يمثل التقييم التمكيني (Empowerment Evaluation) تحولاً بنيوياً وثورياً في حقل القياس النفسي والاجتماعي وتقييم البرامج، حيث ينقل مركز الثقل المعرفي والسلطة التقييمية من أيدي الخبراء الخارجيين إلى الفاعلين المحليين والمشاركين المباشرين في الميدان. لا يقتصر هذا المنظور على كونه أداة فنية لقياس المخرجات، بل يُعد فلسفة ممارساتية تؤمن بأن منح المجتمعات الأدوات التحليلية والمعرفية لتقييم برامجها يعزز كفاءتها الذاتية، ويرسخ استدامتها، ويحقق العدالة المعرفية. في عصر تتصاعد فيه الحاجة إلى المساءلة التشاركية والحوكمة المستندة إلى الأدلة، يبرز التقييم التمكيني كجسر ابتكاري يربط بين الدقة المنهجية والتمكين الإنساني الملموس.
التقييم التمكيني
1. التعريف الدقيق والموجز
يُعرَّف التقييم التمكيني اصطلاحاً بأنه مدخل تقييمي منهجي وتشاركي يهدف إلى مساعدة الأفراد، والمؤسسات، والمجتمعات على مساعدة أنفسهم، من خلال توظيف مفاهيم وتقنيات ونتائج التقييم لتعزيز تحسين البرامج وممارسة تقرير المصير الجمعي. يضع هذا المدخل المشاركين في قلب العملية التقييمية ليصبحوا مقيِّمين مشاركين، بدلاً من الاكتفاء بكونهم مجرد موضوعات خاضعة للتقييم والدراسة من قِبل فاحصين خارجيين.
يتجاوز التقييم التمكيني حدود المراقبة التقليدية أو إصدار الأحكام المعيارية الفوقية؛ فهو يمثل مساراً ديناميكياً مستمراً يُدمج مباشرة في صلب الأنشطة التشغيلية للمنظمات والبرامج المجتمعية. يعمل هذا المدخل على تحويل عملية إنتاج المعرفة التقييمية إلى أداة تحفيزية تُنمّي المهارات الداخلية، وتُعزز الشفافية الداخلية والخارجية، وتُرسّخ حس الملكية والمسؤولية الجماعية لدى أصحاب المصلحة، مما يضمن أن تكون التدخلات مبنية على فهم دقيق للاحتياجات الميدانية الحقيقية وموجهة نحو تحقيق نمو مجتمعي ونفسي مستدام.
2. التأصيل الاشتقاقي واللغوي
يعود الأصل الاشتقاقي لمصطلح «التقييم التمكيني» إلى تركيب وصفي يجمع بين حقلين دلاليين راسخين في المعاجم اللغوية والفلسفية. كلمة «تقييم» مشتقة من الجذر اللغوي العربي (ق-ي-م)، وهو أصل يدل على الثبات والاعتدال وتحديد القدر والقيمة؛ وتُشير الدلالة المعجمية لتقييم الشيء إلى تقدير قيمته، وبيان أوجه القوة والقصور فيه، وتعديل مساره نحو الاستواء والصواب، وهو ما يتطابق في السياق الاصطلاحي مع فحص فاعلية البرامج والممارسات.
أما لفظ «تمكيني»، فهو منسوب إلى المصدر «تمكين»، المشتق من الجذر (م-ك-ن)، والذي يفيد الرسوخ والقدرة والاستطاعة ونفاذ الأمر؛ ومكنت فلاناً من الشيء أي جعلت له عليه سلطاناً وقدرة ووسيلة لتحقيقه. في السياق الإنجليزي المقابل، صاغ عالم الأنثروبولوجيا والتقييم ديفيد فيترمان مصطلح (Empowerment Evaluation) في مطلع التسعينيات، مشتقاً شقه الأول من الفعل (Empower) المرتكز على البادئة (Em-) المعبرة عن الإدخال والإكساب، والاسم (Power) الذي يعود إلى اللاتينية المتأخرة (Potere) بمعنى القدرة والاستطاعة، ليعبر المصطلح في كليته عن نقل القوة والأدوات المنهجية إلى الأفراد لتمكينهم من قيادة شؤونهم وتحديد مصائرهم المعرفية والتنموية.
