كشفت دراسة نفسية وتربوية حديثة نُشرت في دورية “Behavioral Sciences” أن إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي للمعلمين المتدربين دون تقديم إرشادات تعليمية واضحة قد تنعكس سلباً على مهاراتهم التدريسية الأساسية، حيث أظهرت النتائج تفوق المتدربين الذين لم يستخدموا هذه التقنيات على زملائهم الذين استعانوا بها بحرية مطلقة في مهام التخطيط للدروس. وتدعو هذه التجربة إلى إعادة النظر في كيفية إدماج التكنولوجيا المتقدمة داخل برامج إعداد المعلمين لضمان توجيهها نحو التطوير المهني الحقيقي.
نتائج غير متوقعة: الأداء التقليدي يتفوق
أظهرت الدراسة شبه التجريبية أن الطلاب الذين لم يُسمح لهم باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي حققوا مستويات أداء أعلى في مهام التصميم التعليمي مقارنة بنظرائهم الذين استخدموا التقنية دون قيود أو توجيه، وهو ما جاء على عكس الافتراضات السائدة بأن الذكاء الاصطناعي يرفع جودة المخرجات تلقائياً.
وبحسب الباحثين، فإن الاعتماد الحر على هذه البرمجيات دون توفير قوالب صياغة الأوامر أو إرشادات منهجية لم يسهم في تعزيز الجاهزية الرقمية للمتدربين، بل بدا وكأنه قلل من دافعيتهم للتعمق في بناء محتوى الدروس بأنفسهم مقارنة بالمجموعة الضابطة التي اعتمدت على الجهد الذهني المباشر.
كيف أُجريت التجربة في كليات التربية؟
امتدت التجربة على مدار 11 أسبوعاً ضمن مساق دراسي حقيقي لتصميم التدريس في إحدى الجامعات المتخصصة بتأهيل المعلمين، وشارك فيها فصلان دراسيان لطلاب السنة الثانية. وقسّم الباحثون الفصول بحيث سُمح لطلاب الفصل الأول بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي التوليدي وفق رغبتهم ولكن دون تزويدهم بأي دعم تربوي أو نماذج موجهة، بينما حُظر استخدام هذه التقنية تماماً على طلاب الفصل الثاني.
واعتمد الفريق البحثي في تأسيس التجربة على فرضيات نفسية بارزة، مثل نظرية العبء المعرفي ومفهوم منطقة النمو القريب، لاختبار ما إذا كان غياب السقالات التعليمية المساندة أثناء التعامل مع النظم الذكية يؤدي إلى تشتيت انتباه المعلم المتدرب وإعاقة نموه المهني بدلاً من تسريعه.
غياب الفروق في التفكير النقدي والتعلم الذاتي
بعد ضبط درجات الاختبارات القبلية للمشاركين، أظهرت التحليلات الإحصائية عدم وجود أي فروق ذات دلالة بين المجموعتين في مقاييس الجاهزية للذكاء الاصطناعي، أو مهارات التعلم المنظم ذاتياً، أو قدرات التفكير النقدي، مما يعني أن الاستخدام غير المنظم للتقنية لم يصنع فارقاً نوعياً في هذه الجوانب النفسية والفكرية.
ورغم أن المقارنات الداخلية رصدت تحسناً ملحوظاً لدى كلا الطرفين في استيعاب مبادئ التصميم التعليمي وجاهزية الذكاء الاصطناعي بمرور الوقت، إلا أن مهارات التفكير النقدي والتنظيم الذاتي للدراسة ظلت دون تحسن يُذكر لدى المجموعتين معاً، ما يوضح أن تطوير هذه الملكات يتطلب استراتيجيات تدريسية نوعية تتجاوز مجرد إدخال التقنية أو منعها.
رسالة لصناع القرار: التوجيه شرط أساسي للنجاح
تخلص الدراسة إلى أن مجرد توفير الوصول التقني لأدوات الذكاء الاصطناعي لا يمثل حلاً سحرياً لتطوير المعلمين الجدد، بل قد يفرز نتائج سلبية تعطل اكتسابهم لمهارات التدريس إن لم تتوافر البيئة التربوية الضابطة. فالاعتماد السهل على الإجابات الجاهزة قد يحرم المتدرب من فرصة ممارسة التفكير المستقل وحل المشكلات الصفية المعقدة.
ويؤكد الباحثون ضرورة أن يسارع مسؤولو التعليم إلى إدماج قوالب وأدلة إرشادية تدرب المعلمين على كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي كناقد ومساعد تفاعلي، بدلاً من تركه كبديل فوري عن جهدهم الفكري، لضمان بناء كوادر تعليمية تمتلك الوعي الرقمي والمهارة البيداغوجية في آن واحد.
المصدر
- The Impact of Unscaffolded GenAI Use on Pre-Service Teachers’ AI Readiness, Self-Regulated Learning, Critical Thinking, and Instructional Design Performance: A Quasi-Experimental Study
- الباحثون: J Zhang, Yuting PENG, Xinyue Deng, Qin Zeng, Kai Wang
- المجلة: Behavioral Sciences
- قراءة الدراسة الأصلية