يُعد هوس السرقة أحد أكثر الاضطرابات النفسية إثارة للجدل والغموض في ميدان الطب النفسي وعلم النفس الإكلينيكي؛ إذ يُمثل حالة فريدة يتعطل فيها كبح النزوات السلوكية لصالح دافع لا يقاوم للاستحواذ على مقتنيات لا يحتاجها الفرد لقيمتها المادية أو منفعتها الشخصية. تتشابك في هذا الاضطراب خيوط البيولوجيا العصبية والآليات النفسية الدينامية، ليضع المصاب به في دوامة قاسية من التوتر النفسي الشديد والندم، محاصراً بين ثقل المسؤولية القانونية والمعاناة النفسية المزمنة.
هوس السرقة (الكبتومانيا)
1. التعريف الدقيق والموجز
يُعرَّف هوس السرقة (Kleptomania) بأنه اضطراب نفسي إكلينيكي يندرج ضمن فئة اضطرابات التحكم في الاندفاع والسلوك الفوضوي، ويتسم بالفشل المتكرر والمستمر في مقاومة الدوافع العارمة لسرقة أشياء ومقتنيات ليست ذات قيمة مادية أو حاجة استهلاكية ملحة للشخص. ولا يهدف هذا السلوك إلى تحقيق مكاسب نفعية، ولا ينبع من رغبة في الانتقام أو الثأر أو الغضب، كما لا يكون استجابة لضلالات أو هلاوس حسية، بل تدفعه حلقة داخلية تبدأ بتوتر متصاعد يليه تفريغ نفسي ولذة خاطفة عقب الفعل مباشرة، ثم إحساس طاغٍ بالذنب وتأنيب الضمير.
يمتد المفهوم في التحليل السيكولوجي المعاصر ليعبر عن اضطراب في الدوائر العصبية المنظمة للمكافأة والسيطرة التثبيطية، حيث يفقد الفرد سيطرته الإرادية على الاستجابة الاندفاعية اللحظية. وعلى النقيض من السلوك الإجرامي الممنهج، يتصرف المريض بمفرده ودون تخطيط مسبق معقد أو تواطؤ مع شركاء، وغالباً ما يُقدم على التخلص من الأغراض المسروقة إما برميها أو إخفائها سراً أو حتى إعادتها خلسة إلى أصحابها، مما يعكس الطبيعة المرضية البحتة للسلوك وابتعاده التام عن الجريمة المنفعية التقليدية.
2. التأثيل والاشتقاق اللغوي
تعود الجذور اللغوية لمصطلح كليبتومانيا إلى اللغة اليونانية الكلاسيكية؛ إذ يتألف المصطلح من شقين: الشق الأول مأخوذ من كلمة (Kleptēs – κλέπτης) وتعني اللص أو من الفعل (Kleptein – κλέπτειν) الذي يعني يسرق أو يخفي، في حين يُشتق الشق الثاني من كلمة (Mania – μανία) والتي تشير إلى الهوس أو الجنون أو العاطفة المحمومة والانفعال الخارج عن السيطرة. وبذلك فإن المعنى الحرفي المركب يدل على الهوس المرضي بفعل السرقة.
أما في المعاجم اللغوية العربية المعاصرة والترجمات الطبية المعتمدة الصادرة عن مجمع اللغة العربية ومنظمة الصحة العالمية، فيُترجم المصطلح إلى «هوس السرقة» أو «داء السرقة» وأحياناً «السرقة المرضية». وقد استقر الاستخدام الأكاديمي العربي الحديث على مصطلح «هوس السرقة» للدلالة على السلوك النزوي الذي يقترن بنمط استحواذي لا يهدأ إلا بارتكاب الفعل، مع تجريد الكلمة من حمولتها الجنائية للتأكيد على الطبيعة السيكوباثولوجية للاضطراب.