3. النطق والبنية النحوية والصرفية
يُنطق المصطلح باللغة العربية الفصحى: «التَّقْيِيمُ التَّمْكِينِيُّ» (at-taqyeem at-tamkeeni). من الناحية الصرفية، تُعد كلمة «تَقْيِيم» مصدراً قياسياً للفعل الرباعي المضعف «قَيَّمَ» على وزن «تَفْعِيل»، وتدل على وقوع الحدث التقييمي بصورة منهجية ومقصودة، بينما يمثل لفظ «التَّمْكِينِيّ» اسماً منسوباً إلى المصدر «تمكين» (الذي هو أيضاً مصدر للفعل الرباعي مَكَّنَ على وزن تفعيل)، وتعمل ياء النسب المشددة هنا على نقل اللفظ من الاسمية التجريدية إلى الصفة المحددة لطبيعة التقييم وغايته الجوهرية.
إعرابياً، يرد المصطلح في السياقات الأكاديمية إما في موضع المبتدأ المرفوع كما في: «التقييمُ التمكينيُّ ركيزةٌ أساسية في علم النفس المجتمعي»، أو في موضع المضاف إليه المجرور كما في: «نتائجُ التقييمِ التمكينيِّ»، أو المفعول به المنصوب كما في: «طبقت المؤسسةُ التقييمَ التمكينيَّ». يتبع لفظ «التمكيني» دائماً لفظ «التقييم» في إعرابه وتعريفه وتذكيره بوصفه نعتاً حقيقياً يحدد ماهيته ويفصله عن أنماط التقييم التقليدية أو السلطوية الأخرى.
4. الشرح المفاهيمي المتعمق
ينطوي التقييم التمكيني على إطار مفاهيمي شامل يعيد تعريف أدوار المقيِّم والمشاركين والبرنامج برُمته. في المنهجيات التقليدية، يُنظر إلى المقيِّم الخارجي بوصفه خبيراً محايداً، منعزلاً، يمتلك وحده المعرفة التقنية ويصدر أحكاماً قاطعة حول نجاح البرنامج أو فشله بعد انتهائه؛ في المقابل، يفكك التقييم التمكيني هذه الهرمية الصارمة، محولاً دور المقيِّم المحترف إلى دور «الميسِّر» (Facilitator) أو «الصديق الناقد» (Critical Friend). يوفر هذا الميسر التوجيه المنهجي والدعم الفني والتدريب النظري، في حين يمتلك المجتمع المحلي أو فريق البرنامج السلطة الفعلية في تحديد الأسئلة التقييمية، وجمع البيانات، وتفسير الأدلة، واتخاذ القرارات التصحيحية المستمرة.
يرتكز النطاق المفاهيمي للتقييم التمكيني على فكرة مركزية مفادها أن برامج الرعاية الاجتماعية والصحة النفسية والتنمية البشرية لا يمكن أن تزدهر إذا عومل المستفيدون منها كمتلقين سلبيين. إن إشراك الفاعلين في عمليات القياس والتقييم ينشئ حلقة تغذية راجعة تكيفية (Adaptive Feedback Loop)، تتيح للبرامج التعديل اللحظي لاستراتيجياتها في ضوء المعطيات الواقعية الناشئة. هذا التوجه يسهم في تفكيك احتكار المعرفة، مما يتيح للأفراد المهمشين أو المجتمعات المتأثرة امتلاك الأدلة الإحصائية والنوعية التي تدعم حقوقهم وتعبر عن واقعهم، وهو ما يطلق عليه مفهوم «إضفاء الطابع الديمقراطي على التقييم» (Democratizing Evaluation).
