استخدام التقييم: جسر القرارات المبنية على الأدلة

استكشف المفهوم الشامل لاستخدام التقييم (Evaluation Utilization): أبعاده الأداتية والمفاهيمية، تطوره التاريخي، أطره النظرية، والتحديات المعرفية والثقافية التي تواجه توظيف الأدلة في صناعة القرار.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 18 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 18 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يُمثل استخدام التقييم الركيزة الجوهرية التي تبرر وجود الممارسة التقييمية برمتها في العلوم النفسية والاجتماعية والإدارية، إذ يُحدد مدى قدرة المعرفة المُستقاة من البحث التطبيقي على إحداث تحول حقيقي في السياسات والبرامج وسلوك الأفراد. يُعد هذا المفهوم حلقة الوصل الحاسمة بين النظرية والتطبيق، حيث يسعى للإجابة عن السؤال المحوري حول كيفية تحويل البيانات والنتائج التحليلية إلى قرارات استراتيجية تعزز الرفاه النفسي والفاعلية المؤسسية. من خلال سبر أغوار هذا المصطلح، نكتشف البنية الديناميكية لعملية اتخاذ القرار المستندة إلى الأدلة، وتداخلاتها المعقدة مع الدوافع السلوكية، والثقافة التنظيمية، والسياقات السياسية والاجتماعية المحيطة.

استخدام التقييم (Evaluation Utilization)

1. التعريف الموجز والدقيق

يُعرَّف استخدام التقييم (Evaluation Utilization أو Evaluation Use) بأنه التطبيق الفعلي أو التأثير المباشر وغير المباشر للنتائج والعمليات التقييمية في تشكيل الرؤى، وتوجيه القرارات، وتعديل السياسات أو الممارسات التنظيمية والبرامجية. ولا يقتصر هذا المفهوم على مجرد القراءة الشكلية للتقارير النهائية، بل يمتد ليشمل أي إدراك معرفي، أو تغيير سلوكي، أو تعديل مؤسسي ينشأ عن الانخراط في العملية التقييمية ككل.

وفي السياق المعرفي والنفسي، يُنظر إلى استخدام التقييم على أنه عملية ديناميكية لإدماج المعلومات المستخلصة من الواقع التجريبي ضمن البنى الإدراكية لصناع القرار وأصحاب المصلحة. يتضمن ذلك توظيف الاستنتاجات العلمية لتحسين جودة التدخلات العلاجية أو التربوية، وترشيد الموارد، وتقديم مبررات موضوعية للتغيير المؤسسي. بالتالي، فإن الاستخدام يمثل مؤشر النجاح النهائي لأي مجهود تقييمي يُبذل في البيئات الميدانية.

علاوة على ذلك، يتعدى الاستخدام المعنى الآلي البسيط لتنفيذ التوصيات؛ فهو يشتمل على التغيرات الإدراكية طويلة المدى التي تصيب طريقة تفكير الممارسين إزاء المشكلات النفسية والاجتماعية التي يتعاملون معها. إنه يعكس الانتقال من حالة الحدس والتخمين الشخصي إلى ممارسة مهنية متجذرة في الممارسة القائمة على الأدلة والتحليل المنهجي المنظم.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي

يعود الأصل اللغوي لمفردة “تقييم” في اللسان العربي إلى الجذر الثلاثي (ق-و-م)، ومنه القيمة، وهي ثمن الشيء ومقداره، ويُقال قَوَّمَ الشيء تقويماً أي بيّن وزنه وفضله وأزال عِوَجه، واستُعمل مجازاً للدلالة على فحص الشيء لبيان محاسنه وعيوبه وتصحيح مساره. أما لفظ “استخدام” فيشتق من الجذر (خ-د-م)، وصيغة الاستفعال تفيد طلب الخدمة وتسخير الشيء لتحقيق غرض معين، فيكون استخدام الشيء هو توظيفه وجعله في خدمة هدف مقصود.

وفي الاصطلاح الغربي، فإن مصطلح Evaluation ينحدر من اللاتينية valere بمعنى “أن تكون قوياً أو ذا قيمة”، والتي تطورت في الفرنسية القديمة إلى evaluer، مشيرة إلى تحديد القيمة والقدر. أما كلمة Utilization فتعود إلى اللاتينية utilis بمعنى نافع أو مفيد، المشتقة من الفعل uti (يستعمل). وقد دخل المركب الاصطلاحي Evaluation Utilization إلى أدبيات البحث الاجتماعي والنفسي في أواخر ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، ولا سيما مع صعود برامج التقييم الحكومية الممولة من الدولة في الولايات المتحدة، لوصف مصير مخرجات البحوث والتقارير الرقابية والمسحية.