3. الصيغة النحوية والتصريف المعجمي
تُصنف كلمة «هوس» نحوياً في اللغة العربية كاسم مذكر، وهو مصدر للفعل هَوِسَ يَهْوَسُ هَوَساً، ويدل على خفة العقل وطروء الفكرة الملحة التي تستبد بالسلوك، بينما كلمة «السرقة» اسم مؤنث مجرور بالإضافة، وهو مصدر الفعل سَرَقَ يَسْرِقُ سَرِقَةً. وعند الجمع، يُقال «حالات هوس السرقة» أو «أشكال هوس السرقة»، ويُوصف الشخص المصاب بصيغة اسم الفاعل المركب كأن يُقال «مريض بهوس السرقة» أو التعبير النادر «مُصاب بالكبتومانيا».
يُستخدم المصطلح في النصوص الطبية النفسية والقانونية كمركب إضافي يعبر عن متلازمة نفسية مستقلة. ويقتضي الاستخدام السليم للمصطلح التمييز التام بينه وبين مصطلحات أخرى تشترك معه في الجذر اللغوي مثل «السارق» بالمعنى الجنائي؛ إذ إن المصاب هنا مريض يعاني من دافع استحواذي خارج عن نطاق الضبط الواعي والمنفعة المادية، مما ينعكس على الوصف القضائي والطبنفسي الشرعي بدقة متناهية.
4. الشرح المفاهيمي المفصل للأبعاد السريرية
يتجاوز هوس السرقة مجرد ارتكاب فعل محظور؛ إنه تجسيد لمعركة سيكولوجية داخلية قاسية ومستمرة. يدور الاضطراب في فلك دورة سلوكية ثلاثية المراحل تبدأ بنشوء توتر نفسي وانفعالي متصاعد ولا يُطاق يسبق عملية الاستحواذ مباشرة، يليه إحساس عارم بالنشوة والارتياح أو خفض التوتر أثناء لحظة تنفيذ السرقة، ثم تنتهي الدورة بهبوط سريع في المزاج مصحوباً بمشاعر ساحقة من الخزي والندم وجلد الذات والاكتئاب. هذا التتابع الحلقي يُشبه بصورة وثيقة دورة الإدمان السلوكي، حيث لا يسعى المريض إلى المادة بحد ذاتها وإنما يبحث دون وعي عن حالة الإشباع اللحظي وخفض القلق المؤلم الذي يعتريه.
تتميز المقتنيات المستهدفة في هوس السرقة بكونها تافهة مادياً في الغالب الأعم، مثل أشرطة مطاطية، أو أدوات تجميل رخيصة، أو أقلام، أو قفازات، على الرغم من أن بعض المصابين قد يستولون على مقتنيات ذات سعر أعلى إذا توفرت الفرصة الاندفاعية، لكن العامل الحاسم هو أن الشخص يمتلك القدرة المالية التامة على شرائها بيسر وسهولة. والجدير بالذكر أن هؤلاء الأفراد لا يقومون باستعمال هذه الأغراض في حياتهم اليومية؛ فغالباً ما تُخبأ في خزائن مغلقة وتتراكم دون لمسها، أو يتم التخلص منها في صناديق القمامة، أو توزع كهدايا دون توضيح مصدرها، أو حتى يتم التسلل لإعادتها إلى المتجر متى ما سنحت الفرصة خوفاً من الفضيحة.
من الزاوية التشخيصية النفسية، يُصنف هوس السرقة بوصفه اضطراباً نادراً نسبياً ضمن المجتمع العام؛ إذ تشير الدراسات إلى أن معدل انتشاره يتراوح بين 0.3% إلى 0.6% بين عموم السكان، إلا أن هذه النسبة ترتفع لتصل إلى نحو 5% بين الأشخاص الذين يتم توقيفهم بتهمة السرقة من المتاجر. كما يُعد الاضطراب أكثر شيوعاً بين الإناث مقارنة بالذكور بنسبة تقارب 3 إلى 1، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الفروق الإحصائية قد تتأثر بمدى استعداد الإناث لطلب المساعدة النفسية، في مقابل ميل الذكور إلى مواجهة الملاحقة الجنائية المباشرة التي تقودهم للسجون بدلاً من العيادات النفسية.
