق الإكلينيكي والقانوني الطبي للتفريق بين الخدمات الوقائية أو التحليلية والخدمات الإسعافية الطارئة.

4. الشرح المفاهيمي المفصل

يمثل العلاج النفسي الطارئ استجابة سريرية مصممة للتعامل مع «الأزمة النفسية»، وهي حالة من اللا توازن المعرفي والانفعالي والسلوكي التي يعجز فيها الفرد عن حل مشاكله باستخدام أساليبه التكيفية المعتادة. تتسم هذه الحالة بانهيار دفاعات الأنا، وشعور غامر بالعجز، وارتفاع منسوب القلق إلى مستويات تؤثر سلباً على التفكير المنطقي والحالة النفسية العامة للمريض.

لا يسعى المعالج في هذا النطاق إلى الكشف عن العقد اللاشعورية المدفونة في الطفولة، ولا يهدف إلى تغيير جذري في سمات الشخصية، بل ينصب اهتمامه بالكامل على الهدف الحيوي المباشر: خفض مستوى الإثارة الانفعالية السلبية، تقييم مدى خطورة المريض على نفسه أو غيره، ودعم وظائف التكيف المتبقية لديه. يتطلب ذلك من المعالج التحلي بنبرة قيادية نشطة، ومرونة فائقة، والقدرة على التدخل المباشر واتخاذ قرارات حاسمة قد تشمل التنسيق مع العائلة أو الأطباء النفسيين لتقديم التدخل الدوائي أو حتى الحجز الإجباري عند الضرورة القصوى.

تتحدد حدود العلاج النفسي الطارئ بالوقت وشدة الحالة؛ فهو تدخل يستمر عادة من ساعة واحدة إلى جلسات قليلة تتراوح بين أسبوع إلى ستة أسابيع كحد أقصى. تنتهي حدود هذا التدخل بمجرد انحسار العاصفة الانفعالية، وزوال الخطر الوشيك، وعودة المريض إلى مستوى أدائه الوظيفي الأساسي الذي كان عليه قبل حدوث الأزمة، ليتم بعد ذلك تحويله إلى العلاج المعتاد إذا تطلب الأمر ذلك.

5. التطور التاريخي

نشأت بذور العلاج النفسي الطارئ إبان الحرب العالمية الأولى والثانية، حيث لاحظ الأطباء العسكريون مثل توماس سالمون أهمية علاج الجنود المصابين بما كان يُعرف بـ «صدمة القذائف» بالقرب من خطوط المواجهة وبسرعة فائقة بدلاً من إجلائهم إلى المستشفيات الخلفية البعيدة، مما أسس لمبادئ التدخل المبكر: القرب، والفورية، والتوقع الإيجابي للتعافي (PIE Principles).

شهد عام 1942 نقطة تحول مفصلية في تاريخ هذا المجال عقب حادثة حريق ملهى «كوكونات غروف» في بوسطن، حيث عكف الطبيب النفسي إريك ليندمان (Erich Lindemann) على دراسة ردود فعل الحزن والحداد الحاد لدى الناجين وعائلات الضحايا، ونشر دراسته الرائدة عام 1944 التي أسست للفهم العلمي لأعراض الصدمة الحادة وأهمية التعبير عن المشاعر وتفكيك الألم النفسي المباشر.

واصل جيرالد كابلان (Gerald Caplan) في خمسينيات وستينيات القرن العشرين ترسيخ نظرية الأزمات الشاملة في مجال الصحة النفسية المجتمعية، مؤكداً أن الأزمة فرصة للنمو أو التدهور، وأن التدخل الطارئ يمنع تشكل الأمراض النفسية المزمنة. ومع تأسيس مراكز منع الانتحار في لوس أنجلوس على يد إدوين شنايدمان ونورمان فاربيرو، أضحى العلاج النفسي الطارئ تخصصاً إكلينيكياً قائماً بذاته، مدعوماً ببروتوكولات تقييم الانتحار وخطوط المساعدة الهاتفية للأزمات والوحدات الإسعافية المتنقلة.

