يمثل السلوك البشري لغزاً معرفياً ودينامياً استغرق عقوداً من البحث السيكولوجي الرصين، حيث تتقاطع الرغبات الفردية مع الحسابات العقلانية للفرص والمكاسب، مما يجعل فهم محددات اتخاذ القرار أمراً بالغ الأهمية لتفسير حركة الإنسان وتوجهاته. ينهض نموذج التوقع والقيمة كواحد من أرسخ النماذج النظرية وأكثرها تأثيراً في علم النفس المعرفي والاجتماعي، مفسراً الكيفية التي تتضافر بها تقديراتنا الذاتية لفرص النجاح مع المعنى أو القيمة التي نخلعها على الأهداف، لتوليد طاقة دافعية توجه مساراتنا الأكاديمية والمهنية والشخصية.
نموذج التوقع والقيمة في علم النفس
1. التعريف الاصطلاحي والمفهومي الموجز
نموذج التوقع والقيمة (Expectancy-Value Model) هو إطار نظري وتفسيري في علم النفس المعرفي والتربوي ينص على أن الدافعية وسلوك الإنجاز واختيار المهام تتحدد في المقام الأول بناءً على تفاعل مركب بين متغيرين أساسيين: توقعات الفرد حيال قدرته على النجاح في مهمة معينة، والقيمة الذاتية والوجدانية التي يسبغها على تلك المهمة أو على النتائج المترتبة عليها.
وبموجب هذا النموذج، لا يكفي أن يمتلك الفرد ثقة عارمة في قدرته على تحقيق هدف ما لكي يشرع في التنفيذ، بل يجب أن يكون هذا الهدف ذا قيمة وأهمية حقيقية بالنسبة له، والعكس صحيح تماماً؛ إذ إن القيمة العالية لهدف مجرد تفقد قدرتها على تحريك السلوك إذا كان توقع النجاح منعدماً تماماً. يتجسد هذا الترابط بصورة رياضية افتراضية في شكل علاقة ضربية (الدافعية = التوقع × القيمة)، ما يعني نظرياً أن تصفير أي من الطرفين يفضي حتماً إلى تلاشي الدافعية وانعدام السلوك الموجه نحو الهدف.
يتجاوز النموذج النظرة السلوكية الراديكالية التي حصرت الدافعية في آليات التعزيز الخارجي والمثير والاستجابة، مؤكداً أن الإنسان كائن صانع للمعنى، يقوم بمعالجة المعلومات والمواقف عبر مرشحات معرفية ووجدانية واعية تصوغ تطلعاته وترسم خارطة أفعاله المستقبلية.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي للمصطلح
ينطوي مسمى “نموذج التوقع والقيمة” على جذرين مفاهيميين غاية في الثراء اللغوي والدلالي في المعاجم العربية والأجنبية على حد سواء. كلمة “التوقع” في اللغة العربية مشتقة من الجذر الثلاثي (و-ق-ع)، وتحديداً من صيغة التفعّل الدالة على الترقب والانتظار والاستشراف لحدوث الشيء في المستقبل؛ والتوقع لغةً هو ظن وقوع الأمر وترقبه بناءً على أمارات ودلائل قائمة. يقابلها في اللغة الإنجليزية مصطلح (Expectancy)، المشتق تاريخياً من اللاتينية (Expectare)، وهي كلمة مركبة من السابقة (ex) وتعني “للخارج” والفعل (spectare) الذي يعني “النظر” أو “المراقبة”، بما يحيل إلى عملية مد البصر المعرفي إلى الأمام تحسباً لحدوث نتيجة وشيكة.
أما كلمة “القيمة” فتعود في لسان العرب إلى الجذر (ق-و-م)، ومنها استقامة الشيء ووزنه وثمنه وقدره، وتدل على المنفعة أو الشرف أو الميزة الكامنة في الأمر التي تجعله مطلوباً ومحبوباً. وفي السياق الغربي يقابلها مصطلح (Value)، المنحدر من الكلمة الفرنسية القديمة المشتقة من اللاتينية (Valere)، والتي تفيد الامتلاك للقوة والجدوى والجدارة أو الاستحقاق. دخل هذا المصطلح المركب إلى قواميس علم النفس المعرفي والاجتماعي في منتصف القرن العشرين عبر كتابات رواد نظرية المجال ونظرية التعلم الاجتماعي، ليتحول من مصطلحات لغوية دارجة إلى بناء بنائي سيكولوجي محدد بدقة لقياس السلوك الإنساني.