يترافق هذا الاضطراب بنسب عالية جداً مع المراضة النفسية المشتركة؛ حيث يعاني غالبية المصابين من اضطرابات مزاجية كبرى مثل الاكتئاب الجسيم، واضطرابات القلق المتنوعة، واضطرابات الأكل ولا سيما الشره العصبي، واضطراب الوسواس القهري، بالإضافة إلى إساءة استخدام المواد المخدرة. هذه التوليفة المعقدة تجعل مريض هوس السرقة يرزح تحت عبء نفسي ثقيل يتميز بالعزلة الاجتماعية الدائمة والخوف المرضي من انكشاف أمره، وتوقع الانهيار الأسري أو الملاحقة القضائية، الأمر الذي يقود في كثير من الأحيان إلى أفكار انتحارية وسلوكيات إيذاء الذات.
5. التطور التاريخي والمسار الزمني للاضطراب
برز مفهوم هوس السرقة لأول مرة في بدايات القرن التاسع عشر في فرنسا، عندما كان الطب النفسي يخطو خطواته التأسيسية للتفريق بين السلوكيات الجنائية والاضطرابات العقلية. ففي عام 1816، قام الطبيبان النفسيان الفرنسيان أندريه ماتييه فيردي وإتيان إسكيرول بصياغة مصطلح الكبتومانيا لوصف ما أسموه «الهوس الأحادي» (Monomania)، وهو مفهوم فلسفي-طبي كان يشير إلى وجود اضطراب جزئي في السلوك أو تفكير الشخص دون إصابة وظائفه العقلية والإدراكية الأخرى بأي خلل واضح، مما يسمح له بالبقاء عاقلاً ومنطقياً في سائر تصرفاته باستثناء هذا الدافع الاستحواذي الشاذ.
ومع حلول منتصف القرن التاسع عشر وأواخره، اتسعت رقعة الجدل القانوني والطبنفسي حول المفهوم مع انتشار المتاجر الكبرى الحديثة في المدن الأوروبية والأمريكية، وهي البيئات التي أتاحت عرض البضائع بشكل مغرٍ ودون حواجز. وفي تلك الحقبة، وجد الأطباء الشرعيون أنفسهم أمام نساء من الطبقات البرجوازية والوسطى المرموقة يرتكبن سرقات لأغراض تافهة دون وجود دافع عوز أو فقر، مما جعل النظرية النفسية تركز في تلك الفترة على العوامل البيولوجية الأنثوية مثل التقلبات الهرمونية واضطرابات الرحم، وهي نظريات ثبت بطلانها علمياً لاحقاً لكنها كانت تمثل محاولات لتفسير التناقض السلوكي.
شهد القرن العشرون تحولاً جذرياً في فهم الاضطراب؛ فمع صعود التحليل النفسي الفرويدي، أُعيدت قراءة السلوك بوصفه صراعاً لاواعياً وتفريعاً رمزياً عن رغبات مكبوتة وحرمان عاطفي في مراحل الطفولة المبكرة. وبدءاً من عام 1980، حظي هوس السرقة باعتراف رسمي في التصنيفات العالمية المعيارية، حين أُدرج في الطبعة الثالثة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-III) الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي كاضطراب صريح ضمن اضطرابات السيطرة على الاندفاع غير المصنفة في موضع آخر.
وفي العقود الأخيرة، ولا سيما مع صدور الدليل التشخيصي الخامس (DSM-5) والتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) الصادر عن منظمة الصحة العالمية، أُعيد تموضع هوس السرقة في ضوء التطورات البيولوجية العصبية؛ حيث بات يُنظر إليه من منظور طيفي يتداخل مع اضطرابات طيف الوسواس القهري من جهة، والاضطرابات الإدمانية السلوكية من جهة أخرى، مما فتح آفاقاً جديدة للتدخلات الدوائية والعلاجية السلوكية الممنهجة.
