ألين نيويل – 1927 1992

ألين نيويل (Allen Newell)

  • 19 مارس 1927، سان فرانسيسكو، كاليفورنيا – 1992
  • أمريكي
  • المدرسة المعرفية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 16 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 16 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • إطلاق الثورة المعرفية والنموذج المعالجاتي للمعلومات
  • برنامج مُنظّر المنطق (Logic Theorist)
  • برنامج حل المشكلات العام (General Problem Solver)
  • فرضية النظم الرمزية الفيزيائية
  • معمارية سور (Soar Architecture)
  • لغات معالجة المعلومات (IPL)
  • تأسيس حقل التفاعل بين الإنسان والحاسوب

السيرة

يمثل تاريخ العلوم المعرفية والذكاء الاصطناعي حقلاً فريداً تتشابك فيه الفلسفة التحليلية مع الرياضيات المتقدمة وعلم النفس التجريبي وهندسة الحوسبة، وفي قلب هذا التقاطع التاريخي يقف العالم الأمريكي الفذ ألين نيويل (Allen Newell: 1927-1992) بوصفه واحداً من أبرز الآباء المؤسسين الذين أعادوا رسم خارطة الفكر الإنساني في النصف الثاني من القرن العشرين. لم يكن نيويل مجرد عالم حاسوب تقليدي ساهم في كتابة أسطر برمجية أو تصميم أجهزة عتادية، بل كان منظراً إبستمولوجياً ومجدداً سيكولوجياً أحدث ثورة فكرية أزاحت الهيمنة السلوكية عن المشهد العلمي، وأسست لما يُعرف اليوم بـ الثورة المعرفية (Cognitive Revolution). لقد تجلت عبقريته في قدرته الاستثنائية على رؤية الحاسوب الرقمي ليس كآلة حسابية لحل المعادلات العددية الصرفة، بل بوصفه بيئة تجريبية وأداة مفاهيمية تمكننا من استكشاف ألغاز العقل الإنساني ونمذجة العمليات الذهنية العليا، من حل المشكلات والاستدلال المنطقي إلى التفكير الإبداعي وبناء المعرفة المركبة.

امتدت مسيرة نيويل العلمية لما يقارب أربعة عقود، تميزت بعطاء بحثي متدفق وشراكات أكاديمية استثنائية، كان أبرزها تحالفه التاريخي والفكري مع العالم الراحل هيربرت سيمون (Herbert A. Simon)، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وجائزة تورينغ. معاً، صاغ هذا الثنائي العلمي المفاهيم التأسيسية لعصر المعلومات، بدءاً من تطوير أول برنامج ذكاء اصطناعي حقيقي في التاريخ “مُنظّر المنطق” (Logic Theorist)، وصولاً إلى مشروعهما الرائد “برنامج حل المشكلات العام” (General Problem Solver)، وإعلانهما لـ فرضية النظم الرمزية الفيزيائية (Physical Symbol System Hypothesis) التي وفرت الأساس الفلسفي والتجريبي لنمذجة العقل كمعالج للمعلومات الرمزية. ولم تتوقف طموحات نيويل الفكرية عند حدود البرامج المعزولة، بل تبلورت في أواخر مسيرته في سعيه الدؤوب لصياغة “نظريات موحدة للإدراك” عبر مشروعه المعماري الشامل المعروف بمعمارية “سور” (Soar Architecture)، في محاولة جسورة للإجابة عن التساؤل الخالد: كيف يمكن لكتلة بيولوجية فيزيائية محدودة أن تنتج هذا الطيف اللانهائي من السلوك الذكي والواعي؟

تستكشف هذه الدراسة الشاملة والمعمقة سيرة هذا المفكر الاستثنائي، وتتتبع مساراته الأكاديمية والمفاهيمية، وتغوص في بنيته الفكرية الصارمة التي مزجت بين المنهج الفيزيائي الكمي والتحليل السيكولوجي السلوكي والتطبيقي. من نشأته الأولى وتكوينه في رحاب كبرى المؤسسات البحثية مثل مؤسسة راند (RAND Corporation) وجامعة كارنيغي ميلون، إلى تأسيسه لحقل التفاعل بين الإنسان والحاسوب (Human-Computer Interaction)، نكشف كيف أسهم ألين نيويل في بناء المعايير التجريبية التي لا تزال توجه أبحاث علوم الإدراك، والذكاء الاصطناعي، وفلسفة العقل المعاصرة، مخلداً اسمه كواحد من أعظم بناة الفكر العلمي في العصر الحديث.

