1. الملخص
يُعد مقياس العدالة التنظيمية بأبعادها الثلاثية: العدالة التوزيعية (Distributive Justice)، والعدالة الإجرائية (Procedural Justice)، والعدالة التفاعلية (Interactive/Interactional Justice)، الذي طوره الباحثان بروس نيهوف وروبرت مورمان (Niehoff & Moorman, 1993)، أحد أكثر المقاييس السيكومترية موثوقية وشهرة في مجال علم النفس الصناعي والتنظيمي (Industrial-Organizational Psychology) والسلوك التنظيمي (Organizational Behavior). صُمم المقياس لرصد وقياس إدراكات العاملين لمدى عدالة بيئة العمل عبر مستويات متعددة تشمل عدالة المخرجات والمكافآت مقارنة بالمدخلات، وعدالة القواعد والسياسات الرسمية المعمول بها عند اتخاذ القرارات الإدارية، ونزاهة التعامل الشخصي والتواصلي الذي يُبديه القادة والمديرون تجاه المرؤوسين أثناء إبلاغ القرارات وتنفيذها.
يتألف المقياس في نسخته الأصلية الشاملة من 20 فقرة موزعة على ثلاثة أبعاد فرعية رئيسية: بُعد العدالة التوزيعية ويتضمن خمس (5) فقرات تغطي عدالة توزيع جدول العمل، ومستوى الراتب، وحجم أعباء العمل، والمكافآت الإجمالية، والمسؤوليات الوظيفية؛ وبُعد العدالة الإجرائية الرسمية ويتضمن ست (6) فقرات تقيم غياب التحيز، واستناد القرارات إلى معلومات دقيقة وشاملة، وتوافر آليات الاستئناف والاعتراض، والاستماع لآراء العاملين؛ وبُعد العدالة التفاعلية ويتألف من تسع (9) فقرات تركز على الاحترام، والكياسة، والكرامة، والصدق، وتقديم تبريرات وشروحات منطقية وملائمة للقرارات المتخذة. يتم تدريج استجابات المبحوثين على مقياس ليكرت السباعي (7-point Likert scale) المتدرج من (1 = أعارض بشدة) إلى (7 = أوافق بشدة).
أظهرت الدراسات السيكومترية اتساقاً داخلياً وثباتاً متيناً؛ إذ تراوحت معاملات ألفا كرونباخ لبُعد العدالة التوزيعية بين 0.72 و0.74 في دراسات متعددة (مثل دراسة Aquino et al., 1999؛ ودراسة Niehoff & Moorman, 1993)، وبلغت 0.85 للإجراءات الرسمية، و0.92 للعدالة التفاعلية، في حين سجل مقياس مركب يجمع بين العدالة الإجرائية والتفاعلية معامل ألفا استثنائي بلغ 0.98 في دراسة مورمان وبليكلي ونيهوف (Moorman, Blakely, & Niehoff, 1998). كما برهن التحليل العاملي التوكيدي (CFA) على التمايز البنائي التام بين الأبعاد الثلاثة. وقد ارتبط المقياس بعلاقات ارتباطية إيجابية دالة مع سلوكيات المواطنة التنظيمية (Organizational Citizenship Behaviors – OCB) بأبعادها الخمسة، والدعم التنظيمي المدرك، بينما ارتبط ارتباطاً سالباً مع السلوكيات المنحرفة والانفعال السلبي لدى الموظفين.
2. الكلمات المفتاحية
العدالة التنظيمية، العدالة التوزيعية، العدالة الإجرائية، العدالة التفاعلية، سلوك المواطنة التنظيمية، نيهوف ومورمان، الخصائص السيكومترية، التحليل العاملي التوكيدي، الثقة التنظيمية، تقييم بيئة العمل.
3. المؤلفون
تم تطوير هذا المقياس الرائد ونشره عام 1993 من قِبل باحثَين بارزَين في ميدان الإدارة وعلم النفس التنظيمي:
- بروس ب. نيهوف (Bruce P. Niehoff): دكتوراه في إدارة الأعمال والسلوك التنظيمي، أستاذ فخري للإدارة بكلية إدارة الأعمال في جامعة ولاية كنساس (Kansas State University)، مانهاتن، الولايات المتحدة الأمريكية. ركزت أبحاثه على القيادة، والعدالة التنظيمية، وتمكين العاملين، وسلوكيات المواطنة التنظيمية. البريد الإلكتروني الأكاديمي: [email protected].