6. الأسس والأطر النظرية المفسرة
تتعدد الرؤى النظرية التي سعت لتفسير ميكانيزمات نشوء هوس السرقة، حيث تتكامل النظريات البيولوجية والنفسية المعرفية والدينامية لتقديم صورة شاملة عن الظاهرة:
تُرجع النظرية البيولوجية العصبية الاضطراب إلى خلل واختلال توازني في النواقل العصبية والدوائر القشرية تحت القشرية. تشير الفرضيات الحديثة إلى وجود نقص وخلل وظيفي في مسار السيروتونين في القشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex)، وهي المنطقة المسؤولة عن كبح السلوك والتنبؤ بالعواقب، مما يؤدي إلى ضعف التحكم التثبيطي. كما يرتبط السلوك بالنشاط المفرط لنظام الدوبامين في مسار المكافأة الطرفي (Mesolimbic Pathway)، حيث يؤدي فعل السرقة إلى تدفق حاد للدوبامين يُعزز السلوك كاستجابة مجزية تشبه تماماً ما يحدث في إدمان القمار، في حين يلعب نظام الأفيونات الداخلية دوراً محورياً في الإحساس بالنشوة وتسكين الألم النفسي ولذة الإنجاز أثناء ارتكاب الفعل.
أما من منظور النظرية المعرفية السلوكية (CBT)، فيُفسر هوس السرقة كنتيجة لسلسلة من الاستجابات الشرطية والتشوهات المعرفية. يُنظر إلى التوتر المسبق بوصفه مثيراً منَفِّراً يسعى الفرد للتخلص منه بأي وسيلة؛ ويشكل ارتكاب السرقة آلية تعزيز سلبي قوية، حيث تؤدي عملية الاستحواذ إلى زوال فوري للتوتر المزعج، مما يُرسخ الرابط السلوكي ويجعله يتكرر بصورة تلقائية عند مواجهة أي ضغط نفسي مستقبلي، بالإضافة إلى وجود معتقدات غير تكيفية حول عدم القدرة على مقاومة الإلحاح الداخلي.
وفي المقابل، تفسر نظرية التحليل النفسي والمقاربة الدينامية السلوك بوصفه تعبيراً رمزياً عن صراعات لاواعية دفينة، ناجمة غالباً عن تجارب مبكرة من الفقدان العاطفي، أو الإهمال الوالدي، أو الشعور بالعجز. وفقاً لهذه الرؤية، يمثل الشيء المسروق استعادة رمزية لحب أو أمان أو حماية سُلبت من الفرد في طفولته المبكرة. وتعتبر السرقة دفاعاً نفسياً لاواعياً ضد مشاعر النقص أو الاكتئاب الكامن، حيث يتيح الاستحواذ المادي شعوراً مؤقتاً بالقوة والسيطرة الوهمية على الواقع المحبط، كما قد يحمل الرغبة اللاواعية في العقاب كآلية للتكفير عن مشاعر ذنب مجهولة المصدر للمريض نفسه.
7. المكونات الأساسية والأبعاد السريرية
يقوم اضطراب هوس السرقة على بنية نفسية وسلوكية متعددة الأبعاد تشمل المحاور التالية:
- الفشل المتكرر في مقاومة الدافع: العجز العضال والمستمر عن كبح الإلحاح الداخلي للاستيلاء على المقتنيات، رغم معرفة الفرد بعواقبها الوخيمة ورغبته الصادقة في التوقف.
- التوتر التصاعدي الاستباقي: استثارة فسيولوجية ونفسية حادة تسبق الفعل، تتمثل في تسارع نبضات القلب، والقلق، والأرق، وتضيّق الانتباه بحيث لا يفكر الفرد إلا في تنفيذ السرقة.