تتحدد حدود هذا المنهج بقدرته على الموازنة الواعية بين الصرامة العلمية والمشاركة الديمقراطية؛ فالتقييم التمكيني لا يعني بأي حال من الأحوال التساهل المنهجي أو التخلي عن معايير القياس الموثوقة وصادقة النتائج، بل يسعى إلى إضفاء الموثوقية التشاركية عبر الجمع بين دقة الأدوات الكمية وعمق الرؤى الكيفية المستمدة من التجربة المعاشة للأفراد. وبذلك، تصبح العملية التقييمية ذاتها تدخلاً نفسياً واجتماعياً يعزز الوعي النقدي، ويقلل من مقاومة التغيير، ويرسخ الاستدامة المؤسسية عبر بناء كفاءات تقييمية محلية تظل فاعلة حتى بعد انتهاء الدعم الخارجي.
5. التطور التاريخي والمحطات المفصلية
تعود الجذور الأولى لبروز التقييم التمكيني إلى السياق الأكاديمي والمهني للجمعية الأمريكية للتقييم (American Evaluation Association) في أوائل التسعينيات من القرن العشرين. كانت الأوساط التقييمية آنذاك تشهد نقاشات حادة حول مدى جدوى التقارير التقييمية التقليدية، التي كانت في كثير من الأحيان تُهمل وتُحفظ في الأدراج دون تطبيق عملي، فضلاً عن انفصالها عن نبض المجتمعات المحلية واحتياجاتها التنموية الحقيقية.
في عام 1993، أطلق عالم التقييم والأنثروبولوجيا ديفيد فيترمان (David Fetterman) شرارة هذا المنهج في خطابه الرئاسي أمام الجمعية الأمريكية للتقييم، حيث دعا صراحة إلى تبني نموذج جديد يجعل من التقييم أداة للتحرر والتحسين الذاتي والعدالة الاجتماعية. تلا ذلك في عام 1994 نشر أوراقه التأسيسية التي وضعت اللبنات الأولى لهذا التوجه، مما فجر نقاشاً معرفياً واسعاً بين رواد التقييم الوضعيين الذين تخوفوا من فقدان الموضوعية، ورواد التقييم التقدميين الذين رأوا فيه حلاً حاسماً لأزمة عدم استخدام نتائج التقييم.
شهد عام 1996 محطة فارقة بصدور كتاب فيترمان وزملائه المعنون «التقييم التمكيني: المعرفة والأدوات للتحسين الذاتي والمساءلة»، والذي قدم أطراً إجرائية واضحة لتطبيق المنهج في المدارس والمستشفيات والمنظمات غير الربحية. وفي مرحلة لاحقة، وتحديداً في مطلع الألفية الثالثة، أسهم أبراهام واندرسمان (Abraham Wandersman) وزملاؤه في تقنين هذا المنهج عبر ربطه بعلم النفس المجتمعي ونماذج التخطيط المستند إلى النتائج، وصولاً إلى صياغة «المبادئ العشرة للتقييم التمكيني» في عام 2005، والتي تحولت إلى دستور منهجي عالمي يسترشد به الممارسون في مختلف قارات العالم لتطبيق التقييم بمنهجية محكمة تراعي التنوع الثقافي والتوازن القيمي.
6. الأسس والمنطلقات النظرية
يستند التقييم التمكيني إلى شبكة متماسكة من النظريات السيكولوجية والاجتماعية التي تمنحه رصانته الأكاديمية وعمقه المعرفي. في مقدمة هذه الأسس تأتي نظرية التمكين (Empowerment Theory) في علم النفس المجتمعي، والتي صاغها جوليان رابابورت (Julian Rappaport). تؤكد هذه النظرية أن عجز المجتمعات وضعفها ليسا سمات جوهرية أو نقصاً أصيلاً في الأفراد، بل هما نتاج هياكل اجتماعية تُقصي الناس عن الموارد والسيطرة على مقدرات حياتهم؛ وعليه، فإن التقييم التمكيني يمثل تدخلاً سيكولوجياً يعيد ربط الأفراد بمصادر القوة والوعي المؤسسي.