- روبرت هـ. مورمان (Robert H. Moorman): دكتوراه في السلوك التنظيمي والموارد البشرية، أستاذ كرسي القيادة والإدارة في كلية فرانتز لإدارة الأعمال بجامعة إيلون (Elon University)، نورث كارولاينا، الولايات المتحدة الأمريكية. ساهم بإسهامات مفصلية في تطوير نماذج قياس سلوك المواطنة التنظيمية، ونظرية التبادل الاجتماعي، وأخلاقيات القيادة التنظيمية. البريد الإلكتروني الأكاديمي: [email protected].
4. الغرض
يتمثل الغرض الجوهري من مقياس نيهوف ومورمان (1993) للعدالة التوزيعية والإجرائية والتفاعلية في تقديم أداة قياس دقيقة ومتينة سيكومترياً لاستكشاف كيفية إدراك الموظفين للإنصاف في بيئاتهم التنظيمية، وتحديد الكيفية التي تُترجم بها هذه الإدراكات إلى استجابات سلوكية واتجاهية إيجابية أو سلبية داخل مكان العمل. في أواخر القرن العشرين، واجه الباحثون في علم النفس التنظيمي معضلة منهجية تمثلت في التداخل المفهومي بين الأبعاد المختلفة للعدالة، وعدم وجود أدوات قياس قادرة على عزل عدالة النتائج المادية (التوزيعية) عن عدالة العمليات البيروقراطية الرسمية (الإجرائية)، وعن الطبيعة العلائقية بين المشرفين والمرؤوسين (التفاعلية). جاء هذا المقياس ليقدم حلاً إمبريقياً صارماً يمكّن من التمييز بين هذه البنى الثلاث المتمايزة.
على الصعيد النظري والبحثي، صُمم المقياس في سياق دراسة رائدة هدفت إلى اختبار الدور الوسيط لإدراكات العدالة التنظيمية في العلاقة بين أساليب الرقابة والمتابعة الإدارية وسلوكيات المواطنة التنظيمية. وقد هدف المؤلفان إلى فحص الفرضية القائلة بأن طرائق المراقبة التي يعتمدها المديرون (سواء كانت قائمة على الملاحظة المباشرة، أو الاجتماعات الرسمية) تؤثر بصورة غير مباشرة على استعداد العاملين لبذل جهود تتجاوز المتطلبات الرسمية لدورهم الوظيفي عبر وسيط إدراك العدالة. يوفر المقياس للباحثين إطاراً كمياً لاختبار نظريات التبادل الاجتماعي (Social Exchange Theory)، ونظرية الدعم التنظيمي، ونظرية الإنصاف لآدامز.
أما على الصعيد التطبيقي والمؤسسي والإكلينيكي المهني، فإن المقياس يمثل أداة تشخيصية لا غنى عنها لأقسام الموارد البشرية، ومستشاري التطوير التنظيمي، وأخصائيي علم النفس المهني، حيث يُستخدم في:
- تشخيص المناخ التنظيمي: تحديد بؤر الاحتقان الوظيفي ونقاط الضعف في السياسات الإدارية، سواء كانت ناتجة عن خلل في سلم الأجور والمسؤوليات (عدالة توزيعية)، أو تحيز الإجراءات وغياب شفافية التقييم (عدالة إجرائية)، أو أساليب التعامل الجافة والافتقار إلى الكرامة من قبل الإدارة العليا (عدالة تفاعلية).
- التنبؤ بالسلوكيات السلبية في العمل: الكشف المبكر عن احتمالات ظهور سلوكيات العمل المنحرفة (Counterproductive Work Behaviors)، والتغيب، ودوران العمل، والاحتراق النفسي، حيث أثبتت الدراسات أن تدني درجات العدالة يرتبط مباشرة بمشاعر الاستنزاف العاطفي والعداء تجاه المؤسسة.
- تقييم برامج التدخل الإداري والقيادي: قياس فاعلية البرامج التدريبية الموجهة للمديرين في تحسين مهارات التواصل، والاستماع الفعال، واتخاذ القرارات المحايدة عبر تقييمات ما قبل وبعد التدخل.
- تعزيز سلوك المواطنة التنظيمية: مساعدة صانعي القرار على إعادة هيكلة نظم المكافآت والإجراءات لتعزيز مشاعر الانتماء، والإيثار، والكياسة بين العاملين.
