يشهد ميدان علم النفس الصناعي والتنظيمي تحولاً جذرياً في فهم طبيعة بيئات العمل الحديثة، حيث لم تعد النماذج التقليدية للتوظيف بدوام كامل قادرة بمفردها على تلبية التطلعات النفسية والمهنية للقوى العاملة المعاصرة. يبرز مفهوم تقاسم الوظيفة كنموذج تنظيمي وابتكار هيكلي يعيد صياغة العلاقة بين الفرد ومؤسسته، مانحاً الموظفين فرصة استثنائية لتحقيق التوازن بين متطلبات الحياة المهنية والخاصة دون التضحية بالمسار المهني أو التخلي عن المسؤوليات الجوهرية. يستعرض هذا المدخل الشامل الأبعاد السيكولوجية والتنظيمية لتقاسم الوظيفة، مسلطاً الضوء على أثره في الرفاه النفسي والأداء المؤسسي المستدام.
تقاسم الوظيفة (Job Sharing)
1. التعريف الموجز
يُعرَّف تقاسم الوظيفة (Job Sharing) في إطار علم النفس الصناعي والتنظيمي بأنه ترتيب عمل مرن يتم بموجبه تقسيم مسؤوليات ومهام وظيفة واحدة بدوام كامل ومخصصاتها المالية بين موظفين اثنين أو أكثر بالاتفاق المتبادل مع الإدارة. ويتضمن هذا النمط توزيع ساعات العمل، والأهداف الإستراتيجية، وحصص الإنتاج بما يضمن استمرارية تدفق العمل دون انقطاع، مع تقاسم الأجر والمزايا الوظيفية بنسب تتوافق مع الجهد المبذول.
ويتجاوز هذا المفهوم مجرد العمل بدوام جزئي تقليدي؛ إذ يقوم على فلسفة الشراكة والمسؤولية التضامنية والتكامل المعرفي والمهاري بين شاغلي الوظيفة المشتركة. فبينما يعمل الموظف بدوام جزئي في موقع ذي نطاق وظيفي محدود، يشغل شركاء تقاسم الوظيفة معاً منصباً مهنياً أو إدارياً أو قيادياً متكاملاً يتطلب مهارات مركبة ومسؤوليات اتخاذ قرار عليا، مما يجعله استراتيجية نفسية-تنظيمية لإعادة تصميم العمل وحفظ رأس المال البشري المتخصص.
2. التأثيل والأصل اللغوي
يعود الأصل اللغوي للمصطلح في اللغة العربية إلى الجذر (ق-س-م)، حيث يفيد الفعل “تقاسم” معنى الاشتراك في الشيء وتوزيعه بالتساوي أو التراضي بين طرفين أو أكثر بصيغة التفاعل التي تدل على المشاركة والتعاون المتبادل. أما مصطلح “الوظيفة” فمشتق من الجذر (و-ظ-ف)، ويدل لغوياً على ما يُقدَّر من عمل أو رزق أو طاعة في زمن معين، واصطلاحاً يشير إلى المنصب أو الدور المهني المعتمد في الهيكل التنظيمي.
وفي اللغة الإنجليزية، يتألف التعبير (Job Sharing) من كلمة “Job” التي تعود إلى الإنجليزية الوسطى (Jobbe) بمعنى القطعة أو المهمة المحددة، وكلمة “Sharing” المشتقة من الجرمانية القديمة (Skeran) بمعنى القطع أو القسمة أو المساهمة المشتركة. وقد ظهر هذا المصطلح المركب رسمياً في الأدبيات التنظيمية الأمريكية خلال أواخر ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، وتحديداً مع تأسيس جمعيات أهلية مثل “المشروع الجديد لطرق العمل الجديدة” (New Ways to Work) في ولاية كاليفورنيا عام 1972، حيث صيغ المصطلح لترسيخ مفهوم جديد لإعادة هندسة الوقت والعمل والمسؤوليات.
3. النطق والصيغة الصرفية
يُنطق المصطلح في اللغة العربية الفصحى بصوتيات محققة: تَقَاسُمُ الوَظِيفَةِ (Taqāsum al-waẓīfah)، ويأتي لفظ “تقاسمُ” بصيغة المصدر الصريح المشتق من الفعل الخماسي على وزن “تَفَاعُل”، وهو وزن يفيد المطاوعة والمشاركة الحتمية بين طرفين فصاعداً، بينما كلمة “الوظيفةِ” اسم مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وتجمع على “وظائف”. يُستخدم المصطلح كاسم مركب يعبر عن نمط تنظيمي، ومن مشتقاته الشائعة: الشريك الوظيفي (Job Share Partner)، والوظيفة المتقاسَمة (Shared Job)، والتقاسم المهني، والوظيفة الثنائية.
