صراع داخل الدور: أزمة التوقعات المتناقضة

دليل أكاديمي شامل يستعرض مفهوم صراع داخل الدور (Intrarole Conflict)، مسبباته التنظيمية، أبعاده النفسية، وأدوات قياسه، وطرق الوقاية منه في بيئات العمل.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 31 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 31 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

يمثل التوفيق بين المطالب المتباينة داخل موقع مهني أو اجتماعي واحد أحد أعقد التحديات النفسية والتنظيمية التي يواجهها الفرد المعاصر في بيئات العمل المتسارعة؛ إذ يجد الموظف نفسه محاصراً بين التزامات متضاربة تنبع جميعها من صلب مسؤوليته المحددة دون أن يخرج عن إطارها الرسمي. يشكل فهم ديناميات هذه الظاهرة مدخلاً جوهرياً لفك شفرات التوتر الوظيفي، وتفسير مظاهر التراجع في الإنتاجية والرفاه النفسي داخل المؤسسات الحديثة. وتبرز أهمية تفكيك هذا المفهوم في سياق علم نفس صناعي وتنظيمي باعتباره محدداً رئيساً للصحة النفسية المهنية واستقرار المسار الوظيفي.

صراع داخل الدور (Intrarole Conflict)

1. التعريف الموجز والدلالة الاصطلاحية

صراع داخل الدور هو حالة من التناقض النفسي والوظيفي تنشأ عندما يواجه الفرد توقعات، أو متطلبات، أو ضغوطاً متضاربة وغير متوافقة ترتبط جميعها بشغل دور اجتماعي أو مهني واحد محدد. ويحدث هذا التناقض إما عندما يُلزم شاغل الدور بتلبية رغبات متباينة لأطراف متعددة، أو عندما تصدر عن مصدر توجيه واحد تعليمات متناقضة يستحيل الجمع بينها في آن واحد.

يتجاوز هذا المفهوم مجرد الشعور العابر بضغط العمل؛ إذ يعبر عن تصادم هيكلي في منظومة التوقعات المحيطة بالدور. في هذا السياق، يجد الفرد نفسه عاجزاً عن إرضاء طرف تنظيمي دون الإخلال بتوقعات طرف آخر يمتلك سلطة تقييمية أو تأثيرية على الدور ذاته، مما يخلق بيئة خصبة للشعور بالعجز وفقدان الكفاءة الذاتية.

كما يتضمن المفهوم بعداً قيمياً ومعرفياً يتجلى في التنافر بين المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية لشاغل الدور وبين السلوكيات الإجرائية المطلوبة منه رسمياً لأداء ذلك الدور بالذات، وهو ما يجعل الصراع تجربة نفسية داخلية وموضوعية في آن واحد تؤثر تأثيراً مباشراً على اتزان الشخصية المهنية وسلوكيات المواطنة التنظيمية.

2. التأصيل اللغوي والاشتقاق المصطلحي

يرجع المصطلح الإنجليزي (Intrarole Conflict) إلى تركيب نحوي يدمج البادئة اللاتينية “-Intra”، والتي تعني حرفياً “في الداخل” أو “ضمن نطاق محدد”، مع كلمة “Role” المشتقة تاريخياً من الكلمة الفرنسية القديمة “Rôle” (المأخوذة من اللاتينية “Rotula” أي اللفافة الورقية أو الأسطوانة التي كانت تدون عليها نصوص الممثلين في المسرح القديم للإشارة إلى النص المسند للشخصية)، وكلمة “Conflict” المنحدرة من اللاتينية “Conflictus” والتي تعني الاصطدام، أو النزاع، أو التضارب العنيف بين قوتين متقابلتين.

أما في اللسان العربي، فإن كلمة “صراع” تعود إلى الجذر الثلاثي (ص ر ع)، والذي يدل في أصله المعجمي على الطرح أرضاً والمغالبة والمنازعة الشديدة بين طرفين يسعى كل منهما لإخضاع الآخر. وكلمة “داخل” تشير إلى الاحتواء المكاني أو المعنوي ضمن حدود الشيء دون الخروج منه. بينما يشتق “الدور” من الجذر (د و ر) الدال على الحركة الدائرية والتعاقب والوظيفة المسندة للفرد ضمن نسق كلي يتكرر وينتظم وفق قواعد متعارف عليها.

