تُعد نظرية العجز المكتسب واحدة من أبرز النظريات التفسيرية في علم النفس الإكلينيكي والمعرفي، حيث تقدم إطاراً علمياً دقيقاً لكيفية تشكّل مشاعر اليأس وفقدان السيطرة لدى الكائنات الحية عند مواجهة ضغوط بيئية قاهرة ومستمرة. يسلط هذا المدخل الموسوعي الضوء على الجذور النظرية، والتطورات المعرفية، والتطبيقات العلاجية التي جعلت من هذه النظرية ركيزة أساسية لفهم مسببات الاكتئاب وتدهور الدافعية البشرية.
نظرية العجز المكتسب (Helplessness Theory)
1. التعريف الدقيق والموجز
تُعرّف نظرية العجز المكتسب (Learned Helplessness Theory) بأنها نموذج نفسي يُفسر الحالة السلوكية والمعرفية التي يستنتج فيها الفرد أو الكائن الحي، نتيجة تعرضه المتكرر لظروف ومثيرات مؤلمة لا يمكن التحكم فيها أو تجنبها، أن أفعاله واستجاباته المستقبلية لن تحدث أي فارق في تغيير النتائج أو إيقاف الألم. يترتب على هذا الاستنتاج كف تدريجي عن المبادرة، واستسلام سلبي، وتراجع ملحوظ في السلوك الهادف حتى في المواقف التي تتاح فيها إمكانية حقيقية للسيطرة وتجنب الأذى.
يتجاوز العجز مجرد كونه رد فعل لحظي للإحباط، بل يتحول إلى نمط راسخ من التكيف غير الفعال يشمل ثلاثة أبعاد أساسية: تدهور دافعي يتمثل في انخفاض المبادرة السلوكية، وقصور معرفي يتجلى في صعوبة إدراك وتعلّم الروابط السببية بين الفعل والنتيجة، واضطراب وجداني يقود في نهاية المطاف إلى مشاعر الكآبة واليأس وانعدام القيمة. وعندما يترسخ هذا النمط، فإنه يُحدث شللاً واسعاً في منظومة التكيف النفسي للفرد، مما يجعله عاجزاً عن استغلال الفرص البديلة للنجاة أو التحسين.
2. التأصيل اللغوي والاشتقاقي
يعود الأصل اللغوي لمصطلح “العجز المكتسب” في الإنجليزية (Learned Helplessness) إلى الجمع بين مفهومين: الأول هو الاكتساب أو التعلّم (Learning)، والذي يشير في السياق السلوكي إلى التغير شبه الدائم في السلوك الناتج عن الخبرة التفاعلية مع البيئة، والثاني هو انعدام الحيلة أو الضعف (Helplessness)، المشتق من انعدام العون أو القدرة الذاتية على درء الضرر. أما في اللغة العربية، فيشتق لفظ “العجز” من الجذر (ع-ج-ز)، ويدل في معجم مقاييس اللغة ولسان العرب على القصور عن فعل الشيء أو الضعف وتأخر القدرة، ونقيضه الحزم والاقتدار.
أما وصفه بـ “المكتسب” فهو تمييز دقيق يفيد بأن هذا العجز ليس عيباً بنيوياً أو جينياً أصيلاً يولد به الكائن، وإنما هو نتاج سياقات اشتراطية وتجارب بيئية متكررة لقنت الفرد بأن جهوده غير ذات جدوى. وقد دخل هذا المصطلح إلى الأدبيات النفسية الرسمية في أواخر ستينيات القرن العشرين من خلال أبحاث المدرسة السلوكية التجريبية قبل أن يستقر في القواميس الأكاديمية للمنظمات العلمية، مثل الجمعية الأمريكية لعلم النفس، كبناء نظري محوري في دراسة السلوك التكيفي واضطرابات المزاج.
3. النطق والصيغة الصرفية
يُنطق المصطلح في اللغة العربية بكسر النون وفتح الظاء: نَظَرِيَّةُ العَجْزِ المُكْتَسَب (Naẓariyyat al-ʿajz al-muktasab). من الناحية الصرفية، تُعد كلمة “نَظَرِيَّة” اسماً منسوباً إلى النظر للدلالة على البناء الفكري أو التصور العقلي المجرد، بينما يمثل “العَجْز” مصدراً سماعياً للفعل الثلاثي (عَجَزَ يَعْجِزُ)، وهو مضاف، وكلمة “المُكْتَسَب” نعت تابع له بصيغة اسم المفعول من الفعل الخماسي المزيد (اِكْتَسَبَ)، مما يعزز دلالة وقوع فعل الاكتساب والتعلّم من البيئة الخارجية على الكائن الحي.