5. البناء النفسي
يعتمد المقياس على بناء نفسي ثلاثي الأبعاد يُعرف بـ “العدالة التنظيمية الشاملة”، حيث يُنظر إلى العدالة بوصفها ظاهرة نفسية إدراكية يبني الموظف من خلالها أحكاماً ذاتية حول المعاملة التي يتلقاها في العمل. فيما يلي تفكيك تفصيلي لكل بُعد من هذه الأبعاد الثلاثة:
أولاً: بُعد العدالة التوزيعية (Distributive Justice)
يشير هذا البناء إلى تقييم الفرد للعدالة والإنصاف في العوائد والمخرجات الملموسة وغير الملموسة التي يحصل عليها من المنظمة مقارنة بمدخلاته الشخصية (مثل الجهد، والخبرة، والوقت، والتعليم)، وكذلك بمقارنة نفسه بزملائه في العمل أو بنظرائه في المنظمات الأخرى. يتكون هذا المقياس الفرعي من خمس فقرات تقيس جوانب محددة هي:
- جدول ومواعيد العمل: مدى إنصاف نوبات العمل وساعات الدوام المخصصة للموظف مقارنة بطبيعة وظيفته وزملائه.
- مستوى الأجر والتعويض المالي: مدى ملاءمة الراتب الذي يتقاضاه الفرد مع حجم الجهد المبذول والمسؤوليات الملقاة على عاتقه.
- حجم أعباء العمل: مدى منطقية كمية المهام المطلوبة وعدم إثقال كاهل الموظف بأعباء تفوق طاقته بالمقارنة مع الآخرين.
- المكافآت الإجمالية والتقدير: مدى توازن المكافآت المادية والمعنوية مع ما يقدمه الموظف للمنظمة.
- المسؤوليات الوظيفية: مدى عدالة نطاق الصلاحيات والواجبات الموكلة إليه داخل الهيكل الوظيفي.
ثانياً: بُعد العدالة الإجرائية الرسمية (Formal Procedural Justice)
يركز هذا البناء على مدى إنصاف الوسائل والآليات والسياسات الرسمية التي تستخدمها المنظمة للوصول إلى القرارات وتوزيع المخرجات. لا يهتم هذا البعد بطبيعة النتيجة بحد ذاتها (التي قد تكون سلبية، مثل حرمان من ترقية)، بل بنزاهة المسار الإجرائي الذي أدى إليها. يتألف هذا البُعد من ست فقرات تغطي القواعد المعيارية التي حددها ليفنتال (Leventhal)، وتشمل:
- قمع التحيز (Bias Suppression): اتخاذ القرارات من قِبل المدير العام أو الإدارة بنزاهة وتجرد تام، دون محاباة أو مصلحة شخصية.
- تمثيل الموظفين وصوتهم (Voice): ضمان الاستماع إلى شواغل الموظفين وآرائهم قبل البت في القرارات المؤثرة.
- دقة المعلومات (Information Accuracy): الاعتماد على بيانات دقيقة، وموثوقة، وشاملة في عملية التقييم وصناعة القرار.
- الشفافية والتوضيح (Clarification): استعداد الإدارة لتقديم توضيحات ومعلومات إضافية عندما يطلب الموظفون ذلك.
- الاتساق عبر الأفراد والزمن (Consistency): تطبيق المعايير الإجرائية ذاتها على جميع الموظفين دون استثناء أو تمييز.
- قابلية التصحيح والاستئناف (Correctability): إتاحة آليات واضحة وقنوات رسمية للاعتراض والطعن في القرارات الإدارية.
ثالثاً: بُعد العدالة التفاعلية (Interactive/Interactional Justice)
يتناول هذا البناء جودة المعاملة الإنسانية والشخصية التي يتلقاها العاملون أثناء تنفيذ الإجراءات الإدارية، والتفاعل المباشر بين المشرفين والمرؤوسين. وفي الأدبيات اللاحقة، قُسم هذا البعد أحياناً إلى عدالة التعامل (Interpersonal Justice) والعدالة التفسيرية (Informational Justice)، إلا أن مقياس نيهوف ومورمان يدمجهما كبُعد متكامل وشامل يتألف من تسع فقرات تركز على محورين متكاملين:
- الاحترام والكرامة (Dignity and Respect): التعامل مع الموظف بلطف، ومراعاة مشاعره وحقوقه كإنسان، وإبداء الحساسية لاحتياجاته الشخصية أثناء اتخاذ القرارات الوظيفية وإبلاغها.