دخل هذا المصطلح حقل العلوم النفسية والاجتماعية في منتصف القرن العشرين مع تطور نظرية الدور في علم الاجتماع وعلم النفس التنظيمي، حيث استُعير للدلالة بدقة على النزاعات الواقعة حصراً داخل حدود الدور الواحد لتمييزه تمييزاً قاطعاً عن الصراعات التي تنشأ بين أدوار متعددة ومختلفة يشغلها الإنسان في حياته اليومية.

3. النطق والصيغة الصرفية والاستعمال النحوي

يُنطق المصطلح باللغة العربية بكسر الصاد في كلمة “صِرَاع” (صِ-رَ-اع)، وفتح الدال في ظرف المكان المبني أو الاسم “دَاخِل”، وفتح الدال مع تسكين الواو في كلمة “الدَّوْر”. ويشكل التركيب لغوياً إضافة متتابعة؛ حيث يُعرب “صراع” حسب موقعه الإعرابي في الجملة (مبتدأ، فاعلاً، أو مفعولاً)، ويكون “داخل” مضافاً إليه أو ظرفاً متعلقاً بصفة محذوفة لمصطلح صراع، و”الدور” مضافاً إليه مجروراً وعلامة جره الكسرة الظاهرة.

من الناحية الصرفية، يمثل لفظ “صراع” مصدراً قياسياً للفعل الرباعي “صارَعَ” على وزن “فِعَال”، وهو وزن يدل دلالة قطعية على المفاعلة والمشاركة في الحدث، مما يعكس طبيعة التجاذب المستمر بين المتطلبات المتعارضة. بينما يأتي لفظ “الدور” كاسم ثلاثي مجرد يدل على المركز الوظيفي أو الوظيفة السلوكية النمطية.

تتعدد الاستعمالات الاصطلاحية البديلة في الأدبيات العربية المترجمة، ومنها: “صراع الدور الداخلي”، و”تناقض متطلبات الدور الواحد”، و”تضارب الدور الذاتي”، إلا أن مصطلح “صراع داخل الدور” يظل الأدق أكاديمياً والأكثر اتساقاً مع البناء المصدري الأجنبي؛ لتفاديه الخلط بين الصراع الحاصل داخل حدود الدور نفسه والصراع المنبثق من أعماق الذات النفسية المجردة.

4. الشرح المفاهيمي المعمق والأبعاد النفسية

ينطوي مفهوم صراع داخل الدور على ديناميكية معقدة ترتكز على حقيقة أن الدور الاجتماعي أو الوظيفي ليس كياناً ثابتاً ومستقلاً بذاته، بل هو شبكة علاقات وتوقعات متبادلة تُعرف في الأدبيات التنظيمية باسم “حزمة الدور” (Role Set). تتكون هذه الحزمة من مجموعة من الأطراف المؤثرة والفاعلة، مثل: الرؤساء المباشرين، والزملاء من نفس المستوى، والمرؤوسين، والعملاء، والمجتمع العام، حيث يُطلق على كل طرف من هؤلاء مصطلح “مُرسِل التوقعات” (Role Sender).

يحدث صراع داخل الدور عندما تتباين التوقعات السلوكية الصادرة من هؤلاء المراسلين تبايناً جذرياً يؤدي إلى استحالة تلبية متطلبات أحد الأطراف دون التضحية الحتمية بتوقعات طرف آخر، على الرغم من أن جميع هذه المطالب مشروعة من الناحية النظرية وتندرج تماماً ضمن المسؤوليات المعتمدة للوظيفة ذاتها. على سبيل المثال، قد يتطلب الدور الإداري من المدير أن يكون حازماً ومطبقاً للقواعد الصارمة لإرضاء الإدارة العليا، وفي الوقت ذاته يُتوقع منه أن يكون مرناً وداعماً ومتعاطفاً لبناء الروح المعنوية وتحفيز مرؤوسيه المباشرين.

يقود هذا الاصطدام البنيوي إلى حالة حادة من التنافر المعرفي لدى الفرد؛ إذ يجد نفسه أمام رسائل متناقضة تتحدى قدرته على التنبؤ بنتائج تصرفاته وتسلبه الشعور بالسيطرة والتحكم البيئي. كما يثير هذا الوضع استجابات دفاعية نفسية، مثل الانسحاب المعرفي، والإنكار، والتردد المفرط في اتخاذ القرارات، مما يضاعف من مستويات القلق والضغط الداخلي.

علاوة على ذلك، لا ينحصر الصراع دائماً في الأطراف الخارجية، بل قد يتخذ شكلاً داخلياً حاداً حين يصطدم التوقع الخارجي للدور مع منظومة القيم والمعايير الأخلاقية الأصيلة التي يحملها الفرد لتعريف ذاته المهنية؛ وهو ما يُعرف في الأدبيات بـ “صراع الشخص والدور”، حيث يُطلب من الفرد ممارسة سلوك يفرضه الدور المهني ولكنه ينتهك هويته الأخلاقية المستقلة، مما يؤدي إلى استنزاف طاقته النفسية والشعور بالذنب المهني.