3. النطق والبنية النحوية والمصطلحية

يُنطق المصطلح باللغة العربية بكسر الهمزة وتسكين السين وفتح التاء والخاء مع مد الألف: (اِسْتِخْدَام)، وهو مصدر صريح للفعل السداسي “استخدم”، ويأتي مضافاً إلى “التَّقْيِيم” بفتح التاء وتشديد القاف المكسورة وياء ساكنة متبوعة بلام وميم، وهو مصدر للفعل الرباعي المضعف “قَيَّمَ”. يُعرب المركب إضافياً كتركيب إضافي وظيفي، حيث يُعرب المضاف حسب موقعه في الجملة بينما يقع المضاف إليه مجروراً دائماً.

ومن حيث التباينات الاصطلاحية، تبرز في الأدبيات العربية مرادفات عدة، منها: “توظيف التقييم”، و”الإفادة من نتائج التقييم”، و”إعمال التقييم”. وفي الأوساط الأكاديمية النفسية والتربوية، يُفضل البعض استخدام مصطلح “توظيف التقييم” للدلالة على الجانب الاستراتيجي، بينما يُشير “استخدام التقييم” (Evaluation Use) إلى الطيف الأوسع الذي يدمج العمليات والنتائج التقييمية بصورة مباشرة أو غير مباشرة في البيئة السلوكية للمؤسسة.

4. الشرح المفاهيمي الموسع

يُعد استخدام التقييم مفهوماً متعدد المستويات والأبعاد يتجاوز النظرة التقنية الضيقة التي تعتبر التقييم وثيقة استاتيكية تنتهي بكتابة التقرير النهائي. يمتد المفهوم ليشمل الطريقة التي يُعيد بها الأفراد والفرق تشكيل فهمهم للمشكلات البرامجية والنفسية، حيث تصبح عملية التقييم ذاتها أداة تدريبية وتأملية للمشاركين. إن نطاق المفهوم يتضمن كل التأثيرات الحاصلة، بدءاً من الحوار التداولي الذي يحدث بين المُقيِّم وأصحاب المصلحة في مرحلة بناء الأسئلة التقييمية، وصولاً إلى اتخاذ قرارات مصيرية بتوسيع نطاق تدخل نفسي أو إلغائه بالكامل.

تتحدد حدود المفهوم عبر التمييز الدقيق بين التداول الشكلي للمعلومات وبين التأثير الفعلي؛ فمجرد نشر النتائج أو إرسال التقارير عبر البريد الإلكتروني لا يُعد استخداماً ما لم يُحدث تمثيلاً معرفياً لدى المتلقي، أو ينعكس على ممارسته وسلوكه القراري. يتقاطع المفهوم مع مبادئ علم النفس المعرفي، خاصة فيما يتعلق بآليات اتخاذ القرار، ومعالجة المعلومات، ومقاومة التغيير، والتحيزات المعرفية التي تحول دون تقبل النتائج الصادمة أو غير المتوافقة مع رغبات الإدارة.

كذلك يشمل المفهوم تأطير ما يُعرف بـ “التأثير الممتد”؛ حيث يتفاعل استخدام التقييم مع سياقات القوة والسياسة داخل المنظمات. فالتقييم لا يُمارَس في فراغ نقي من التوازنات، بل في بيئات اجتماعية تحكمها المصالح والمحددات التمويلية. وبالتالي، فإن الاستخدام الواعي يتطلب فهم البيئة الإيكولوجية الشاملة للبرنامج المستهدف، وتحليل العوامل الميسرة والمعوقة لتفعيل التوصيات في الممارسات اليومية للعاملين والمتخصصين النفسيين.