الأساس النظري الثاني يتجلى في نظرية الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy Theory) التي طورها عالم النفس ألبرت باندورا (Albert Bandura). يفترض التقييم التمكيني أن إشراك المشاركين في مهام حقيقية وناجحة لجمع البيانات وتحليلها، وتصميم المؤشرات ورصد الأداء، يعزز إيمانهم بقدراتهم الفردية والجماعية على إحداث التغيير المرغوب، مما يولد دافعية داخلية أصيلة نحو التحسين المستمر والتغلب على الصعوبات التنظيمية المعقدة.
علاوة على ذلك، يتغذى المنهج من أصول البحث الإجرائي (Action Research) التي تعود إلى كورت ليفين (Kurt Lewin)، ومن أطروحات الفكر البيداغوجي النقدي لباولو فريري (Paulo Freire) في كتابه «تعليم المقهورين». يتبنى التقييم التمكيني مقولة فريري حول «إعادة امتلاك الوعي النقدي» عبر كسر الصمت وتحويل المشاركين من أهداف للرعاية إلى ذوات صانعة لواقعها وتاريخها، حيث يُنظر إلى التقييم باعتباره ممارسة تحررية حوارية تُعيد تفكيك علاقات القوة غير المتكافئة بين الباحثين والمجتمعات المدروسة.
7. المكونات الرئيسية والأبعاد والأنماط
يتألف التقييم التمكيني من نموذج تنفيذي ثلاثي الخطوات، يؤطره نسق قيمي مكون من عشرة مبادئ موجهة، تضمن سلامة التطبيق وتحقيق أهدافه التحويلية:
- النموذج الإجرائي الثلاثي (Three-Step Approach):
- تحديد الرسالة (Mission): جلسة عمل ديمقراطية يتفق فيها جميع أصحاب المصلحة على الرؤية المشتركة، والأهداف العليا للبرنامج، والقيم الحاكمة لمسيرته التنموية.
- تقييم الوضع الراهن وتحديد خط الأساس (Taking Stock): يتضمن تحديد الأنشطة والمخرجات الحالية للبرنامج وتصنيفها، تليها عملية تقييم وتصويت كمي ونوعي يُجريها المشاركون لتحديد نقاط القوة والضعف بدقة، وتوثيق الأدلة الداعمة لتلك التقديرات.
- التخطيط للمستقبل (Planning for the Future): وضع أهداف محددة وقابلة للقياس، وتطوير استراتيجيات تدخل عملية لتجاوز جوانب القصور، وتحديد مؤشرات أداء وسيطة لمراقبة التقدم بانتظام.
- المبادئ العشرة الموجهة للتقييم التمكيني:
- التحسين المستمر (Improvement): جعل التقييم مساراً تصحيحياً دائماً لرفع كفاءة التدخلات وليس مجرد تفتيش إداري.
- الملكية المجتمعية (Community Ownership): تمكين أصحاب المصلحة من تملك كامل للعملية التقييمية وقراراتها.
- الشمول والمشاركة الواسعة (Inclusion): إشراك كافة الفئات المتأثرة بالبرنامج، لا سيما الأصوات المهمشة والمستضعفة.
- المشاركة الديمقراطية (Democratic Participation): اتخاذ القرارات من خلال النقاش المفتوح والمصادقة التشاركية الشفافة.
- العدالة الاجتماعية (Social Justice): تسخير التقييم لمعالجة التفاوتات البنيوية وتفكيك أسباب التهميش والظلم الاجتماعي.
