كشفت دراسة وطنية حديثة نُشرت في دورية ذا لانسيت سايكياتري (The Lancet Psychiatry) عن تفاصيل مقلقة تخص حالات انتحار طلاب التعليم العالي في إنجلترا، داعيةً إلى مراجعة شاملة لآليات الرعاية النفسية في الجامعات. وتتبعت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة مانشستر بدعم من وزارة التعليم البريطانية، خصائص الطلاب المتوفين والتحديات التي واجهوها ومدى كفاءة استجابة المؤسسات التعليمية لاحتياجاتهم، مسلطةً الضوء على ثغرات هيكلية بارزة في التنسيق وتبادل المعلومات.
نتائج مقلقة: من هم الطلاب الأكثر عرضة للخطر؟
أظهرت بيانات الدراسة أن مؤسسات التعليم العالي في إنجلترا أبلغت عن 107 حالات وفاة مشتبه بها بالانتحار بين الطلاب خلال العام الأكاديمي 2023-2024. وبينت التحليلات أن الذكور شكلوا النسبة الكبرى من المتوفين بنسبة 71% من إجمالي الحالات المتاحة، بينما بلغت نسبة الإناث 26%، بمتوسط عمر ناهز 24 عاماً.
ووفقاً للباحثين، فإن الغالبية العظمى من الضحايا كانوا من طلاب المرحلة الجامعية الأولى بنسبة 71%، وكان 72% منهم يعيشون بعيداً عن منازل أسرهم. كما وقعت 22% من حالات الوفاة داخل مقرات سكن الطلاب، سواء كانت تابعة للجامعات أو لشركات خاصة، بالإضافة إلى تسجيل تقارير أفادت بوجود ست حالات يُشتبه في تأثرها بما يُعرف بـ عناقيد الانتحار، وهي ظاهرة تشير إلى حدوث وفيات مترابطة زمنياً ومكانياً بين فئات متقاربة.
عوامل الخطر المشتركة: ضغوط أكاديمية وتنوع عصبي
رصدت الدراسة تقاطعاً معقداً بين الاضطرابات النفسية والضغوط الحياتية؛ إذ سُجلت صعوبات الصحة النفسية كعامل رئيسي لدى 62% من الطلاب، تلتها المشاكل والتعثرات الأكاديمية بنسبة 52%. كما لوحظت سمات التنوع العصبي، مثل اضطرابات طيف التوحد أو تشتت الانتباه وفرط الحركة، لدى 41% من الحالات المسجلة، وهي نسبة مرتفعة تستدعي اهتماماً استثنائياً.
ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل ارتبطت أيضاً بمشاكل في العلاقات الشخصية والعاطفية بنسبة 33%، وتاريخ سابق لممارسة إيذاء النفس بنسبة 22%، وأزمات السكن والمصاعب المالية بنسبة 21%. كما عانى نحو 15% من الطلاب من العزلة الاجتماعية، إلى جانب تعرض 12% منهم لحوادث عنف، مما يعكس تراكماً للأعباء قبل الوصول إلى لحظة الأزمة.
فجوات في الاستجابة الجامعية ومشاركة المعلومات
من بين أبرز ما كشفه البحث أن 69% من الطلاب المتوفين كانوا قد تواصلوا بالفعل مع خدمات الدعم الجامعية قبل وفاتهم. ومع ذلك، وثّقت مراجعات الحوادث الخطيرة عوائق متكررة حالت دون استمرار الرعاية، من بينها صعوبة الحصول على المساعدة، وقصور متابعة الطلاب المتغيبين، وضعف التنسيق المشترك بين الكوادر الأكاديمية وأقسام الرعاية الطلابية.
كما أشارت النتائج إلى وجود خلل تنظيمي في الالتزام بالتوجيهات الوطنية للتحقيق في الحوادث المأساوية؛ حيث لم تُشرك الجامعات أسر الطلاب المتوفين في التحقيقات الرسمية إلا في 24% من الحالات، مما يحرم المنظومة من شهادات حيوية تساعد في فهم الصورة الكاملة ومعالجة أوجه التقصير.
خطوات عملية للوقاية وحماية الطلاب في الحرم الجامعي
شدد الباحثون على أن الوقاية الفعالة تتطلب انتقال الجامعات من رد الفعل إلى المبادرة، عبر تصميم برامج دعم مبكرة وموجهة للشرائح الأكثر عرضة للخطر، لا سيما الطلاب ذوي التنوع العصبي والذين يواجهون تحديات مالية أو عثرات دراسية حادة. ويوصي التقرير بتعزيز تدابير السلامة في مساكن الطلاب، وتدريب المشرفين السكنيين على رصد مؤشرات الخطر المبكرة.
وخلصت الدراسة إلى ضرورة ترسيخ ثقافة الشفافية والمساءلة المستقلة داخل الحرم الجامعي، وجعل مشاركة العائلات في مراجعات الحوادث إجراءً معيارياً وإلزامياً، لضمان استخلاص الدروس وتطوير شبكات أمان موثوقة تحمي حياة الطلاب.
المصدر
- Characteristics of higher-education students in England who died by suspected suicide in a single academic year: a national retrospective case series study
- الباحثون: Cathryn Rodway, Su-Gwan Tham, Pauline Turnbull, Nav Kapur, Louis Appleby
- المجلة: The Lancet Psychiatry
- قراءة الدراسة الأصلية