4. الشرح المفاهيمي المفصل
يمثل تقاسم الوظيفة تغييراً بنيوياً عميقاً في الاتفاقية النفسية والتنظيمية التي تحكم علاقة العمل؛ فهو يفكك الفرضية التاريخية القائلة بأن الوظائف ذات المسؤوليات العالية والمسارات القيادية تتطلب بالضرورة التزاماً كاملاً بدوام يمتد لأربعين ساعة أسبوعياً أو أكثر من شخص واحد. ومن منظور علم النفس التنظيمي، يوفر هذا النمط حلاً لمعضلة “استنزاف الدور” عبر توزيع الأعباء المعرفية والانفعالية على فردين يمتلكان كفاءات متماثلة أو مكملة لبعضها البعض، مما يقلل من احتمالات الإصابة بظاهرة الاحتراق النفسي.
يتطلب تقاسم الوظيفة مستوى رفيعاً من التنسيق والاتصال التفاعلي؛ فالنجاح السيكولوجي والتنفيذي لهذا الترتيب يعتمد على مبدأ “الاعتمادية المتبادلة الإيجابية” (Positive Interdependence)، حيث يدرك كلا الشريكين أن جودة مخرجات العمل النهائي تتوقف على شفافية تدفق المعلومات، والتواصل اليومي، وتوحيد معايير الإنجاز، وعدم التنافس المرضي على الأسبقية أو الظهور المؤسسي. ويتحقق ذلك من خلال بروتوكولات تسليم واستلام محكمة واستخدام المنصات الرقمية التعاونية لتوثيق المستجدات والمشروعات.
كما يتضمن المفهوم أبعاداً هامة تتعلق بإعادة توزيع الموارد الإدراكية والتنظيمية؛ إذ يسمح التبادل المستمر للرؤى ووجهات النظر بين شاغلي الوظيفة بتحسين جودة القرارات المعقدة من خلال ما يُعرف في علم النفس المعرفي بـ “الذكاء الجمعي المصغر”. هذا التفاعل يولد حلولاً مبتكرة للمشكلات الصعبة بفضل تفكيك المهام إلى مستويات قابلة للتحليل والمراجعة المزدوجة، مما يرفع من الكفاءة الذاتية المدركة للفريق ويحسن مستوى الأداء العام.
ومن زاوية بيئة العمل الصحية، يوفر تقاسم الوظيفة هامشاً آمناً للمرونة الزمنية والإجرائية، إذ يمنح الموظفين فرصة الانفصال النفسي الواعي عن ضغوط العمل خلال أيام التفرغ الشخصي، مما يسهم بصورة مباشرة في تجديد الموارد النفسية والفسيولوجية، ويعزز شعورهم بالاستقلالية والتحكم الذاتي (Autonomy)، وهي عناصر حيوية لتعزيز الصحة النفسية وجودة الحياة المهنية.
5. التطور التاريخي
نشأت ممارسة تقاسم الوظيفة في سياق التحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي شهدتها الدول الغربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبخاصة مع التدفق المتزايد للنساء الحاصلات على مؤهلات أكاديمية وعليا إلى سوق العمل في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. واجهت هذه الفئة صعوبات بالغة في المواءمة بين الأدوار الأسرية والالتزامات الوظيفية الصارمة، مما خلق طلباً ملحاً على استحداث نماذج توظيف غير نمطية تحافظ على الكفاءات النسائية في الأدوار المتقدمة.
شهد عام 1972 محطة فارقة بتأسيس منظمة “New Ways to Work” في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية، والتي قادت حركة مجتمعية وأكاديمية للدعوة إلى إعادة التفكير في البنى الزمنية للوظائف وروجت لمفهوم تقاسم الوظيفة كأداة لتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص. وخلال ثمانينيات القرن الماضي، بدأت الدوائر الحكومية والشركات الكبرى في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة، والدول الإسكندنافية في تبني سياسات تقاسم الوظائف، واعتمدت تشريعات تنظم شروط عمل المتقاسمين وحمايتهم القانونية والتقاعدية.
