في خطوة علمية تسعى لإعادة ضبط المفاهيم في مجال الطب النفسي وعلم الأدوية، كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة «Journal of Psychopharmacology» أن التجارب الشعورية التي تُحدثها المواد المؤثرة على الوعي تختلف جذرياً في بنيتها النفسية؛ مما يضع مادة السيلوسيبين في موقع النموذج المعياري الحقيقي لفئة مهدئات ومنشطات «السايكدلك». وبيّن فريق البحث، بقيادة الباحث إيفري أوستراند وزملاؤه، أن لكل مركب بصمة ظاهراتية خاصة تميزه بوضوح عن غيره من المركبات الشائعة في الأبحاث النفسية المعاصرة.
ما الذي كشفته الدراسة عن تباين التجارب النفسية؟
حلل الباحثون بيانات أكثر من 200 مشارك خاض كلٌّ منهم تجارب واقعية منفصلة مع ثلاثة عقاقير مؤثرة على الوعي: السيلوسيبين، ومادة الكيتامين، بالإضافة إلى مركب إم دي إم إيه (MDMA). وقام المشاركون بتقييم تفاصيل ما مروا به من أحاسيس وأفكار وتغيرات إدراكية أثناء تلك التجارب.
وللتحقق من طبيعة هذا التباين، طوّر الباحثون خوارزمية ذكاء اصطناعي لتعلم الآلة نجحت في التنبؤ بنوع العقار بدقة بالغة بالاعتماد حصراً على التأثيرات الذاتية المبلّغ عنها. وأظهرت النتائج أن لكل مادة طابعاً نفسياً متفرداً؛ إذ ارتبط السيلوسيبين بظهور الرؤى البصرية وتدفق البصيرة النفسية العميقة، في حين اتسمت تجارب الكيتامين بحالات الانفصال النفسي وتلاشي الاتصال بالجسد والمحيط، واختصت مادة MDMA بتوليد مشاعر اجتماعية دافئة والميل إلى التعاطف والمحبة.
لماذا تهم هذه النتائج فهمنا للمواد المؤثرة على العقل؟
تعيد هذه الدراسة فتح النقاش الفلسفي والعلمي حول الأصل اللغوي لمصطلح «السايكدلك» (Psychedelic)، الذي صاغه الطبيب النفسي همفري أوزموند عام 1956 عبر دمج كلمتين يونانيتين تعنيان «إظهار الروح أو تجلي النفس». وكان أوزموند يقصد بذلك تصنيفاً دوائياً ونفسياً يعبر عن قدرة المادة على إبراز أعماق العمليات الذهنية الإنسانية.
ووفقاً للباحثين، فإن إثبات انفراد السيلوسيبين بتحفيز الرؤى والاستبصار الداخلي يجعله الممثل النموذجي والأصيل لمفهوم السايكدلك، مقارنةً بالمركبات الأخرى التي غالباً ما تُدرج خطأً تحت المظلة ذاتها. ويساعد هذا التحديد الدقيق الأطباء والعلماء في بناء تصنيفات دوائية رصينة تفرّق بين العلاجات النفسية استناداً إلى جوهر التجربة الشعورية والواعية التي يمر بها المريض، بدلاً من الاعتماد فقط على التصنيفات الكيميائية المجردة.
كيف توصل الباحثون إلى هذه النتائج؟
اعتمد الفريق البحثي على مقاييس تقييم متقدمة للتجارب الذاتية جرى تطويرها وتدقيقها باستخدام طريقة دلفي، وهي وسيلة علمية لجمع آراء الخبراء وتوحيد معايير القياس بدقة، مما مكّنهم من حصر أبعاد الشعور الإنساني المعقد.
وعقب جمع البيانات، أجرى الباحثون تحليلات عاملية إحصائية متقدمة كشفت عن وجود ثلاثة إلى أربعة أبعاد مستقلة تماماً تمثل الهيكل الأساسي للوعي أثناء تأثير كل مادة. ومن ثمّ، استخدموا تقنيات التصنيف الذكي لاختبار ما إذا كانت هذه الأبعاد كافية للفصل الإحصائي الحاسم بين العقاقير، وجاءت النتيجة لتؤكد استقلالية البصمة الظاهراتية لكل مركب بوضوح لا لبس فيه.
محددات البحث والخطوات القادمة
على الرغم من دقة النتائج، يشير الباحثون إلى بعض المحددات التي تحيط بالدراسة؛ من أبرزها الاعتماد على تقارير ذاتية واسترجاع المشاركين لذكريات تجارب ماضية، وهو عامل قد يتأثر بطبيعة الذاكرة مع مرور الوقت أو بالتوقعات المسبقة لدى الأفراد حول طبيعة تأثير كل عقار.
ويقترح القائمون على البحث توسيع المقارنات مستقبلاً لتشمل مركبات أخرى غير تقليدية، ما يتيح رسم حدود قطعية لتصنيف السايكدلك بصورة أكثر شمولاً. كما يرى الفريق أن فهم هذه الفروق الدقيقة سيسهم في تصميم بروتوكولات علاج نفسي موجّهة بدقة، تستغل ميزة البصيرة النفسية المكثفة التي يمنحها السيلوسيبين لعلاج الاضطرابات النفسية المقاومة للعلاجات التقليدية كالاكتئاب الشديد.
المصدر
- Defining ‘psychedelic’
- الباحثون: Avery E. Ostrand, Matthew M. Nour, Christopher Timmermann, Andrea Rosati, Lisa Xiaolu Luan, Andrés Gómez-Emilsson, Julia Bornemann, Kyle T. Greenway
- المجلة: Journal of Psychopharmacology
- قراءة الدراسة الأصلية