5. التطور التاريخي ومحطات المفهوم

انبثق الاهتمام الممنهج باستئناف نتائج التقييم خلال حقبة الستينيات من القرن العشرين، متزامناً مع برنامج “المجتمع العظيم” في الولايات المتحدة، حيث أُنفقت أموال طائلة على مبادرات العدالة الاجتماعية والتربية التعويضية والرعاية النفسية. وفي أوائل السبعينيات، بدأت خيبة الأمل تظهر في الأوساط الأكاديمية والسياسية بعد ملاحظة أن العديد من تقارير التقييم المكلفة والمعدة منهجياً على أيدي كبار الباحثين كانت تنتهي مهملة على الرفوف دون أي تأثير حقيقي، وهي الظاهرة التي سُميت حينها بـ “تقارير على الرف” (Reports on the Shelf).

دفع هذا الواقع كبار علماء التقييم والمنهجية إلى إعادة صياغة الحقل، وكان من أبرز الرواد الباحثة كارول فايس (Carol Weiss)، التي طرحت في السبعينيات رؤية رائدة تميز بين الاستخدام الآلي المباشر والاستخدام التنويري؛ مبينة أن التقييم يؤثر في الأفكار والأطر المفاهيمية للسياسات العامة بصورة تراكمية وتدريجية أكثر من كونه مجرد زر يضغطه المديرون لاتخاذ قرارات فورية. ساهمت أطروحات فايس في نزع النظرة الخطية التبسيطية عن العلاقة بين البحث والقرار.

وفي عام 1978، أحدث مايكل كوين باتون (Michael Quinn Patton) تحولاً نوعياً عبر نشر كتابه التأسيسي “التقييم الموجه نحو الاستخدام” (Utilization-Focused Evaluation). جادل باتون بأن التقييم يجب أن يُصمم من يومه الأول بهدف الاستخدام وبواسطة مستخدمين محددين ومقصودين لغايات واضحة ومحددة سلفاً. مع حلول الألفية الجديدة، تطورت هذه الأدبيات لتدمج نظريات التعلم المؤسسي ونظرية التعقيد، مبلورة مفهوماً شاملاً يُعرف بـ “استخدام العملية” (Process Use)، والذي يثبت أن الأفراد والمؤسسات يتعلمون ويتغيرون بمجرد مشاركتهم في تصميم التقييم وجمع بياناته وتحليلها.

6. الأطر والنظريات التأسيسية

تستند دراسة استخدام التقييم إلى مجموعة غنية من النظريات السلوكية والمعرفية والتنظيمية. وتتصدر هذه الأطر النظرية الموجهة للاستخدام (Utilization-Focused Evaluation Framework)، والتي تفترض أن الميسر الأساسي للاستخدام يكمن في إشراك “المستخدمين الأساسيين المقصودين” (Primary Intended Users) في اتخاذ القرارات المنهجية للتقييم، ما يولد شعوراً بالملكية الفكرية والشخصية للبيانات ويزيد من احتمالية تفعيلها.

من الناحية النفسية والمعرفية، تعتمد هذه الممارسة على نظرية التنافر المعرفي لـ ليون فيستنغر ونظريات المعالجة الثنائية للمعلومات؛ فعندما تقدم نتائج التقييم أدلة تعارض كفاءة برنامج مفضل لدى المسؤولين، ينشأ توتر معرفي يدفع نحو الرفض أو التشكيك في صدق المنهجية. لذلك، تسعى أطر الاستخدام الحديثة إلى تطبيق استراتيجيات تخفيف التنافر، وتقديم التغذية الراجعة بطرق تشاركية تدعم التفكير التأملي الاستبصاري وتمنع الاستجابات الدفاعية النفسية.

كما تلعب نظرية التعلم المؤسسي (Organizational Learning)، لا سيما نموذج كريس أرجيريس ودونالد شون حول التعلم ذي الحلقة الواحدة والتعلم ذي الحلقة المزدوجة، دوراً حاسماً في تأطير الاستخدام التنويري والتحويلي. فالتقييم الموظف بكفاءة لا يكتفي بفحص ما إذا كانت الأنشطة نُفذت بصورة صحيحة (حلقة واحدة)، بل يدفع المؤسسة نحو التساؤل الجذري حول الفرضيات الأساسية والأهداف والقيم التي بُني عليها التدخل بأكمله (حلقة مزدوجة).