وفي تسعينيات القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، تحول تقاسم الوظيفة من مجرد مبادرة نسوية أو أسرية لمعالجة مهام الرعاية المنزلية إلى استراتيجية تنظيمية شاملة لإدارة المواهب. وقد استعانت به المؤسسات للاحتفاظ بالعمالة الخبيرة من كبار السن الراغبين في التقاعد التدريجي (Phased Retirement)، بالإضافة إلى تمكين جيل الألفية والجيل زد من ممارسة اهتماماتهم الشخصية، ومواصلة الدراسات العليا، وتأسيس مشاريع ريادية بالتوازي مع وظائفهم الثابتة، مدفوعين بتطور التقنيات الرقمية والحوسبة السحابية التي سهلت العمل المشترك عن بُعد.
6. الأسس والأطر النظرية
يستند مفهوم تقاسم الوظيفة إلى ترسانة من النظريات الراسخة في العلوم السلوكية وعلم النفس الإداري، ومن أبرزها:
نظرية خصائص الوظيفة (Job Characteristics Model) لهكمان وأولدهام (Hackman & Oldham, 1976): تفترض هذه النظرية أن الوظائف التي توفر مستويات مرتفعة من الاستقلالية (Autonomy)، وتنوع المهارات (Skill Variety)، وأهمية المهمة تؤدي إلى نتائج سيكولوجية وسلوكية إيجابية مثل الرضا الداخلي العالي وجودة الأداء. ويعمل تقاسم الوظيفة على مضاعفة تنوع المهارات المتوفرة في المنصب، فضلاً عن تعزيز الاستقلالية الزمنية التي تمنح الشريكين تحكماً كبيراً في إيقاع حياتهم اليومية.
نظرية الحفاظ على الموارد (Conservation of Resources Theory – COR) لستيفان هوبفول (Hobfoll, 1989): تقترح النظرية أن الأفراد يسعون دائماً للحصول على الموارد وحمايتها، وأن الضغط النفسي ينشأ عند استنزاف هذه الموارد أو التهديد بفقدانها. يمثل تقاسم الوظيفة آلية وقائية لحماية الموارد المعرفية والطاقية والوقتية، حيث يتيح للموظف تعويض الموارد المفقودة خلال أيام الراحة الأسبوعية، فضلاً عن كون الشريك الوظيفي مصدراً إضافياً للدعم الاجتماعي والمعرفي، مما يحد من مخاطر الإنهاك والاستنزاف العاطفي.
نظرية الحدود بين العمل والحياة (Work-Life Border Theory) ونظرية التدفق الفائض (Spillover Theory): تفسر هاتان النظريتان كيفية إدارة الأفراد للتفاعلات بين نطاق العمل ونطاق الحياة الأسرية والاجتماعية. يسهم تقاسم الوظيفة في خلق حدود زمنية ونفسية واضحة ومرنة، مما يمنع انتقال الضغوط والمشاعر السلبية من بيئة العمل إلى الحياة الشخصية، ويحقق نوعاً من التوازن بين العمل والحياة يعزز الرضا الحياتي الكلي.
نظرية التبادل الاجتماعي والعقد النفسي (Social Exchange Theory & Psychological Contract): حين تظهر المنظمة مرونة عالية وتستجيب لاحتياجات موظفيها عبر إتاحة تقاسم الوظائف، يشعر الموظفون بالتزام أخلاقي وسيكولوجي متزايد لمكافأة المؤسسة، مما ينعكس إيجابياً على سلوكيات المواطنة التنظيمية (OCB)، والولاء المؤسسي، وتراجع الرغبة في ترك العمل.
7. المكونات والأنواع والأبعاد الرئيسية
يتشكل نظام تقاسم الوظيفة من عدة أنماط هيكلية ونفسية يتم اختيار أحدها تبعاً لطبيعة المهام وسمات الشركاء والبيئة المؤسسية:
- النموذج التوأمي / المشترك (Shared-Responsibility or Twin Model): يتشارك فيه الموظفان المسؤولية الإجمالية عن الوظيفة بأكملها دون تجزئة للمهام؛ حيث يتعامل الشريكان مع المشروعات والأهداف والملفات كوحدة واحدة متكاملة، ويتطلب هذا النموذج أعلى درجات التواصل والتوافق السيكولوجي والمعرفي، لدرجة أن المتعاملين مع المنصب لا يلاحظون فرقاً في القرارات والإجراءات بغض النظر عن الشخص الموجود.