3. الصيغة الصرفية والاستعمال النحوي
يُصاغ المصطلح في الكتابات النفسية والأكاديمية العربية على هيئة تركيب إضافي مركب ومعطوف؛ حيث تشكل عبارة “نموذج التوقع والقيمة” بنية اسمية تتألف من المضاف “نموذج” (وهو اسم مشتق على وزن مَفْعَل للدلالة على القالب أو النسق النظري)، والمضاف إليه “التوقع” (مصدر قياسي للفعل الخماسي تَوَقَّعَ)، متبوعاً بحرف العطف “الواو” والمعطوف المجرور “القيمة” (اسم ثلاثي مجرد يدل على الصفة المعنوية). وتتعدد التنويعات الاصطلاحية المقبولة في الأدبيات العربية لتشمل: “نظرية التوقع والقيمة”، أو “مدخل التوقع والقيمة”، وأحياناً يُطلق عليه في سياق التنظيم والإدارة “نظرية فروم للتوقع” عندما يُقصد بها التكييف الخاص ببيئات العمل الصناعية.
يُستخدم هذا التركيب في الجملة العربية عادةً مبتدأً أو مسنداً إليه أو مفعولاً به، كأن يُقال: “يُفسر نموذجُ التوقع والقيمة تباين الطلاب في التحصيل العلمي”، أو “اعتمد الباحثون على نموذج التوقع-القيمة لتقييم سلوك المستهلك”. كما يُشتق منه نعوت وصفية في الدراسات المتخصصة، مثل القول: “الديناميات التوقعية-القيمية” (Expectancy-value dynamics)، للدلالة على العمليات التفاعلية المعقدة بين هذين البعدين السيكولوجيين في توجيه الطاقة الإنسانية.
4. الشرح المفاهيمي المفصل والأبعاد السيكولوجية
يؤسس نموذج التوقع والقيمة تصوره للسلوك الإنساني بوصفه مساراً عقلانياً وغائياً محكوماً بالبناء الذاتي للبيئة المعرفية المحيطة بالفرد، لا مجرد ردود أفعال آلية للمثيرات المادية. يرى النموذج أن الإنسان عندما يواجه تحدياً أو خياراً أو فرصة لتحقيق هدف ما، ينخرط تلقائياً في تقييم معرفي مزدوج: يتساءل أولاً عن قدرته الذاتية على الإنجاز (“هل يمكنني النجاح في هذا الأمر إذا بذلت جهداً؟”)، ويتساءل ثانياً عن جدوى هذا الفعل ومغزاه (“هل أريد فعلاً تحقيق ذلك، وما الذي سأجنيه أو أخسره جراء ذلك؟”).
إن شق “التوقع” لا يعكس الاحتمالات الإحصائية الموضوعية للنجاح كما يقيسها مراقب خارجي، بل يعبر عن المعتقدات الذاتية للفرد حول كفاءته ومستويات السيطرة والتحكم التي يمتلكها حيال المهمة، وهي معتقدات تتشكل عبر تراكم خبرات النجاح والفشل السابقة وردود أفعال البيئة المحيطة والتفسيرات السببية التي يصيغها الفرد لإخفاقاته وإنجازاته. أما شق “القيمة” فيمثل الدافع الجاذب للهدف، وهو بناء متعدد الأوجه يجمع بين المتعة الذاتية، والأهمية الحيوية للهدف لتأكيد الهوية الشخصية، والمنفعة البراغماتية، فضلاً عن إدراك “التكلفة” بمختلف صورها النفسية والزمنية والمادية.
تكمن قوة هذا النموذج ومرونته الفائقة في أنه يدمج الجوانب الفردية (كالمعتقدات والمشاعر والسمات) بالجوانب البيئية والاجتماعية (كالتنشئة الأسرية، والمعايير الثقافية، والقوالب النمطية)؛ حيث يرى أن السياق الاجتماعي يغذي معتقدات الفرد ويعيد تشكيل أولوياته القيمية طوال مسيرة نموه وتطوره، مما يحدد في النهاية نوعية وشدة واستمرارية الانخراط في المهام الحياتية المعقدة.