- المعرفة المجتمعية (Community Knowledge): الاعتراف بالقيمة الإبستيمولوجية للخبرة المحلية الميدانية وتكاملها مع المعرفة التقنية.
- الممارسات المستندة إلى الأدلة (Evidence-Based Strategies): دمج أفضل الأدلة العلمية في الاستراتيجيات المحلية الملائمة سياقياً.
- بناء القدرات المؤسسية (Capacity Building): تدريب وتأهيل الأفراد ليصبحوا مقيِّمين ذاتيين أكفاء على المدى البعيد.
- التعلم التنظيمي (Organizational Learning): توظيف البيانات المجمعة لترسيخ ثقافة التعلم المؤسسي ومراجعة الافتراضات.
- المساءلة الشاملة (Accountability): الوفاء بمتطلبات الجهات المانحة دون الإخلال بمتطلبات الاستجابة الصادقة لاحتياجات المجتمع.
8. نماذج وحالات تطبيقية واقعية
تتجلى قوة التقييم التمكيني عند معاينة تطبيقاته الميدانية في برامج الصحة النفسية والدعم الاجتماعي؛ فعلى سبيل المثال، طُبّق المنهج في برنامج مجتمعي موجه لإعادة دمج الأفراد المتعافين من اضطرابات تعاطي المواد المخدرة في بيئات عمل منتجة. بدلاً من استقدام مقيّم خارجي يقيس نسب الانتكاس بصورة معزولة، شارك المتعافون، وأخصائيو الإرشاد، وأصحاب العمل في صياغة مقاييس التقييم، وتحديد خط الأساس لجودة الحياة، وتتبع التحديات السلوكية أسبوعياً، مما رفع معدل استدامة التعافي بنسبة تجاوزت التقديرات المعتادة للبرامج التقليدية.
وفي قطاع التعليم، استعانت مقاطعات تعليمية في كاليفورنيا بالتقييم التمكيني للحد من العنف المدرسي والرسوب الأكاديمي في المدارس الواقعة في أحياء ذات معدلات فقر مرتفعة. شُكلت لجان تقييمية تضم المعلمين والطلاب وأولياء الأمور والموجهين النفسيين، حيث قام الطلاب بأنفسهم بتوثيق بؤر التوتر داخل المدرسة عبر تقنية الملاحظة التشاركية، واستخدموا البيانات لوضع خطط أمان مدرسية وتعديل استراتيجيات التدريس العلاجي، مما أدى إلى انخفاض حوادث الشجار وتحسن الأداء الأكاديمي العام.
كذلك وظفت مؤسسات صحية عالمية هذا المنهج لمكافحة انتشار التبغ والأمراض غير السارية في مجتمعات السكان الأصليين؛ حيث مكن التقييم التمكيني أفراد تلك المجتمعات من استخدام لوحات بيانات رقمية تفاعلية لتتبع حملات التوعية وتكييفها بما يلائم تقاليدهم ولغاتهم المحلية، مما خلق استجابة مجتمعية أصيلة أثبتت تفوقها النوعي على الحملات الإعلانية الفوقية الجاهزة.
9. أدوات القياس وآليات التقييم
يوظف التقييم التمكيني ترسانة من الأدوات المنهجية التي تدمج بين البساطة الإجرائية والرصانة المعرفية لتسهيل المشاركة غير المتخصصة دون إخلال بالدقة العلمية. في مقدمة هذه الأدوات تأتي «مصفوفة تقييم خط الأساس» (Taking Stock Matrix)، والتي تتضمن جدولاً تحليلياً يُدرج الأنشطة الجوهرية للبرنامج، مصحوباً بمقياس تقدير كمي (ليكرت من 1 إلى 10) يصوت من خلاله أصحاب المصلحة بصورة فردية أو جماعية على مستوى كفاءة كل نشاط، مع اشتراط تقديم مسوغات وبيانات مدعمة (Evidence Base) لكل درجة تقدير تمنح.