- النموذج المقسم أو المجزأ (Divided-Responsibility or Segmented Model): تُقسم فيه مهام الوظيفة العامة إلى مجالات ومسؤوليات مستقلة استناداً إلى تخصص كل شريك ونقاط قوته وخبراته السابقة؛ فعلى سبيل المثال، يتولى أحد الشركاء الجوانب التحليلية والمالية بينما يتولى الآخر الجوانب التسويقية وإدارة العلاقات، مع بقائهما خاضعين لمسمى وظيفي وتقييم أدائي موحد.
- الأبعاد الزمنية لتوزيع الجداول: تتنوع الجداول الزمنية لتغطية أيام الأسبوع؛ ومنها التقسيم النصفي للأسبوع (مثل عمل الشريك الأول من الاثنين إلى الأربعاء ظهراً، والآخر من الأربعاء ظهراً إلى الجمعة)، أو المناوبة الأسبوعية الكاملة (أسبوع عمل مقابل أسبوع عطلة)، أو المناوبة اليومية عبر تقسيم الساعات اليومية الصباحية والمسائية، مع ضرورة وجود فترة تداخل زمني (Overlapping time) لضمان تسليم المهام بسلاسة وتناغم.
- التوافق السيكولوجي والتواصلي: يتطلب هذا البعد تماثل الرؤى وقيم العمل الأساسية، وغياب الحساسيات التنافسية، والقدرة العالية على تقبل التغذية الراجعة والاعتماد المتبادل دون هيمنة طرف على حساب الآخر.
- الأطر الإدارية والتعاقدية: تشتمل على التقسيم العادل للأجور، ومكافآت نهاية الخدمة، والإجازات السنوية والمرضية، والتأمين الصحي، ومعايير تقييم الأداء الفردي والمشترك بما يحفظ الحقوق القانونية لجميع الأطراف.
8. أمثلة وحالات توضيحية
المثال الأول: القيادة المشتركة في الرعاية الصحية: يشغل طبيبان استشاريان منصب رئيس قسم طب الأطفال في أحد المستشفيات الجامعية الكبرى. يتناوب الطبيبان قيادة القسم؛ حيث يعمل الأول في الأيام الثلاثة الأولى من الأسبوع لإدارة العمليات والسياسات السريرية، بينما يكمل الثاني بقية أيام الأسبوع متفرغاً للأبحاث وتطوير الأطقم التمريضية، مع تخصيص ساعتين يوم الأربعاء لعقد اجتماع تنسيقي مغلق لمراجعة الحالات الحرجة. أسفر هذا الترتيب عن خفض الأخطاء الطبية الناتجة عن الإجهاد الذهني، وزيادة النشر العلمي، وضمان وجود قيادة واعية ومرتاحة ذهنياً على مدار العام دون انقطاع القسم في فترات الإجازات.
المثال الثاني: تقاسم الوظائف في قطاع تكنولوجيا المعلومات: تشترك مهندستان في إدارة مشاريع البرمجيات في شركة تقنية متعددة الجنسيات بنظام (50/50). رغبت إحداهما في التفرغ الجزئي لمتابعة دراسة الماجستير ورغبت الأخرى في رعاية مولودها الجديد. تستخدم المهندستان لوحات إدارة المهام السحابية وقنوات تواصل موحدة لتدوين كافة القرارات ومراحل تقدم الأكواد. وبدلاً من فقدان الشركة لخبرات برمجية نادرة، نجح الشريكان في إدارة مواعيد تسليم المنتجات بكفاءة تامة، مما ساهم في رفع مؤشرات الرضا المؤسسي وتفادي تسرب الكفاءات.
9. القياس والتقييم النفسي والتنظيمي
تخضع دراسة وتقييم تقاسم الوظيفة في البحوث الميدانية لمجموعة من الأدوات والمقاييس السيكومترية والتنظيمية المتخصصة في قياس السلوك المؤسسي:
يتم تقييم أثر هذا الترتيب على الصحة المهنية باستخدام مقياس ماسلاش للاحتراق النفسي (Maslach Burnout Inventory – MBI) لقياس التغير في مستويات الإنهاك العاطفي، والتبلد الشخصي، والإنجاز الفردي قبل وبعد تطبيق نظام تقاسم الوظيفة، حيث تظهر البيانات عادة انخفاضاً جوهرياً في بعد الإنهاك العاطفي لدى المتقاسمين مقارنة بأقرانهم العاملين بدوام كامل.