5. التطور التاريخي والمسار الزمني للنظرية
لم يولد نموذج التوقع والقيمة دفعة واحدة كبناء نظري مكتمل، بل تبلور عبر موجات متعاقبة من الحوارات العلمية والتحولات البارزة في علم النفس التجريبي والاجتماعي، حيث ترجع الجذور الأولى لهذا التفكير إلى أربعينيات القرن العشرين مع أفكار إدوارد تولمان (Edward Tolman) ورؤيته المعرفية للسلوك الغائي لدى الكائنات الحية، وأطروحات كورت ليفين (Kurt Lewin) حول نظرية المجال (Field Theory)، التي أكدت أن السلوك دالة للفضاء الحياتي للشخص المكون من التجاذبات الوجدانية والاحتمالات المدركة.
في عام 1957، خطا عالم النفس الأمريكي جون ويليام أتكينسون (John William Atkinson) خطوة حاسمة نحو بلورة النموذج في سياق دافعية الإنجاز، مقترحاً معادلة دقيقة تفترض أن الدافع للإنجاز يتولد من التفاعل بين دافع الفرد للنجاح، واحتمالية النجاح الذاتية (التوقع)، وقيمة الباعث أو المكافأة المرتبطة بالنجاح. وافترض أتكينسون حينها علاقة عكسية بين التوقع وقيمة الباعث، معتبراً أن المهام الأكثر صعوبة (ذات احتمالية النجاح المنخفضة) هي التي تمنح الفرد شعوراً أعظم بالفخر والاعتزاز عند إنجازها.
مع حلول أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، قادت عالمة النفس التنموي جاكلين إيكلز (Jacquelynne Eccles) وزملاؤها (من بينهم آلان ويغفيلد Allan Wigfield) ثورة مفاهيمية شاملة نقلت النموذج إلى مستويات تطبيقية رحبة في علم النفس التربوي؛ حيث طوروا “نموذج إيكلز المعاصر للتوقع والقيمة لتحقيق الإنجاز”. فكك هذا التحديث بنية “القيمة” إلى أبعاد دقيقة ومتمايزة، وربطها بالهوية والنوع الاجتماعي وعمليات التنشئة الأسرية، مما سمح بتفسير تباين اختيارات المسارات الأكاديمية والمهنية وتفضيلات التخصصات الجامعية عبر الجنسين ومختلف الفئات الاجتماعية.
6. الأسس والمرتكزات النظرية
يستند نموذج التوقع والقيمة إلى شبكة متماسكة من المرجعيات الفلسفية والنظرية الكبرى داخل المظلة المعرفية لعلم النفس الحديث، ومن أبرزها:
- النظرية المعرفية الاجتماعية (Social Cognitive Theory): يشترك النموذج مع أطروحات ألبرت باندورا (Albert Bandura) حول الحتمية التبادلية، حيث يرى السلوك نتيجة للتفاعل المستمر بين العمليات المعرفية الشخصية والبيئة الاجتماعية، مع تقاطع مفهوم “التوقع” جوهرياً مع بنية الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy).
- نظرية المنفعة الذاتية المتوقعة (Subjective Expected Utility Theory): المستعارة من الاقتصاد السلوكي والرياضي، والتي تفترض أن القرارات البشرية ترتكز على تعظيم العوائد الإيجابية وتقليل الخسائر عبر موازنة رياضية واعية بين المنافع المحتملة واحتمال تحققها الفعلي.
- نظرية العزو المعرفي (Attribution Theory): لبرنارد واينر (Bernard Weiner)، حيث يؤثر تفسير الفرد لأسباب نجاحاته وإخفاقاته السابقة (هل هي ناتجة عن القدرة، أم الجهد، أم الحظ، أم صعوبة المهمة؟) بصورة مباشرة في صياغة توقعاته المستقبلية وتقديره لقيمة المهام المشابهة.
ترسخ هذه الأسس فرضية محورية قوامها أن الإنسان فاعل نشط لا ينقاد بصورة عمياء لدوافعه الغريزية غير الواعية، بل يتأمل ويستنتج ويبني قراراته على خرائط معرفية ذاتية تتطور باطراد عبر مراحل نموه وتفاعلاته الحياتية.
