في سياق العلاقات الأسرية، يُفترض أن يمثل الدفء الأبوي ملاذاً آمناً للأبناء، غير أن ورقة بحثية جديدة نشرها الباحث ماكسيميليان هايلر عبر منصة “زينودو” التابعة للمنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN)، قدمت مفهوماً علمياً غير مألوف يكشف كيف يمكن لبعض اليافعين أن يختبروا حنان الوالدين ورعايتهما كتهديد مباشر؛ وهو ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم جذور التمرد والاضطرابات السلوكية المرتبطة بتلك المرحلة العمرية الحساسة.
حين يتحول الأمان الأسري إلى مصدر خطر
طوّرت الدراسة مفهوماً تحليلياً جديداً يُعرف بـ”النفور من الأمان العاطفي للوالدين”، وهو نمط علائقي تصبح فيه مشاعر القرب والمواساة، وحتى الحدود التربوية الحريصة، بمثابة تجربة مُهددة، مهينة، أو محاولة للسيطرة المرفوضة من قِبل الأبناء. وبدلاً من أن يشكّل الاستقرار العاطفي منبعاً للدعم، يُقابل بالارتياب والرفض التام.
ويشدد الباحث على ضرورة التمييز الحاسم بين هذا النمط وبين الرغبة الطبيعية في الاستقلال خلال مرحلة المراهقة؛ فالانفصال الصحي لا يعني بالضرورة تدمير الروابط الأسرية. وفي المقابل، يُنظر إلى هذا النفور بوصفه “سوء ترميز بنيوي” للأمان ذاته، حيث يتحول الشعور بالحماية إلى استجابة 불신 مبرمجة ومتعلمة، وليس مجرد صراع مرحلي عابر أو خلل وظيفي داخل شخصية المراهق وحدها.
الديناميات النفسية: دفاع متناقض ضد الضعف
تفسر الورقة هذا النفور بوصفه حركة دفاعية متناقضة تخدم هدفاً نفسياً معقداً؛ إذ يرمي اليافع من خلالها إلى حماية نفسه من الاعتراف بالحاجة للآخرين والاعتماد العاطفي عليهم، تفادياً لخوض مشاعر العجز أو الخزي التي يثيرها القرب. فالاقتراب من الوالدين يُعيد، دون قصد، إحياء تجارب ضعف يخشى المراهق استسلامه لها، وذلك وفق تحليل مستمد من مبادئ الديناميكية النفسية.
واستناداً إلى أطر نظرية التعلق، يُظهر النموذج كيف تسهم أنماط التعلق غير المنظم والخبرات المربكة في جعل مشاعر اللطف والأمان محفزات لاستجابات عقابية أو هجومية، حيث يخلط اليافع بين دفء المشاعر وبين التعرض لخطر الاستغلال أو فقدان الذات، مما يدفعه إلى استباق الموقف بسلوك عدائي منظم.
البحث عن أمان بديل ومخاطر السلوك الجانح
يقود هذا العزوف عن العاطفة الأسرية المراهقين إلى البحث عن “أمان بديل”، يجدونه غالباً في جماعات الأقران المنحرفة أو المعادية للمجتمع. وتكمن المشكلة في أن الأصدقاء في هذه الحالة لا يؤدون دورهم المعتاد كعنصر مكمل للحياة الأسرية، بل يصبحون بديلاً وظيفياً كاملاً يفرض معاييره الخاصة ويشجع على الانفصال التام عن الأسرة.
وتشير الدراسة من زاوية علم الجريمة إلى أن هذا النمط، حين يقترن بضعف قدرات التنظيم الانفعالي والإنكار الشديد لمشاعر الذنب، يُهيئ بيئة خصبة للجنوح والسلوك العدواني؛ إذ يغدو التحدي الجريء وخرق القوانين استراتيجية مفضلة للدفاع عن الهوية ضد أي شكل من أشكال التدخل الوالدي الحنون.
إطار تحليلي وحدود النموذج المقترح
لبناء فهم أكثر دقة، اقترحت الدراسة نموذجاً استكشافياً يرتكز على أربعة أبعاد رئيسية لفحص هذا النفور:
- التقييم الانفعالي للقرب: كيفية إدراك المراهق للدفء الأبوي هل هو محبة أم اختراق.
- تقبل الدعم: مدى القدرة على استقبال المساندة النفسية دون الشعور بالمهانة.
- تفسير الحدود: هل تُفهم القواعد التربوية كحماية أم كإجراءات قمعية متعمدة.
- تحول الولاء: درجة تفضيل جماعات خارجية بديلة تحل محل الرابطة الأسرية بالكامل.
ويخلص الباحث، المنتسب إلى معهد المنطق (Logik-Institut)، إلى أن هذا العمل يمثل إطاراً نظرياً وصفياً يهدف إلى فك شيفرات الظاهرة بعيداً عن الأحكام الأخلاقية الجاهزة أو الحتميات السببية الصارمة، مؤكداً أن الورقة تقدم مدخلاً تحليلياً خالصاً ولا تطرح وصفات علاجية تطبيقية أو نصائح تربوية مباشرة للتعامل مع الحالات الفردية.
المصدر
- Aversion gegen emotionale Sicherheit der Eltern: Entwicklungspsychologische, bindungstheoretische und kriminologische Perspektiven
- الباحثون: Heiler Maximilian
- المجلة: Zenodo (CERN European Organization for Nuclear Research)
- قراءة الدراسة الأصلية