6. الأسس والمنطلقات النظرية

يرتكز العلاج النفسي الطارئ على منظومة متعددة الأبعاد تجمع بين عدة مدارس نفسية وفكرية لتلبية المتطلبات الملحة للموقف الإسعافي:

أولاً، نظرية الأزمة ونظرية النظم العامة: تفترض هذه النظرية أن الكائن الحي يسعى دوماً للحفاظ على الاتزان الداخلي (Homeostasis). عندما تصطدم المنظومة النفسية بحدث صادم يفوق طاقتها، يحدث انهيار للاتزان، ويدخل الفرد في حالة فوضى غير مستقرة تستمر لعدة أسابيع، وخلال هذه الفترة يكون المريض عالي القابلية للتأثر والتعلم، مما يجعل التدخل الخارجي فائق الفعالية في إعادة توجيهه نحو التكيف الإيجابي وتفادي التكيف المرضي.

ثانياً، النموذج المعرفي السلوكي في الطوارئ: يُسلط الضوء على «التشوهات الإدراكية الكارثية» المصاحبة للحدث الصادم. يرى هذا الاتجاه أن حالة الذعر تنجم عن تضخيم المريض لحجم الخطر واستصغاره لقدراته الخاصة على المواجهة، فيعمل المعالج المعرفي الطارئ على استبدال التفكير الكارثي بأفكار تركز على الإجراءات العملية القابلة للتنفيذ خطوة بخطوة لاستعادة السيطرة الذاتية.

ثالثاً، التحليل النفسي الموجز ونظرية الأنا: يركز هذا المنظور، المستمد من أفكار بيوبول بيللاك (Leopold Bellak)، على وظائف الأنا الأساسية مثل: اختبار الواقع، وضبط النبضات، وتحمل الإحباط. ويهدف التدخل الطارئ إلى دعم «الأنا الهش» والقيام بوظائفه نيابة عن المريض مؤقتاً عبر التوجيه وتقديم البنية الخارجية، حتى يستعيد الأنا الداخلي قوته المتراجعة.

7. المكونات الأساسية والأنواع والأبعاد

  • التقييم التشخيصي السريع: الفحص الفوري للعلامات الحيوية النفسية، واستقصاء خطر الانتحار أو إيذاء الآخرين، ورصد مدى الاتصال بالواقع وخلو الحالة من علامات الاضطراب العضوي الدماغي.
  • إرساء الأمان النفسي والمكاني: نقل المريض بعيداً عن مسببات الصدمة، وخلق بيئة محايدة توفر الشعور بالاحتواء والهدوء وتقلل من المثيرات المربكة.
  • التنفيس الانفعالي المضبوط: إتاحة المجال للمريض للتعبير عن مخاوفه ومشاعره الغامرة دون السماح له بالانزلاق نحو اجترار الصدمة أو إعادة تفعيل نوبات الهلع.
  • إعادة البناء المعرفي للأزمة: مساعدة المريض على تنظيم الفكرة المشوهة حول ما جرى، وإعطاء معنى للأحداث، وتقليل لوم الذات أو المشاعر العار غير الواقعية.
  • تفعيل شبكات الدعم الاجتماعي: استدعاء أفراد العائلة الموثوقين، أو الأصدقاء، أو جهات الإسناد المجتمعية لتوفير ملاذ مستمر للمريض بعد انتهاء الجلسة الإسعافية.
  • وضع خطة أمان مكتوبة (Safety Planning): وثيقة تفصيلية متفق عليها تتضمن محفزات الأزمة، واستراتيجيات التهدئة الذاتية، وأرقام هواتف الطوارئ ومسؤولي الاتصال عند تكرار الخطر.

8. أمثلة وحالات توضيحية

الحالة الأولى: رد الفعل الحاد إثر الفقدان المفاجئ
استقبلت وحدة الطوارئ السيدة (س)، 38 عاماً، إثر وفاة ابنتها في حادث سير غير متوقع. أظهرت السيدة علامات ذهول صدمي، وانفصالاً جزئياً عن الواقع، مع صراخ حاد وتكرار لجمل تعبر عن رغبتها في الموت للحاق بابنتها. ركز التدخل النفسي الطارئ على تقنيات «التأريض» (Grounding) لمساعدتها على الإحساس بجسدها والمحيط عبر التركيز على التنفس وملامسة الأشياء المادية، مع تقديم مساندة عاطفية غير حكمية، وامتناع المعالج عن إعطاء وعود خادعة أو جمل مواساة فارغة، وانتهت الجلسة بإشراك شقيقتها في خطة مراقبة منزلية تضمن عدم تركها وحيدة وتحديد موعد متابعة خلال 24 ساعة.