- الإشباع والانفراج الوجداني اللحظي: الشعور الفوري بالارتياح واللذة أو خفض المعاناة النفسية أثناء ارتكاب الفعل أو بعده مباشرة، وهو ما يمثل نقطة التدعيم المركزي للسلوك.
- غياب الدوافع النفعية والانتقامية: تجريد السلوك من أي هدف مالي أو اجتماعي أو عدائي، وغياب أي تخطيط معقد لمسارات تصريف البضائع المسروقة أو تحقيق مكاسب تجارية.
- المعاناة والندم اللاحق: انهيار نفسي سريع يعقب الارتياح، يتميز بمشاعر العار العميق، ولوم النفس، والاكتئاب التفاعلي، والخوف المرضي من التداعيات الاجتماعية والقانونية.
- العزلة والسرية التامة: ارتكاب السلوك بصورة انفرادية حصرية، وتجنب مشاركة أي شريك، وإخفاء المقتنيات في أماكن نائية داخل المنزل حتى عن أقرب أفراد العائلة.
8. أمثلة وحالات سريرية توضيحية
تساعد النماذج السريرية في توضيح الحدود الفاصلة بين داء السرقة المرضي والسرقة الجنائية الاعتيادية، كما يظهر في الحالات التالية المستقاة من الواقع الإكلينيكي:
الحالة الأولى: سيدة في منتصف الأربعينيات (سارة): تعمل سارة في وظيفة إدارية مرموقة براتب ممتاز، وليس لديها أي سوابق جنائية أو حاجة مادية. أثناء تسوقها لشراء احتياجات منزلية، شعرت فجأة بموجة لا تُقاوم من الضيق والتوتر الداخلي وتسارع النبض وهي تقف بجوار قسم القرطاسية. ودون وعي أو تخطيط مسبق، امتدت يدها وأخذت ممحاة أطفال صغيرة رخيصة الثمن ووضعتها في حقيبتها، رغم أنها كانت تحمل في حقيبتها مئات الدولارات نقداً وبطاقات مصرفية. بمجرد خروجها من المتجر، شعرت براحة لحظية، لكنها سرعان ما انخرطت في نوبة بكاء مريرة ولوم لاذع لنفسها، وانتهى بها الأمر بإلقاء الممحاة في سلة المهملات على ناصية الشارع، محاصرة بالرعب من كاميرات المراقبة.
الحالة الثانية: طالب جامعي (خالد): عانى خالد منذ سن المراهقة من اضطراب الاكتئاب الجسيم المصحوب بالخواء العاطفي. كان يتردد بانتظام على المتاجر لسرقة أغراض تافهة كالبراغي الفولاذية الصغيرة أو أغطية العلب البلاستيكية التي لا فائدة منها إطلاقاً. بعد كل عملية سرقة ناجحة، كان يحتفظ بهذه الأغراض في صناديق كرتونية مخبأة تحت سريره دون أن يفتحها أبداً. تم توقيفه لاحقاً وهو يسرق علاقة مفاتيح رخيصة، وحين سأله المحققون عن دافعه لم يجد أي إجابة منطقية، وبدا عليه الذهول والاضطراب النفسي الشديد دون أن يحاول الدفاع عن نفسه أو اختلاق مبررات مادية، مما استدعى إحالته للفحص النفسي الجنائي.
9. القياس والتقييم السريري
يواجه التقييم والتشخيص السريري لهوس السرقة تحديات جمة، نظراً لأن المرضى نادراً ما يعترفون بسلوكهم طواعية خجلاً وخوفاً من التداعيات الجنائية، وغالباً ما يتم تقييمهم بعد إلقاء القبض عليهم أو بطلب من عائلاتهم. يستند التشخيص بالدرجة الأولى إلى المقابلات الإكلينيكية المعمقة ومطابقة المعايير الصادرة عن التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11) والدليل التشخيصي (DSM-5).