5. التطور التاريخي ومحطات التأسيس الأكاديمي

تعود الجذور الفكرية الممهدة لمفهوم صراع الدور إلى الأطر الكلاسيكية لعلم الاجتماع البنائي الوظيفي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، ولا سيما أعمال روبرت لينتون (Ralph Linton) الذي ميز تمييزاً دقيقاً بين “المكانة” (Status) بوصفها الموقع الهيكلي، و”الدور” (Role) بوصفه الجانب الديناميكي والممارسات السلوكية المرافقة لتلك المكانة، ثم طور روبرت ميرتون (Robert K. Merton) هذا الطرح من خلال مفهوم “طاقم الدور” متناولاً التناقضات التي تنشأ من اختلاف توقعات أعضاء هذا الطاقم.

شهد عام 1964 نقطة التحول الكبرى في المأسسة العلمية للصراع التنظيمي عبر الدراسة الرائدة التي قادها روبرت كان وزملاؤه (Robert L. Kahn et al.) في معهد البحوث الاجتماعية بجامعة ميشيغان، والتي نُشرت في كتابهم التاريخي “الإجهاد التنظيمي: دراسات في صراع الدور والغموض”. وضع كان ورفاقه نموذجاً نظرياً متكاملاً لما يُعرف بحلقات إرسال واستقبال الدور (Role Episode Model)، وميزوا لأول مرة بصورة تجريبية صارمة بين الصراع الواقع داخل حدود الدور الواحد والصراعات الناتجة عن تداخل الأدوار المتعددة.

خلال حقبة السبعينيات، تحول الاهتمام الأكاديمي نحو تطوير أدوات قياس دقيقة لهذا البناء النظري، وكان أبرزها المقياس الذي صممه ريزو وهاوس وليرتزمان (Rizzo, House, & Lirtzman, 1970)، والذي فتح الباب أمام مئات الدراسات الميدانية لتقييم صراع الدور وعلاقته بالأداء والرضا الوظيفي، وتلاه في الثمانينيات والتسعينيات ظهور تحليلات بعدية رائدة أجراها باحثون مثل جاكسون وشولر (Jackson & Schuler, 1985) لتلخيص آثاره المرضية في بيئات العمل الصناعية والتنظيمية.

في العصر الحالي، أعيد تشكيل المفهوم لمواكبة التغيرات المعاصرة في طبيعة العمل، حيث لم تعد الأوصاف الوظيفية الثابتة هي السائدة، بل حلت محلها الهياكل المصفوفية، وفرق العمل المرنة العابرة للوظائف، ومنصات العمل الرقمي الحر؛ وهي تحولات زادت من تعقيد شبكات التوقعات المتضاربة المفروضة على الفرد، ورسخت صراع داخل الدور بوصفه محوراً دائماً في دراسات الصحة النفسية والتنظيمية الحديثة.

6. الأطر والنظريات التأسيسية المفسرة

تستند دراسة صراع داخل الدور إلى منظومة متكاملة من النظريات السيكولوجية والتنظيمية التي تقدم تفسيرات متباينة لأسبابه وتداعياته:

تعد نظرية الدور الكلاسيكية الإطار المرجعي الأول؛ إذ تنظر إلى المنظمات بوصفها أنظمة اجتماعية مفتوحة تتشكل من مواقع محددة يؤدي كل منها وظائف معينة، وتفترض هذه النظرية أن السلوك البشري محكوم بالمعايير الجمعية، وأن أي تضارب أو عدم اتساق في التوقعات المعيارية المرسلة لشاغل الموقع يؤدي تلقائياً إلى اختلال التوازن الوظيفي والنفسي لدى الفرد.

يقدم نموذج حفظ الموارد (Conservation of Resources Theory) لستيفان هوبفول (Stevan Hobfoll) تفسيراً نفسياً عميقاً للتأثير السلبي لهذا الصراع؛ حيث يوضح أن الأفراد يسعون بجهد مستمر للحفاظ على مواردهم النفسية والجسدية والمهنية وتنميتها. وحين يقع الفرد في فخ المتطلبات المتناقضة داخل دوره، فإنه يُضطر إلى استنزاف طاقة هائلة من الانتباه والمشاعر دون تحقيق عائد إيجابي يذكر، نظراً لتعذر إرضاء جميع الأطراف، مما يقود مباشرة إلى الإنهاك والاحتراق النفسي.