1. السيرة الذاتية والتشكل الأكاديمي لألين نيويل (1927-1992)

1.1 النشأة المبكرة والاهتمامات العلمية الأولى

ولد ألين نيويل في التاسع عشر من مارس عام 1927 في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأمريكية، في كنف بيئة أسرية تميزت بالثراء الفكري والانفتاح المعرفي والتقدير العميق للعلم التجريبي. كان والده، الدكتور روبرت ر. نيويل، أستاذاً بارزاً في علم الأشعة والطب الإشعاعي بكلية الطب في جامعة ستانفورد، وقد مثلت شخصية الوالد المرجعية الأولى التي طبعت عقل الصبي ألين بالانضباط العلمي الصارم. لم يكن الوالد مجرد طبيب ممارس، بل كان باحثاً شغوفاً بالفيزياء الطبية وابتكار المعدات والأدوات المعملية الدقيقة، مما وفر لنيويل الصغير فرصة نادرة لمعايشة المنهج العلمي في صورته التوليدية داخل المنزل والمختبر. تشرب نيويل من والده عقلية المهندس التي تبحث عن الآليات التحتية للظواهر، والنزعة الوضعية التي لا تقنع إلا بالبرهان التجريبي والتحليل المنطقي الصارم.

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية واقترابها من نهايتها، انخرط نيويل في خدمة الاحتياط في البحرية الأمريكية في الفترة ما بين عامي 1946 و1948، وهي تجربة صقلت وعيه العملياتي ووضعته في مواجهة مباشرة مع المشكلات المعقدة لإدارة الموارد، وشبكات الاتصالات، والدعم اللوجستي في البيئات العسكرية الحرجة. كُلف نيويل خلال تلك الفترة بمهام علمية وتطبيقية تتعلق بالاتصالات العسكرية والخرائط الإشعاعية في المحيط الهادئ أثناء التجارب النووية، الأمر الذي عزز قناعته بأهمية معالجة البيانات وتدفق المعلومات في توجيه الفعل البشري واتخاذ القرارات تحت وطأة اللايقين.

عقب إتمام خدمته العسكرية، التحق نيويل بـ جامعة ستانفورد المرموقة لدراسة الفيزياء، حيث نال درجة البكالوريوس في العلوم عام 1949. وقد تركت دراسة الفيزياء في فكر نيويل أثراً لا يمحى، إذ رسخت لديه الإيمان العميق بإمكانية صياغة قوانين كلية لتفسير الظواهر المعقدة، وأمدته بأدوات التحليل الرياضي والكمي الدقيق. كان نيويل ينظر إلى الأنظمة المعقدة—سواء كانت منظومات فيزيائية ذرية أو أجهزة عضوية بيولوجية—باعتبارها هياكل تخضع لقوانين حفظ الطاقة وتدفق المادة والمعلومات، وهو التصور الذي سينقله لاحقاً إلى دراسة العقل البشري، محولاً السيكولوجيا من فضاء للتأمل الظاهراتي إلى حقل للتجريب الفيزيائي المنظم.

1.2 الانتقال نحو الرياضيات وتأسيس الاهتمام بالعلوم السلوكية

بعد تخرجه من ستانفورد، اتجه نيويل إلى جامعة برينستون المرموقة لمتابعة دراساته العليا في قسم الرياضيات البحتة، محاطاً بنخبة من أعظم العقول الرياضية في القرن العشرين. غير أن إقامته في برينستون لم تدم سوى عام واحد؛ إذ شعر نيويل بأن الرياضيات المجردة الخالصة، برغم جمالها الصوري وتماسكها البديهي، تفتقر إلى الاتصال الحيوي بالمشكلات الإنسانية التطبيقية والظواهر الواقعية الدينامية. كان شغفه الحقيقي يكمن في تطبيق المنطق الرياضي الصارم على العالم المادي والأنظمة الاجتماعية والسلوكية، وليس في الانكفاء داخل فضاءات الطوبولوجيا والنظريات العددية المعزولة.

في عام 1950، اتخذ نيويل قراراً حاسماً شكل نقطة التحول الكبرى في مساره المعرفي بانضمامه إلى مؤسسة راند (RAND Corporation) في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا. كانت مؤسسة راند آنذاك بمثابة المهد الحقيقي لعلوم ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث التقت أبحاث العمليات، ونظرية الألعاب التي صاغها جون فون نيومان، والحوسبة الوليدة، والعلوم السلوكية في بوتقة استراتيجية واحدة. كُلف نيويل في راند بدراسة مشكلات الدفاع الجوي وتصميم محاكاة دقيقة لمحطات الرادار ونظم الإنذار المبكر التابعة لسلاح الجو الأمريكي. وكان التحدي الأكبر يتمثل في فهم كيفية تفاعل أطقم المراقبة البشرية مع شاشات الرادار ومعالجة تدفق الإشارات المشوشة تحت ضغط الوقت لاتخاذ قرارات اعتراض الطائرات المعادية.