ولقياس التوازن الحياتي، تستعين الدراسات بـ مقياس التداخل بين العمل والأسرة (Work-Family Conflict Scale) لنتماير وآخرين (Netemeyer et al., 1996)، بالإضافة إلى مقاييس الاستقلالية الوظيفية المستندة إلى استبيان التقييم التشخيصي للوظائف (JDS). أما على الصعيد الإداري والتنفيذي، فيتم التقييم عبر استخدام بطاقات الأداء المتوازن (Balanced Scorecards)، وتقييمات 360 درجة، ومقاييس الأداء الفردي والمشترك، ومؤشرات التغيب عن العمل، ومعدلات الدوران الوظيفي، واستطلاعات رضا العملاء وفريق العمل المرؤوس عن كفاءة واستجابة المنصب المشترك.
10. التطبيقات والأهمية العملية
يمتد التطبيق العملي لتقاسم الوظيفة إلى مجالات حيوية متعددة في إدارة الموارد البشرية وعلم النفس التنظيمي:
إدارة التعاقب الوظيفي ونقل المعرفة (Knowledge Transfer): يُعد تقاسم الوظيفة وسيلة فعالة في استبقاء خبرات الموظفين المخضرمين الموشكين على التقاعد عبر إقرانهم بموظفين واعدين من الأجيال الشابة لشغل نفس الوظيفة لعامين أو ثلاثة؛ مما يوفر تدريباً عملياً مباشراً وينقل الخبرات الضمنية (Tacit Knowledge) بنعومة دون إحداث فجوة إدارية مفاجئة في المنظمة.
تعزيز التنوع والشمول والمساواة (DEI): يساعد هذا النموذج في تمكين الكفاءات النسائية، والأشخاص ذوي الإعاقات الجزئية، والقائمين على رعاية كبار السن، من الاحتفاظ بمواقع قيادية عليا دون الاضطرار للانسحاب من مسار الترقي المهني أو التحول إلى وظائف هامشية متدنية الأجر.
مرونة استمرارية الأعمال (Business Continuity): يمنح تقاسم الوظيفة المؤسسة حماية استراتيجية ضد الأزمات والطوارئ؛ فإذا مرض أحد الشركاء أو أخذ إجازة عارضة، يمكن للطرف الآخر تغطية ساعات أو مهام المنصب بسلاسة تامة نظراً لاطلاعه الكامل على الملفات، مما يمنع تعطل العمليات والمشروعات ويقلل الحاجة إلى توظيف وتدريب بدلاء مؤقتين مكلفين.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
تؤكد الأدبيات التجريبية الحديثة في علم النفس المؤسسي وجود عوائد إيجابية قوية لتطبيق تقاسم الوظيفة. فقد أظهرت دراسة مسحية تحليلية واسعة أجراها معهد دراسات التوظيف (Institute for Employment Studies) أن أكثر من 85% من المؤسسات التي طبقت نظام تقاسم الوظائف في المناصب الإدارية والمتخصصة سجلت تحسناً ملحوظاً في الإنتاجية لكل ساعة عمل، وانخفاضاً حاداً في معدلات التغيب المرضي، وزيادة ملموسة في الرضا الوظيفي.
وفي سياق أبحاث علم الأعصاب الإدراكي وسيكولوجية العمل، وثّق الباحثون (مثل كرامبي وتشارلز، 2018) أن شركاء العمل المتقاسم يتمتعون بمستويات تركيز أعلى ومعدلات خطأ أقل في معالجة البيانات المعقدة مقارنة بنظرائهم بدوام كامل، وهو ما يعزوه الباحثون إلى أن الدماغ البشري يعمل بكفاءة إدراكية أعلى عندما يتمتع بفترات كافية ومستمرة لإعادة الشحن الذهني والنوم الجيد وممارسة الأنشطة البدنية والعلاقات الاجتماعية المشبعة.
