تمثل فرضية غايا واحدة من أكثر الرؤى العلمية والفلسفية ثورية في العصر الحديث، حيث أعادت صياغة فهمنا لكوكب الأرض بوصفه كينونة حية ومركبة ذاتية التنظيم، تلتحم فيها المنظومات الحيوية والجيولوجية والجوية في نسيج ديناميكي متكامل. وتتجاوز هذه الفرضية حدود علوم البيئة والمناخ لتمتد عميقاً إلى علم النفس البيئي، وعلم النفس الإرشادي، ونظريات الوعي الجمعي، متيحةً إطاراً إبستمولوجياً ثرياً لإعادة بناء العلاقة المبتورة بين الذات الإنسانية والمحيط الحيوي الكوكبي.
فرضية غايا
1. التعريف الموجز والدقيق
تُعرّف فرضية غايا (Gaia hypothesis) بأنها مقترح علمي ونظري يفترض أن المحيط الحيوي للكرة الأرضية، وما يحتويه من كائنات حية، يتفاعل بشكل وثيق مع المكونات غير الحية (الغلاف الجوي، والغلاف المائي، والغلاف الصخري) لتشكيل نظام معقد ومتآزر يحافظ على التوازن والاستقرار البيئي اللازمين لاستمرار الحياة وازدهارها عبر آليات التغذية الراجعة الذاتية.
في السياق النفسي والتحليلي، تُعرّف الفرضية كمنطلق تأسيسي لعلم النفس الإيكولوجي؛ حيث يُنظر إلى الوعي الإنساني كجزء عضوي لا يتجزأ من وعي الكوكب الأوسع، مما يجعل الصحة النفسية للفرد مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسلامة المنظومة البيئية الشاملة واستقرارها الإيكولوجي.
2. التأثيل والأصل اللغوي
يعود الأصل اللغوي للمصطلح إلى اللغة اليونانية القديمة، حيث اشتُق الاسم من كلمة «غايا» (Γαῖα – Gaia)، وهي إلهة الأرض الأم في الميثولوجيا الإغريقية القديمة، والتي ترمز إلى الأصل التوليدي لجميع الكائنات الحية وتجسد الخصوبة والتوازن الكوني. وقد اقترح الروائي البريطاني الحائز على جائزة نوبل ويليام غولدنغ هذه التسمية على جاره العالم جيمس لوفلوك في سبعينيات القرن العشرين، بهدف إكساب النظرية عمقاً لاهوتياً واستعارياً يعبر عن وحدة الأرض الحية وانسجامها العضوي.
انتقل المصطلح تدريجياً من حيز الاستعارة الشعرية والميثولوجية إلى الحقل العلمي الدقيق، ثم تبنته حركات علم النفس البيئي ونظريات علم النفس العميق للتعبير عن مبدأ التشابك الوجودي بين النفس الإنسانية ونسيج الحياة الكوكبي.
3. النطق والبنية النحوية
تُنطق العبارة باللغة العربية بفتح الغين المعجمة المتبوعة بألف مد، ثم همزة على الياء فألف: «غَايَا» (Ghāyā)، وتُركّب إضافياً كمركب إضافي: «فَرَضِيَّةُ غَايَا»، حيث كلمة «فرضية» اسم مؤنث مفرد مشتق من الجذر (ف-ر-ض) ويدل على التقدير أو النظرية المقترحة القابلة للاختبار، و«غايا» اسم علم غير منصرف ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، مضاف إليه مجرور بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
يُستخدم المصطلح في الأدبيات الأكاديمية والنفسية المعاصرة بصيغ متطابقة مثل «نظرية غايا» أو «نموذج غايا المنظومي»، وتُشتق منها أوصاف متعدية مثل «التفكير الغاياني» (Gaian thinking) للدلالة على المنظور الإدراكي الشمولي الذي يدرك الترابط العضوي المنظومي بين الظواهر النفسية والطبيعية.
4. الشرح المفاهيمي التفصيلي
تفترض فرضية غايا في جوهرها العلمي أن الأرض لا تمثل مجرد صخرة صامتة وغير حية تحركها قوى فيزيائية عمياء وتعيش فوقها كائنات حية تتكيف معها سلبياً، بل هي نظام فائق التعقيد (Super-organism) تتكاتف فيه المكونات الحيوية وغير الحية لضبط درجة حرارة الكوكب، وتركيبة غلافه الجوي، ومستوى ملوحة محيطاته عبر آليات توازن ذاتي دقيقة تُعرف بالاستتباب أو الاتزان الداخلي (Homeostasis).