الحالة الثانية: محاولة انتحار وشيكة ناجمة عن ضغوط تراكمية
أُحضر الشاب (م)، 25 عاماً، من قِبل الشرطة بعد العثور عليه عند حافة جسر يهدد بالقفز إثر تراكم الديون وفقدان وظيفته وانفصال شريكته. قام المعالج النفسي الطارئ بالاستماع النشط للمريض دون التقليل من مشكلته، وعمل على «إزالة السمية الانفعالية» عبر الاعتراف بألمه الشديد كخطوة أولى لبناء تحالف علاجي سريع. تحول الحديث تدريجياً من الرغبة في الموت إلى الرغبة في التخلص من الألم، وتمكن المعالج من تفكيك المشكلة الكبرى إلى مشكلات صغيرة قابلة للتفاوض، مما خفف مستوى التوتر وسمح بتوقيع خطة أمان وموافقة الشاب على البقاء تحت الملاحظة الطبية الطوعية.

9. القياس والتقييم السريري

يتطلب العلاج النفسي الطارئ أدوات تقييم بالغة الدقة والسلاسة لا تستهلك وقتاً طويلاً، إذ لا تتاح للمعالج رفاهية استخدام استبيانات مطولة ومقاييس إسقاطية معقدة. يعتمد التقييم على أدوات مسحية مقننة وسريعة، من أهمها:

مقياس كولومبيا لتقييم شدة الانتحار (Columbia-Suicide Severity Rating Scale – C-SSRS)، وهو الأداة المعيارية الذهبية لفرز الأفكار والنوايا والخطط الانتحارية وتحديد مستوى الخطورة الحالية بدقة متناهية. كما يُستخدم مقياس فحص الحالة النفسية الموجز (Mini-Mental State Examination – MMSE) لاستبعاد حالات الهذيان أو التدهور الإدراكي الناتج عن اعتلالات عضوية أو تسممات دوائية وكحولية.

يقيم المعالج أيضاً أبعاد خطة الأزمة من خلال نموذج التقييم الثلاثي (Triage Assessment Form) الذي يركز على رصد ثلاثة مجالات رئيسية: المجال العاطفي (القلق، الغضب، الاكتئاب)، والمجال المعرفي (نظرة المريض لذاته والحدث والمستقبل)، والمجال السلوكي (الهروب، الاقتراب، الجمود). ويُعد الفحص السريري المباشر للغة الجسد، والتواصل البصري، ونبرة الصوت، وسرعة الكلام مصدراً حاسماً للبيانات التشخيصية اللحظية.

10. التطبيقات والأهمية العملية

تتعدد مجالات العلاج النفسي الطارئ وتتشابك مع العديد من القطاعات الحيوية في المجتمع، وتبرز أهميته العملية في المجالات الآتية:

في أقسام الطوارئ الطبية والمستشفيات العامة: يؤدي وجود فرق العلاج النفسي الطارئ إلى خفض الضغط على الكوادر الطبية عبر التعامل مع النوبات الهستيرية، ونوبات الذعر القلبي الكاذب، وحالات الإدمان الحاد، والتسمم العمدي بالأدوية.

في إدارة الكوارث الطبيعية والأزمات المجتمعية: يُطبق العلاج النفسي الطارئ من خلال فرق الدعم النفسي الإسعافي والتدخل الميداني، كما حدث إبان الزلازل والحروب والجوائح، حيث يقدم المعالجون ما يُعرف بـ «الإسعافات الأولية النفسية» (Psychological First Aid) لتخفيف وطأة الذهول الجمعي ومنع ظهور اضطراب كرب ما بعد الصدمة المزمن على نطاق واسع.

في البيئات المدرسية والجامعية: يُستدعى التدخل الطارئ عند حدوث وفيات مفاجئة بين الطلاب، أو انتشار حوادث العنف، أو تنامي سلوكيات إيذاء النفس غير الانتحاري، بهدف احتواء العدوى النفسية الانفعالية وتقديم جلسات تفريغ موجزة للمجموعات المتأثرة.