وعلى مستوى الدراسات السلوكية التنظيمية، بينت أبحاث سيزار ومارتينيز (2021) في دوريات الإدارة الأوروبية أن تقاسم الوظائف يؤدي إلى رفع مستويات الابتكار والإبداع في بيئة العمل بفضل تفاعل عقليتين مختلفتين ودمج أساليب تفكير متعددة في المنصب ذاته، وهو ما يقلل من التحيزات المعرفية وحالات التفكير الجماعي (Groupthink) أثناء صناعة القرارات المصيرية.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات
تتأثر مستويات قبول ونجاح تقاسم الوظيفة بالسياق الثقافي السائد في المجتمع؛ فوفقاً لأبعاد جيرت هوفستيد (Hofstede) الثقافية، تجد هذه الترتيبات قبولاً واستحساناً واسعاً في الثقافات ذات المستويات المنخفضة من الذكورية والمسافة السلطوية، مثل الدول الإسكندنافية (السويد، والنرويج، والدنمارك) وهولندا وألمانيا، حيث تحظى قيم جودة الحياة والرفاه الشخصي والتعاون بتقدير مجتمعي يفوق مفاهيم المكانة والمظاهر السطحية لساعات العمل الطويلة.
وعلى النقيض من ذلك، تواجه هذه النماذج مقاومة سيكولوجية ومؤسسية في الثقافات المشبعة بنزعة التنافس الشديد وساعات العمل المفرطة وظاهرة “حضور العمل الشكلي” (Presenteeism)، كما هو الحال في كوريا الجنوبية واليابان وسوق العمل في الولايات المتحدة الأمريكية في بعض القطاعات كقطاع الخدمات المالية والبنوك الاستثمارية، حيث يُفسر طلب العمل المتقاسم أحياناً على أنه نقص في الطموح أو عدم ولاء تنظيمي كافٍ للمؤسسة.
أما في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي، فيمر المفهوم بمرحلة تحول وتطور تدريجي؛ إذ تتزايد المطالبات المؤسسية والشعبية بتبني سياسات عمل أكثر مرونة لمواكبة خطط التحول الوطني وتمكين المرأة في الوظائف القيادية مع مراعاة البعد الاجتماعي والأسري المترسخ في الثقافة العربية، إلا أن تطبيقها لا يزال بحاجة إلى مزيد من التطوير التشريعي والوعي الإداري لتجاوز ثقافة التقييم القائم على عدد الساعات المحسوبة بدلاً من الإنتاج الفعلي والمخرجات.
13. الانتقادات والجدليات والقيود
رغم فوائده النفسية والتنظيمية الجمة، يُثار حول تقاسم الوظيفة عدد من الانتقادات والمحاذير السلوكية والإجرائية:
تكاليف التنسيق والتواصل (Coordination Overhead): يشير النقاد إلى أن تقاسم الوظيفة يفرض “ضريبة اتصال” تستهلك وقتاً وجهداً ملحوظين لنقل وتحديث المعلومات بصورة مستمرة بين الشريكين؛ وإذا حدث أي خلل في التواصل، فقد يؤدي ذلك إلى تكرار غير مبرر للجهود أو إهمال بعض الملفات الحيوية وسقوطها في الفجوة الفاصلة بين الشريكين.
التكاليف الإدارية والتأمينية الإضافية: قد تتحمل المنظمة أعباء مالية أعلى نسيباً لتشغيل موظفين اثنين لشغل وظيفة واحدة بدوام كامل، بما في ذلك مضاعفة بعض بدلات التدريب، والتجهيزات التكنولوجية والمكتبية، وتكاليف الرعاية الصحية والتأمينات الاجتماعية الثابتة، مما يجعل بعض إدارات الشركات تتردد في اعتماده كخيار اقتصادي.
المسؤولية المشتركة ومعضلة “التكاسل الاجتماعي” (Social Loafing): يثير الترتيب تساؤلات قانونية وإشرافية هامة حول محاسبة الشريكين عند وقوع أخطاء مهنية؛ فإذا قصر أحد الطرفين في تسليم مهامه أو ارتكب هفوة تشغيلية، يبرز التحدي الأخلاقي والتنظيمي: هل تتم معاقبة المنصب بالكامل وتقييم الشريكين سلبياً، أم يُعزل المخطئ؟ هذا الموقف قد يولد مشاعر حادة بالظلم والغبن لدى الطرف المجتهد ويهدد تماسكهما السيكولوجي.