ينطوي هذا النموذج من المنظور النفسي والمعرفي على نقلة نموذجية جذرية في كيفية تصور الإنسان لموقعه في الوجود؛ إذ تكسر فرضية غايا وهم المركزية الإنسانية (Anthropocentrism) الذي هيمن على الفكر الغربي لقرون، واستبدلته بمنظور شمولي يرى أن الوعي البشري ليس كياناً منعزلاً في برج عاجي، وإنما هو نتاج متقدم وحساس لمنظومة الأرض ذاتها وهي تختبر وتدرك ذاتها من خلال عقول أفرادها ومشاعرهم.
وتوضح الفرضية أن الاضطرابات النفسية الجمعية المعاصرة، مثل الاكتئاب البيئي (Eco-depression)، وقلق المناخ (Eco-anxiety)، وفقدان المعنى، تنبع في جوهرها من شرخ وجودي عميق بين الذات الإنسانية والكل الحيوي الحاضن لها. فعندما يتصرف الإنسان المعاصر كغريب مستعمر للبيئة بدلاً من كونه شريكاً متناغماً معها، يتعرض نظامه العصبي والنفسي لنوع من الاغتراب الإيكولوجي المزمن الذي يقوض إحساسه بالأمان والانتماء الوجودي.
كما تقدم غايا إطاراً تكاملياً يربط استقرار الكيمياء الحيوية الكوكبية باستقرار الوجدان البشري؛ فالإدراك الحسي للأرض كنظام حي ينمي لدى الفرد ما يُعرف بـ «الذات البيئية» (Ecological Self)، وهي هوية ممتدة يشعر فيها الإنسان بأن آلام الكوكب واضطراباته ليست أحداثاً خارجية محايدة، بل هي مؤثرات تمس مباشرة سلامه الداخلي وتستحث استجابات وجدانية تعاطفية عميقة تهدف لاستعادة التوازن التبادلي.
5. التطور التاريخي والمسار العلمي
تطورت فرضية غايا عبر محطات فكرية وعلمية متعددة بدأت في أواخر ستينيات القرن العشرين عندما كان الكيميائي والفيزيائي البريطاني جيمس لوفلوك يعمل مستشاراً لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) للبحث عن أدلة وجود حياة على كوكب المريخ. لاحظ لوفلوك حينها أن الغلاف الجوي للمريخ والزهرة في حالة توازن كيميائي ميت ومستقر وتهيمن عليه غازات خاملة، بينما يتميز الغلاف الجوي للأرض بحالة من «عدم التوازن الديناميكي المستمر»، بوجود الميثان والأكسجين معاً، وهي حالة لا يمكن استدامتها إلا بفضل النشاط الحيوي المستمر للكائنات الحية.
شهدت السبعينيات والثمانينيات تعاوناً علمياً حاسماً بين لوفلوك وعالمة الأحياء التطورية البارزة لين مارغوليس، التي قدمت إسهامات جوهرية تتعلق بدور الكائنات الحية الدقيقة (الميكروبات والبكتيريا والعتائق) في تدوير الغازات والحفاظ على تركيبة الغلاف الجوي والمحيطات، مما منح الفرضية عمقاً ميكروبيولوجياً رصيناً أبعدها عن النزعات الغائية الصوفية المجردة.
وفي أوائل التسعينيات، التقط رواد علم النفس البيئي، وتحديداً المؤرخ والفيلسوف ثيودور روزاك وعالمة النفس جوان ماسي، هذه الفرضية وأدخلوها إلى الحقل السلوكي والعيادي؛ حيث أصدر روزاك مؤلفاته الرائدة حول إعادة استكشاف النفس داخل المحيط الحيوي، معتبراً أن علم النفس التقليدي توقف عند حدود المجتمع والأسرة، متجاهلاً الوسط الأكبر الذي ولدت فيه النفس البشرية، وهو كوكب غايا الحي.