كما يسهم نموذج متطلبات العمل وموارده (JD-R Model) الذي طوره أرنولد بيكر وإيفانجيلوس ديميروتي في إيضاح أن صراع داخل الدور يمثل نوعاً خطيراً من “المعوقات الضاغطة” (Hindrance Stressors)؛ وهي متطلبات تنظيمية تعيق مسار تحقيق الأهداف المهنية وتستنزف الطاقة الحيوية دون أن تحمل في طياتها فرصاً واضحة للنمو الشخصي أو الترقية، على العكس من “الضغوط المحفزة” (Challenge Stressors) التي تدفع نحو الإنجاز.

من زاوية علم النفس المعرفي، تفسر نظرية التنافر المعرفي لليون فيستنغر (Leon Festinger) التجربة الداخلية للموظف الذي يواجه توقعات متضاربة؛ إذ تنشأ حالة من التوتر النفسي الشديد الناتج عن احتفاظ الفرد بأفكار ومطالب غير متجانسة في الوقت عينه، مما يدفع نظامه المعرفي نحو محاولات مستميتة لتقليل التنافر عبر تبرير الإخفاق، أو إسقاط اللوم، أو اللجوء إلى التمرد الخفي داخل المنظمة.

7. المكونات والأنواع والأبعاد التشخيصية

ينقسم صراع داخل الدور إلى أبعاد ومكونات بنيوية دقيقة تتكامل لتحدد طبيعة التجربة الضاغطة التي يعيشها الفرد، وتتمثل في الأنواع التالية:

  • صراع المرسل الواحد (Intra-Sender Conflict): ويحدث عندما يوجه طرف إشرافي واحد تعليمات ومطالب متناقضة إلى شاغل الدور، كأن يطلب المدير من موظفه إنهاء تقرير إحصائي مفصل في غضون ساعتين مع اشتراط الدقة المطلقة والامتناع عن ارتكاب أي خطأ، مما يجعل تحقيق الهدفين معاً مستحيلاً من الناحية الواقعية.
  • صراع المراسلين المتعددين (Inter-Sender Conflict): ويعد أكثر الأنماط شيوعاً، وتتجلى خطورته عندما يخضع الدور لسلطة أطراف متعددة تملك كل منها رؤية مختلفة لكيفية ممارسة الدور؛ مثل المعلم الذي يتلقى توجيهات صارمة من إدارة المدرسة لتطبيق الانضباط الصارم، في حين تطالبه جمعيات أولياء الأمور بالتساهل والمرونة التامة وتجاوز الهفوات السلوكية.
  • صراع الشخص والدور (Person-Role Conflict): وينشأ عندما تتعارض المتطلبات النظامية المسندة للدور المهني مع المعتقدات الدينية، أو المبادئ الأخلاقية، أو السمات الشخصية لشاغل هذا الدور؛ ومثاله تكليف أخصائي تسويق بالترويج لمنتج استهلاكي يعلم يقيناً أنه يلحق ضرراً بصحة المستهلكين.
  • صراع التناقض المعياري والتطبيقي: ويتمثل في الهوة الشاسعة بين السياسات الرسمية المكتوبة للمؤسسة والواقع العملي للتنفيذ، حيث يُطالب الموظف رسمياً بالامتثال لمعايير الجودة والسلامة الشاملة، لكنه يواجه توبيخاً غير مباشر إذا أدت هذه الإجراءات إلى تباطؤ عجلة الإنتاج الميداني.
  • صراع تحميل الأولويات: وهو صراع حول توزيع الموارد الزمنية والمعرفية المحدودة داخل الدور الواحد، حيث تُصنف كافة المهام والمخرجات المتزامنة على أنها ذات “أولوية قصوى عاجلة” من قبل قيادات المنظمة، مما يضع الموظف في مواجهة شلل تحليلي وعجز تنفيذي مستمر.