قاد هذا المشروع نيويل إلى ملاحظة جوهرية: إن كفاءة المنظومة العسكرية لا تتوقف فقط على نقاء الإشارة الإلكترونية أو كفاءة الرادارات، بل تعتمد جذرياً على طبيعة التنظيم المعرفي البشري وسلاسل الاتصال بين الأفراد وقدرتهم على اختزال البيانات وتفسيرها. هنا ولدت اهتمامات نيويل بالعلوم السلوكية وعلم النفس الإدراكي. وفي أروقة راند عام 1952، حدث اللقاء التاريخي بين ألين نيويل وهيربرت سيمون، الذي كان يعمل مستشاراً للمؤسسة. وجد سيمون—أستاذ العلوم السياسية والإدارة الذي يمتلك اهتماماً موازياً باتخاذ القرار—في نيويل الشريك المثالي المتمتع بالمهارة البرمجية والعمق الرياضي والفيزيائي، لتبدأ بينهما واحدة من أطول وأخصب الشراكات العلمية في تاريخ الإبستمولوجيا المعاصرة.

1.3 المسار الأكاديمي في جامعة كارنيغي ميلون

انتقل نيويل مع هيربرت سيمون إلى مدينة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا، ليرتبط اسمه بصورة لا تنفصم بـ جامعة كارنيغي ميلون (المعروفة آنذاك بمعهد كارنيغي للتكنولوجيا). وفي كلية الإدارة الصناعية (Graduate School of Industrial Administration)، بدأ نيويل دراسته للحصول على درجة الدكتوراه تحت إشراف سيمون، حيث كان محور أطروحته يدور حول نمذجة عمليات التفكير البشري وصنع القرار عبر برامج الحوسبة الرقمية، ونال الدكتوراه عام 1957. وقد أسست تلك الكلية، تحت قيادة سيمون ونيويل، لنهج ثوري جعل من النمذجة الحاسوبية ركيزة أساسية لفهم السلوك المؤسسي والإداري والنفسي.

لم يكتفِ نيويل بالتدريس والبحث في إدارة الأعمال والعلوم النفسية، بل قاد جهوداً جبارة لتأسيس واحدة من أولى قلاع علوم الحاسوب في العالم. ففي عام 1961، ساهم نيويل مع سيمون وعالم الرياضيات آلان بيرليس في تأسيس برنامج علوم الحاسوب بجامعة كارنيغي ميلون، والذي تحول لاحقاً إلى مدرسة علوم الحاسوب (School of Computer Science) الرائدة عالمياً. عمل نيويل كجسر حيوي نابض بالحياة بين كليتي علم النفس وعلوم الحاسوب؛ حيث كان مكتبه ومختبره ملتقى للباحثين السيكولوجيين الراغبين في اختبار فرضياتهم عبر البرمجة، ولمهندسي البرمجيات الساعين لاستلهام الآليات الذهنية الإنسانية في كتابة خوارزميات الذكاء الاصطناعي.

توجت هذه المسيرة الحافلة بالعديد من أرقى التكريمات الأكاديمية العالمية؛ حيث نال نيويل بصحبة رفيق دربه هيربرت سيمون جائزة تورينغ (A.M. Turing Award)—التي تُعد بمثابة نوبل لعلوم الحاسوب—في عام 1975، تقديراً لمساهماتهما التأسيسية في الذكاء الاصطناعي، وعلم النفس المعرفي، ومعالجة القوائم. كما حظي باعتراف استثنائي من المجتمع السيكولوجي، حيث منحته الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) جائزة المساهمة العلمية المتميزة عام 1985، مما دلل بوضوح على أن نيويل، رغم خلفيته الفيزيائية والحاسوبية، قد غدا أحد أعمدة علم النفس الحديث وصانعي تحولاته المعرفية الكبرى.

2. جذور الثورة المعرفية وإعادة صياغة السيكولوجيا الحديثة

2.1 أزمة السلوكية وصعود النموذج المعالجاتي للمعلومات

حتى منتصف خمسينيات القرن العشرين، كانت السيكولوجيا الأكاديمية، لاسيما في الولايات المتحدة، ترزح تحت قبضة خانقة فرضتها المدرسة السلوكية (Behaviorism) بريادة جون واطسون وبي. إف. سكينر. تبنت السلوكية نزعة وضعية متطرفة، واعتبرت العقل البشري بمثابة “صندوق أسود” (Black Box) يستحيل سبر أغواره بطرق علمية موضوعية، ورأت أن العلم النفسي الرصين يجب أن ينحصر حصرياً في رصد وتسجيل المثيرات الخارجية (Stimuli) والاستجابات السلوكية المرئية (Responses)، نابذة مفاهيم مثل “الأفكار”، “الذاكرة”، “النوايا”، أو “التمثيلات الذهنية” باعتبارها خرافات ميتافيزيقية استبطانية تنتمي إلى عصر ما قبل العلم.