في الاستخدام الأكاديمي، يُعامل التعبير كمركب إضافي وصفي في موقع المبتدأ أو الخبر أو المفعول به حسب السياق الإعرابي. وتشمل الصيغ المقبولة والمترادفة في بعض المعاجم العربية مصطلحات مثل: “نظرية قلة الحيلة المكتسبة”، أو “العجز المتعلَّم”، إلا أن مصطلح “العجز المكتسب” يظل هو الأكثر شيوعاً وتوافقاً عليه بين المتخصصين في الجامعات والمراكز البحثية العربية المعاصرة.
4. الشرح المفاهيمي التفصيلي
تقوم نظرية العجز المكتسب على فرضية مفصلية مفادها أن الكائن الحي لا يتعلّم فقط الاستجابات السلوكية البسيطة في بيئته، بل يتعلّم أيضاً “العلاقة الاحتمالية” بين أفعاله والنتائج المترتبة عليها. فعندما تنعدم العلاقة بين السلوك والمكافأة أو العقاب، أي عندما تصبح البيئة غير متوقعة وقاهرة بحيث تحدث النتائج السيئة باستمرار بغض النظر عما يفعله الكائن، يتولد لدى الكائن ما يُعرف بـ “توقع غياب السيطرة” (Expectation of Non-Contingency). هذا التوقع المعرفي بأن النتيجة مستقلة تماماً عن الاستجابة هو النواة المركزية التي تفسر لماذا يستسلم الأفراد ويتوقفون عن المحاولة.
يمتد نطاق هذا المفهوم ليشمل ثلاث مراحل متتالية تبدأ من التجربة الموضوعية ثم تنتقل إلى البناء المعرفي الذاتي وتنتهي بالتبعات السلوكية والانفعالية. في المرحلة الأولى، يواجه الفرد تجربة انعدام التحكم الموضوعي؛ وفي الثانية، يعالج الفرد هذه التجربة معرفياً ويستخلص منها قاعدة ذهنية تفيد بأن الأحداث المستقبلية ستكون أيضاً خارج نطاق سيطرته. وفي المرحلة الثالثة، يتم تعميم هذا التوقع على مواقف جديدة ومختلفة تماماً، حتى لو كانت تلك المواقف الجديدة قابلة للتحكم والسيطرة بالكامل، مما يخلق عجزاً سلوكياً عاماً يمنع استكشاف الإمكانات والحلول المتاحة.
تحدد حدود هذه النظرية بدقة الفارق بين عدم القدرة الفسيولوجية الموضوعية وبين العجز النفسي؛ فالأفراد الواقعون تحت تأثير العجز المكتسب يمتلكون بالفعل القدرات الجسدية والعقلية الكافية لتجنب الصدمات أو حل المشكلات، إلا أن المنظومة المعرفية المثبطة تحول دون تشغيل تلك القدرات. من هنا، فإن العجز المكتسب يمثل معضلة إدراكية بالأساس، حيث يتحول الاعتقاد بالعجز إلى نبوءة ذاتية التحقق تجعل الفرد أسيراً لخبراته المؤلمة السابقة ومكبلاً عن اتخاذ القرارات المصيرية في بيئته الحالية.
5. التطور التاريخي للنظرية
تعود جذور النظرية إلى عام 1967 في مختبرات جامعة بنسلفانيا، حيث كان الباحثان الشابان مارتن سيليجمان وستيفن ماير، بإشراف ريتشارد سولومون، يجرون تجارب في إطار الاشراط الكلاسيكي والاشتراط الإجرائي على الكلاب. وضعت التجربة الشهيرة ثلاث مجموعات من الكلاب في صندوق قفصي خاص (Shuttle Box): المجموعة الأولى تعرضت لصدمات كهربائية غير مؤذية جسدياً ولكنها قادرة على إيقافها بالضغط على لوحة أمامها (مجموعة التحكم)، والمجموعة الثانية تعرضت لنفس الصدمات ولكنها مقترنة بسلوك المجموعة الأولى بحيث لا تملك أي وسيلة ذاتية لإيقاف الصدمة (مجموعة العجز)، والمجموعة الثالثة لم تتلق صدمات (المجموعة الضابطة).