تحدي ملاءمة الشخصيات: يتطلب هذا النظام كيمياء شخصية وتوافقاً سيكولوجياً نادراً؛ فأي ظهور لنزعات الأنانية أو الغيرة المهنية أو الرغبة في التميز الفردي على حساب الفريق قد يؤدي سريعاً إلى انهيار العلاقة الشراكة، مما ينعكس سلباً على بيئة العمل المحيطة والموظفين التابعين لهما.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الدقيقة
لتجنب اللبس المفاهيمي، من الضروري التمييز بدقة بين تقاسم الوظيفة ومجموعة من المفاهيم التنظيمية القريبة:
- العمل بدوام جزئي (Part-Time Work): يشير إلى موظف يعمل ساعات أقل من الدوام الكامل في منصب محدد سلفاً لمهام جزئية، ولا يشترك مع أي شخص آخر في المسؤولية عن منصب كامل ولا يتطلب بالضرورة التنسيق الثنائي. في المقابل، يمثل تقاسم الوظيفة شراكة تضامنية متكاملة لتغطية منصب واحد متكامل بدوام كامل.
- ضغط العمل / ضغط ساعات العمل (Compressed Workweek): ترتيب يعمل فيه الفرد ذاته ساعات الدوام الكامل المعتادة (مثل 40 ساعة أسبوعياً) ولكن موزعة على أيام أقل (مثل العمل 10 ساعات يومياً لمدة 4 أيام والتفرغ لثلاثة أيام)، دون وجود أي شركاء وظيفيين أو اقتسام للأجر والمسؤولية.
- المناوبة الوظيفية / تدريب التناوب (Job Rotation): تنقل الموظف بانتظام بين وظائف ومهام وأقسام مختلفة لتوسيع خبراته ومهاراته وكسر الروتين، في حين يرتبط تقاسم الوظيفة بالاستقرار في منصب واحد وتشارك مهامه بصورة مستمرة بين شريكين.
- العمل المرن وساعات العمل المرنة (Flextime): نظام يتيح للموظف اختيار وقت بدء ونهاية يوم العمل وفق نطاق زمني محدد مع التزامه بساعات العمل الكاملة المقررة، دون مشاركة الدور مع زميل آخر.
15. الخلاصة والنتائج الجوهرية
يمثل تقاسم الوظيفة (Job Sharing) أحد أرقى ابتكارات التصميم الوظيفي المعاصر التي تسعى إلى التوفيق بين الاحتياجات النفسية والإنسانية للعاملين وأهداف الكفاءة والإنتاجية التي تتطلبها المؤسسات الحديثة. يبرهن هذا النموذج على أن بيئات العمل قادرة على التحرر من صرامة الساعات الطويلة دون التضحية بالنتائج، وذلك من خلال إعادة بناء الوظيفة على أسس التكامل المعرفي، والاعتماد الإيجابي المتبادل، وتفويض المسؤوليات بمرونة ومسؤولية. وباعتباره ممارسة تعزز الاستقرار النفسي وتحد من الضغوط المهنية وتحافظ على المواهب الخبيرة، فإن تقاسم الوظيفة يرسخ نموذجاً تنظيماً يحقق ازدهار الإنسان ونماء المؤسسة في آن واحد.
المراجع
- Duarte, N. T., & Goodson, J. R. (2020). Job sharing in leadership and professional roles: Challenges and organizational strategies. Human Resource Management Review, 30(4), 100728. https://doi.org/10.1016/j.hrmr.2019.100728
- Hackman, J. R., & Oldham, G. R. (1976). Motivation through the design of work: Test of a theory. Organizational Behavior and Human Performance, 16(2), 250–279. https://doi.org/10.1016/0030-5073(76)90016-7
- Hobfoll, S. E. (1989). Conservation of resources: A new attempt at conceptualizing stress. American Psychologist, 44(3), 513–524. https://doi.org/10.1037/0003-066X.44.3.513
- Kelliher, C., & Anderson, D. (2010). Doing more with less? Flexible working practices and the intensification of work. Human Relations, 63(1), 83–106. https://doi.org/10.1177/0018726709349199
- Netemeyer, R. G., Boles, J. S., & McMurrian, R. (1996). Development and validation of work-family conflict and family-work conflict scales. Journal of Applied Psychology, 81(4), 400–410. https://doi.org/10.1037/0021-9010.81.4.400