7. المكونات الرئيسية والأبعاد والأنماط
وفقاً لأكثر النماذج استقراراً وقبولاً في الأدبيات المعاصرة (نموذج إيكلز وويغفيلد)، ينقسم البناء النظري إلى مكونين محوريين يتفرع تحتهما مجموعة من الأبعاد الفرعية الدقيقة:
- توقعات النجاح (Expectancies for Success): وتشمل معتقدات الفرد حول قدرته الحالية على أداء المهمة بفاعلية (مفهوم الذات في القدرة)، وتنبؤاته الواثقة حيال مستويات إنجازه المستقبلي في تلك المهمة في ضوء المعطيات القائمة.
- القيمة الذاتية للمهمة (Subjective Task Value): وتنقسم إلى أربعة أبعاد حاسمة تتفاعل لتشكل جاذبية الهدف الإجمالية:
- قيمة الاهتمام أو القيمة الجوهرية (Intrinsic/Interest Value): وتعني المتعة الخالصة والبهجة والشغف الداخلي الذي يختبره الفرد أثناء ممارسته الفعلية للنشاط، بمعزل عن أي مكافأة خارجية، وهو ما يرتبط بمفهوم الدافعية الداخلية.
- قيمة التحصيل أو الأهمية الذاتية (Attainment Value/Importance): وترتبط بمدى اتساق النجاح في هذه المهمة مع تأكيد الهوية الشخصية للفرد وقيمه المركزية ومشاعره المتعلقة بتقدير الذات ومكانته الاجتماعية.
- قيمة الفائدة أو المنفعة الإجرائية (Utility Value): وتتعلق بمدى فائدة المهمة لتحقيق أهداف مستقبلية بعيدة المدى، حتى وإن لم تكن المهمة ممتعة في حد ذاتها (مثل دراسة مادة معقدة لا يرغبها الطالب لغرض اجتياز القبول في كلية الطب).
- التكلفة المدركة (Perceived Cost): وتمثل الجانب السلبي المعرقل للقيمة، وتشمل الجهد النفسي والجسدي المطلوب، ومشاعر التوتر والقلق، وتكلفة الفرصة البديلة (أي الأنشطة المهمة الأخرى التي يجب التخلي عنها من أجل هذا الالتزام).
8. أمثلة ونماذج تطبيقية وحالات واقعية
لتوضيح كيفية عمل نموذج التوقع والقيمة في صياغة السلوك اليومي، نستعرض الحالات الواقعية التالية عبر بيئات ومساقات متنوعة:
الحالة الأولى: طالب الثانوي واختيار مسار البرمجة: يواجه طالب خيار التسجيل في دورة متقدمة في علوم الحاسب. يقيم الطالب كفاءته مستنداً إلى درجاته الممتازة السابقة في الرياضيات، مما يرفع لديه منسوب “توقع النجاح”. وفي الوقت ذاته، يرى في البرمجة شغفاً كبيراً يمنحه متعة ذاتية (قيمة جوهرية)، ويعتبر أن البرمجة تتسق مع هويته كشخص بارع تكنولوجياً (قيمة تحصيل)، ويدرك أن هذه الدورة تمثل جسراً لاقتناص فرصة وظيفية مرموقة في المستقبل (قيمة منفعة)، ورغم إدراكه أن الدورة ستأخذ وقتاً من نشاطه الاجتماعي (تكلفة مدركة)، إلا أن محصلة التوقع والقيمة الإيجابية الفائقة تدفعه للانخراط الجاد والاستمرار في الدورة حتى عند مواجهة مشاكل برمجية معقدة.
الحالة الثانية: الموظف وفرصة الترقية الإدارية: يُعرض على موظف ذي خبرة واسعة منصب إداري حساس. على الرغم من أن هذا الموظف يثق تماماً في مهاراته المهنية وقدرته الفنية على إدارة الفريق بنجاح (توقع نجاح مرتفع جداً)، إلا أنه يرى أن المنصب سيحرمه من قضاء أوقات كافية مع أسرته، وسيثقل كاهله بالصراعات التنظيمية المرهقة، كما أنه لا يحمل اهتماماً شخصياً بالبيروقراطية الإدارية. هنا تكون التكلفة المدركة شديدة الارتفاع، والقيمة الجوهرية متدنية؛ فتكون المحصلة النهائية للدافعية ضعيفة، مما يقوده إلى الاعتذار عن المنصب، مفنداً بذلك فكرة أن امتلاك القدرة وحده يضمن الإقبال على السلوك.