إلا أن هذا النموذج السلوكي الكلاسيكي بدأ يواجه مأزقاً إبستمولوجياً خانقاً عندما عجز عن تفسير الظواهر الإنسانية المعقدة مثل اكتساب اللغة الطبيعية، والتفكير التجريدي، وحل المعضلات الإبداعية، واتخاذ القرارات الاستراتيجية المعقدة. في هذا السياق المتأزم، ظهرت استعارة الحاسوب الرقمي، لا كمجرد أداة لإجراء الحسابات العددية، بل كـ “نموذج وجودي ومعرفي” بديل. لقد برهن نيويل وسيمون على أن الحاسوب هو نظام يتلقى مدخلات، ويخزنها، ويجري عليها عمليات تحويل داخلية، ويصدر مخرجات بناءً على قواعد رمزية مشفرة؛ وبالتالي، فإن دراسة “الحالات الداخلية” للنظام لم تعد أمراً غير علمي، بل غدت ضرورة ميكانيكية حتمية لتفسير السلوك الخارجي.

بلغ هذا التحول ذروته الرمزية والتاريخية في صيف عام 1956، وتحديداً في ورشة عمل دارتموث الشهيرة للذكاء الاصطناعي، والتي شارك فيها نيويل وسيمون إلى جانب مارفن مينسكي وجون مكارثي وكلود شانون. قدم نيويل وسيمون في ذلك المؤتمر ورقة بحثية مصحوبة ببرنامج حاسوبي فعلي يُدعى “مُنظّر المنطق” (Logic Theorist)، وهو برنامج كان قادراً على إثبات المبرهنات المنطقية المستمدة من كتاب Principia Mathematica لبرتراند راسل وألفريد نورث وايتهيد. لم يكن إنجاز نيويل مقتصراً على استعراض قوة الحواسيب، بل أطلق رصاصة الرحمة على السلوكية بإعلانه أن العقل يمكن دراسته كنظام لمعالجة المعلومات (Information Processing System)، معيداً الاعتبار المفاهيمي الكامل للعمليات الذهنية الداخلية.

2.2 المنطق والرمزية كأدوات لتفسير الإدراك

انطلق نيويل في تأسيسه للثورة المعرفية من أطروحة مفادها أن جوهر الإدراك الإنساني ليس ظاهرة سحرية متسامية، بل هو عملية معالجة للرموز (Symbol Manipulation). تتحدد الرموز في منظور نيويل بوصفها كيانات مادية قابلة للتعيين والإشارة إلى أشياء وأفكار وعلاقات تقع خارج النظام ذاته. ومن ثم، فإن التفكير ليس سوى تحويل صوري وتركيبي لهذه الرموز وفق قواعد منطقية محددة تشبه القواعد التي تحكم العمليات الرياضية والمعادلات الجبرية.

قاد هذا التصور الرمزي إلى ضرورة الفصل الإبستمولوجي الحاسم بين “الركيزة البيولوجية” (العتاد أو العضو العصبي المتمثل في الدماغ البشري) و”البنية المعرفية الوظيفية” (البرمجيات أو العقل). اعتبر نيويل أن دراسة العقل كمنظومة برمجية لمعالجة الرموز يمكن أن تتم بصورة موضوعية ومستقلة نسبياً عن تفاصيل النشاط الكيميائي والكهربائي للخلايا العصبية؛ فالمعلومة هي معلومة بغض النظر عما إذا كانت مشفرة في نبضات عصبية دماغية أو في حالات مغناطيسية على قرص صلب لحاسوب إلكتروني. فتح هذا التمييز الوظيفي الباب أمام الباحثين لصياغة نماذج نفسية دقيقة تعبر عن بنية المعرفة وقوانين الاستدلال بمعزل عن التعقيد البيولوجي للدماغ.

ولتحقيق هذه الرؤية على أرض الواقع التقني، أدرك نيويل أن لغات البرمجة الحسابية الكلاسيكية المتاحة في منتصف الخمسينيات—مثل لغة فورتران التي كانت مصممة للأرقام والمصفوفات الرياضية—عاجزة تماماً عن تمثيل البنى الرمزية المعقدة للعقل البشري كالروابط المنطقية، والقوائم المترابطة، والأشجار الهرمية. من هنا، ابتكر نيويل بالتعاون مع سيمون وجي. سي. شو (J. C. Shaw) لغات معالجة المعلومات القائمة على القوائم وتُعرف بـ لغات IPL (Information Processing Languages). كانت لغات IPL هي السلف المباشر للغة “ليسب” (Lisp)، ومكنت لأول مرة من تمثيل الأفكار والعلاقات المفاهيمية كشبكات وقوائم دينامية تتمدد وتتقلص استجابة لمعالجة المعرفة، مؤسسة بذلك العتاد البرمجي الذي شيدت عليه صروح العلوم المعرفية لعقود.

2.3 تكامل علم النفس وعلوم الحاسوب كمنهجية هجينة

لم يعتبر نيويل علوم الحاسوب مجرد تخصص هندسي منفصل، بل رأى فيها “المختبر التجريبي النهائي لعلم النفس”. أرسى نيويل منهجية هجينة غير مسبوقة تقوم على فكرة “المحاكاة الحاسوبية للعمليات المعرفية” (Computer Simulation of Cognition). وفقاً لهذه المنهجية، لم يعد كافياً لعالم النفس أن يطرح نظرية لفظية غامضة أو يضع رسماً تخطيطياً يحتوي على أسهم وصناديق غير محددة؛ بل يجب عليه صياغة نظريته في هيئة برنامج حاسوبي مكتمل الأركان وقابل للتنفيذ الخوارزمي.