تستخدم أيضاً أدوات مثل «لوحات مراقبة التقدم التفاعلية» (Evaluation Dashboards) و«مقاييس بناء القدرات التقييمية» (Evaluative Capacity Building Scales)، والتي تقيس تطور مهارات الفريق المحلي في تصميم أدوات الاستبيان، وإجراء المقابلات المعمقة، واستخدام برمجيات التحليل الإحصائي والكيفي. يُضاف إلى ذلك تطبيق «سجلات التقييم الحواري» (Dialogic Logs) التي تسجل الملاحظات النوعية خلال الاجتماعات الدورية، واستخدام «استطلاعات المناخ التنظيمي» التي ترصد التغير في الكفاءة الذاتية الجمعية والرضا المهني للمشاركين.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يحظى التقييم التمكيني بأهمية بالغة في شتى الميادين المهنية والنفسية والتنموية، وتتفرع استخداماته التطبيقية لتشمل:
- العيادات والمراكز النفسية والاجتماعية: يُستخدم لتحسين جودة الخدمات العلاجية وإعادة التأهيل عبر إشراك المرضى وأسرهم والمعالجين في تقييم بيئة الرعاية وملاءمة البرامج العلاجية، مما يُعلي من الرضا العلاجي ويقلل نسب الانسحاب المبكر.
- المؤسسات غير الحكومية والمنظمات الأهلية: يساعدها على تجاوز تبعيتها للممولين من خلال بناء أنظمة تقييم ذاتية داخلية تثبت أثرها الميداني بالبراهين العلمية، وتلبي متطلبات التمويل دون فقدان بوصلتها المجتمعية.
- السياسات العامة والتخطيط الحضري: يتيح للمخططين وصناع القرار إشراك المواطنين في تقييم البنية التحتية، وبرامج الإسكان، والمبادرات الصحية العامة، مما يضمن أن تلبي السياسات المصممة الاحتياجات الفعلية وتلقى قبولاً مدنياً واسعاً.
- البيئات الأكاديمية والمدرسية: يساهم في إحداث إصلاحات مدرسية جوهرية من خلال تفعيل دور المعلمين والطلبة في تقييم المناهج والمناخ المدرسي، مما يخلق بيئات تعلم داعمة تشجع على الابتكار والاستقلالية.
11. الأبحاث والأدلة الإمبريقية
أكدت دراسات إمبريقية رصينة الفاعلية الاستثنائية للتقييم التمكيني في تعزيز مخرجات البرامج واستدامتها التنظيمية. وثق فيترمان وواندرسمان في سلسلة من الدراسات الطولية (Longitudinal Studies) المنشورة في مجلات علمية رائدة تحسناً ذا دلالة إحصائية في مستويات الكفاءة الذاتية المدركة لدى مديري البرامج والعاملين الميدانيين الذين خضعوا لدورات تقييم تمكيني، مقارنة ببرامج ضبط استخدمت التقييم التقليدي فقط.
وفي دراسة تحليلية واسعة أجراها الباحثون في مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، تم تقييم أثر تطبيق مبادئ التقييم التمكيني في أكثر من 50 برنامجاً محلياً لمكافحة الأمراض المزمنة. أظهرت النتائج أن المنظمات التي تبنت هذا المنهج تميزت بقدرة أعلى بنسبة 40% على تحقيق استدامة برامجها بعد انقطاع التمويل الخارجي، وأظهرت مستويات تفوق ملحوظة في جودة البيانات وتوظيفها التكيفي في اتخاذ القرارات وحل المشكلات التشغيلية المعقدة.
كما بينت أبحاث الدكتورة ريبيكا كامبل وزملائها في مجال التدخلات الموجهة لمناهضة العنف الأسري، أن استخدام التقييم التمكيني قلص الفجوة التواصلية بين الضحايا ومقدمي الخدمات، وأفضى إلى توليد مؤشرات تقييمية حساسة سياقياً لم تكن تلتقطها أدوات القياس القياسية الجاهزة، مما عزز من مصداقية النتائج وجدواها العلاجية والوقائية على المستوى المجتمعي العام.