- الصدق والتبرير الكافي (Truthfulness and Justification): الصدق والنزاهة في الحديث، وشرح الدوافع والأسباب الحقيقية الكامنة وراء القرارات بأسلوب منطقي، ومناقشة التبعات والآثار المترتبة عليها بشفافية تامة.
6. الإطار النظري
ينبثق مقياس نيهوف ومورمان (1993) من تراكم نظري وفكري عميق يجمع بين عدة مدارس نفسية واجتماعية وإدارية، حيث تلاقحت ثلاثة تيارات نظرية كبرى لتشكيل هذا الإطار القياسي:
1. نظرية الإنصاف لجيه. ستايسي آدامز (Adams’ Equity Theory, 1965)
شكلت نظرية الإنصاف الأساس الفلسفي والتجريبي لنشأة بُعد العدالة التوزيعية. تفترض نظرية آدامز، المتجذرة في نظرية التنافر المعرفي لفيستنجر (Leon Festinger)، أن الأفراد يقيمون عدالة علاقاتهم بالمنظمة عبر حساب نسبة عوائدهم (الرواتب، المكافآت، التقدير) إلى مدخلاتهم (الجهد، الكفاءة، الوقت)، ومقارنة هذه النسبة بنسبة مخرجات/مدخلات الآخرين المرجعيين. إذا شعر الموظف بعدم التكافؤ (سواء كان نقصاً أو حتى زيادة غير مبررة)، ينشأ توتر معرفي ونفسي يدفعه لتعديل سلوكه (مثل خفض الجهد، أو التغيب، أو طلب زيادة الراتب) لاستعادة التوازن. وجهت هذه النظرية نيهوف ومورمان إلى صياغة فقرات تقيس بصورة مباشرة مدى اعتبار الموظف أن جدول عمله، وراتبه، وعبء عمله، ومسؤولياته متطابقة مع مبدأ الإنصاف والمساواة.
2. نموذج العدالة الإجرائية لثيبوت ووكر (1975) وليفنتال (1980)
أدرك علماء النفس التنظيمي أن نظرية الإنصاف قاصرة عن تفسير رضا الأفراد عندما تكون النتائج غير مواتية؛ وهنا برزت أعمال جون ثيبوت ولورنس ووكر (Thibaut & Walker, 1975) في البيئات القانونية، حيث أظهرا أن الأفراد يهتمون بـ “التحكم في العملية” (Process Control) أو ما يُعرف بمبدأ إعطاء الصوت (Voice). ثم طور جيرالد ليفنتال (Leventhal, 1980) هذا المفهوم ليطبقه على البيئات التنظيمية، واضعاً ستة معايير لعدالة الإجراءات: الاتساق، وتثبيط التحيز، ودقة المعلومات، وقابلية التصحيح، والتمثيل، والأخلاقية. استند نيهوف ومورمان مباشرة إلى قواعد ليفنتال في صياغة فقرات بُعد العدالة الإجرائية الرسمية الست، مع التركيز على دور المدير العام في تطبيق هذه المبادئ بصورة منهجية وموضوعية.
3. مفهوم العدالة التفاعلية لبيسبول وتولير (Bies & Moag, 1986; Tyler & Bies, 1990)
أشار روبرت بيسبول وجوزيف مواج (1986) إلى أن العدالة لا تتوقف عند السياسات المكتوبة والنتائج المادية، بل تشمل الطريقة التي يُعامل بها متلقو القرارات من قِبل صانعيها. لاحقاً، ربط توم تايلر وبيسبول (Tyler & Bies, 1990) هذا المفهوم بـ “نموذج القيمة العلائقية” (Relational Model of Authority)، الذي يرى أن احترام المشرف للمرؤوسين ونزاهته ينقل رسائل طمأنة نفسية حول مكانة الفرد وقيمته داخل الجماعة. انعكس هذا التوجه في مقياس نيهوف ومورمان من خلال صياغة فقرات العدالة التفاعلية التسع، التي تركز على الحساسية الإنسانية، وتوضيح الأسباب المنطقية، وصيانة كرامة الموظف.