8. أمثلة وحالات تطبيقية وتوضيحية واقعية

تتجسد وقائع صراع داخل الدور بصورة حية ومكثفة في بيئات العمل المهنية الحساسة عبر سيناريوهات يومية تعكس عمق المشكلة التنظيمية؛ ولتوضيح ذلك نستعرض الحالات الواقعية التالية:

الحالة الأولى: المشرف التمريضي في المستشفى التخصصي
يشغل “سالم” موقع المشرف التمريضي في قسم الطوارئ، وهو دور وظيفي مفرد محدد الوصف. تتوقع منه الإدارة المالية للمستشفى ترشيد استهلاك المواد والمستلزمات الطبية وتقليص عدد الممرضين في المناوبات الليلية لخفض النفقات التشغيلية، وفي اللحظة ذاتها، يتوقع منه الأطباء الاستشاريون توفير أقصى درجات الدعم التمريضي وتجهيز كل المستلزمات بلا قيود لحماية حياة المرضى، بينما يطالبه طاقم التمريض الخاضع لإشرافه بالدفاع عن حقوقهم المهنية ورفض ساعات العمل الإضافية المجهدة. يعيش سالم صراعاً مريراً داخل دوره التنفيذي يستحيل معه الوصول إلى حالة من الرضا المشترك بين كافة الأطراف التابعة للمنظومة الصحية.

الحالة الثانية: ممثل خدمة العملاء في شركات الاتصالات
تعمل “هدى” أخصائية لدعم العملاء عبر الهاتف، وتحدد لها الشركة مؤشرين رئيسيين للأداء يتناقضان تماماً؛ المؤشر الأول يلزمها بألا يتجاوز زمن المكالمة دقيقة ونصف لضمان سرعة الرد على أكبر عدد ممكن من المتصلين، والمؤشر الثاني يلزمها بتحقيق نسبة رضا عملاء لا تقل عن 95% من خلال حل كافة مشكلات المتصل التقنية المعقدة والتعامل الودود والمستفيض مع استفساراته. تقع هدى يومياً تحت طائلة صراع المرسل الواحد؛ فإذا أنهت المكالمة بسرعة لتحقيق المؤشر الزمني خسرت رضا العميل، وإذا أطالت لحل المشكلة عوقبت على تجاوز الوقت المعياري.

الحالة الثالثة: أستاذ الجامعة والبحث الأكاديمي
يواجه عضو هيئة التدريس في الجامعات المعاصرة صراعاً محتدماً داخل دوره الأكاديمي؛ فمن ناحية، تشترط لجان الترقيات إنتاج أبحاث علمية ذات تصنيف دولي رفيع، وهو ما يتطلب عزلة فكرية وتفرغاً استقصائياً هائلاً، ومن ناحية أخرى، تُلزمه عمادة الكلية بمهام تدريسية شاقة، وأعباء إرشاد أكاديمي، والمشاركة في لجان الاعتماد المؤسسي والأنشطة الطلابية المجتمعية. هذا التناقض بين متطلبات الإنتاج المعرفي والتنفيذ الإداري والتعليمي يضع الأكاديمي في صراع مستمر حول أولويات دوره المهني الأساسي.

9. القياس والأدوات والتقييم النفسي

يحتل قياس صراع داخل الدور موقعاً مركزياً في دراسات الإجهاد المهني؛ حيث تعتمد الأبحاث على مقاييس سيكومترية مقننة تخضع لمعايير الثبات والصدق الإحصائي. ويعد مقياس ريزو وهاوس وليرتزمان (Rizzo et al., 1970) أقدم هذه الأدوات وأكثرها انتشاراً في الأوساط الأكاديمية العالمية، حيث يخصص ثماني فقرات محددة لقياس صراع الدور تركز في مجملها على التوفيق بين المطالب المتضاربة والعمل مع مجموعات عمل ذات سياسات غير متجانسة.

تتضمن أدوات التقييم الشائعة استبيانات تقرير ذاتي تعتمد مقياس ليكرت خماسي أو سباعي الدرجات، مثل “مقياس الضغوطات الدورانية” (Role Stressor Scale) الذي أعده جاكسون وشولر، ومقياس الإجهاد الوظيفي العام المطور من قبل المعهد الوطني الأمريكي للسلامة والصحة المهنية (NIOSH). تركز هذه المقاييس على استكشاف مشاعر الفرد حيال وجود إرشادات واضحة، وتعارض الأوامر، ومدى اضطراره لكسر بعض القواعد لإرضاء أصحاب المصلحة في العمل.

إلى جانب المقاييس الكمية، تطبق المنظمات المتقدمة أدوات تقييم نوعية من خلال المقابلات البنيوية المعمقة، وأسلوب “الحوادث الحرجة” (Critical Incident Technique)، وتحليل شبكة الدور (Role Network Analysis)، والتي تتيح رصد مناطق التماس الخلافية بين شاغل الوظيفة والمراسلين المحيطين به. كما توظف دراسات علم النفس العصبي الحديثة مؤشرات فسيولوجية لقياس تأثير الصراع، مثل قياس تقلب معدل ضربات القلب (HRV) وإفراز هرمون الكورتيزول اللعابي أثناء فترات العمل المكثفة لتوثيق الاستجابة العضوية للضغوط الدورانية.