12. الاعتبارات الثقافية وسياقات التنوع
تكتسب الحساسية الثقافية في التقييم التمكيني وزناً محورياً نظراً لارتكازه على المشاركة المجتمعية الصادقة. يختلف مفهوم «السلطة» و«التمكين» و«الحوار» بصورة جذرية بين الثقافات الفردانية والثقافات الجمعية؛ فبينما يميل النموذج الغربي الفرداني إلى التركيز على المبادرة الفردية والمساءلة العلنية، تتطلب البيئات الجمعية والتقليدية مراعاة شبكات العلاقات الاجتماعية، ومكانة كبار السن، والهياكل القيادية العرفية لتجنب إحداث صراعات داخلية أو نفور مجتمعي.
عند تطبيق هذا المنهج في مجتمعات الشعوب الأصلية أو الفئات السكانية الهشة، يتعين على المقيِّم الميسر أن يتحلى بما يُعرف بـ «التواضع الثقافي» (Cultural Humility)، والذي يقتضي التخلي عن النزعة الاستعلائية للمعرفة الأكاديمية الغربية، واحترام النظم المعرفية والتقاليد الشفهية المحلية بوصفها مصادر شرعية للأدلة، بما يضمن عدم تحول التقييم إلى أداة للهيمنة الثقافية أو الاستعمار المعرفي الناعم تحت شعارات التمكين الزائفة.
13. الانتقادات والمحددات والسجالات المعرفية
على الرغم من الانتشار الواسع للمنهج، إلا أنه واجه سجالات فلسفية ونقدية لاذعة قادها كبار منظري التقييم في المدرسة الكلاسيكية. برز مايكل سكريفن (Michael Scriven) كأبرز المنتقدين، حيث جادل بأن التقييم التمكيني يخلط بين «التقييم» و«التطوير» أو «المعالجة الإدارية»، معتبراً أن تخلي المقيِّم عن دوره كحكم خارجي محايد ومستقل يفتح الباب واسعاً أمام الانحياز الإدراكي، والتقييم الذاتي المتفائل، وتضارب المصالح، مشبهاً الأمر بمقولته الشهيرة: «إنها بمثابة توكيل الذئب بحراسة قطيع الأغنام».
كذلك أثار باحثون آخرون، مثل دانييل ستفلبيم ومارفين ألكين، تساؤلات جدية حول مدى قدرة أفراد المجتمع غير المدربين منهجياً على ضمان الموثوقية والمصداقية الإحصائية للبيانات المعقدة، محذرين من خطر «التمكين الوهمي» (Tokenistic Empowerment) حيث تدعي المؤسسات إشراك المستفيدين لتجميل صورتها شكلياً بينما تظل القرارات الإدارية والمالية الحقيقية حكراً على النخب العليا داخل المنظمة.
يرد أنصار التقييم التمكيني بأن استقلالية المقيّم الخارجي المزعومة غالباً ما تكون وهماً يحجب مصالح الممولين، وأن أفضل طريقة لضمان الدقة العلمية ليست عزل المقيّم بل إخضاع التقييم لحوار نقدي علني تشاركي ومستمر، مدعوماً بمراجعة وتيسير منهجي صارم يقوده مقيمون محترفون لضبط التحيزات وتفنيد التقديرات غير المبررة بالأدلة التجريبية الواقعية.
14. المفاهيم المقترنة والتمايزات الفارقة
لتجنب اللبس المعرفي والمنهجي، يجدر توضيح الفروق الجوهرية بين التقييم التمكيني والمقاربات التقييمية المقترنة به:
- التقييم التشاركي (Participatory Evaluation): يشترك مع التقييم التمكيني في فتح باب المشاركة لأصحاب المصلحة، لكنه يحتفظ بالسيطرة التقييمية والقرارات النهائية بيد المقيّم الخارجي أو الإدارة العليا، بينما يذهب التقييم التمكيني إلى تفويض كامل لملكية وسلطة التقييم إلى المجتمع نفسه.