4. نظرية التبادل الاجتماعي ودوافع سلوك المواطنة التنظيمية
استلهم نيهوف ومورمان أيضاً نظرية التبادل الاجتماعي لبيتر بلاو (Peter Blau, 1964) وقاعدة المعاملة بالمثل لجولدنر (Gouldner, 1960). تقوم الفلسفة التأسيسية للمقياس على أن إدراك العدالة التنظيمية بأبعادها الثلاثة يخلق لدى العاملين التزاماً نفسياً وأخلاقياً بمعاملة المنظمة بالمثل، الأمر الذي يدفعهم إلى الانخراط التلقائي في سلوكيات المواطنة التنظيمية (OCB) الخمسة: الإيثار، والكياسة، والروح الرياضية، والضمير الحي، والفضيلة المدنية (Organ, 1988).
7. الصدق
خضع مقياس نيهوف ومورمان لعمليات تدقيق سيكومترية واسعة في العينة التأسيسية والدراسات المستقلة اللاحقة، مما أكسبه أدلة متينة على مختلف أنواع الصدق:
صدق البناء والتحليل التوكيدي (Construct & Factorial Validity)
أكدت نتائج التحليل العاملي التوكيدي (Confirmatory Factor Analysis – CFA) في دراسة نيهوف ومورمان (1993) أن نموذج العوامل الثلاثة المستقلة (العدالة التوزيعية، والإجرائية، والتفاعلية) يتمتع بمطابقة أفضل بكثير للبيانات مقارنة بنماذج العامل الواحد أو العوامل المدمجة. وفي دراسة لاحقة أجراها أكينو ولويس وبرادفيلد (Aquino, Lewis, & Bradfield, 1999)، خضعت المقاييس مجدداً لاختبارات CFA الصارمة، وثبت بصورة قاطعة أن العدالة التوزيعية والإجرائية والتفاعلية هي بنى متميزة ومستقلة إمبريقياً، مما يعزز الصدق البنائي للأداة وقدرتها على تمثيل المجالات المفهومية المتمايزة للعدالة.
الصدق التقاربي والتلازمي (Convergent & Concurrent Validity)
أظهرت النتائج أن الأبعاد الثلاثة للعدالة ترتبط فيما بينها بارتباطات إيجابية دالة إحصائياً، حيث ارتبطت الإجراءات الرسمية إيجابياً بكل من العدالة التوزيعية والتفاعلية. كما بينت دراسة مورمان وبليكلي ونيهوف (Moorman et al., 1998) أن العدالة الإجرائية ترتبط ارتباطاً وثيقاً وموجباً بـ الدعم التنظيمي المدرك (Perceived Organizational Support – POS)، وبالمساعدة الشخصية بين الزملاء (Interpersonal Helping)، والاجتهاد الشخصي (Personal Industry)، والدعم المخلص للمنظمة (Loyal Boosterism)، مما يقدم دليلاً ناصعاً على الصدق التلازمي والتقاربي للبناء.
الصدق التنبؤي (Predictive Validity)
برهن المقياس على قدرة تنبؤية فائقة بالعديد من المخرجات السلوكية المهمة داخل المنظمات؛ ففي الدراسة التأسيسية (Niehoff & Moorman, 1993)، ارتبطت العدالة التوزيعية والإجرائية والتفاعلية ارتباطاً إيجابياً دالاً بجميع أبعاد سلوك المواطنة التنظيمية الخمسة (الإيثار، والكياسة، والروح الرياضية، والضمير الحي، والفضيلة المدنية). علاوة على ذلك، ارتبطت العدالة الإجرائية والتفاعلية إيجابياً بأساليب الرقابة الإدارية القائمة على ملاحظة المشرف لعمل الموظفين، بينما ارتبطت العدالة التفاعلية على وجه الخصوص بأسلوب عقد الاجتماعات الرسمية. وفي دراسة أكينو وآخرين (Aquino et al., 1999)، أثبتت العدالة التوزيعية قدرتها التنبؤية المعكوسة، حيث ارتبطت ارتباطاً سالباً دالاً بسلوكيات الانحراف في مكان العمل الموجهة ضد الزملاء (Deviant Behaviors Toward Other Employees)، وكذلك بالانفعال السلبي (Negative Affect) لدى الموظفين.