7. المكونات الأساسية، الأنواع، والأبعاد

ينقسم استخدام التقييم في الأدبيات التخصصية المعاصرة إلى أبعاد رئيسية متمايزة، يُصنف من خلالها الباحثون طبيعة الأثر الحاصل:

  • الاستخدام الأداتي (Instrumental Use): التطبيق المباشر والعملي لنتائج وتوصيات التقييم لاتخاذ قرار محدد وملموس، كإيقاف برنامج تدخلي غير فعال، أو تعديل الجرعات العلاجية لبرنامج علاج نفسي جماعي، أو إعادة توزيع الميزانية التشغيلية.
  • الاستخدام المفاهيمي أو التنويري (Conceptual/Enlightening Use): التأثير طويل الأمد الذي يؤدي إلى تعديل الفهم وتوسيع الوعي لدى المعنيين دون أن يرتبط مباشرة بقرار فوري؛ حيث يُسهم في إعادة تشكيل الأفكار حول طبيعة المشكلة النفسية أو آليات حدوث التغيير السلوكي لدى الفئات المستهدفة.
  • الاستخدام السياسي أو الإقناعي (Symbolic/Persuasive Use): توظيف بيانات التقييم كأداة حجاجية لتبرير قرارات اتُّخذت مسبقاً، أو حشد التأييد والمشروعية المجتمعية والسياسية لصالح توجه قائم، أو الدفاع عن بقاء المؤسسة في مواجهة الانتقادات الخارجية.
  • استخدام العملية التقييمية (Process Use): التغيرات الفكرية والسلوكية والتنظيمية التي تصيب الأفراد والأنظمة نتيجة لانخراطهم في أنشطة التقييم ذاتها (مثل صياغة مؤشرات الأداء، والمشاركة في جلسات جمع البيانات التشاركية)، بغض النظر عما إذا كان التقرير النهائي سيُقرأ أم لا.

8. نماذج وحالات تطبيقية واقعية

تتعدد الأمثلة التوضيحية التي تجسد هذه الأبعاد في الواقع الميداني؛ ومنها حالة مركز وطني للصحة النفسية نفذ برنامجاً للحد من الاحتراق النفسي بين الأطباء المقيمين والممرضين. أجرى فريق التقييم دراسة تتبعية خلصت إلى أن ورش العمل التقليدية حول إدارة الإجهاد لم تحقق خفضاً ذا دلالة إحصائية في مستويات القلق والإنهاك، في حين حقق تغيير جداول النوبات الليلية وتقليص ساعات المناوبة تأثيراً علاجياً كبيراً. هنا تمثل الاستخدام الأداتي في قيام مجلس الإدارة فوراً بإلغاء ميزانية الورش السنوية وتعديل اللوائح المنظمة لساعات العمل الإكلينيكي بناءً على البيانات الدقيقة.

وفي سيناريو آخر يعكس الاستخدام المفاهيمي، خضعت عيادة مدرسية متخصصة في المشكلات السلوكية لتقييم شامل لبرامج تعديل السلوك المعرفي للطلاب ذوي الصعوبات النمائية. كشفت البيانات التقييمية أن تقدم الطلاب لم يكن مرتبطاً بمهارة الأخصائيين المباشرة، بل بطبيعة المناخ الأسري ومستوى ضغوط أولياء الأمور. لم يتخذ مدير المدرسة قراراً فورياً بتغيير الهيكل الإداري، لكن النتائج غيرت النظرة المفاهيمية الراسخة لدى الطاقم التعليمي، مما أدى مع الوقت إلى إعادة توجيه فلسفة التدخلات المستقبلية لتشمل تدريب الوالدين كعنصر رئيسي بدلاً من التركيز الفردي الحصري على الطفل.

أما نموذج استخدام العملية، فيتجلى عندما يُشرك مقيّم خارجي فريقاً من المعالجين النفسيين في صياغة مقاييس تقييم كفاءة الذات لمرضاهم؛ إذ أدى الانخراط في النقاشات الفلسفية والمنهجية حول معنى الكفاءة وكيفية رصدها إلى زيادة الدقة واليقظة الإكلينيكية لدى المعالجين أنفسهم أثناء جلساتهم العلاجية اليومية، قبل حتى أن تنتهي عملية جمع البيانات أو تصدر أية نتائج مسحية.

9. القياس، الفحص، والتقييم الإمبيريقي

يواجه قياس استخدام التقييم تحديات منهجية بالغة التعقيد ناجمة عن الطبيعة غير المرئية أحياناً للتحولات الإدراكية وطول الفترة الزمنية التي تستغرقها النتائج لتتحول إلى سياسات. يتبع الباحثون في قياس هذا البناء استراتيجيات متعددة تشمل الدراسات التتبعية الطولية، والمسوح الاستقصائية، والمقابلات المتعمقة مع متخذي القرار بعد فترات متباينة (6 أشهر، سنة، سنتين) من تسليم النتائج التقييمية.

