كشفت دراسة نفسية حديثة نُشرت في دورية Applied Cognitive Psychology أن الطريقة التي نتعامل بها مع تجاربنا الشخصية — سواء اخترنا مشاركتها مع الآخرين أو كتمانها — تؤثر بصورة مباشرة على كيفية فهمنا لذواتنا وبناء هويتنا. وأظهرت النتائج التي توصلت إليها الباحثة كريستين كاميا أن صياغة المعنى من أحداث الماضي ليست مجرد تأمل داخلي منعزل، بل هي عملية اجتماعية متجذرة تتشكل بعلاقاتنا مع المحيطين بنا، حتى في اللحظات التي نفضل فيها التزام الصمت.
قوة البوح: كيف يعزز الدعم الاجتماعي فهم الذات؟
أظهرت نتائج البحث أن سرد التجارب الشخصية ومشاركتها مع الآخرين يساعدان بوضوح على معالجة المشاعر المعقدة، شرط أن يجد المتحدث آذاناً مصغية ومحيطاً يتسم بـ الدعم الاجتماعي. فعندما يتحدث الفرد ضمن علاقات آمنة وداعمة، تزداد قدرته على استخلاص معانٍ إيجابية ودروس حياتية تفيده في تطوير ذاكرة السيرة الذاتية الخاصة به.
كما بيّنت الدراسة أن الأفراد الذين يتميزون بتبني النزعة الجماعية والحرص على الروابط الأسرية والمجتمعية، يستفيدون بدرجة أكبر من البوح بمشاعرهم وذكرياتهم مقارنة بغيرهم؛ إذ تتيح لهم شبكة العلاقات القوية إعادة تأطير الأحداث الصعبة والوصول إلى سلام داخلي بصورة أسرع عبر الاستناد إلى مساندة المجتمع المحيط بهم.
كلفة الصمت: لماذا نحتفظ بذكرياتنا المؤلمة لأنفسنا؟
في المقابل، سلّطت الدراسة الضوء على الأثر النفسي للذكريات غير المفصح عنها. وتبيّن أن تلك الأحداث المسكوت عنها ليست خالية من المعنى، بل ترتبط غالباً بروابط ذاتية سلبية تميل للاستمرار والتراكم في النفس عبر مرور الوقت، مما يجعلها مصدراً مستمراً للضيق غير المعالج.
وكشفت التحليلات أن اختيار الصمت وكتمان الذكريات ينبعان في كثير من الأحيان من دوافع اجتماعية واعية؛ حيث يفضل الأفراد إخفاء تلك المواقف رغبةً في تجنب مشاعر الخجل أو الوصمة، أو حرصاً منهم على عدم إثقال كاهل أحبائهم بالهموم والمتاعب. ولوحظ هذا الميل لكتمان الألم لحماية الآخرين بوضوح أكبر لدى الأشخاص ذوي التوجهات الاجتماعية والجماعية.
ما وراء التجربة: مقارنة عبر ثقافتين على مدار 8 أشهر
اعتمد البحث على متابعة ميدانية دقيقة استمرت ثمانية أشهر، وشملت 180 شاباً وشابة في مرحلة النضج المبكر (متوسط أعمارهم 20.47 عاماً، ونسبة الإناث 68.90%). واختار الباحثون مشاركين من بيئتين ثقافيتين مختلفتين، هما دولة الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة، لرصد التباين بين الثقافات الجماعية والفردية وتأثيره على التعامل مع الماضي عبر الزمن.
وحللت الدراسة خصائص متعددة للتجارب، من بينها طبيعة الذكريات المفصح عنها مقارنة بتلك المسكوت عنها، ومستويات الدعم الأسري والاجتماعي المتاح، وأنماط استخلاص الدروس الحياتية. وسمحت هذه المقارنة بتتبع كيفية تفاعل البيئة الثقافية مع الآليات النفسية لدى المشاركين على المدى الطويل.
الخلاصة: صنع المعنى عملية اجتماعية حتى في لحظات الصمت
تؤكد الدراسة خلاصة أساسية مفادها أن استيعاب الإنسان لماضيه وبناءه لقصة حياته الشخصية هما نتاج تفاعل اجتماعي دائم ومستمر، حتى حينما نقرر الاحتفاظ بالذكريات في طي الكتمان؛ فالصمت ذاته قرار تحركه في العادة حسابات اجتماعية معقدة وتفكير في مشاعر الآخرين وردود أفعالهم المتوقعة.
وتفتح هذه الاستنتاجات آفاقاً تطبيقية واعدة في مجالات العلاج النفسي والإرشاد المعرفي؛ إذ تساعد الأطباء والمعالجين على فهم الدوافع التي تجعل المرضى يحتفظون بآلامهم في صمت، وتسلط الضوء على أهمية توفير بيئات علاجية آمنة وغير حكمية تشجع الأفراد على تحرير ذكرياتهم المسكوت عنها وإعادة صياغتها بصورة تعزز التعافي والنمو النفسي.
المصدر
- Autobiographical Meaning Making in Shared and Silenced Memories
- الباحثون: Christin Camia
- المجلة: Applied Cognitive Psychology
- قراءة الدراسة الأصلية