في هذا الإطار المنهجي الصارم، يُنظر إلى البرنامج الحاسوبي بوصفه “النظرية النفسية بعينها”. فإذا كان البرنامج قادراً على استقبال نفس المثيرات التي يتلقاها الإنسان، وتوليد نفس الأنماط من الاستجابات والأخطاء وزمن الرجع (Reaction Time)، فإن هذا يوفر دليلاً برهانياً قوياً على أن العمليات الداخلية للبرنامج تماثل—بدرجة معينة من التجريد الوظيفي—العمليات الذهنية التي تجري داخل العقل البشري. إن البرنامج لا يسمح بالمواربة اللغوية؛ فالغموض النظري يقابله فشل تنفيذي في البرنامج البرمجي فوراً.

أحدث هذا التوجه زلزالاً إيجابياً في تقاليد البحث السيكولوجي؛ إذ فرض على الباحثين في علم النفس التجريبي التخلي عن التفسيرات الاستبطانية الفضفاضة، واستبدالها بنماذج رياضية وبرمجية محكمة الإغلاق المنطقي. تحولت أقسام علم النفس الرائدة، متأثرة بمركز كارنيغي ميلون، إلى بيئات عمل حاسوبية تستخدم تقنيات النمذجة الإجرائية للتحقق من صدق النظريات الخاصة بالذاكرة العاملة، واستراتيجيات التذكر، وآليات الانتباه، مما نقل السيكولوجيا من مرحلة الوصف الظاهري إلى مرحلة الهندسة التفسيرية العميقة.

3. فرضية النظم الرمزية الفيزيائية والأسس الفلسفية للعقل

3.1 تأصيل فرضية النظم الرمزية الفيزيائية (PSSH)

في محاضرتهما التاريخية بمناسبة استلام جائزة تورينغ عام 1975، والتي نُشرت كورقة مرجعية بعنوان “علوم الحاسوب بوصفها بحثاً تجريبياً: الرمز والبحث” (Computer Science as Empirical Inquiry: Symbols and Search) عام 1976، أعلن ألين نيويل وهيربرت سيمون عن صياغتهما الإبستمولوجية الأشهر عالمياً: فرضية النظم الرمزية الفيزيائية (Physical Symbol System Hypothesis – PSSH). تعد هذه الفرضية حجر الزاوية الفلسفي الذي استندت عليه كل من العلوم المعرفية والذكاء الاصطناعي الرمزي الكلاسيكي (GOFAI).

عرّف نيويل وسيمون “النظام الرمزي الفيزيائي” بأنه آلة مادية تتكون من مجموعة من الكيانات الرمزية الفيزيائية (Physical Patterns) التي يمكن أن تظهر كعناصر في تراكيب رمزية أكثر تعقيداً. ويحتوي النظام على آليات وعمليات قادرة على إنتاج هذه الرموز، وتعديلها، وإعادة تركيبها، وحذفها، وتخزينها، واسترجاعها، وتعيينها لدلالات أخرى. وتتضمن الفرضية شقين متلازمين يمثلان قمة الجرأة الفكرية:

  • شرط الضرورة: إن أي نظام يظهر سلوكاً ذكياً عاماً (General Intelligent Action) يجب بالضرورة أن يكون نظاماً رمزياً فيزيائياً؛ أي أنه لا يمكن لأي كائن، بيولوجياً كان أم اصطناعياً، أن يكون ذكياً دون امتلاك منظومة لمعالجة الرموز.
  • شرط الكفاية: إن امتلاك الكيان المادي لمقومات النظام الرمزي الفيزيائي كافٍ بحد ذاته لإنتاج الفعل الذكي؛ مما يعني أنه لا توجد أية قوة غيبية أو بيولوجية خاصة مطلوبة لإنتاج العقل سوى التنظيم المادي للرموز وعملياتها الإجرائية.

حملت هذه الفرضية تداعيات سيكولوجية وفلسفية زلزالية؛ فقد نزعت عن الإنسان احتكاره الوجودي للذكاء، واعتبرت الكائن البشري—من المنظور المعرفي الوظيفي—حالة خاصة وتجسيداً بيولوجياً معيناً لنظام رمزي فيزيائي خاضع تماماً لقوانين الكون الفيزيائية، متساوياً في ذلك من الناحية البنيوية المجردة مع الحاسوب الرقمي المصنوع من السيليكون والمفاتيح الكهربائية.