11. البحث العلمي والأدلة الإمبريقية

أكدت عقود من الأبحاث الإمبريقية جدوى التدخلات الطارئة المنظمة في خفض نسب التكرار الانتحاري والتدهور النفسي اللاحق للأزمات. فقد أظهرت الدراسات التراكمية التي قادها باحثون مثل جريجوري براون (Gregory Brown) وباربرا ستانلي (Barbara Stanley) أن استخدام بروتوكول «خطة الأمان» كعلاج نفسي طارئ يقلل من محاولات الانتحار بنسبة تتجاوز 45% مقارنة بالرعاية المعتادة فقط.

وفي سياق التعاطي مع الصدمات، كشفت مراجعات مؤسسة كوكرين للدراسات المنهجية أن التدخلات الطارئة المعرفية الموجهة التي تركز على تعزيز الكفاءة الذاتية وتطوير آليات التكيف المؤقتة تتفوق جوهرياً على التدخلات السلبية غير الموجهة، في حين أثبتت الأبحاث أن التدخلات القسرية القائمة على الإجبار على استعادة تفاصيل الصدمة فور وقوعها (مثل التنفيس النفسي الإلزامي – Psychological Debriefing القديم) قد تأتي بنتائج عكسية وتزيد من خطر ظهور أعراض الصدمة، مما دفع الممارسات العلمية الحديثة إلى تبني نماذج الإسعاف النفسي القائمة على الحماية والأمان وتلبية الاحتياجات العاجلة بدلاً من الغوص في التحليل المبكر.

12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات

يتطلب العلاج النفسي الطارئ حساسية ثقافية استثنائية، إذ تختلف أشكال التعبير عن الأزمة باختلاف السياقات الحضارية والدينية والاجتماعية. ففي العديد من الثقافات الشرقية والعربية، تظهر الأزمات النفسية الحادة في صورة «أعراض جسدية» (Somatization) مثل الصداع الشديد، أو آلام الصدر، أو ضيق التنفس الوظيفي، أو نوبات التصلب الحركي، بدلاً من الاعتراف الصريح بمشاعر الاكتئاب أو الانهيار المعنوي.

كما تلعب المعتقدات الروحية دوراً محورياً في توجيه العلاج؛ إذ إن إدراج المفاهيم الإيمانية حول الصبر والاحتساب والقضاء والقدر، عند توظيفها الإيجابي، يمثل رصيداً قوياً للمريض يساعده على استعادة توازنه المعنوي. ومن جهة أخرى، يجب على المعالج الطارئ الانتباه إلى «وصمة العار» المرتبطة بطلب المساعدة النفسية والتدخل الإسعافي، الأمر الذي يستوجب مراعاة السرية التامة واستخدام مصطلحات لغوية مقبولة لا تشعر المريض أو عائلته بالنبذ أو الدونية المجتمعية.

13. الانتقادات والجدل والقيود المنهجية

على الرغم من النجاح الواسع لتقنيات العلاج النفسي الطارئ، إلا أنه يواجه انتقادات وجدليات أكاديمية مستمرة، من أبرزها:

خطر التدخل المفرط وإضفاء الطابع الطبي (Over-medicalization): يرى بعض النقاد أن المسارعة بالتدخل العلاجي فور حدوث المواقف الحياتية الصعبة قد تُعيق آليات الصمود الذاتية الطبيعية التي طورها البشر عبر آلاف السنين، وتجعل الأفراد أكثر اعتماداً على المؤسسات الصحية بدلاً من استنهاض قواهم الذاتية والمجتمعية الطبيعية.

القيود المنهجية في البحث الإكلينيكي: يصعب إجراء تجارب منضبطة عشوائية (RCTs) في أوقات الطوارئ الحقيقية بسبب التحديات الأخلاقية البالغة، مثل حرمان مجموعة ضابطة من التدخل في حالة وجود خطر انتحار وشيك، مما يجعل بعض الأدلة الإمبريقية قائمة على دراسات استعادية أو رصدية تفتقر إلى صرامة التجارب المعملية المقيدة.