كانت النتيجة المذهلة التي غيرت مسار علم النفس هي أنه عند نقل الكلاب إلى صندوق مزدوج يتيح لها الهروب بسهولة من الصدمة بمجرد القفز فوق حاجز منخفض، قامت كلاب المجموعتين الأولى والثالثة بالقفز سريعاً لتفادي الصدمة، في حين جلبت كلاب المجموعة الثانية الاستسلام السلبي؛ حيث تمددت على الأرض وبدأت بالأنين مستسلمة للصدمات دون أي محاولة للقفز عبر الحاجز، على الرغم من أن الهروب كان في غاية السهولة. قاد هذا الاكتشاف التجريبي سيليجمان وماير إلى صياغة مفهوم “العجز المكتسب” في بحث تاريخي عام 1967.
في أواخر سبعينيات القرن العشرين، واجهت النظرية السلوكية الأولية انتقادات لعدم قدرتها على تفسير التباين بين البشر؛ إذ لا يُصاب جميع الناس بالعجز بنفس الدرجة عند تعرضهم لنفس المواقف غير القابلة للتحكم. قاد هذا التحدي الباحثة لين أبرامسون بالتعاون مع مارتن سيليجمان وجون تيسدال في عام 1978 إلى طرح “النظرية المعدلة للعجز المكتسب” (Reformulated Learned Helplessness Theory)، والتي أدخلت نموذج العزو المعرفي المفسر لكيفية تفسير البشر لأسباب فشلهم. لاحقاً في عام 1989، طور هؤلاء الباحثون النظرية إلى ما عُرف بـ “نظرية اليأس للاكتئاب” (Hopelessness Theory of Depression)، مما رسخ البعد المعرفي كعنصر حاسم في فهم هذه الظاهرة.
6. الأسس والأطر النظرية
تستند نظرية العجز المكتسب المعاصرة إلى نسيج تكاملي يجمع بين النماذج السلوكية والمعرفية والعصبية. من الناحية السلوكية، تتأسس النظرية على افتراضات علم النفس التجريبي التي تؤكد أن التعلم لا يقتصر على الارتباطات البسيطة بين المثير والاستجابة، بل يعتمد على إدراك درجات الاحتمالية الشرطية بين السلوك والنتائج البيئية. وحين تنخفض درجة الاحتمالية إلى الصفر، يتوقف السلوك البحثي تلقائياً وفق مبادئ الانطفاء السلوكي.
من الناحية المعرفية، تعتمد النظرية المعدلة بشكل جوهري على نظرية العزو السببي (Attribution Theory) التي أرساها فريتز هايدر وبرنارد وينر. يفترض هذا الإطار أن استجابة الإنسان للمواقف الخارجة عن السيطرة تتحدد بناءً على طبيعة التفسيرات التي يقدمها لنفسه حول سبب حدوث الموقف؛ فإذا عزا الفرد الفشل إلى أسباب داخلية، وثابتة عبر الزمن، وشاملة لجميع مجالات الحياة، فإن هذا التفسير المعرفي يولد حالة حادة من العجز وانخفاض تقدير الذات واليأس السريري.
على الصعيد البيولوجي والعصبي، كشفت الأبحاث الحديثة التي قادها ستيفن ماير في مطلع الألفية الجديدة أن الاستجابة السلبية للعجز ليست في الحقيقة سلوكاً متعلّماً بالمعنى التقليدي، بل هي رد الفعل الافتراضي التلقائي للجهاز العصبي في الدماغ عند مواجهة الضغوط الشديدة. ينشط هذا الرد التلقائي عبر نوى الرفاء الظهرية (Dorsal Raphe Nuclei) وإفراز السيروتونين المفرط، في حين أن ما يُتعلَّم فعلياً عبر الخبرة هو “السيطرة والتحكم”، والتي تتوسطها مسارات التثبيط القادمة من قشرة الفص الجبهي البطنية الإنسية. هذا التحول النظري العصبي بيّن أن السيطرة هي التي تتطلب تعلماً نشطاً لتجاوز الاستسلام الفطري الأولي.