الحالة الثالثة: المريض وبرنامج تعديل نمط الحياة: مريض يعاني من اضطرابات أيضية ويوصيه الطبيب بالالتزام بنظام غذائي ورياضي صارم. إذا اعتقد المريض أن صحته لن تتحسن مهما فعل بسبب عوامل وراثية (توقع نجاح منخفض أو انعدام فاعلية الذات)، فلن يلتزم بالبرنامج العلاجي حتى لو كان يثمّن الشفاء وحياة العافية بأعلى درجات القيمة (قيمة منفعة فائقة)، مبرزاً الأثر الشللي لتصادم انخفاض التوقع مع ارتفاع القيمة.
9. أدوات القياس والتقييم السيكومتري
طوّر الباحثون في إطار هذا النموذج ترسانة متنوعة من الأدوات السيكومترية ذات الخصائص القياسية العالية، لاختبار متغيرات التوقع وأبعاد القيمة في مختلف المراحل النمائية:
- استبيان استراتيجيات التعلم المحفزة (Motivated Strategies for Learning Questionnaire – MSLQ): وهو مقياس مرجعي صممه بينتريتش (Pintrich) وزملاؤه، يتضمن مقاييس فرعية لتقييم معتقدات التحكم، وتوقعات النجاح، وإدراك قيمة المهمة، ويُستخدم على نطاق واسع في البيئات الجامعية والتعليمية.
- مقاييس إيكلز لمعتقدات الكفاءة وقيمة المهمة (Eccles Competence & Task Value Scales): استبيانات تعتمد على تدريج ليكرت وتستهدف قياس الأبعاد الأربعة للقيمة بدقة متناهية، بالإضافة إلى مقاييس القدرة المدركة الخاصة بمجالات أكاديمية محددة مثل الرياضيات واللغات والعلوم.
- تقنية رسم السيناريوهات السلوكية والمفاضلة (Conjoint Analysis): أسلوب بحثي تجريبي يُعرض فيه على الأفراد مواقف افتراضية تجمع نسباً متفاوتة من الصعوبة والجهد والمنافع لتقييم كيفية اتخاذهم للقرارات عبر فحص الترجيحات الوزنية التي يمنحونها للتوقع في مقابل أبعاد القيمة المختلفة.
10. التطبيقات والأهمية العملية في الميادين المختلفة
يتجاوز نموذج التوقع والقيمة حدوده التنظيرية ليقدم استراتيجيات تدخل عملية ذات أثر بالغ في ميادين متعددة:
في الميدان التربوي والتعليمي: يُمكّن النموذج المعلمين من تشخيص أسباب عزوف الطلاب عن التعلم؛ فإذا كان المشكل يكمن في “التوقع”، وجب التدخل ببناء تجارب نجاح متدرجة وتقديم تغذية راجعة داعمة وتنمية عقلية النمو؛ أما إذا كان الإعراض ناشئاً عن غياب “القيمة”، فيتعين ربط المحتوى الأكاديمي بواقع الحياة المعيشة، وتوضيح التطبيقات العملية للمواد وتوفير مساحات للاختيار الذاتي لإيقاظ القيمة الجوهرية ونفعيتها لدى المتعلمين.
في بيئة العمل وعلم النفس الصناعي والتنظيمي: يُستفاد من النموذج (لا سيما عبر نظرية التوقع لفيكتور فروم) في تصميم نظم الحوافز وتقييم الأداء؛ حيث تدرك الإدارات الذكية أن المكافآت المالية والمعنوية الكبرى تفقد تأثيرها إذا شعر الموظف أن معايير تحقيقها مستحيلة المنال، أو إذا كانت تلك المكافآت لا تلامس أولوياته واحتياجاته الفردية الفعلية.
في ميدان علم نفس الصحة والإرشاد العلاجي: يساعد النموذج في تفسير التردد حيال تلقي اللقاحات أو عدم الالتزام بالخطط العلاجية، مما يوجه الحملات التوعوية لإبراز القيمة الوقائية للعلاج بالتوازي مع تعزيز شعور المرضى بقدرتهم على الالتزام دون عناء أو تكلفة نفسية تعجيزية.