تتضمن أدوات التقييم المنهجية مقاييس متخصصة تم تطويرها لرصد شدة الاضطراب ومتابعة التقدم العلاجي، ومن أبرزها:
- مقياس ييل-براون للوسواس القهري المعدل لهوس السرقة (K-YBOCS): مقياس نصف منظم يقيم شدة الإلحاح والوقت المستغرق في التفكير في السرقة ومقدار المقاومة والضيق الناتج عنها.
- استبيان تقييم هوس السرقة (Kleptomania Assessment Questionnaire): أداة تقرير ذاتي تبحث في التاريخ السلوكي للسرقة والمحفزات الانفعالية المرتبطة بها.
- المقابلة الإكلينيكية المنظمة لاضطرابات التحكم في الاندفاع (SCI-ICD): مقابلة تشخيصية شاملة للتمييز بين هوس السرقة وبقية اضطرابات السيطرة كالقمار المرضي وهوس نتف الشعر.
يتطلب التقييم الشامل إجراء فحص طبي وعصبي دقيق، يشمل التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ وتخطيط الدماغ الكهربائي (EEG) لاستبعاد الأسباب العضوية المحتملة مثل أورام الفص الجبهي، أو إصابات الرأس الرضية، أو داء الخرف، بالإضافة إلى فحص الحالة النفسية الشامل لنفي نوبات الهوس في الاضطراب ثنائي القطب أو السلوك المضاد للمجتمع.
10. التطبيقات والأهمية السريرية والعملية
يكتسب تشخيص هوس السرقة أهمية بالغة في مفترق الطرق بين الطب النفسي والنظام القضائي؛ إذ يمثل هذا الاضطراب أحد المحاور المعقدة في الطب النفسي الشرعي لتقييم مدى الأهلية والمسؤولية الجنائية. فعلى الرغم من أن المصاب يعلم تماماً في المستوى الإدراكي أن فعل السرقة غير قانوني وخاطئ أخلاقياً، إلا أن قدرته الإرادية على الاختيار وكبح السلوك تكون مشلولة تحت وطأة الإلحاح النزوي العارم، مما يفتح نقاشات قانونية معقدة حول تخفيف العقوبة وإحالة المريض إلى برامج العلاج الإلزامي بدلاً من العقوبات السجنية العقيمة.
أما على الصعيد العلاجي الإكلينيكي، فإن المداخلات تتطلب خطة تكاملية تجمع بين العلاج الدوائي والنفسي:
- العلاج النفسي المعرفي السلوكي: يُعد المعيار الذهبي؛ ويتضمن تقنيات «إزالة التحسس المنهجي والتخيل المنفر»، و«منع الاستجابة والتعرض»، والتدريب على قلب العادة (Habit Reversal Training) لإكساب المريض مهارات بديلة للتعامل مع التوتر وتفكيك الأفكار المحفزة للسرقة.
- العلاج الدوائي: يُظهر استخدام مضادات مستقبلات الأفيون مثل النالتريكسون (Naltrexone) فاعلية بارزة في تقليل متعة ونشوة السرقة وتثبيط الإلحاح، كما تُستخدم مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs) بجرعات عالية لعلاج القلق والاكتئاب المصاحبين وتثبيت المزاج.
- العلاج الجماعي والدعم الأسري: تساهم مجموعات الدعم في كسر حلقة العزلة والوصمة، وتدريب الأسر على تفهم طبيعة الاضطراب كمرض نفسي وليس انحرافاً خلقياً، مما يمنع تفكك الروابط الأسرية.