7. الأبعاد والأنماط التفسيرية للعجز المكتسب
يتشكل العجز المكتسب في صيغته الإنسانية المتقدمة من خلال تفاعل ثلاثة أبعاد سببية تُعرف بنمط العزو (Explanatory Style)، وتحدد هذه الأبعاد مدى عمق واستمرارية مشاعر العجز لدى الفرد:
- البعد الداخلي مقابل الخارجي (Internal vs. External Dimension): يحدد هذا البعد موضع اللوم؛ حيث يعتقد الشخص ذو العزو الداخلي أن سبب الفشل يكمن في عيوبه الذاتية (مثل: “أنا غبي” أو “أنا فاشل”)، مما يؤدي إلى تدمير تقدير الذات والشعور بالذنب، في حين يعزو الشخص الخارجي السبب لظروف البيئة أو الحظ (مثل: “كان الاختبار صعباً للغاية”).
- البعد الثابت مقابل غير الثابت (Stable vs. Unstable Dimension): يتعلق هذا البعد بالاستمرارية الزمنية للسبب؛ فالشخص الذي يرى أن سبب إخفاقه ناتج عن سمة دائمة لا تتغير (مثل: “لن أتمكن أبداً من تعلم الرياضيات”) يعاني من عجز طويل الأمد، مقارنة بمن يعزوه لسبب مؤقت قابل للتغيير (مثل: “لم أستعد جيداً هذا المساء”).
- البعد الشامل مقابل الخاص (Global vs. Specific Dimension): يرتبط بمدى تعميم الفشل على كافة مناحي الحياة؛ فالشخص الذي يرى الفشل شاملاً يعتقد أن إخفاقه في علاقة عاطفية يعني بالضرورة أنه إنسان فاشل في عمله وصداقاته وحياته برمتها، في حين يحصر صاحب العزو الخاص المشكلة في حدودها الواقعية فقط.
- العجز الشخصي مقابل العجز الشامل (Personal vs. Universal Helplessness): يتمثل العجز الشخصي في اعتقاد الفرد بأن أحداً سواه كان بإمكانه النجاح في هذا الموقف لكنه هو تحديداً من يفتقر للقدرة، بينما يرى في العجز الشامل أن الموقف خارج عن سيطرة أي إنسان على الإطلاق، ولكل منهما تأثيرات انفعالية متباينة على الشعور بالنقص.
8. أمثلة وحالات تطبيقية واقعية
تتعدد صور العجز المكتسب وتتضح في العديد من السياقات الاجتماعية والتعليمية والصحية. من أوضح هذه الحالات ما نشاهده في السياق المدرسي لدى طالب يعاني من صعوبات في تعلم مادة علمية كالفيزياء؛ فبعد محاولات مستمرة للتحصيل مصحوبة بالحصول على درجات متدنية وسماع انتقادات لاذعة من المعلمين أو الأسرة، يستنتج الطالب أنه يفتقر تماماً للموهبة العقلية، فيتوقف كلياً عن المذاكرة وحل الواجبات، ويستسلم للرسوب حتى لو قام معلم جديد بتبسيط المنهج وتقديم دعم إضافي يتيح له النجاح بسهولة.
وفي سياق العلاقات الإنسانية المؤذية، تُفسر النظرية جانباً مهماً من سلوك ضحايا العنف المنزلي؛ حيث تتعرض الضحية لسنوات من السيطرة والإساءة المتقطعة وغير المتوقعة، ويفشل كل تصرف دفاعي أو سلمي في حمايتها من بطش الطرف المسيء. يؤدي هذا النمط إلى رسوخ قناعة تامة بأن أي محاولة للهرب أو الاستقلال مصيرها الفشل والانتقام الأشد، مما يفسر بقاء الضحايا في تلك البيئات المدمرة حتى عند توفر ملاذات آمنة وفرص حقيقية للنجاة خارج تلك العلاقة.
أما في بيئة العمل والمنظمات، فيظهر العجز المكتسب لدى موظف مجتهد يقدم أفكاراً ومقترحات تطويرية متكررة لإدارته، فيقابل دائماً بالتجاهل أو التوبيخ أو العقاب الإداري التعسفي. مع مرور الوقت، يتوقف الموظف عن إبداء أي رأي، ويقتصر على أداء الحد الأدنى المطلوب بروح انهزامية ودافعية متدنية، وتتحول هذه الحالة إلى جمود تنظيمي شامل يقتل روح الابتكار والمبادرة لدى فرق العمل في المؤسسات البيروقراطية المقيدة.