وقد طور باحثون متخصصون في منهجيات التقييم مقاييس كمية وكيفية مقننة لفحص مستويات الاستخدام. على سبيل المثال، قام بريسي وزملاؤه بتطوير استبانات تقيس إدراك المسؤولين لمستويات الاستخدام الأداتي والمفاهيمي والرمزي عبر مقاييس ليكرت المتدرجة. وتعتمد بعض الدراسات على تحليل المحتوى للوثائق والسياسات الرسمية الصادرة عن المنظمات، للبحث عن استشهادات مباشرة ببيانات التقييم أو دمج توصياته في الخطط الاستراتيجية والمراسيم التنظيمية، مما يقدم دليلاً إمبريقياً ملموساً على حدوث الاستخدام.

إلى جانب ذلك، يُوظف التحليل الشبكي الاجتماعي (Social Network Analysis) لتتبع كيفية انتقال وتداول المعرفة الناتجة عن التقييم بين الفاعلين داخل المنظمات؛ حيث يُرصد المسار المعرفي للمعلومات من المقيّمين إلى المجموعات القيادية، لتحديد ما إذا كانت النتائج قد أحدثت تحولات في أنماط التواصل وبناء الإجماع المؤسسي حول القضايا الحرجة.

10. التطبيقات والأهمية العملية عبر المجالات

تتجلى الأهمية العملية لاستخدام التقييم في مختلف فروع التدخل الإنساني؛ ففي البيئات الإكلينيكية والصحة النفسية، يضمن استخدام التقييم عدم استمرار برامج علاجية أثبت العلم عدم جدواها أو تسببها بآثار جانبية عكسية للمرضى، ويحول دون هدر المخصصات التمويلية المحدودة على ممارسات زائفة أو غير مجدية.

وفي البيئة المدرسية والتعليمية، يساعد استخدام نتائج التقييم مديري المدارس والموجهين التربويين في تكييف المناهج المدرسية وبرامج الدعم النفسي-الاجتماعي للطلاب المهمشين بناءً على بيانات الأداء الفعلية لا التوقعات الانطباعية، ما يعزز تكافؤ الفرص والعدالة التعليمية.

أما في علم النفس التنظيمي وتطوير الموارد البشرية، فإن توظيف التقييم يساهم في تصميم تدخلات فعالة للقيادة، والحد من دوران العمل، وبناء ثقافة تنظيمية قائمة على التعلم الذاتي وحل المشكلات التشاركي. يتحول التقييم هنا إلى رافعة استراتيجية تتيح للمؤسسات مواءمة سلوكيات موظفيها مع الأهداف والرؤى العامة في ظل بيئات العمل السريعة التغير والمليئة بالضغوط.

11. الأبحاث والدلائل التجريبية

أكدت الأدبيات الإمبيريقية على مدار عقود صحة ما ذهب إليه مايكل كوين باتون بأن العامل الشخصي (The Personal Factor) هو المتغير الأكثر تنبؤاً بحدوث استخدام التقييم. أظهرت دراسات رائدة حللت مئات التقييمات الحكومية والخاصة أن حضور قيادي محدد، يمتلك اهتماماً أصيلاً بالنتائج ويدعم مسار التقييم بفعالية، يزيد من احتمالية الاستخدام بأضعاف مضاعفة مقارنة بدقة التقرير الفنية وحدها.

كما بينت أبحاث هالكومب وفلورز أن جودة التواصل التفاعلي، وتبسيط النتائج وعرضها بصرياً من خلال لوحات التحكم وتلخيصات السياسات الموجزة، ترفع بصورة دالة إحصائياً من معدلات الاستخدام الأداتي، في حين تؤدي التقارير الطويلة والمعقدة إحصائياً إلى إحجام القادة عن قراءتها، مما يعزل النتائج عن دائرة الفعل التنفيذي.

وفي مراجعة منهجية موسعة أجراها باحثون في مجال تقييم البرامج الصحية والنفسية، وُجد أن إشراك أصحاب المصلحة في صياغة أدوات جمع البيانات ومناقشة المسودات الأولية يقلل من ظهور الدفاعات النفسية الرافضة للتوصيات السلبية، حيث ينظر أصحاب المصلحة إلى النتائج كنتاج لجهدهم المشترك وليس كحكم خارجي مسلط عليهم لتقييم أدائهم ومحاسبتهم.