الصدق التمايزي (Discriminant Validity)
أثبتت تحليلات مصفوفة الارتباطات والتحليل العاملي متعدد السمات والطرق أن فقرات المقاييس الفرعية تميز بوضوح بين النزاهة في الإجراءات الرسمية والتعامل العلائقي؛ فرغم أن كلاً من الإجراءات والعدالة التفاعلية يعبران عن الجانب العملياتي، إلا أن معامل التباين المستخلص ومؤشرات المطابقة أكدت عدم تداخلهما التام مع مشاعر الرضا المادي عن العوائد الناتجة عن العدالة التوزيعية.
8. الثبات
يتمتع مقياس نيهوف ومورمان بمستويات ثبات وتجانس داخلي استثنائية عبر مختلف البيئات الثقافية والعينات المهنية. فيما يلي أبرز المؤشرات الإحصائية الموثقة للثبات:
- ثبات بُعد العدالة التوزيعية: تراوح معامل ألفا كرونباخ (Cronbach’s alpha) لهذا البعد المكون من 5 فقرات بين 0.72 و 0.74 في الدراسات الأساسية؛ حيث سجلت دراسة نيهوف ومورمان التأسيسية (1993) معامل ثبات قدره 0.72، وأكدت دراسة أكينو ولويس وبرادفيلد (1999) الحصول على معامل مماثل بلغ 0.74، وهو مستوى يقع ضمن النطاق المقبول والمتين سيكومترياً لمقاييس العلوم السلوكية.
- ثبات بُعد العدالة الإجرائية الرسمية: أظهر هذا المقياس الفرعي (6 فقرات) اتساقاً داخلياً مرتفعاً، حيث بلغ معامل ألفا كرونباخ 0.85 في دراسة نيهوف ومورمان (1993)، مما يشير إلى تماسك شديد بين الفقرات التي تقيس قمع التحيز، والاستماع لصوت الموظف، والاتساق الإجرائي.
- ثبات بُعد العدالة التفاعلية: حقق هذا المقياس الفرعي (9 فقرات) أعلى درجات الاتساق الداخلي بمفرده، مسجلاً معامل ألفا كرونباخ بلغ 0.92 في عينة دراسة نيهوف ومورمان (1993)، وهو ما يعكس ترابطاً مفاهيمياً وعملياتياً عميقاً بين فقرات الاحترام والصدق والتبرير.
- ثبات المقياس المركب للإجراءات والتفاعل: في دراسة مورمان وبليكلي ونيهوف (Moorman, Blakely, & Niehoff, 1998)، قام الباحثون بدمج فقرات الإجراءات الرسمية والعدالة التفاعلية في مقياس مركب مكون من 12 فقرة، وحقق هذا المقياس المركب معامل ألفا كرونباخ مرتفعاً للغاية بلغ 0.98، مما يدل على موثوقية لا تشوبها شائبة في قياس أبعاد العدالة غير التوزيعية.
9. التحليل العاملي
اعتمد نيهوف ومورمان (1993) على منهجية صارمة للتحقق من البنية العاملية للمقياس؛ حيث استخدما التحليل العاملي الاستكشفي (Exploratory Factor Analysis – EFA) ثم التحليل العاملي التوكيدي (CFA) عبر نمذجة المعادلات الهيكلية (Structural Equation Modeling – SEM) لاختبار البنية النظرية المفترضة.
نتائج التحليل العاملي الاستكشافي والتأكيدي:
تم إخضاع الفقرات العشرين لتدوير متعامد (Varimax Rotation)، وجاءت النتائج لتدعم بوضوح وجود ثلاثة عوامل رئيسية مستقلة بجذور كامنة (Eigenvalues) تزيد عن الواحد الصحيح، وفسرت مجتمعة نسبة كبيرة من التباين الكلي في إدراكات العدالة التنظيمية:
- العامل الأول (العدالة التفاعلية): تشبعت عليه الفقرات التسع الخاصة بالمعاملة الشخصية، والكرامة، والصدق، وتوضيح القرارات، بتشبعات عاملية قوية تراوحت بين 0.65 و 0.84، دون وجود تشبعات متقاطعة (Cross-loadings) معتبرة على العوامل الأخرى.
- العامل الثاني (العدالة الإجرائية الرسمية): تشبعت عليه الفقرات الست المعنية بالآليات المنهجية المتبعة من قبل المدير العام (الحياد، دقة المعلومات، الاستئناف، الاستماع للموظفين)، وجاءت قيم التشبع مرتفعة ومستقرة، متجاوزة عتبة 0.60 في معظم الفقرات.
