كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت في دورية “جورنال أوف فاميلي فايلنس” (Journal of Family Violence) عن الدور الحاسم الذي تلعبه مهارات تنظيم المشاعر في تمكين الأفراد من تجاوز الآثار النفسية المؤلمة الناتجة عن صدمات الطفولة. وأوضح الباحثون أن امتلاك آليات صحية للتعامل مع العواطف وإدارتها يمثل حجر الزاوية لبناء المرونة النفسية والقدرة على التكيف، مما يفتح مساراً علاجياً فعالاً لترميم ما أفسدته التجارب القاسية المبكرة.
رابط وثيق بين صدمات الصغر واضطراب الانفعالات
أظهرت نتائج الدراسة أن التعرض لما يُعرف بـ تجارب الطفولة السلبية يرتبط بأنماط محددة من خلل تنظيم الانفعالات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على انخفاض قدرة الفرد على الصمود أمام مصاعب الحياة. وأشار الفريق البحثي إلى أن تأثير هذه الصدمات يتشكل وفقاً لطبيعتها وتعددها خلال مرحلة التنشئة.
وبيّنت النتائج أن الأفراد الذين عانوا في طفولتهم من مزيج معقد يجمع بين الإساءة والإهمال والتفكك الأسري، واجهوا ارتباكاً عاطفياً ملحوظاً وضعفاً شديداً في الانتباه لمشاعرهم وفهم كنهها، ما أعاق قدرتهم على ضبط استجاباتهم النفسية. وفي المقابل، عانى أولئك الذين واجهوا التفكك الأسري فقط من صعوبة في كبح المشاعر وتداخلها، حيث طغت الانفعالات على العمليات المعرفية وأثرت سلباً على التركيز واتخاذ القرارات، بينما أدى التعرض للإساءة والإهمال معاً إلى صعوبة في السيطرة على ردود الفعل العاطفية الفورية؛ مما أسهم في تراجع المرونة النفسية لدى جميع هذه الحالات.
المرونة النفسية تنبع من إدارة العواطف
على الجانب الآخر، أظهر المشاركون الذين نشأوا في بيئات خالية من الصدمات مستويات متفوقة في مهارات تنظيم المشاعر، وهو ما ساهم بشكل مباشر في رفع مرونتهم النفسية وقدرتهم على التكيف السليم مع ضغوط الحياة ومواجهة الأزمات بثبات أكبر.
وأكدت الدراسة أن غياب مشكلة “عدم الانتباه للمشاعر” والقدرة على إدراك الحالة النفسية الذاتية بوضوح يمثلان عاملاً حاسماً في تعزيز مناعة الفرد النفسية. وبحسب الباحثين، فإن القدرة على استيعاب المشاعر دون تجاهلها تمنح الإنسان الأرضية الصلبة اللازمة لابتكار استراتيجيات تكيف إيجابية تسرّع من وتيرة التعافي بعد الصدمات.
كيف أُجريت الدراسة؟
اعتمدت الدراسة في استخلاص نتائجها على عينة من الشباب في إسبانيا ضمت 441 شاباً وشابة، تراوحت أعمارهم بين 18 و30 عاماً، ومثلت الإناث النسبة الأكبر من المشاركين بنحو 70%.
واستند الباحثون إلى منهجية دقيقة قامت على استبيانات التقييم الذاتي الشاملة، حيث عملت على رصد تاريخ كل مشارك فيما يتعلق بالتعرض لأنواع صدمات الطفولة المختلفة، وقياس مستويات اضطراب المشاعر لديهم، بالإضافة إلى تحليل مؤشرات المرونة النفسية والقدرة على استعادة التوازن النفسي بعد الأزمات الحياتية.
أفق جديد للعلاج النفسي والتعافي
تخلص نتائج البحث إلى ضرورة إعادة النظر في آليات الدعم الموجهة لضحايا الصدمات المبكرة، مؤكدة على أهمية تصميم تدخلات نفسية وعلاجية تستهدف بدقة علاج الخلل في تنظيم الانفعالات لدى الناجين من بيئات الطفولة القاسية، بدلاً من الاقتصار على التعامل مع الأعراض السطحية.
ويرى القائمون على الدراسة أن تدريب الشباب على فهم مشاعرهم والتحكم فيها بفعالية يمثل استراتيجية محورية لإعادة بناء الصمود النفسي، مما يساعد في تحويل مسار حياتهم نحو التعافي وتخطي أثقال الماضي، مؤكدين أن امتلاك المهارات العاطفية الصحيحة قادر على فتح آفاق جديدة للنمو والاستقرار النفسي رغم مرارة البدايات.
المصدر
- Building Resilience Through Emotion Regulation: A Key Strategy for Bouncing Back from Adverse Childhood Experiences
- الباحثون: Aitana Gomis‐Pomares, Lidón Villanueva, Usue de la Barrera
- المجلة: Journal of Family Violence
- قراءة الدراسة الأصلية