9. القياس والتقييم النفسي
يتطلب تقييم العجز المكتسب فحص الأبعاد المعرفية والوجدانية والسلوكية المسؤولة عن تشكله، ولا سيما نمط العزو وتوقعات التحكم. تُستخدم في هذا السياق مجموعة من المقاييس السيكومترية المقننة التي تتمتع بدرجات عالية من الصدق والثبات:
من أشهر هذه الأدوات “استبيان نمط العزو” (Attributional Style Questionnaire – ASQ) الذي طوره بيترسون وسيليجمان وزملاؤهما، وهو مقياس يقدم مواقف افتراضية سلبية وإيجابية، ويطلب من المفحوص كتابة السبب الرئيسي لكل حدث وتصنيفه عبر مقاييس متدرجة تعكس الأبعاد الثلاثة: الداخلية، والاستقرار، والشمولية. يُستخدم هذا المقياس على نطاق واسع في التنبؤ بالقابلية للإصابة بنوبات الاكتئاب.
كما يُستخدم “مقياس اليأس” لبيك (Beck Hopelessness Scale – BHS)، والذي صممه رائد العلاج المعرفي السلوكي آرون بيك، لقياس المدى الذي يتبنى فيه الفرد توقعات سلبية حول مستقبله وعجزه عن تحقيق أهدافه، وتُعد درجاته مؤشراً سريرياً حاسماً لتقييم مخاطر السلوك الانتحاري. بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم مقاييس موضع الضبط (Locus of Control) لروتر لتقييم ما إذا كان الفرد يعتقد عموماً أن مجريات حياته خاضعة لإرادته الذاتية أم لقوى خارجية حتمية لا يد له فيها.
10. التطبيقات والأهمية العملية
تمتلك نظرية العجز المكتسب قيمة تطبيقية استثنائية في مجالات علم النفس الإكلينيكي والعلاج النفسي. تُعد النظرية من الركائز التي قام عليها العلاج المعرفي السلوكي للاكتئاب؛ حيث يعمل المعالجون على استهداف الأنماط التفسيرية التشاؤمية عبر إعادة الهيكلة المعرفية (Cognitive Restructuring)، ومساعدة المرضى على التمييز بين المواقف التي لا يمكن التحكم بها وتلك التي تقع في دائرة تأثيرهم، بجانب تقنية التنشيط السلوكي (Behavioral Activation) التي تكسر حلقة الخمول عبر مراكمة إنجازات صغيرة ومتتالية تعيد الثقة في الكفاءة الذاتية.
في الحقل التربوي والتعليمي، كان للنظرية الفضل في صياغة استراتيجيات تدريس حديثة تركز على تدريب الطلاب على العزو التكيفي الإيجابي؛ بحيث يتعلم المتعلم إرجاع الفشل إلى نقص الجهد أو ضعف الاستراتيجية الدراسية المستخدمة وليس إلى نقص الذكاء الفطري الملازم له. يتقاطع هذا التطبيق بعمق مع أبحاث كارول دويك حول “عقلية النمو” (Growth Mindset)، والتي تحفز المرونة النفسية وتمنع تشكل العجز الأكاديمي.
كذلك أحدثت النظرية تحولاً جذرياً في مسار علم النفس العام؛ إذ كانت الأرضية الخصبة التي قادت مارتن سيليجمان لاحقاً في أواخر التسعينيات لتأسيس حركة علم النفس الإيجابي (Positive Psychology) ونظرية “التفاؤل المكتسب” (Learned Optimism). ركز هذا الاتجاه الجديد على دراسة وتحفيز مكامن القوة الإنسانية، وتدريب الأفراد على بناء مناعة نفسية تحميهم من الاستسلام للضغوط وتحول التحديات إلى فرص للنمو.
11. الأبحاث والأدلة التجريبية
حظيت النظرية بتأييد تجريبي واسع عبر مئات الدراسات المخبرية والميدانية الممتدة لعقود. في التجارب البشرية المبكرة التي قادها دونالد هيروتو عام 1974، جرى تعريض المشاركين لضوضاء صاخبة ومنفرة، ووُجد أن الأفراد الذين لم تكن لديهم وسيلة لإيقاف الضوضاء فشلوا لاحقاً في تجنب الصوت المزعج في مهمة يدوية بسيطة، مؤكدين بذلك انتقال تأثير العجز وتعممه على استجابات جديدة لدى البشر تماماً كما ظهر في النماذج الحيوانية.