10. التطبيقات والأهمية العملية في المؤسسات

يحظى فهم وإدارة صراع داخل الدور بأهمية تطبيقية استثنائية في هندسة النظم الإدارية وتطوير الموارد البشرية؛ إذ يرتبط الإخفاق في إدارته بتكاليف مالية وتشغيلية باهظة تتكبدها المؤسسات نتيجة ارتفاع معدلات الغياب، وترك العمل الطوعي، وضعف الالتزام التنظيمي.

في مجال التصميم الوظيفي، يوجه هذا المفهوم مهندسي التنظيم نحو بناء بطاقات وصف وظيفي تتسم بالاتساق الداخلي والواقعية؛ حيث يتم تحديد الصلاحيات والمسؤوليات بدقة، ووضع بروتوكولات حاسمة تفصل بين خطوط الإبلاغ والسلطة، خاصة في الشركات التي تعتمد الهياكل المصفوفية المعقدة لتجنب تعدد مصادر الأوامر المباشرة.

وفي حقل القيادة والإدارة، يسهم التدريب على تقنيات “التفاوض على الدور” (Role Negotiation Technique) في تمكين المديرين والموظفين من مراجعة التوقعات بصفة دورية وإعادة هيكلتها، مما يساعد على حل النزاعات المعيارية قبل استيطانها وتفاقمها. كما تبرز تطبيقاته الحيوية في تصميم برامج التدخل للحد من الاحتراق النفسي عبر تدريب الكوادر على مهارات التوكيدية ووضع الحدود المهنية السليمة تجاه الضغوط الخارجية المتباينة.

11. الأدلة التجريبية والبحوث العلمية المعاصرة

قدمت مئات الدراسات الميدانية والتحليلات البعدية عبر العقود الأربعة الماضية براهين إمبريقية قاطعة على التداعيات التدميرية لصراع داخل الدور على الفرد والمنظمة:

أكدت التحليلات البعدية الشاملة، مثل دراسة فيشر وغيتلسون (Fisher & Gitelson, 1983) ودراسة أورتكفيست ووينسنت (Örtqvist & Wincent, 2006)، وجود ارتباط سلبي دال إحصائياً بين صراع داخل الدور والرضا الوظيفي والالتزام العاطفي تجاه المنظمة؛ حيث بينت النتائج أن الأفراد الذين يتعرضون لمستويات مرتفعة من هذا الصراع يعانون من انخفاض حاد في دافعيتهم للإنجاز وزيادة مستمرة في نوايا الاستقالة والبحث عن وظائف بديلة.

وعلى صعيد الصحة النفسية، أظهرت أبحاث علم الأوبئة المهنية ارتباطاً وثيقاً بين استمرار صراع الدور وظهور أعراض الاكتئاب السريري، واضطرابات القلق المعمم، والاضطرابات النفسجسدية مثل قرحة المعدة، وارتفاع ضغط الدم الشرياني، واضطرابات النوم المزمنة؛ حيث يفسر هذا المسار البيولوجي النفسي باستمرار تحفيز المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA axis) استجابة للتهديد المعياري المستمر الذي يعيشه الفرد.

في المقابل، تشير البحوث الحديثة المنشورة في دوريات الإدارة وعلم النفس التنظيمي إلى الدور الوسيط والمعدل الذي تلعبه بعض السمات الشخصية والمناخات الداعمة؛ إذ ينخفض الأثر السلبي لهذا الصراع لدى الأفراد الذين يتمتعون بمستويات عالية من الصلابة النفسية (Psychological Hardiness)، والذكاء العاطفي، والمرونة المعرفية، وكذلك في بيئات العمل التي تشيع فيها ثقافة الأمان النفسي وشفافية التواصل الإداري.

12. الاعتبارات الثقافية والسياقات عبر الثقافات

تختلف تجربة واستجابة الأفراد لصراع داخل الدور باختلاف المصفوفات الثقافية والقيم الجمعية التي تحكم المجتمعات؛ وذلك بالاستناد إلى أبعاد جيرت هوفستيد (Geert Hofstede) للثقافة الوطنية:

في الثقافات ذات “مسافة القوة العالية” (High Power Distance)، يميل المرؤوسون إلى قبول الأوامر المتناقضة الصادرة من الرؤساء بقدر أكبر من الاستسلام والتسليم؛ إذ يُنظر إلى طاعة التسلسل الهرمي بوصفها واجباً لا يقبل الجدال، في حين تتفاقم الصدمة النفسية للموظف في مجتمعات “مسافة القوة المنخفضة” عند مواجهة أوامر متناقضة، حيث يتوقع العامل هناك الحصول على تبرير منطقي ومشاركة فاعلة في صياغة مهامه التشغيلية.