- العامل الثالث (العدالة التوزيعية): تشبعت عليه الفقرات الخمس الخاصة بعدالة المخرجات والمكافآت والراتب وأعباء العمل، مشكلةً عاملاً متمايزاً تماماً عن العوامل الإجرائية والتفاعلية بتشبعات راوحت بين 0.55 و 0.78.
مقارنة النماذج التنافسية (Competitive Model Testing):
للتأكد من أن الأبعاد الثلاثة تمثل بنيات نفسية مستقلة وليست انعكاساً لعامل عام مفرد يُعرف بـ “تأثير الهالة” (Halo Effect) أو الرضا الوظيفي العام، قارن الباحثون (Niehoff & Moorman, 1993; Aquino et al., 1999) النموذج الثلاثي المفترض بنماذج بديلة:
- نموذج العامل الواحد (حيث تُجبر جميع الفقرات العشرين على التشبع على عامل عدالة عام).
- نموذج العاملين (دمج الإجراءات الرسمية والعدالة التفاعلية في عامل واحد في مقابل عامل العدالة التوزيعية).
- نموذج العوامل الثلاثة المستقلة (النموذج النظري المفترض).
أظهرت مؤشرات جودة المطابقة (مثل: Chi-Square/df, GFI, AGFI, CFI, RMSEA) تفوقاً إحصائياً كبيراً لنموذج العوامل الثلاثة؛ حيث انخفضت قيمة كاي تربيع بشكل دال إحصائياً مقارنة بالنماذج التنافسية، وحققت مؤشرات المطابقة المقارنة (CFI) قيماً فاقت 0.90 مع انخفاض ملحوظ في جذر متوسط مربعات خطأ الاقتراب (RMSEA < 0.06)، مما أثبت بشكل قاطع التمايز الإمبريقي للأبعاد الثلاثة.
10. أداة القياس
فيما يلي المواصفات الفنية المنهجية لأداة القياس وطريقة تطبيقها وتصحيحها:
- نوع الأداة: مقياس تقرير ذاتي (Self-report questionnaire) يقيس الاتجاهات والإدراكات التنظيمية المعرفية والعلائقية.
- الفئة المستهدفة: جميع فئات الموظفين والعاملين في مختلف القطاعات المؤسسية والشركات الصناعية والخدمية والحكومية.
- الزمن اللازم للتطبيق: يستغرق ملء المقياس في العادة ما بين 7 إلى 10 دقائق فقط.
- تنسيق وبنية المقياس: يتكون المقياس من 20 فقرة مقسمة إلى ثلاثة مقاييس فرعية محددة:
- العدالة التوزيعية (Distributive Justice): 5 فقرات.
- العدالة الإجرائية الرسمية (Formal Procedural Justice): 6 فقرات.
- العدالة التفاعلية (Interactive Justice): 9 فقرات.
- مقياس الاستجابة المعتمد (Response Scale): يُستخدم مقياس ليكرت السباعي (7-point Likert scale)، حيث تتراوح خيارات الاستجابة وفق التدريج التالي:
- 1 = أعارض بشدة (Strongly Disagree)
- 2 = أعارض (Disagree)
- 3 = أعارض إلى حد ما (Slightly Disagree)
- 4 = محايد / لست متأكداً (Neither Agree nor Disagree)
- 5 = أوافق إلى حد ما (Slightly Agree)
- 6 = أوافق (Agree)
- 7 = أوافق بشدة (Strongly Agree)
- الفقرات المعكوسة (Reverse-scored Items): لا يحتوي المقياس الأصلي على فقرات سلبية أو معكوسة التشفير؛ فجميع الفقرات صيغت بصورة إيجابية، بحيث تشير الدرجة المرتفعة دائماً إلى مستوى أعلى من العدالة المدركة.
- آلية التصحيح واستخراج الدرجات (Scoring Protocol):
- درجة المقياس الفرعي: يُحسب متوسط الدرجات (أو مجموعها) لكل بُعد على حدة عبر جمع قيم الاستجابات للفقرات التابعة له وقسمتها على عدد فقرات ذلك البُعد (بين 1 و 7).