3.2 مستويات الإدراك والتحليل عند ألين نيويل

لدرء الخلط المفاهيمي بين التعقيد البيولوجي للدماغ والتجريد الرياضي للرموز، صاغ ألين نيويل نموذجاً تحليلياً دقيقاً يعتمد على تفكيك دراسة النظم الذكية إلى مستويات متمايزة، متأثراً ومتقاطعاً في ذلك مع المستويات الثلاثة الشهيرة لديفيد مار (David Marr)، ولكنه صبغها برؤيته الإجرائية الخاصة. ميز نيويل في أعماله المتأخرة، وتحديداً في كتابه “النظريات الموحدة للإدراك”، بين عدة مستويات معرفية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ “مقاييس الزمن الفيزيائي” للعمليات:

  1. المستوى المعرفي الرمزي (The Cognitive Level): وهو المستوى الذي تجري فيه العمليات المعرفية المنطقية في نطاق زمني يتراوح تقريباً بين 100 مللي ثانية وثوانٍ معدودة. في هذا المستوى، تُفسر التصرفات عبر أهداف الفرد، والتمثيلات الرمزية للعالم، والذاكرة العاملة، وقواعد الإنتاج التي تقود سلوك التفكير وحل المشكلات.
  2. المستوى البرمجي واللوجستي (The Architecture Level): وهو المستوى الذي يصف الهيكل الثابت للآليات المعرفية؛ أي كيفية تنظيم الذاكرة، وقنوات تدفق المعلومات بين الذاكرة قصيرة المدى وطويلة المدى، وخوارزميات التحكم التي تفعّل العمليات الرمزية وتدير النزاعات بين الرغبات المتعارضة داخل النظام.
  3. المستوى المادي/العصبي (The Physical/Neural Level): وهو القاع المادي للعمليات المعرفية، ويقاس بنطاقات زمنية متناهية في الصغر (تتراوح بين المللي ثانية إلى أجزاء من الألف من الثانية)، حيث يتحول الرمز إلى نشاط فسيولوجي يتمثل في جهد الفعل العصبي (Action Potential)، وإطلاق النواقل العصبية، والشبكات العصبية المشبكية في الدماغ.

أكد نيويل أن عظمة العقل البشري تنبع من قدرة مستواه الرمزي على “الانفصال الوظيفي” والاستقلال الذاتي في تنظيم الفعل العقلاني الموجه نحو الهدف، رغم ارتكازه التام على بنية فيزيائية عصبية بالغة الصغر والسرعة. هذا الربط بين الزمن الفيزيائي وطبيعة المعالجة مكن السيكولوجيا المعرفية من قياس العمليات الذهنية بميقاتيات تجريبية دقيقة تحاكي علوم الفيزياء والكيمياء.

3.3 الأبعاد الفلسفية لمعنى القصدية والتمثيل الذهني

أعادت فرضية النظم الرمزية الفيزيائية فتح النقاش المعمق حول معضلة “القصدية” (Intentionality) الفلسفية: كيف يمكن لكتل فيزيائية ورموز محضة لا تملك وعياً بذاتها أن تحمل “معنى” وأن تشير إلى أشياء خارج حدودها المادية؟ جادل نيويل بأن المعنى والدلالة (Semantics) لا ينبثقان من جوهر سحري، بل يتولدان عبر “العلاقات الوظيفية والسلوكية” التي يقيمها النظام مع بيئته. فالرمز يكتسب معناه داخل النظام المعرفي عندما يرتبط ببرامج إجرائية تستجيب لمثيرات بيئية وتوجه الأفعال المادية نحو أهداف حيوية متماسكة.

بهذا الطرح، قدم نيويل حلاً وظيفياً أنيقاً لـ المعضلة الديكارتية (العقل مقابل الجسد)؛ فالعقل ليس جوهراً روحياً منفصلاً كما ادعى رينيه ديكارت، بل هو “النمط التواصلي والإجرائي” الذي تشغله المادة المعقدة التنظيم. إنه السلوك الرمزي للنظام الفيزيائي في أرقى حالاته التكاملية.

في المقابل، واجهت أطروحات نيويل الرمزية مقاومة فلسفية شرسة، لاسيما من الفيلسوف الأمريكي جون سيرل (John Searle) وتجربته الفكرية الذائعة الصيت المعروفة بـ “حجة الغرفة الصينية” (Chinese Room Argument). جادل سيرل بأن التلاعب الصوري بالرموز وفق قواعد تركيبية (Syntax) لا يولد بأي حال فهماً حقيقياً أو دلالة باطنية (Semantics). إلا أن نيويل، حتى رحيله، كان يرد بثبات على هذه الانتقادات مؤكداً أن حجة سيرل ترتكب خطأ الخلط بين الفهم الجزئي للعميل المنفرد (الشخص داخل الغرفة) وبين “النظام الكلي” ككل؛ فالنظام الرمزي الفيزيائي المتكامل، عندما يرتبط بمستشعرات حسية ومحركات استجابة تفاعلية، يملك الفهم الإجرائي الكامل المؤهل لإنتاج الذكاء الحقيقي، مؤكداً أن فلسفة العقل يجب ألا ترتهن للبديهيات الفلسفية الحدسية بل للتقدم التجريبي لعلم النفس المعرفي.

