علم الأعصابعلم النفس الاجتماعي

الأوكسيتوسين: المفتاح البيولوجي لتشكيل الصداقات والدوائر المغلقة

دراسة جديدة تكشف أن مستقبلات هرمون الأوكسيتوسين في الدماغ الحسي ضرورية لبناء شبكات اجتماعية مستقرة والانضمام للدوائر المؤثرة.

Mohammed looti أكاديمي وباحث متخصص في علم النفس
تاريخ النشر
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 23 سبتمبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 23 سبتمبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

الأوكسيتوسين: المفتاح البيولوجي لتشكيل الصداقات والدوائر المغلقة

كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية “نيتشر كوميونيكيشنز” (Nature Communications) عن الدور الحاسم الذي يلعبه هرمون الأوكسيتوسين في تمكين الأفراد من بناء صداقات متينة والاندماج في شبكات اجتماعية معقدة. وتوصل فريق دولي من الباحثين، من خلال مراقبة مجتمعات ذكور الفئران، إلى أن تكوين روابط جماعية مستقرة لا يعتمد فقط على الرغبة في التواصل، بل يتطلب معالجة حسية دقيقة يقودها هذا الهرمون داخل الدماغ، وهو ما يقدم تفسيراً عصبياً جديداً لكيفية تشكل التكتلات الاجتماعية وتفككها.

الدوائر الاجتماعية المغلقة: سلوك معقد لا تحدده القرابة

تمكن الباحثون، عبر تقنيات التتبع بالفيديو طويل الأمد والتحليل الحوسبي، من رصد تشكل تكتلات اجتماعية صغيرة ومستقرة داخل بيئات طبيعية تحاكي الواقع لدى مجموعات الفئران. وأظهرت نتائج التحليل أن ظهور هذه “الدوائر المغلقة” لم يكن عشوائياً، بل نتج عن ديناميكيات محددة داخل المجموعة تطلبت مستويات عالية من التنسيق السلوكي.

ووفقاً لما رصده الباحثون، فإن الانضمام إلى هذه التحالفات المتماسكة لم يكن مدفوعاً بقرابة الدم أو الروابط الجينية المباشرة بين الأفراد. وبدلاً من ذلك، تشابهت هذه التكتلات بشكل لافت مع ما يُعرف في الشبكات الاجتماعية البشرية بـ”نوادي النخبة” أو الدوائر المؤثرة؛ إذ تمتع أفرادها بمكانة اجتماعية مرتفعة، ونفوذ واضح في توجيه التفاعلات مقارنة بغير الأعضاء الذين ظلوا على هامش المجموعة.

لغز الأوكسيتوسين: الدافع موجود ولكن الرابط مفقود

سعياً لفهم الأساس العصبي وراء هذا الترابط، عمد العلماء إلى تعطيل مستقبلات الأوكسيتوسين تحديداً في القشرة الشمية، وهي المنطقة الحسية المسؤولة عن معالجة الروائح والإشارات الاجتماعية الكيميائية لدى القوارض، لمعرفة أثر ذلك على بناء الروابط العليا.

جاءت النتيجة مفاجئة ومحورية؛ إذ أظهرت الفئران المعدلة جينياً بقاء الدافع الاجتماعي لديها سليماً تماماً، واستمرت رغبتها القوية في الاقتراب من أقرانها ومحاولة التواصل. ورغم هذا الشغف الاجتماعي، فشلت تلك الفئران كلياً في كسب عضوية التكتلات المغلقة؛ ويعود ذلك إلى أن مبادراتها للاقتراب من الآخرين اتسمت بعدم الاتساق والتذبذب، ما حرمها من تأسيس علاقات تفاعلية مستقرة ومتبادلة مع بقية أفراد الشبكة.

كيف تضخم الديناميكيات الاجتماعية عجز الفرد؟

أوضحت الدراسة أن التردد أو الاضطراب في السلوك الحسي للفرد ينعكس فوراً على تصرفات الآخرين نحوه؛ فبسبب عدم اتساق الإشارات الصادرة عن الفئران التي تعاني من خلل الأوكسيتوسين، تلقت في المقابل استجابات باردة وغير منتظمة من زملائها في المجموعة، الأمر الذي قوض بناء الثقة المتبادلة.

وتُبرز هذه النتائج ظاهرة خطيرة على مستوى الشبكات الاجتماعية، حيث تُظهر كيف يمكن لخلل عصبي حسي بسيط ومحدود داخل دماغ الفرد أن يتضخم بفعل التفاعلات الجماعية المعقدة. فمع مرور الوقت، يتحول العجز الحسي الطفيف إلى حاجز نفسي واجتماعي يؤدي تدريجياً إلى تهميش الفرد وعزله اجتماعياً، رغم استمرار رغبته في الانتماء.

أبعاد سريرية: فهم أعمق لاضطرابات طيف التوحد

تفتح هذه الاكتشافات آفاقاً سريرية واعدة لفهم التحديات العصبية الكامنة وراء صعوبة الاندماج الاجتماعي لدى المصابين باضطرابات النمو العصبي، وفي مقدمتها طيف التوحد. وتؤكد التجربة أن الإخفاق في بناء الصداقات لا ينبع بالضرورة من انعدام الرغبة أو البرود العاطفي، بل قد يعود إلى اضطراب في ضبط الحالات الحسية المسؤولة عن قراءة البيئة الاجتماعية والاستجابة لها بثبات.

ويخلص البحث إلى أن المعالجة الحسية التي يدعمها الأوكسيتوسين تمثل ركيزة بيولوجية لا غنى عنها للانتقال من مجرد التواصل السطحي إلى بناء الروابط الاجتماعية المعقدة، مما يمهد الطريق لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة تستهدف المسارات الحسية لتحسين جودة الحياة الاجتماعية لدى الأفراد المتأثرين بهذه الاضطرابات.


المصدر

  • Stable clique membership in male mouse societies requires oxytocin-enabled social sensory states
  • الباحثون: Corentin Nelias, Sarah Ghanayem, David Wolf, Marcel Moor, Danai Nikolantonaki, Eda Dilara Turgut, Max F. Scheller, Valery Grinevich
  • المجلة: Nature Communications
  • قراءة الدراسة الأصلية

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 1 تقييم

اقتباس هذا المقال

looti, M. (2026, سبتمبر 23). الأوكسيتوسين: المفتاح البيولوجي لتشكيل الصداقات والدوائر المغلقة. عرب سايكلوجي. https://arabpsychology.com/news/oxytocin-cliques-social-networks-study/
looti, Mohammed. “الأوكسيتوسين: المفتاح البيولوجي لتشكيل الصداقات والدوائر المغلقة.” عرب سايكلوجي, 23 سبتمبر 2026, https://arabpsychology.com/news/oxytocin-cliques-social-networks-study/.
looti, Mohammed. “الأوكسيتوسين: المفتاح البيولوجي لتشكيل الصداقات والدوائر المغلقة.” عرب سايكلوجي. سبتمبر 23, 2026. https://arabpsychology.com/news/oxytocin-cliques-social-networks-study/.