- الدرجة الكلية: يمكن استخراج درجة إجمالية للعدالة التنظيمية عبر حساب المتوسط الحسابي العام لجميع الفقرات العشرين، غير أن التوصيات المنهجية تفضل الإبقاء على الدرجات المستقلة لكل بعد نظراً لتمايز تأثيراتها التنبؤية على المخرجات الوظيفية.
- التفسير المعياري: تدل المتوسطات من (1.00 إلى 2.99) على تدني حاد في إدراك العدالة؛ بينما تمثل الدرجات من (3.00 إلى 4.99) مستويات معتدلة أو غير مستقرة؛ في حين تشير المتوسطات من (5.00 إلى 7.00) إلى مستويات مرتفعة من الإنصاف المدرك في بيئة العمل.
11. الأذونات والرسوم وسنة الاختبار
نُشر هذا المقياس رسمياً لأول مرة في عام 1993 ضمن المقال المرجعي لنيهوف ومورمان في مجلة أكاديمية الإدارة المرموقة (Academy of Management Journal). حقوق الطبع والنشر الأصلية للمقال والفقرات محفوظة لأكاديمية الإدارة (© 1993 by Academy of Management).
فيما يتعلق بسياسات الاستخدام والأذونات:
- الاستخدام الأكاديمي والبحث العلمي غير التجاري: يُتاح المقياس مجاناً للأغراض الأكاديمية والبحثية، مثل أطروحات الماجستير والدكتوراه والبحوث العلمية المنشورة في المجلات المحكمة، دون الحاجة إلى دفع رسوم ملكية، شريطة توثيق المصدر الأصلي بدقة وفق نظام التوثيق المعتمد (APA) والإشارة إلى الباحثين نيهوف ومورمان (1993).
- الاستخدام التجاري والاستشاري: في حال الرغبة في إدراج المقياس ضمن منصات تجارية ربحية، أو حزم استشارية مدفوعة لإدارة المواهب، أو إعادة طباعته في كتب دراسية تجارية، يلزم الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر (Academy of Management) من خلال مركز تخليص حقوق النشر (Copyright Clearance Center – CCC) ودفع الرسوم المقررة وفق شروط الناشر.
12. المراجع
فيما يلي قائمة بالمراجع العلمية الأساسية الموثقة وفق دليل جمعية علم النفس الأمريكية الإصدار السابع (APA 7th edition):
- Adams, J. S. (1965). Inequity in social exchange. In L. Berkowitz (Ed.), Advances in experimental social psychology (Vol. 2, pp. 267-299). Academic Press. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60108-2
- Aquino, K., Lewis, M. U., & Bradfield, M. (1999). Justice perceptions, multicultural education, and employee deviance: A study of deviant behaviors in the workplace. Academy of Management Journal, 42(3), 260-272. https://doi.org/10.2307/257011
- Bies, R. J., & Moag, J. S. (1986). Interactional justice: Communication criteria of fairness. In R. J. Lewicki, B. H. Sheppard, & M. H. Bazerman (Eds.), Research on negotiations in organizations (Vol. 1, pp. 43-55). JAI Press.
- Blau, P. M. (1964). Exchange and power in social life. John Wiley & Sons.
- Leventhal, G. S. (1980). What should be done with equity theory? New approaches to the study of fairness in social relationships. In K. J. Gergen, M. S. Greenberg, & R. H. Willis (Eds.), Social exchange: Advances in theory and research (pp. 27-55). Plenum Press. https://doi.org/10.1007/978-1-4613-3087-5_2
- Moorman, R. H., Blakely, G. L., & Niehoff, B. P. (1998). Does perceived organizational support mediate the relationship between procedural justice and organizational citizenship behaviors? Journal of Applied Psychology, 83(3), 351-357. https://doi.org/10.1037/0021-9010.83.3.351
- Niehoff, B. P., & Moorman, R. H. (1993). Justice as a mediator of the relationship between methods of monitoring and organizational citizenship behavior. Academy of Management Journal, 36(3), 527-556. https://doi.org/10.2307/256593
- Organ, D. W. (1988). Organizational citizenship behavior: The good soldier syndrome. Lexington Books.
- Thibaut, J. W., & Walker, L. (1975). Procedural justice: A psychological analysis. L. Erlbaum Associates.
- Tyler, T. R., & Bies, R. J. (1990). Beyond formal procedures: The interpersonal context of procedural justice. In J. S. Carroll (Ed.), Applied social psychology and organizational settings (pp. 77-98). Lawrence Erlbaum Associates.