4. برنامج حل المشكلات العام (GPS) وتفكيك البنية الذهنية

4.1 نشأة وفلسفة برنامج حل المشكلات العام (General Problem Solver)

في أواخر خمسينيات القرن الماضي (تحديداً عام 1959)، وانطلاقاً من النجاح الذي حققه برنامج “مُنظّر المنطق”، شرع ألين نيويل وهيربرت سيمون بمشاركة كليف شو في بناء برنامج طموح حمل اسماً دالاً وجريئاً: “برنامج حل المشكلات العام” (General Problem Solver – GPS). كان التحول من “مُنظّر المنطق” إلى “GPS” يمثل نقلة إبستمولوجية بالغة الأهمية؛ فالبرنامج الأول صُمم لأداء مهمة محددة ومقيدة بصرامة وهي إثبات مبرهنات المنطق الرياضي، في حين هدف GPS إلى تقديم إطار استدلالي عقلاني متعدد الاستخدامات قادر على حل مشكلات متباينة في مجالات مختلفة مثل الشطرنج، والألغاز الرياضية، والرموز المشفرة، والمسائل الهندسية، انطلاقاً من آلية موحدة ومستقلة عن مجال المعرفة نفسه.

كان الهدف السيكولوجي الأسمى لنيويل من وراء تصميم GPS ليس مجرد الاستعراض التكنولوجي أو إيجاد الحلول بأسرع وقت باستخدام الحسابات الرياضية الجبرية العمياء، بل تمثل في “محاكاة مسار التفكير الإنساني” (Simulating Human Thought Processes). ميز نيويل بوضوح بين الذكاء الاصطناعي “الهندسي البحت” الذي يوظف قوة المعالجة الهائلة لحساب ملايين الاحتمالات لكل خطوة (وهو النهج الذي تبنته خوارزميات البحث الحسابي لاحقاً)، وبين الذكاء المعرفي الإنساني الذي يعتمد على موارد حاسوبية محدودة جداً وطاقة ذهنية مقيدة، ولكنه ينجح في حل المعضلات المعقدة عبر استخدام الكشفيات الإرشادية والذكاء الاستراتيجي النوعي.

صُمم GPS ليعكس العجز البشري كما يعكس قدراته؛ فقد بُني ليواجه فضاءات المشاكل الضخمة بنفس القيود التي يواجهها الدماغ الإنساني: عدم القدرة على استعراض كل الاحتمالات، والاعتماد على اختزال الفروق والبحث الانتقائي الذكي، مما جعله أول محاولة علمية ناجحة لتحويل العمليات الاستدلالية النفسية المجردة إلى خوارزميات تنفيذية تعمل على آلة مادية صلبة.

4.2 تحليل الوسائل والغايات (Means-Ends Analysis) كاستراتيجية نفسية

يكمن الابتكار السيكولوجي والمنطقي الجوهري الذي قدمه نيويل وسيمون في برنامج GPS في صياغة استراتيجية تحليل الوسائل والغايات (Means-Ends Analysis). تمثل هذه الاستراتيجية أسلوباً استدلالياً محورياً تلجأ إليه الكائنات الذكية لردم الفجوة بين الواقع الراهن والهدف المنشود، وتعمل الآلية وفق الخطوات المنهجية التالية:

  • رصد الفروق: يقارن النظام باستمرار بين “الحالة الحالية” (Current State) للمشكلة و”حالة الهدف” (Goal State) المبتغاة، لتحديد طبيعة وحجم الفروق البنائية بينهما.
  • اختيار العامل المناسب: يبحث النظام في ذاكرته الإجرائية عن “عامل مؤثر” (Operator)—وهو إجراء أو خطوة فعلية—محدد ومصمم وظيفياً لتقليص هذا النوع المحدد من الفروق.
  • توليد الأهداف الفرعية: إذا تعذر تطبيق هذا العامل المؤثر مباشرة بسبب وجود شروط مسبقة غير متحققة، يقوم النظام تلقائياً بتعليق الهدف الأصلي وتوليد “هدف فرعي” (Sub-goal) يتمثل في إزالة العائق المؤقت لتأهيل النظام لتطبيق العامل المطلوب.
  • التكرار التراجعي: تتكرر هذه الدورة بطريقة استدعاء ذاتي (Recursive) تتقلص معها الفروق تدريجياً وتتحلل المشكلة الكبرى إلى سلسلة من المشكلات الصغرى القابلة للحل الفوري.

برهنت الأبحاث النفسية التي أجراها نيويل على أن تحليل الوسائل والغايات ليس مجرد كود برمجي، بل هو التوصيف الخوارزمي الدقيق لما يفعله الفرد البشري العادي عندما يوضع أمام مسألة غير مألوفة، مثل فك لغز “برج هانوي” (Tower of Hanoi) أو قيادة سيارة في مدينة جديدة؛ حيث يقوم العقل البشري تفكيكياً بتحويل المهمة المستحيلة إلى درجات صغيرة يسهل تسلقها خطوة إثر خطوة.