6. الأسس النظرية والأطر الفكرية
تستند فرضية غايا إلى منظومة من الأسس النظرية متعددة التخصصات، التي تقاطعت مع كبريات المدارس الفكرية المعاصرة لتشكيل إطار معرفي متماسك:
أول هذه الأسس هي نظرية النظم العامة والسيبرنطيقا (General Systems Theory & Cybernetics)؛ إذ تُفهم الأرض بوصفها شبكة واسعة من حلقات التغذية الراجعة الإيجابية والسلبية المتداخلة التي تمنح النظام القدرة على التنظيم الذاتي (Self-regulation)، وتجاوز التقلبات الخارجية، تماماً كما يتصرف الجهاز العصبي والغددي لدى الكائنات الحية للحفاظ على التوازن النفسي والفسيولوجي.
أما الأساس الثاني، فيتمثل في نظرية المعايشة التكافلية (Symbiogenesis) التي طورتها لين مارغوليس؛ حيث ترى أن التطور الحيوي لا تحكمه المنافسة الشرسة وحرب البقاء الداروينية المنعزلة فحسب، بل يقوم في جوهره على التعاون التكافلي والاندماج البيني المعقد بين الأنواع المختلفة، وهو مفهوم يجد صداه النفسي في نظريات التعلق والترابط الإنساني القائم على التعاطف والتكافل الاجتماعي والمكاني.
ويرتبط الأساس الثالث بـ علم النفس العميق والإيكولوجيا العميقة (Deep Ecology) التي وضع أصولها الفيلسوف آرني نايس، متلاقية مع أفكار كارل غوستاف يونغ حول اللاوعي الجمعي؛ إذ يُنظر إلى رمز «غايا» كنمط بدائي أصيل (Archetype) يسكن الأعماق الوجدانية للمخيال البشري، وأن الانقطاع عن هذا النمط يؤدي إلى فقدان التوجيه الروحي وتفكك المعنى الوجودي للفرد.
7. المكونات الرئيسية والأبعاد والأنماط
تنتظم فرضية غايا ضمن أبعاد متداخلة تتكامل بنيوياً ونفسياً وفق التصنيفات التالية:
- البعد الفيزيائي والكيميائي الحياتي: ويشمل حلقات التغذية الراجعة الكيميائية، مثل دورة الكربون ودورة النيتروجين وثبات درجات حرارة المحيطات، التي تهيئ مناخاً نفسياً وبيئياً مستقراً يُتيح استدامة المجتمعات البشرية وأنشطتها الحيوية.
- البعد الإدراكي والمنظومي (غايا كعقل شبكي): وهو البعد الذي طوره فلاسفة البيئة، معتبرين أن العمليات التبادلية على الكوكب تشبه النشاط المعرفي الضخم للشبكات العصبية، حيث يتصرف كل نوع حيوي كخلية معالجة تساهم في كفاءة النظام الكلي.
- البعد النفسي الوجداني (الذات الغايانية): يمثل درجة استيعاب الفرد لهويته كجزء عضوي فاعل ومتأثر بالأرض، وينعكس في الشعور بالتضامن الإيكولوجي، والمسؤولية الأخلاقية، والامتنان نحو المصادر الحيوية التي تدعم بقاءه.
- الأشكال النظرية لفرضية غايا:
- غايا الضعيفة (Weak Gaia): الموقف العلمي المقبول على نطاق واسع، والذي يقر بأن الحياة تؤثر تأثيراً عميقاً في مسار التطور الجيوفيزيائي للأرض دون افتراض وجود قصدية أو تنظيم شبيه بالكائن المفرد.
- غايا القوية (Strong Gaia): الرؤية الأكثر راديكالية التي تفترض أن الأرض كائن حي كامل بحد ذاته، يمتلك آليات تحكم موجهة ومقصودة ذاتياً لخدمة استمرار الحياة ككل.
8. الأمثلة التوضيحية والحالات التطبيقية
تتعدد الأمثلة الحية التي تبرهن على تفاعل فرضية غايا وتأثيرها على الواقع النفسي والبيئي للأفراد والمجتمعات؛ ومن أبرز النماذج النظرية الرياضية نموذج عالم الأقحوان (Daisyworld) الذي ابتكره جيمس لوفلوك، والذي أثبت من خلاله بالمعادلات الرياضية كيف يمكن لنوعين من النباتات (أقحوان أبيض يعكس الضوء وأقحوان أسود يمتصه) تنظيم درجة حرارة كوكب كامل تلقائياً وبشكل مستقر دون الحاجة إلى وعي أو قصد تخطيطي مسبق.