11. البحوث والأدلة التجريبية
حصد نموذج التوقع والقيمة دعماً إمبراطورياً هائلاً على مدى أكثر من أربعة عقود من الدراسات الطولية والمستعرضة والتجريبية. أكدت دراسات ميشيغان الطولية حول مراحل التحول الحياتي (Michigan Study of Adolescent Life Transitions)، التي قادتها جاكلين إيكلز وألان ويغفيلد، أن معتقدات القدرة وتوقعات النجاح في مرحلة المراهقة المبكرة هي أفضل منبئ للأداء والدرجات التحصيلية اللاحقة في مواد الرياضيات والعلوم، في حين أن “قيمة المهمة الذاتية” هي المحرك الأساسي والمنبئ الأقوى باختيار المواد المتقدمة والمسارات المهنية المستقبلية.
وفي دراسة تجريبية مفصلية أجراها هوليمان وهوليك (Hulleman & Harackiewicz, 2009)، استُخدم تدخل معرفي لتعزيز “قيمة المنفعة” لدى طلاب المدارس من خلال حثهم على كتابة مقالات قصيرة تشرح كيف ترتبط المواد العلمية بحياتهم اليومية الشخصية. أظهرت النتائج أن هذا التدخل البسيط نجح بصورة دالة إحصائياً في تحسين الدرجات والاهتمام الدراسي للطلاب ذوي التوقعات الإنجازية المنخفضة، مما أثبت إمكانية التعديل التجريبي لمركبات القيمة لإنقاذ الدافعية المتراجعة.
12. الاعتبارات الثقافية والمقارنة بين الشعوب
تخضع ديناميات التوقع والقيمة للتأثيرات الثقافية والاجتماعية التي تتباين بين البيئات الفردية وتلك الجماعية. ففي الثقافات الغربية الفردية، غالباً ما تحتل “القيمة الجوهرية” (الشغف الذاتي والاستمتاع) و”قيمة التحصيل” المرتبطة بالاستقلال الشخصي الصدارة في تحريك السلوك واتخاذ الخيارات المهنية ومسارات التعليم.
في المقابل، كشفت الدراسات المقارنة المطبقة في مجتمعات شرق آسيا والمجتمعات العربية واللاتينية (المصنفة ضمن الثقافات الجماعية) أن “قيمة المنفعة الاجتماعية” أو أداء الواجب العائلي وإسعاد الأسرة ونيل القبول المجتمعي يمثل أبعاداً قيمية جوهرية تتفوق أحياناً على المتعة الفردية الشخصية؛ فالطالب قد ينخرط بأعلى درجات الالتزام في دراسة تخصص لا يحبه ذاتياً استجابةً لتوقعات والديه وحرصاً على رفع المكانة الاجتماعية لأسرته، مما يستوجب توسيع تعريف “القيمة” ليتسع للأبعاد العائلية والجمعية في السياقات غير الغربية.
13. الانتقادات والمناظرات وحدود النموذج
على الرغم من النجاح الواسع للنموذج، إلا أنه واجه انتقادات منهجية ومفاهيمية من مدارس نفسية متعددة، ومن أبرزها:
- فرضية العقلانية المفرطة: يرى بعض نقاد علم النفس السلوكي والتحليلي أن النموذج يفترض في الإنسان كائناً عقلانياً بارداً يقضي وقته في حساب التوقعات وضربها في القيم، متجاهلاً التأثير الهائل للدوافع اللاشعورية والانفعالات العارمة والاندفاعية السلوكية التي تعصف بالقرارات الإنسانية في واقع الحياة اليومية.
- طبيعة العلاقة التركيبية (الضربية في مقابل الجمعية): أثارت المعادلة الرياضية الافتراضية (التوقع × القيمة) جدلاً إحصائياً واسعاً؛ حيث بينت العديد من الدراسات الميدانية أن العلاقة بين المتغيرين غالباً ما تكون جمعية خطية مضافة (Additive) وليست ضربية تامة (Multiplicative)، وأن الأفراد قد يستمرون في ممارسة سلوكيات معينة بدافع العادة أو الالتزام الأخلاقي حتى وإن انحدر أحد الطرفين إلى مستويات متدنية جداً.
