تُروَّج تمارين التعبير عن الامتنان في أدبيات المساعدة الذاتية بوصفها وسيلة فعالة لتعزيز الصحة النفسية، غير أن شكوكاً علمية ظلت تحوم حول جدواها إذا ما مورست بدوافع نفعية بحتة. دراسة حديثة نُشرت في دورية “Journal of Social and Clinical Psychology” بددت هذه المخاوف، كاشفةً أن ممارسة الشكر والتقدير تنعكس إيجاباً على صحتك النفسية حتى لو كان دافعك الأساسي هو تحقيق مصلحة شخصية لنفسك.
مفاجأة علمية: الدافع النفعي لا يلغي فوائد الامتنان
لطالما سادت بين باحثي علم النفس فرضية تشير إلى أن التعبير عن الامتنان بدافع مساعدة الذات قد يؤدي إلى نتائج عكسية مفارقة؛ إذ كان يُعتقد أن التركيز على المكاسب الشخصية يشتت الانتباه عن الشخص المُتلقي، مما قد يُضعف الشعور الداخلي بالرضا والترابط الإنساني. غير أن النتائج التجريبية أطاحت بهذه الفرضية، حيث لم يرصد الباحثون أي فرق ملموس في مستويات الرفاهية النفسية العامة بين المشاركين الذين عبروا عن شكرهم بدافع نفع أنفسهم، وأولئك الذين مارسوه بهدف إسعاد الطرف الآخر.
وجود دافع محدد أهم من نوع الدافع نفسه
اعتمدت الدراسة على عينتين بحثيتين بلغ مجموع أفرادهما 475 مشاركاً، جرى توزيعهم عشوائياً لكتابة رسالة امتنان استناداً إلى ثلاثة توجيهات: دافع موجه للذات (يركز على ما يجنيه الكاتب من منافع)، ودافع موجه للآخر (يركز على إفادة المتلقي وتقديره)، ومجموعة محايدة طُلب منها كتابة الرسالة دون تقديم أي مبرر توجيهي. وبحسب نتائج المتابعة، سجل أفراد المجموعة المحايدة مستويات أقل بوضوح في مؤشرات الرفاهية مقارنة بالمجموعتين الأخريين، مما أثبت أن وجود غاية ومبرر واضح للتمرين يُعد عاملاً جوهرياً لنجاحه، بغض النظر عما إذا كان هذا الدافع نفعياً أو إيثارياً.
تحليل النصوص: كيف أثرت النوايا على الكلمات؟
رغم التماثل في المكاسب النفسية الإجمالية، أظهر التحليل الدقيق لنصوص الرسائل أن النوايا تركت بصمتها على طريقة التعبير واختيار المفردات. فقد مالت رسائل المشاركين في المجموعة الموجهة للذات إلى أن تكون أطول حجماً وأكثر تركيزاً على المتكلم، واستخدمت لغة تعكس معالجة معرفية واستبصاراً فكرياً عميقاً، غير أن قاموسها اللغوي كان إجمالاً أقل إيجابية من الناحية العاطفية.
في المقابل، تميزت رسائل أفراد المجموعة الموجهة نحو الآخرين بأنها كانت أقصر، وتمحورت حول صفات المتلقي ودوره، كما امتلأت بكلمات تنبض بالمشاعر والمفردات الإيجابية الصريحة، مما يعكس تأثيراً مباشراً لنوع التوجيه في بنية التعبير اللغوي.
خلاصة للمستقبل وتطبيقات المساعدة الذاتية
تدحض هذه النتائج القلق التقليدي من أن التعامل مع الامتنان كأداة عملية لتحسين المزاج الشخصي قد يُفسد أثره الإيجابي على راحة البال. ويقترح الباحثون تضمين مبررات ودوافع صريحة عند تصميم تمارين الامتنان السريرية والتطبيقية لتعزيز فعاليتها، مع إدراك أن نوع التوجيه المقدم للشخص سيشكل الأسلوب الذي يرى ويعبر به عن مشاعره، حتى وإن قادت المسارات المختلفة في النهاية إلى نفس المستوى من الراحة النفسية.
المصدر
- Grateful to help you or grateful to help me? An investigation of the effects of expressing gratitude to benefit oneself
- الباحثون: David R. Cregg, Marley Musarra, Jennifer S. Cheavens
- المجلة: Journal of Social and Clinical Psychology
- قراءة الدراسة الأصلية