وعلى المستوى النفسي والسريري، تتجلى الفرضية بوضوح في تجارب «تأثير النظرة العامة» (The Overview Effect) التي أبلغ عنها رواد الفضاء عند مشاهدتهم للأرض من الفضاء الخارجي؛ حيث وصفوا تحولاً إدراكياً عميقاً ومفاجئاً ينطوي على شعور هائل بالترابط الوجداني والرهبة والقداسة، مصحوباً بتلاشي التعصب القومي والعرقي لصالح رؤية الأرض كواحة حية واحدة هشة ومتنفسة تحتاج للحماية والعناية النفسية والأخلاقية.
كما تظهر في العلاج النفسي القائم على الغمر الطبيعي (Nature-Immersion Therapy) أو ممارسة الاستحمام في الغابات (Shinrin-yoku)، حيث يُظهر المرضى الذين يعانون من اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD) واضطرابات القلق تحسناً ملموساً وانخفاضاً في هرمونات التوتر مثل الكورتيزول بمجرد استعادة الاتصال الحسي المنتظم مع البيئة الطبيعية، وهو ما يفسره علم النفس البيئي باستجابة الجهاز العصبي الفطرية للاندماج مجدداً في إيقاعات غايا الحية واستعادة اتزانه الفسيولوجي المفقود.
9. القياس والتقييم الإمبيريقي
على الرغم من الطبيعة الشمولية المعقدة لفرضية غايا، فقد طور الباحثون أدوات متعددة لقياس تجلياتها على المستويين البيوجيولوجي والنفسي المعرفي؛ ففي العلوم الطبيعية، يتم التقييم عبر النمذجة الحاسوبية لمناخ الأرض ودراسة تركيزات النظائر المشعة في الجليد القطبي والغازات المنبعثة من الغطاء النباتي والمحيطات لتتبع آليات الاتزان البيئي.
أما في الحقل النفسي والإرشادي، فقد طُوّرت مقاييس سيكومترية دقيقة لتقييم مدى تبني الأفراد للمنظور الغاياني وتأثيره على سلوكياتهم وصحتهم العقلية، ومن أبرز هذه الأدوات:
- مقياس الترابط مع الطبيعة (Connectedness to Nature Scale – CNS): يقيس درجة شعور الفرد بالانتماء العاطفي الحميم للعالم الطبيعي والمحيط الحيوي.
- مقياس الاندماج البيئي (Inclusion of Nature in Self – INS): أداة تصويرية تسعى لقياس مدى تطابق الهوية الذاتية للشخص مع الدائرة الحيوية المحيطة به وتداخلهما التفاعلي.
- مقياس الذات البيئية (Eco-Self Scale): يقيس عمق إدراك الفرد لمسؤوليته الأخلاقية وانخراطه في صحة المنظومة البيئية وفق مفاهيم الإيكولوجيا العميقة وفرضية غايا.
10. التطبيقات والأهمية العملية في علم النفس
تكتسب فرضية غايا أهمية عملية متنامية في العلاج النفسي المعاصر والتربية الإيكولوجية والتطوير المجتمعي والمهني من خلال الممارسات التالية:
أولاً، في ميدان العلاج الإيكولوجي (Ecotherapy): يدمج المعالجون النفسيون المبادئ الغايانية في جلساتهم السريرية من خلال مساعدة المرضى على تفكيك مشاعر الاغتراب الفرداني، وربط معاناتهم النفسية بالعالم الأوسع؛ حيث يُعاد تأطير الحزن والقلق البيئي ليس كخلل كيميائي داخلي معزول، بل كاستجابة تعاطفية طبيعية وصحية لنظام كوكبي يمر بأزمة تدهور، مما يساعد الفرد على تحويل العجز المكتسب إلى عمل بيئي إيجابي يمنح حياته هدفاً ومعنى.
ثانياً، في مجال التطوير التنظيمي والقيادة البيئية: تُستخدم الفرضية لإعادة تصميم الهياكل الإدارية والمؤسسية لتصبح شبكات دائرية ومرنة تعتمد التغذية الراجعة والتعاون التبادلي، مستلهمة كفاءة المنظومات البيئية الطبيعية في مواجهة الأزمات والتكيف مع الضغوطات المستمرة.