11. الأبحاث والأدلة الإمبراطورية الحديثة
شهدت الأبحاث الإمبيريقية الحديثة قفزات نوعية في كشف اللثام عن الأسس العصبية لهذا الاضطراب. قاد الباحث جون غرانت (Jon E. Grant) وفريقه في جامعة شيكاغو العديد من التجارب السريرية الرائدة، والتي أثبتت فعالية عقار النالتريكسون في تعديل السلوك الاندفاعي لدى مرضى هوس السرقة عبر استهداف المستقبلات الأفيونية وتقليل الرغبة القهرية بنسب ذات دلالة إحصائية واضحة مقارنة بالعلاج الوهمي.
أظهرت دراسات التصوير العصبي الوظيفي (fMRI) التي قارنت بين مرضى هوس السرقة وأشخاص أصحاء وجود تراجع ملحوظ في المادة البيضاء الموصلة بين القشرة الجبهية الحجاجية والنواة المتكئة (Nucleus Accumbens)، مما يدل على وجود ضعف بنيوي في التواصل العصبي اللازم لممارسة الكبح الإرادي عند الاستثارة. كما رصدت دراسات علم الأوبئة النفسية أن أقارب الدرجة الأولى لمرضى هوس السرقة يسجلون معدلات مرتفعة للإصابة باضطرابات المزاج واضطرابات تعاطي المواد والإدمانات السلوكية، مما يرجح بقوة وجود قابلية جينية وراثية تشترك فيها هذه الاضطرابات ضمن طيف الاضطرابات الاندفاعية والقهرية.
12. الاعتبارات الثقافية والمجتمعية
تتباين مظاهر التعاطي مع هوس السرقة بشكل حاد بحسب السياق الثقافي والمجتمعي. ففي المجتمعات الغربية التي تتبنى فهماً طبياً نفسياً متقدماً، قد تتسامح الأنظمة القضائية بدرجات متفاوتة مع وجود تقارير نفسية تفيد بإصابة المتهم بهوس السرقة، مما يتيح استبدال العقوبات الجنائية بمتابعات علاجية تحت إشراف المحكمة، وتوفير برامج توعية للمتاجر الكبرى للتعامل مع هذه الفئة.
وعلى النقيض من ذلك، يعاني المرضى في العديد من المجتمعات النامية والمجتمعات المحافظة من وطأة الوصمة الاجتماعية الشديدة؛ إذ يُفسر السلوك غالباً بمنظور أخلاقي أو ديني حصري باعتباره خيانة للأمانة، أو ضعفاً في الوازع الديني، أو انحلالاً تربوياً. هذا الرفض الاجتماعي القاطع يدفع المصابين إلى ممارسة أقصى درجات التكتم والإنكار وتجنب طلب المساعدة الطبية بأي ثمن، مما يؤدي إلى تدهور حالتهم وتفاقم الاضطرابات الاكتئابية الثانوية، وقد يصل الأمر إلى إدانتهم قضائياً ونيلهم عقوبات مغلظة تسلبهم مستقبلهم دون أن يتلقوا العلاج المناسب الذي يقتضيه وضعهم الطبي.
13. الانتقادات والجدل العلمي والحدود المفاهيمية
يواجه تشخيص هوس السرقة عاصفة من التشكيك والجدل المستمر منذ ولادته ككيان مرضي؛ إذ يرى بعض علماء الجريمة والباحثين المتشككين أن هذا المصطلح ليس سوى ذريعة طبية وحيلة دفاعية لتبرير سلوك غير قانوني للأثرياء وذوي النفوذ الاجتماعي الذين يقعون في قبضة العدالة، مستشهدين بصعوبة إثبات وجود «الدافع اللاإرادي» بطرق بيولوجية قطعية لا تقبل الشك والتزييف.
كما يدور جدل تصنيفي محتدم بين المدارس النفسية حول الموضع الأدق للاضطراب: هل ينتمي هوس السرقة بحق إلى فئة اضطرابات التحكم في الاندفاع، أم أنه مجرد نمط ظاهري ضمن اضطراب الوسواس القهري (OCD) نظراً لتطابق دورة التوتر والراحة؟ أم أنه ينبغي أن يُصنف صراحة بوصفه «إدماناً سلوكياً» كاملاً مثل القمار القهري وإدمان الشاشات؟ تظل هذه التساؤلات بلا حسم مطلق، وتغذي باستمرار التعديلات والمراجعات في الأدلة التشخيصية العالمية.