وفي دراسة طولية كلاسيكية شهيرة أجراها بيترسون وسيليجمان على عينات طلابية ورياضية، تبيّن أن الأفراد الذين يتسمون بنمط عزو تشاؤمي (داخلي، مستقر، شامل للأحداث السيئة) يعانون بمعدلات أعلى بكثير من انخفاض التحصيل الدراسي وتراجع الأداء الرياضي تحت الضغط، وكانوا أكثر عرضة للإصابة بنوبات الاكتئاب السريري عند مواجهة الصدمات الحياتية مقارنة بأقرانهم الذين تبنوا نمطاً تفاؤلياً.
على المستوى الطبي العصبي، أثبتت الدراسات المعاصرة التي استعانت بتقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن تجارب العجز ترتبط بانخفاض الاتصال الوظيفي في الدوائر العصبية المسؤولة عن المكافأة والمبادرة في الدماغ، مثل الجسم المخطط وقشرة الفص الجبهي، مما يثبت بيولوجياً أن القناعة بعدم جدوى الفعل تؤثر بشكل ملموس في كيمياء الدماغ وبنيته الوظيفية النشطة.
12. الاعتبارات الثقافية والعابرة للثقافات
تتأثر تعبيرات العجز المكتسب بدرجة كبيرة بالخلفية الثقافية للمجتمعات وسياقاتها المعيارية. ففي المجتمعات الفردية الغربية، التي تُمجد الاستقلالية والمبادرة الشخصية والمسؤولية الفردية الكاملة عن النجاح والفشل، يميل الأفراد عند التعرض للعجز إلى لوم الذات وتوجيه العزو داخلياً بشكل حاد، مما يرتبط غالباً بارتفاع معدلات الاكتئاب وتدهور حاد في احترام الذات وتقديرها.
في المقابل، تتميز المجتمعات الجمعية، كتلك الموجودة في العديد من الثقافات العربية والآسيوية، بمنظور مختلف للسيطرة والوكالة السلوكية؛ حيث تشيع مفاهيم السيطرة الثانوية (Secondary Control) كالتكيف والرضا ومواءمة الذات مع الظروف البيئية والاجتماعية القاهرة بدلاً من مجابهتها مباشرة. قد يُفسر القبول الظاهري لبعض الوقائع في هذه الثقافات خطأً على أنه عجز مكتسب سلبي، بينما يمثل في واقعه استراتيجية تكيف دينية أو ثقافية هادفة تحافظ على السلامة النفسية والتماسك الاجتماعي في وجه الأزمات التي تفوق قدرة الفرد.
13. الانتقادات والمناقشات العلمية والحدود
على الرغم من المكانة العلمية الرفيعة للنظرية، فقد وُجهت إليها انتقادات علمية متعددة عبر مراحل تطورها. من أبرز تلك المآخذ الأخلاقية والمنهجية استخدام نماذج الصدمات الكهربائية على الحيوانات في الصيغة الأولية للنظرية، فضلاً عن القصور في مراعاة التعقيد الفريد للإدراك الإنساني ولغته ورموزه، وهو ما حتم تعديل النظرية لاحقاً لإدخال المتغيرات المعرفية والعزوية المعقدة.
كما أشار بعض علماء النفس النقدي والاجتماعي إلى أن الإفراط في التركيز على البناء النفسي الداخلي للعجز المكتسب قد يقع في فخ “لوم الضحية”، من خلال تصوير الأفراد الخاضعين لظلم اجتماعي أو فقر مدقع أو قمع سياسي بأنهم يعانون من خلل في نمط تفكيرهم وقناعاتهم الذاتية، متجاهلين حقيقة أن عجزهم في كثير من الأحيان هو استجابة واقعية وعقلانية تماماً لبيئات قاهرة تحرمهم فعلياً وموضوعياً من أي فرصة حقيقية للتغيير أو التأثير.