- تذبذب القياس اللحظي: يقيس النموذج المعتقدات والقيم عادةً عبر استبيانات تقرير ذاتي ثابتة في لحظة زمنية محددة، مما يغفل الطبيعة الدينامية المتغيرة للدافعية التي قد تتذبذب من يوم إلى آخر أو من سياق لآخر تبعاً للحالة المزاجية والضغوط البيئية المؤقتة.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
تتقاطع في الفضاء الدافعي عدة مفاهيم نفسية تتشابه ظاهرياً مع نموذج التوقع والقيمة، لكنها تتمايز عنه في التركيز النظري والتطبيقي:
- الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy): تشير إلى يقين الفرد بقدرته على تنفيذ مسارات سلوكية محددة (باندورا)، وتمثل مكافئاً دقيقاً لشطر “توقع النجاح” في نموذجنا، غير أن نظرية الكفاءة الذاتية تركز على معتقدات القدرة نفسها، بينما يدمج نموذج التوقع والقيمة هذا المفهوم في بنية أوسع تتضمن الأهمية والمنفعة والتكلفة (أبعاد القيمة).
- نظرية تقرير المصير (Self-Determination Theory): تركز على الاحتياجات النفسية الفطرية الأساسية (الاستقلالية، والكفاءة، والارتباط) للتمييز بين الدوافع الذاتية والخارجية، في حين يركز نموذج التوقع والقيمة على المعتقدات الإدراكية الذاتية ومكونات القيمة الواعية للمهام الفردية الملموسة.
- نظرية الهدف (Goal Orientation Theory): تهتم بالغايات التي يسعى الفرد لبلوغها (أهداف التمكن والإتقان مقابل أهداف الأداء وإثبات الذات أمام الآخرين)، بينما يفسر نموذج التوقع والقيمة الآلية التي تقود الفرد إلى تقدير تلك الأهداف وتوقع الوصول إليها في المقام الأول.
15. الخلاصة وأبرز النتائج المستخلصة
يقدم نموذج التوقع والقيمة خارطة إرشادية بالغة العمق والاتساع لفهم وتفسير سلوك الإنجاز والخيارات الإنسانية؛ إذ يبرهن بصورة قاطعة على أن دافعيتنا ليست ضرباً من الحظ الأعمى، وليست نتاجاً حصرياً للقدرات والمهارات الفطرية المجردة، بل هي محصلة تفاعل معرفي واعٍ وشامل بين مدى ثقتنا في العبور نحو الضفة الأخرى للنجاح (التوقع)، ومقدار المعنى والمتعة والجدوى التي نراها كامنة في تلك الضفة، مطروحاً منها حجم المشقة والتضحية المطلوبة للوصول إليها (القيمة والتكلفة).
إن إدراك هذه المعادلة المركبة يمنح التربويين والقادة والمعالجين أداة تشخيصية لا غنى عنها لبناء بيئات تعلم وعمل تستنهض الطاقات الكامنة، عبر موازنة دقيقة تعزز الكفاءة الذاتية واليقين الداخلي من جهة، وتخلق صلات وثيقة وذات معنى حيوي مع المهام والأهداف من جهة أخرى، لضمان استدامة السعي الإنساني وإثماره.
المراجع
- Atkinson, J. W. (1957). Motivational determinants of risk-taking behavior. Psychological Review, 64(6), 359–372. https://doi.org/10.1037/h0043445
- Eccles, J. S., Adler, T. F., Futterman, R., Goff, S. B., Kaczala, C. M., Meece, J. L., & Midgley, C. (1983). Expectancies, values, and academic behaviors. In J. T. Spence (Ed.), Achievement and achievement motivation (pp. 75–146). W. H. Freeman.
- Hulleman, C. S., & Harackiewicz, J. M. (2009). Promoting interest and performance in high school science classes. Science, 326(5958), 1410–1412. https://doi.org/10.1126/science.1177067
- Vroom, V. H. (1964). Work and motivation. John Wiley & Sons.
- Wigfield, A., & Eccles, J. S. (2000). Expectancy-value theory of achievement motivation. Contemporary Educational Psychology, 25(1), 68–81. https://doi.org/10.1006/ceps.1999.1015