14. المصطلحات ذات الصلة والفروق الجوهرية
يتطلب الفهم الدقيق لهذا الاضطراب رسم حدود فارقة بينه وبين المفاهيم والأنماط السلوكية التي قد تتشابه معه ظاهرياً:
- السرقة الجنائية الاعتيادية (Criminal Shoplifting): سرقة مدفوعة بدافع الربح المالي الشخصي أو الاستهلاك النفعي أو الحاجة الاقتصادية، وتتضمن تخطيطاً مسبقاً وسعياً مقصوداً للإفلات من العقاب، دون وجود توتر مرضي أو ندم قاهر.
- اضطراب السلوك واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع (Antisocial Personality Disorder): تتسم السرقة هنا بكونها جزءاً من نمط عام وشامل لانتهاك حقوق الآخرين وتخريب ممتلكاتهم دون أي اكتراث أخلاقي أو شعور بالذنب، وتفتقر إلى الدورة النوعية للتوتر والنشوة والندم.
- نوبات الهوس (Bipolar Manic Episodes): قد يُقدم مريض الهوس على أخذ أشياء دون دفع ثمنها، لكن هذا التصرف ينتج عن تضخم الذات والأوهام العظمية والتصرفات الهائجة غير المنظمة، ولا يمثل دافعاً معزولاً لسرقة أشياء محددة.
- اضطراب الوسواس القهري (OCD): على الرغم من التشابه في عنصر القهرية، إلا أن أفعال الوسواس القهري تهدف حصرياً لتخفيف الخوف من كارثة متوقعة (كالعدوى أو الموت) ولا يصاحبها أي شعور بالمتعة أو النشوة على عكس هوس السرقة.
- التمارض والتصنع (Malingering): ادعاء أعراض هوس السرقة عمداً وبطريقة احتيالية من قبل مجرمين حقيقيين بهدف الإفلات من الملاحقة الجنائية والحصول على إعفاء قضائي.
15. خلاصة القول والرسائل الأساسية
يمثل هوس السرقة اضطراباً نفسياً حقيقياً ومعقداً يتجاوز كل المفاهيم الخاطئة التي تحصره في خانة الطمع أو السقوط الأخلاقي؛ فهو يجسد صراعاً مأساوياً يخوضه الفرد مع كيمياء دماغه وإلحاحه الداخلي الذي يسلب منه إرادته وقدرته على الضبط الذاتي. إن التمييز الدقيق بين المريض النفسي والمجرم المنفعي هو حجر الزاوية في بناء منظومة قضائية وصحية عادلة قادرة على تقديم العلاج الممنهج بدلاً من العقاب غير المجدي، وإنقاذ هؤلاء الأفراد من أسوار العزلة والخزي القاتل وإعادتهم إلى مسار التوازن الحياتي الطبيعي.
المراجع
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
- Grant, J. E. (2006). Understanding and treating kleptomania: New models and emerging treatments. Psychiatric Times, 23(3), 32–36.
- Grant, J. E., & Odlaug, B. L. (2008). Kleptomania: Clinical characteristics and treatment. Revista Brasileira de Psiquiatria, 30(Suppl 1), S11–S15. https://doi.org/10.1590/s1516-44462008000500003
- Grant, J. E., Potenza, M. N., & Odlaug, B. L. (2009). Kleptomania: Recent advances in neurobiology and pharmacological management. CNS Drugs, 23(8), 623–632. https://doi.org/10.2165/00023210-200923080-00001
- World Health Organization. (2019). International statistical classification of diseases and related health problems (11th ed.). World Health Organization. https://icd.who.int/