إضافة إلى ذلك، فإن النظرية لم تنجح بصورة تامة في شرح ظاهرة “مقاومة العجز”؛ إذ تُظهر الأبحاث أن نسبة ملحوظة من الكائنات الحية والبشر لا يستسلمون ولا يُصابون بالعجز إطلاقاً على الرغم من تعرضهم لضغوط غير قابلة للتحكم، مما استدعى تكثيف البحث في آليات المرونة النفسية (Resilience) والجينات والعوامل العصبية المانعة لتعلم الاستسلام.
14. المصطلحات المتداخلة والفروق التمييزية
تتقاطع نظرية العجز المكتسب مع العديد من المفاهيم في الأدبيات النفسية، ويقتضي التحديد العلمي توضيح الفروق الدقيقة بينها:
- الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy): يُعنى هذا المفهوم (الذي صاغه ألبرت باندورا) بإيمان الفرد بقدرته على تنفيذ سلوك معين بنجاح، بينما يركز العجز المكتسب على الاعتقاد بأن السلوك ذاته — بصرف النظر عن جودة تنفيذه — لن يؤدي إلى النتيجة المطلوبة في البيئة.
- موضع الضبط (Locus of Control): يمثل موضع الضبط (وفق جوليان روتر) سمة شخصية عامة ومستقرة تركز على مكان توجيه أسباب الأحداث (داخل الذات أم خارجها)، في حين يمثل العجز المكتسب حالة نفسية ونمطاً معرفياً مشروطاً ينشأ نتيجة خبرات تعلّم محددة من انعدام السيطرة.
- الاكتئاب السريري (Clinical Depression): العجز المكتسب ونمط اليأس يُعدان نموذجاً مسبباً أو آلية معرفية تفسر نشأة بعض أنواع الاكتئاب التفاعلي، لكن الاكتئاب في حد ذاته متلازمة إكلينيكية واسعة تضم أعراضاً فسيولوجية وجسدية وعاطفية تتجاوز مجرد فكرة غياب التحكم.
- الاحتراق النفسي (Burnout): حالة من الإجهاد الجسدي والانفعالي وتراجع الإنجاز تنشأ عن ضغوط العمل المزمنة، وتعد مشاعر العجز أحد مظاهرها المتقدمة وليست مرادفاً كلياً لها.
15. خلاصة وموجهات ختامية
تظل نظرية العجز المكتسب واحدة من أهم النماذج التي ساهمت في تفسير السلوك الإنساني في مواجهة القيود والشدائد. توضح النظرية بجلاء كيف يمكن للتجارب المؤلمة غير الخاضعة للسيطرة أن تشكل منظومة قناعات سالبة تكبل إرادة الفرد وتقوده إلى الاستسلام الطوعي، عبر نمط تفسيري تشاؤمي يرى أسباب الإخفاق داخلية ودائمة وشاملة لكل مناحي الحياة.
ومع ذلك، فإن الإشراقة الأهم لهذه النظرية في مسار تطورها المعاصر تكمن في الجانب المقابل: فكما أن العجز والتثبيط يُكتسبان ويُتعلمان من البيئة، فإن الأمل والسيطرة والتفاؤل هي أيضاً مهارات واستراتيجيات معرفية يمكن للفرد اكتسابها وإعادة تعلمها. يشكل هذا الفهم حجر الزاوية في ممارسات الدعم النفسي الحديثة التي تهدف إلى تحرير طاقات الإنسان الكامنة وإعادة بناء قدرته على المبادرة وتوجيه مصيره في بيئته ومجتمعه.
المراجع
- Abramson, L. Y., Seligman, M. E., & Teasdale, J. D. (1978). Learned helplessness in humans: Critique and reformulation. Journal of Abnormal Psychology, 87(1), 49–74. https://doi.org/10.1037/0021-843X.87.1.49
- Maier, S. F., & Seligman, M. E. (2016). Learned helplessness at fifty: Insights from neuroscience. Psychological Review, 123(4), 349–367. https://doi.org/10.1037/rev0000033
- Peterson, C., & Seligman, M. E. (1984). Causal explanations as a risk factor for depression: Theory and evidence. Psychological Review, 91(3), 347–374. https://doi.org/10.1037/0033-295X.91.3.347
- Seligman, M. E., & Maier, S. F. (1967). Failure to escape traumatic shock. Journal of Experimental Psychology, 74(1), 1–9. https://doi.org/10.1037/h0024514