تسطيح المشكلات المزمنة: يُؤخذ أحياناً على التدخل الطارئ أنه يركز على «إطفاء الحريق النفسي» المباشر دون علاج الأسباب العميقة الكامنة، مما قد يعطي المريض انطباعاً زائفاً بالشفاء التام ويجعله عرضة لانتكاسات حادة بمجرد مواجهة ضغوط جديدة، ما لم يكن هذا التدخل مقروناً بنظام إحالة واضح ومستدام.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة

  • التدخل في الأزمات (Crisis Intervention): مصطلح أوسع يشمل الإجراءات النفسية والاجتماعية والبيئية لتطويق الأزمة، في حين يركز العلاج النفسي الطارئ بصورة أدق على التكنيك العلاجي السريري الذي يقوده اختصاصي نفسي أو طبيب مؤهل.
  • الإسعافات الأولية النفسية (Psychological First Aid): نهج إنساني داعم ومبسط يمكن تقديمه من قبل متطوعين ومدربين غير متخصصين لتوفير الرعاية والاحتياجات الأساسية للناجين، بينما يتطلب العلاج النفسي الطارئ تدريباً إكلينيكياً متقدماً للتعامل مع الحالات المعقدة وخطط الأمان الطبية.
  • العلاج النفسي الموجز (Brief Psychotherapy): علاج محدد بوقت يتراوح بين 12 إلى 20 جلسة لعلاج اضطراب محدد، في حين أن العلاج النفسي الطارئ يستغرق وقتاً أقصر بكثير (من جلسة واحدة إلى بضع جلسات)، وتنتهي مهمته بانتهاء حالة الخطر المباشر.
  • إزالة التحسس وإعادة المعالجة بحركة العين (EMDR): بروتوكول علاجي لصدمات الماضي يتطلب تحضيراً مسبقاً، ولا يُعد بالضرورة تدخلاً طارئاً إلا عند استخدامه بنسخ معدلة خصيصاً للصدمات المستجدة في الساعات الأولى.

15. ملخص وخلاصة مركزة

يمثل العلاج النفسي الطارئ حجر الزاوية في الرعاية الصحية السلوكية الإسعافية، حيث يقدم دعماً إكلينيكياً فورياً ومكثفاً في أكثر لحظات حياة الإنسان هشاشة وعجزاً. لا يهدف إلى إحداث ثورة في شخصية الفرد، بل إلى تثبيت دعائم الأنا، وخفض مستويات التوتر الكارثية، وحماية المريض من الاندفاعات المدمرة كالانتحار، وتسهيل عودته السريعة إلى مستوى الأداء التكيفي الآمن.

تتجلى قوة هذا النهج في مرونته النظرية التي تدمج بين أسس ديناميات الأنا، والتقنيات المعرفية السلوكية، وإجراءات السلامة البيئية، محققة بذلك توازناً فريداً بين الصرامة العلمية والإنسانية العميقة في مواجهة الأزمات الحادة. ومن خلال الوعي بالأبعاد الثقافية، والتقييم السريع والموثوق، وتطبيق بروتوكولات الأمان الفعالة، يثبت العلاج النفسي الطارئ أنه ليس مجرد خيار علاجي، بل هو استجابة إنقاذية حاسمة تمنح الإنسان فرصة جديدة لإعادة ترتيب شتات حياته والبدء من جديد.

المراجع

  • Bellak, L., & Small, L. (1978). Emergency psychotherapy and brief psychotherapy (2nd ed.). Grune & Stratton.
  • Caplan, G. (1964). Principles of preventive psychiatry. Basic Books.
  • Lindemann, E. (1944). Symptomatology and management of acute grief. American Journal of Psychiatry, 101(2), 141-148. https://doi.org/10.1176/ajp.101.2.141
  • Stanley, B., & Brown, G. K. (2012). Safety planning intervention: A brief intervention to mitigate suicide risk. Cognitive and Behavioral Practice, 19(2), 256-264. https://doi.org/10.1016/j.cbpra.2011.01.001
  • World Health Organization. (2011). Psychological first aid: Guide for field workers. World Health Organization. https://www.who.int/publications/i/item/9789241548205

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 16). العلاج النفسي الطارئ: التدخل الفوري في الأزمات. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/emergency-psychotherapy-intervention/
looti, Mohammed. “العلاج النفسي الطارئ: التدخل الفوري في الأزمات.” عرب سايكلوجي, 16 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/emergency-psychotherapy-intervention/.
looti, Mohammed. “العلاج النفسي الطارئ: التدخل الفوري في الأزمات.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 16, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/emergency-psychotherapy-intervention/.