- التقييم المستند إلى الاستخدام (Utilization-Focused Evaluation): يركز هذا النهج الذي صاغه مايكل كوين باتون على إرضاء وتلبية احتياجات المستخدمين الأساسيين المحددين للتقييم لضمان استخدام نتائجه، في حين يركز التقييم التمكيني على إحداث تحول ديمقراطي بنيوي وبناء القدرات الذاتية المستدامة لكافة أصحاب المصلحة.
- البحث الإجرائي التشاركي (Participatory Action Research – PAR): يتطابق معرفياً وقيمياً مع التقييم التمكيني في قضايا التحرر والعدالة، ولكنه ينصب غالباً على توليد المعرفة النظرية العامة وفهم المشكلات الاجتماعية المعقدة، بينما يُعنى التقييم التمكيني أساساً بقياس أداء وتطوير برامج وتدخلات محددة ومؤسسية.
- التقييم التقليدي الوضعي (Traditional Evaluation): يفصل فصلاً تاماً بين المقيِّم «الموضوعي الخارجي» وموضوع التقييم، ويقتصر على إصدار أحكام نجاح أو فشل ختامية، بينما التقييم التمكيني يعتبر المقيّم شريكاً وميسراً والتقييم مساراً تحسينياً مستمراً داخلياً.
15. الخلاصة والدروس المستفادة
يجسد التقييم التمكيني نقلة بارادغمية كبرى حولت التقييم من أداة للمراقبة والمساءلة الفوقية الصارمة إلى محرك حيوي للإبداع التنظيمي، والنمو النفسي الجمعي، والعدالة الاجتماعية. لقد برهن هذا المنهج على مدار أكثر من ثلاثة عقود على أن منح المجتمعات زمام المبادرة المنهجية لا يُضعف الدقة العلمية بل يخصبها برؤى سياقية أصيلة تجعل التدخلات النفسية والاجتماعية أكثر مرونة وتأثيراً واستدامة.
إن الدرس الأهم المستفاد من هذا النهج التقييمي يكمن في إدراك أن المساءلة الحقيقية ليست التزاماً إدارياً جامداً يُقدم للمانحين والمؤسسات الممولة عبر تقارير ورقية معزولة، بل هي ممارسة أخلاقية ووجودية تُمارس في الميدان كل يوم حين يمتلك الناس الأدوات الكافية لفهم واقعهم، وقياس أثر أعمالهم، وصياغة مستقبلهم التنموي بأيديهم وبكامل إرادتهم الحرة.
المراجع
- Fetterman, D. M. (1994). Empowerment evaluation. Evaluation Practice, 15(1), 1–15. https://doi.org/10.1177/109821409401500101
- Fetterman, D. M., Kaftarian, S. J., & Wandersman, A. (Eds.). (1996). Empowerment evaluation: Knowledge and tools for self-assessment and accountability. SAGE Publications.
- Fetterman, D. M., & Wandersman, A. (Eds.). (2005). Empowerment evaluation principles in practice. Guilford Press.
- Patton, M. Q. (2012). Essentials of utilization-focused evaluation. SAGE Publications.
- Scriven, M. (1997). Empowerment evaluation examined. Evaluation Practice, 18(2), 165–175. https://doi.org/10.1177/109821409701800208
- Wandersman, A., Snell-Johns, J., Lentz, B. E., Fetterman, D. M., Keener, D. C., Livet, M., Imm, P. S., & Flaspohler, P. (2005). The 10 principles of empowerment evaluation. In D. M. Fetterman & A. Wandersman (Eds.), Empowerment evaluation principles in practice (pp. 27–41). Guilford Press.