ثالثاً، في التعليم وبناء المرونة النفسية للأطفال: تسهم التربية المستندة إلى رؤية غايا في حماية الأجيال الناشئة من «اضطراب عوز الطبيعة» (Nature Deficit Disorder)، عبر دمجهم في البرامج الميدانية التي تغرس لديهم تقديراً للأنظمة الحية، مما يعزز الذكاء العاطفي والمرونة المعرفية ومهارات التفكير المنظومي المستدام لديهم.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية والبيئية
دعمت العديد من الدراسات متعددة التخصصات الفرضيات الأساسية التي تقوم عليها غايا؛ ففي دراسات علوم نظم الأرض (Earth System Science)، أثبتت أبحاث الكيمياء الحيوية الجيولوجية أن النشاط البيولوجي للعوالق النباتية في المحيطات ينتج غاز ثنائي ميثيل الكبريتيد (DMS)، الذي يتصاعد للغلاف الجوي ليعمل كنوى لتكثف السحب، مما يزيد من انعكاس ضوء الشمس ويبرد سطح المحيطات في حلقة تغذية راجعة مناخية بيولوجية محكمة.
وفي حقل علم النفس العصبي والبيئي، أظهرت دراسات ريتشارد رايان وإدوارد دي سي رواد نظرية تقرير المصير أن الاتصال الإدراكي والفيزيائي بالأنظمة الطبيعية يرتبط مباشرة بارتفاع مستويات الحيوية النفسية (Vitality)، وزيادة المشاعر الإيجابية، وانخفاض مستويات التوتر والقلق الوجودي، مما يؤكد الفرضية القائلة بأن الجهاز العصبي الإنساني مبرمج بيولوجياً وتطورياً ليعمل بكفاءة قصوى عندما يكون متناغماً مع نسيج المنظومة الحيوية المتوازنة للأرض.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات
تتباين استجابة الثقافات الإنسانية لفرضية غايا تبعاً لمرجعياتها الفلسفية والأنطولوجية؛ فالشعوب الأصلية في الأمريكيتين وأستراليا وأفريقيا لم تجد في الفرضية كشفاً جديداً، بل اعتبرتها ترجمة علمية متأخرة لمعارفها التقليدية المتوارثة لآلاف السنين حول «الأرض الأم» (Pachamama لدى شعوب الأنديز)، التي تؤكد أن كل الكائنات متصلة بوشائج قرابة متبادلة، وأن أي أذى يلحق بالأرض ينعكس تلقائياً على صحة الإنسان الجسدية والنفسية والروحية.
في المقابل، واجهت الفرضية في المجتمعات الغربية الصناعية مقاومة إبستمولوجية حادة ناجمة عن الإرث الديكارتي والنيوتوني الذي يشيئ الطبيعة ويعاملها كآلة ميكانيكية عمياء تخضع لسيطرة الإنسان وتطويعه الرأسمالي. وتتجه الفلسفات والمدارس النفسية غير الغربية كالبوذية والطاوية إلى التماهي التام مع غايا، حيث ترى أن الحدود بين الذات والعالم الطبيعي هي مجرد أوهام إدراكية تعيق الوصول إلى النضج النفسي والسلام الداخلي الشامل.
13. الانتقادات والجدل والحدود المعرفية
واجهت فرضية غايا منذ لحظة إعلانها انتقادات علمية وفلسفية لاذعة قادها كبار علماء الأحياء التطورية، وفي مقدمتهم ريتشارد دوكينز وستيفن جاي جولد؛ حيث جادل دوكينز بأن فكرة التنظيم الذاتي على مستوى الكوكب بأكمله تتناقض مع آليات الانتقاء الطبيعي الدارويني، إذ لا يمكن لصفة بيولوجية معقدة أن تتطور دون وجود منافسة بين كواكب متعددة، فالأرض لا تتنافس مع كواكب أخرى ليتم انتخاب سمات الاستتباب فيها.
كما انتقد فلاسفة العلوم إطلاق اسم «غايا» المستمد من الميثولوجيا، معتبرين أنه أضفى هالة من الغائية (Teleology) غير العلمية والصوفية الزائفة على عمليات فيزيائية بحتة، مما حدا بالبعض إلى إساءة تفسيرها كوعي واعي متعمد يسعى لحماية الأنواع.