12. الاعتبارات الثقافية والسياقية

يرتبط استخدام التقييم ارتباطاً وثيقاً بالسياقات الثقافية والقيم الجمعية السائدة في المجتمعات والمنظمات. ففي الثقافات التي تتسم بدرجة عالية من مسافة السلطة (Power Distance) وتجنب عدم التيقن، وفق تصنيف جيرت هوفستيد، قد يُنظر إلى نتائج التقييم الناقدة على أنها تهديد مباشر للسلطة الإدارية وإهانة شخصية للقادة، مما يؤدي إلى قمع النتائج وتهميشها بصورة منتظمة، أو الاكتفاء بالاستخدام السياسي الصوري الذي يمتدح المنجزات ويتجاهل الإخفاقات.

على النقيض من ذلك، في الثقافات التنظيمية القائمة على الأفقية والشفافية وتقبل التغذية الراجعة، يُنظر إلى كشف الثغرات ونقاط الضعف بوصفه فرصة حيوية للتعلم والتطوير، مما يرفع من معدلات الاستخدام الأداتي والمفاهيمي. تبرز هنا ضرورة تبني نهج التقييم المستجيب ثقافياً (Culturally Responsive Evaluation)، الذي يراعي خلفيات المجتمعات المحلية والفئات الهشة، ويضمن أن تكون الأسئلة المطروحة ومقاييس النجاح نابعة من المنظور القيمي للسكان الأصليين أو الفئات المستفيدة، لضمان تبنيهم للنتائج واستخدامهم الواعي لها.

وفي العالم العربي والبلدان النامية، تتدخل البيروقراطية المركزية كعائق هيكلي رئيسي أمام استخدام التقييم؛ حيث غالباً ما يتم التقييم كاستجابة شكلية لمتطلبات الجهات المانحة الدولية، مما يولد انفصالاً حاداً بين كتابة التقرير والواقع التنفيذي للمجتمعات المحلية، الأمر الذي يستوجب توطين مناهج التقييم لتتلاءم مع الخصوصيات الاجتماعية والثقافية العربية.

13. الانتقادات، الإشكاليات، والحدود المعرفية

رغم الرؤية الإيجابية الطاغية حول ضرورة الاستخدام، فإن المفهوم لم يسلم من الانتقادات النظرية والمنهجية؛ إذ يحذر نقاد بارزون من ظاهرة “إساءة استخدام التقييم” (Evaluation Misuse) أو الاستخدام التلاعبي، حيث تعمد بعض الإدارات إلى اجتزاء سياقات النتائج التقييمية وإساءة تفسير البيانات الإحصائية عمداً لشرعنة قرارات تعسفية، كفصل موظفين أو إلغاء برامج إنسانية تحت ستار “الأدلة الموضوعية”.

كذلك يُثار جدل إبستمولوجي حول هاجس نفعية التقييم المطلقة؛ حيث يرى بعض المنظرين، مثل مايكل سكريفن، أن التركيز المفرط على إرضاء “المستخدمين الأساسيين المقصودين” قد يقود المقيّم إلى التنازل عن استقلاليته وصرامته العلمية وتجنب طرح الحقائق المؤلمة حرصاً على إرضاء أصحاب العمل وضمان استخدامهم للنتائج. يدافع سكريفن عن نموذج “التقييم الخالي من الأهداف” (Goal-Free Evaluation)، مؤكداً أن وظيفة المقيّم الجوهرية هي الحكم الصادق والمستقل على قيمة البرنامج ومزاياه، سواء استخدم المعنيون تلك النتائج أم أهملوها.

تتمثل معضلة أخرى في العوامل الهيكلية الخارجة عن سيطرة القائمين على التقييم؛ فالأزمات المالية المفاجئة، والتحولات السياسية الجذرية، وتغير القيادات المؤسسية قد تعصف بأكثر التوصيات التقييمية إتقاناً وقبولاً، مما يشير إلى وجود حدود حتمية لما يمكن أن يحققه التخطيط الرشيد الموجه للاستخدام في ظل عالم يتسم باللايقين والتقلب الدائم.