أما من منظور الثقافات الفردية في مقابل الثقافات الجمعية؛ فإن الأفراد في المجتمعات الفردية (كالمجتمعات الغربية) يختبرون التوتر بصورة أعمق عندما يمس الصراع استقلاليتهم المهنية وقدرتهم على الإنجاز الذاتي المباشر. في المقابل، يتركز قلق العاملين في المجتمعات الجمعية (كالعديد من المجتمعات العربية والآسيوية) حول أثر الصراع على التناغم الاجتماعي وعلاقاتهم الشخصية مع الزملاء والرؤساء، وغالباً ما يلجؤون إلى استراتيجيات التجنب والتوافق الشكلي لحماية الروابط العاطفية والاجتماعية من التصدع.

علاوة على ذلك، تؤدي أنماط التواصل دوراً محورياً؛ ففي سياقات “التواصل عالي السياق” (High-Context Communication)، يُتوقع من شاغل الدور قراءة الإشارات الضمنية وغير اللفظية للمراسلين لفك شفرات التناقض والتوفيق بينها دون تصعيد علني، بينما يعتمد سياق “التواصل منخفض السياق” على التوضيح اللفظي المباشر والوثائق الرسمية لحسم أي تضارب مهني داخل الدور.

13. الانتقادات والجدل والحدود المنهجية

على الرغم من الرسوخ الأكاديمي لمفهوم صراع داخل الدور، إلا أنه واجه انتقادات منهجية ونظرية متواصلة من قبل العديد من علماء النفس التنظيمي:

ينصب الانتقاد الرئيس على أدوات القياس السيكومترية، وتحديداً مقياس ريزو وشركائه (1970)؛ حيث وجهت إليه اتهامات بخلط فقراته بين قياس التناقض الموضوعي في متطلبات العمل وبين إدراك الفرد الذاتي لقلة الموارد أو عدم الكفاءة الشخصية، مما يثير تساؤلات حول الصدق البنائي للأداة وتمايزها عن أبعاد الإجهاد الأخرى.

كما يجادل تيار نقدي بأن الدراسات التقليدية بالغت في تصوير صراع الدور كظاهرة سلبية ومدمرة بصورة مطلقة؛ متجاهلة النظرية التفاعلية التي ترى أن مواجهة التوقعات المتضاربة باعتدال قد تكون محفزاً حاسماً لتطوير المهارات التفاوضية، والقدرة على التفكير الإبداعي وحل المشكلات المعقدة، والارتقاء بالأداء القيادي إذا توافرت للموظف الموارد والدعم التنظيمي الكافي.

وثمة إشكالية منهجية إضافية تتعلق بـ الاعتماد المفرط على البيانات المقطعية أحادية المصدر (Cross-Sectional Self-Reports)، مما يرفع من احتمالية التحيز في التباين المشترك لطريقة القياس (Common Method Variance)، ويجعل من الصعب إثبات علاقة سببية حتمية تفيد بأن صراع الدور هو المسبب المباشر للتراجع الصحي أو الأداء المتدني، أم أن الموظفين المجهدين أصلاً هم الأكثر حساسية وملاحظة للتناقضات الطبيعية المحيطة بمهام عملهم.

14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية

تتقاطع دراسة صراع داخل الدور مع جملة من المفاهيم التنظيمية والنفسية، مما يستدعي توضيح الفروق الفاصلة بينها لضمان الدقة التشخيصية:

  • صراع بين الأدوار (Inter-Role Conflict): يشير إلى التصادم الحاصل بين متطلبات دورين منفصلين تماماً يشغلهما الفرد في آن واحد؛ مثل الصراع بين متطلبات دوره كأب أو معيل أسري وبين دوره كموظف تتطلب وظيفته السفر المستمر، بخلاف صراع داخل الدور الذي ينحصر كلياً في نطاق وظيفة واحدة أو دور اجتماعي مفرد.
  • غموض الدور (Role Ambiguity): يعبر عن انعدام الوضوح واليقين بشأن ما هو متوقع من الفرد، وغياب المعلومات الدقيقة حول أهداف الوظيفة ومعايير تقييمها؛ بينما في صراع داخل الدور تكون التوقعات واضحة تماماً للموظف ولكنها متناقضة ويستحيل تنفيذها مجتمعة.
  • عبء الدور الزائد (Role Overload): ينشأ عندما تكون المهام الموكلة للموظف تفوق قدراته الزمنية والجسدية والمعرفية المتاحة، دون أن تكون تلك المهام متناقضة بالضرورة في مضمونها أو أهدافها، في حين يتعلق صراع داخل الدور بتصادم التوجيهات والمعايير حتى لو كان حجم العمل قليلاً.
  • التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance): حالة من عدم الراحة النفسية الناجمة عن اعتناق أفكار أو مواقف أو معتقدات متضاربة؛ ويمثل التنافر المعرفي الأثر السيكولوجي الداخلي المترتب على معايشة صراع داخل الدور، وليس الموقف التنظيمي الخارجي بحد ذاته.
  • الجهد العاطفي (Emotional Labor): يتطلب من الموظف إظهار مشاعر معينة تتطلبها طبيعة المهنة وتتعارض مع مشاعره الحقيقية (كالابتسام الدائم في وجه الزبائن الغاضبين)؛ وهو قد يكون جزءاً من صراع الشخص والدور، لكنه يركز بصفة حصرية على إدارة الانفعالات والتعبيرات الشعورية.

15. خلاصة واستنتاجات ختامية

يجسد صراع داخل الدور أزمة التوقعات المتناقضة التي تفرض نفسها داخل البنية الوظيفية للعمل الإنساني المعاصر؛ إذ يقف الفرد عاجزاً عن التوفيق بين مطالب يستحيل التوفيق بينها من الناحية الإجرائية على الرغم من انتسابها لمسؤولية واحدة. تبرهن الشواهد العلمية أن هذا النمط من الصراع يشكل معوقاً بيئياً خطيراً يستنزف الطاقات الذهنية والنفسية، ويهدد الاستقرار المؤسسي، ويغذي مشاعر الاغتراب المهني والإنهاك العصبي.

يتطلب التصدي لهذه الظاهرة تحولاً جذرياً في فلسفة الإدارة؛ عبر الانتقال من التقييم الأحادي المنعزل إلى الرؤية النسقية الشاملة التي تضبط تدفق التوقعات التنظيمية، وتوفر هوامش حقيقية للتفاوض البناء، وتؤسس لثقافة مؤسسية تقوم على الشفافية والتناغم المعياري؛ بما يكفل حماية الكفاءة الإنتاجية وسلامة الصحة النفسية لشاغلي الأدوار في عالم العمل المتغير.

المراجع

  • Fisher, C. D., & Gitelson, R. (1983). A meta-analysis of the correlates of role conflict and ambiguity. Journal of Applied Psychology, 68(2), 320–333. https://doi.org/10.1037/0021-9010.68.2.320
  • Hobfoll, S. E. (1989). Conservation of resources: A new attempt at conceptualizing stress. American Psychologist, 44(3), 513–524. https://doi.org/10.1037/0003-066X.44.3.513
  • Jackson, S. E., & Schuler, R. S. (1985). A meta-analysis and conceptual critique of research on role ambiguity and role conflict in work settings. Organizational Behavior and Human Decision Processes, 36(1), 16–78. https://doi.org/10.1016/0749-5978(85)90020-2
  • Kahn, R. L., Wolfe, D. M., Quinn, R. P., Snoek, J. D., & Rosenthal, R. A. (1964). Organizational stress: Studies in role conflict and ambiguity. John Wiley & Sons.
  • Örtqvist, D., & Wincent, J. (2006). Prominent consequences of role stress: A meta-analytic review. International Journal of Stress Management, 13(4), 399–422. https://doi.org/10.1037/1072-5245.13.4.399
  • Rizzo, J. R., House, R. J., & Lirtzman, S. I. (1970). Role conflict and ambiguity in complex organizations. Administrative Science Quarterly, 15(2), 150–163. https://doi.org/10.2307/2391486

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, أكتوبر 31). صراع داخل الدور: أزمة التوقعات المتناقضة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/dictionary/intrarole-conflict-ar/
looti, Mohammed. “صراع داخل الدور: أزمة التوقعات المتناقضة.” عرب سايكلوجي, 31 أكتوبر 2026, https://arabpsychology.com/dictionary/intrarole-conflict-ar/.
looti, Mohammed. “صراع داخل الدور: أزمة التوقعات المتناقضة.” عرب سايكلوجي. أكتوبر 31, 2026. https://arabpsychology.com/dictionary/intrarole-conflict-ar/.