ومن الزاوية المعرفية المعاصرة، طرح عالم الإحاثة بيتر وارد «فرضية ميديا» (Medea hypothesis) المضادة لغايا؛ والتي ترى أن الحياة بطبيعتها مدمّرة لذاتها، وأن معظم الانقراضات الجماعية الكبرى في تاريخ الأرض حدثت نتيجة تفاعلات سامة سببتها الكائنات الحية نفسها، وليست بسبب التوازن الهادئ، مما يفرض قيوداً جوهرية على الإفراط في إضفاء الطابع الرومانسي أو المثالي على الطبيعة كحاضنة رحيمة دائماً.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
تتقاطع فرضية غايا مع مفاهيم علمية وفلسفية متعددة يجب التمييز الدقيق بينها لتفادي الخلط الاصطلاحي:
- فرضية البيوفيليا (Biophilia Hypothesis): تشير إلى ميل الإنسان الفطري للانجذاب والارتباط بالكائنات الحية الأخرى؛ وهي تركز على البنية التطورية العصبية للإنسان الفرد، بينما تهتم غايا بالنظام الكوكبي ككل وتوازنه الحيوي الشامل.
- الإيكولوجيا العميقة (Deep Ecology): حركة فلسفية وأخلاقية تدعو للمساواة الحيوية بين جميع الكائنات الحية ونبذ استعلاء الإنسان؛ وتعد غايا الأساس العلمي الوصفي الذي ترتكز عليه هذه الفلسفة المعيارية.
- المحيط الحيوي (Biosphere): مصطلح جغرافي وبيولوجي يصف الحيز المكاني السطحي الذي توجد فيه الحياة على الأرض، بينما تعبر غايا عن التفاعل الوظيفي الديناميكي المتكامل بين هذا المحيط الحيوي والأغلفة الفيزيائية غير الحية.
- علم نظم الأرض (Earth System Science): الفرع الأكاديمي الصارم المقبول اليوم الذي نشأ من أفكار غايا، متجرداً من استعاراتها اللغوية ومحتفظاً بمنهجيتها المنظومية في دراسة الكوكب عبر الحواسيب والنماذج المعقدة.
15. الخلاصة والاستنتاجات الجوهرية
تعد فرضية غايا منعطفاً فكرياً بارزاً أسهم في إعادة بناء وعي الإنسان المعاصر بذاته وموقعه في الكون، متجاوزة الرؤية التجزيئية الآلية نحو فهم ترابطي عميق للحياة. وفي ظل ما يشهده كوكبنا اليوم من تغيرات مناخية وتدهور بيولوجي غير مسبوق، لم تعد الفرضية مجرد ترف نظري أو نقاش بيولوجي منعزل، بل غدت ضرورة نفسية ووجودية تدعو إلى إعادة صياغة الوعي الجمعي وإرساء دعائم صحة نفسية قائمة على السلام والانسجام التبادلي مع المنظومة الحيوية لكوكب الأرض.
المراجع
- Lovelock, J. E. (2000). Gaia: A new look at life on Earth (3rd ed.). Oxford University Press. https://www.worldcat.org/title/gaia-a-new-look-at-life-on-earth/oclc/44058853
- Margulis, L. (1998). Symbiotic planet: A new look at evolution. Basic Books. https://www.worldcat.org/title/symbiotic-planet-a-new-look-at-evolution/oclc/39659345
- Roszak, T., Gomes, M. E., & Kanner, A. D. (Eds.). (1995). Ecopsychology: Restoring the earth, healing the mind. Sierra Club Books. https://www.worldcat.org/title/ecopsychology-restoring-the-earth-healing-the-mind/oclc/31936306
- Dawkins, R. (1982). The extended phenotype: The long reach of the gene. Oxford University Press. https://www.worldcat.org/title/extended-phenotype-the-long-reach-of-the-gene/oclc/8034509
- Mayer, F. S., & Frantz, C. M. (2004). The connectedness to nature scale: A measure of individuals’ feeling in community with nature. Journal of Environmental Psychology, 24(4), 503–515. https://doi.org/10.1016/j.jenvp.2004.10.001