14. المفاهيم المقارنة والفروق الدقيقة

لتجنب اللبس الأكاديمي، ينبغي تمييز استخدام التقييم عن جملة من المفاهيم المتداخلة معه في العلوم النفسية والتنظيمية:

  • نشر التقييم (Evaluation Dissemination): النشر هو النشاط الإجرائي المتمثل في توزيع التقارير التقييمية وإتاحتها للجمهور عبر الطباعة أو المنصات الرقمية. وهو شرط أولي وضروري ولكنه غير كافٍ للاستخدام؛ فالنشر يُعنى بإرسال المعلومة، بينما الاستخدام يُعنى باستيعابها وتفعيلها في السلوك والفكر والقرار.
  • تأثير التقييم (Evaluation Influence): مفهوم أوسع صاغه كيركهارت وماك كلينتوك، يشمل كل التموجات والآثار المباشرة وغير المباشرة، والمقصودة وغير المقصودة، التي يحدثها التقييم في النظام الاجتماعي والسياسي، حتى لو لم تنبع من مستخدم محدد أو قرار ملموس، في حين يركز “الاستخدام” تقليدياً على الأفعال المنسوبة لغايات وتوصيات التقييم.
  • الامتثال الإداري (Administrative Compliance): تطبيق التوجيهات بدافع الإلزام المؤسسي الشكلي والرقابي الصارم دون اقتناع فكري داخلي أو استيعاب معرفي حقيقي لجدوى التدخل، على عكس الاستخدام الأداتي أو المفاهيمي الأصيل النابع من التفاعل مع الأدلة التقييمية.
  • أبحاث التقييم (Evaluation Research): النشاط المنهجي الاستقصائي المعني بتوليد المعرفة وفحص الفرضيات حول البرامج، في حين يشير استخدام التقييم إلى السلوكيات والقرارات اللاحقة (أو المصاحبة) التي توظف تلك المعرفة المنتجة وتضعها قيد التطبيق.

15. الخلاصة والاستنتاجات الجوهرية

يظل استخدام التقييم هو المعيار الذهبي والقيمة العليا التي تحكم جدوى العمل التقييمي وأخلاقياته في المجالات النفسية والتربوية والاجتماعية. إن التقييم الذي لا يُستخدم، بأي شكل من أشكاله الأداتية أو المفاهيمية أو الإجرائية، يتحول إلى عبء إداري وهدر مالي ومعرفي لا مبرر له. يتطلب تعظيم الاستخدام فهماً شاملاً للنفس البشرية، وديناميات اتخاذ القرار، والبنى المؤسسية المعقدة، والتحيزات الثقافية التي تؤثر في كيفية تعامل الأفراد والأنظمة مع المعرفة المستندة إلى الأدلة.

يتعين على الممارسين والباحثين النظر إلى الاستخدام ليس كحدث نهائي يقع عند تسليم التقرير الختامي، بل كمسار تشاركي تواصلي مستمر يبدأ من الخطوة الأولى لتحديد أهداف التقييم. ومن خلال الموازنة الدقيقة بين الصرامة المنهجية والاستجابة لاحتياجات أصحاب المصلحة الحقيقيين، يستطيع التقييم أن يمارس دوره التنويري والتحويلي، متجاوزاً كونه أداة رقابية جامدة ليصبح محركاً أصيلاً للتعلم، والتطور الإنساني، والعدالة الاجتماعية.

في الختام، يظهر جلياً أن تفعيل نتائج التقييم في العلوم السلوكية والتطبيقية ليس مسألة تقنية آلية، بل ممارسة حوارية عميقة تستلزم بناء الثقة المتبادلة بين الباحثين وصناع القرار والمستفيدين الميدانيين. إن استدامة أثر البرامج النفسية والاجتماعية ترتهن بقدرة الأنظمة على تحويل البيانات التقييمية المجردة إلى بصائر تنويرية تحرك الضمير المهني وترشد الفعل الإنساني نحو غاياته التنموية النبيلة.

المراجع

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 18). استخدام التقييم: جسر القرارات المبنية على الأدلة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/evaluation-utilization-concept-framework/
looti, Mohammed. “استخدام التقييم: جسر القرارات المبنية على الأدلة.” عرب سايكلوجي, 18 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/evaluation-utilization-concept-framework/.
looti, Mohammed. “استخدام التقييم: جسر القرارات المبنية على الأدلة.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 18, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/evaluation-utilization-concept-framework/.