4.3 فضاء المشكلة واستكشاف المسارات البديلة

قدم نيويل لعلم النفس المعرفي مفهوماً تأسيسياً لا يزال يشكل ركيزة دراسات التفكير والإبداع حتى اليوم، وهو مفهوم فضاء المشكلة (Problem Space). يُعرّف فضاء المشكلة بأنه الفضاء الذهني والتصوري الذي ينشئه المفكر في وعيه لتمثيل الموقف الإشكالي. ولا يقتصر هذا الفضاء على المعطيات المادية الملموسة، بل يشمل الحالات الممكنة للمشكلة، بما في ذلك الحالة الابتدائية، وحالة الهدف، وكافة الحالات الوسيطة، ومجموعة العوامل والقوانين التي تحكم وتحدد إمكانية الانتقال من حالة إلى أخرى.

أوضح نيويل أن عملية التفكير وحل المشكلات هي في جوهرها عملية “بحث” (Search) داخل هذا الفضاء المعرفي المظلم. ونظراً لأن فضاءات المشكلات الواقعية تتسم بالاتساع الهائل واللانهاية الحسابية (تضخم اندماجي Combinatorial Explosion)، فإن البحث الأعمى أو العشوائي محكوم عليه بالفشل السريع. هنا تتدخل الحدود السيكولوجية الصارمة للإنسان، والمتمثلة في محدودية سعة الذاكرة العاملة (Working Memory) وضيق مدى الانتباه الواعي، لتقيد مسارات البحث الممكنة.

تستخدم المنظومة المعرفية البشرية الكشفيات الإرشادية (Heuristics)—وهي قواعد تقريبية ذكية مستمدة من الخبرة السابقة تختصر مسافات البحث وتقلص عدد الفروع المفحوصة في شجرة الاحتمالات. وقد مكن هذا الإطار نيويل من تفسير العديد من الظواهر السيكولوجية المعقدة، مثل “الاستبصار” (Insight) الذي فسره بأنه ليس إلا عملية إعادة هيكلة جذرية لفضاء المشكلة عبر تغيير تمثيل العوامل أو تبديل الأهداف، وكذلك حالات “التعثر المعرفي” أو التحجر الذهني (Mental Set) التي تحدث عندما يحبس المفكر نفسه داخل تمثيل غير كفء لفضاء المشكلة يعجز فيه عن رؤية المسارات البديلة المؤدية إلى الحل.

5. سيكولوجية حل المشكلات الإنسانية وتحليل بروتوكولات التفكير

5.1 كتاب ‘حل المشكلات الإنسانية’ (Human Problem Solving 1972)

في عام 1972، نشر ألين نيويل وهيربرت سيمون سفرهما الموسوعي الخالد Human Problem Solving، وهو عمل ضخم يقع في نحو ألف صفحة، مثل تتويجاً لعشرين عاماً من البحث المعملي والتنظير الفكري الرائد. يُعد هذا الكتاب على نطاق واسع واحداً من أعظم الأعمال الكلاسيكية في تاريخ علم النفس في القرن العشرين، حيث أحدث نقلة نوعية مماثلة لما أحدثه كتاب وليام جيمس مبادئ علم النفس في نهاية القرن التاسع عشر.

تضمن الكتاب توثيقاً وتحليلاً تجريبياً مكثفاً لآلاف الساعات من الاختبارات السيكولوجية التي أُجريت على أفراد انخرطوا في مهام فكرية محددة تتطلب استدلالاً مكثفاً: لعبة الشطرنج (Chess)، وحل مسائل المنطق الرمزي (Symbolic Logic)، وحل ألغاز التشفير الحسابي (Cryptarithmetic) مثل مسألة (DONALD + GERALD = ROBERT). لم يكن الهدف استعراض نتائج الحلول من حيث الصواب والخطأ، بل رصد الدقائق المتناهية للمسار المعرفي خطوة بخطوة أثناء تفكير المشارك في المسألة في الزمن الواقعي.

قدم الكتاب أول صياغة متماسكة ومكتملة للبنية المعرفية الإنسانية بصفتها “نظاماً لمعالجة الرموز تحكمه قواعد إنتاجية محددة”. وقد دشن هذا العمل معياراً جديداً في الكتابة الأكاديمية الصارمة؛ حيث جمع بين التفاصيل السيكولوجية الإمبريقية، والأدلة المنطقية المعمقة، والنماذج الحاسوبية التطبيقية، واضعاً حداً فاصلاً بين مرحلة التكهنات النظرية في السيكولوجيا وبين عصر النمذجة الإجرائية الدقيقة التي تتيح التحقق الرياضي من سير العمليات العقلية.

5.2 منهجية تحليل بروتوكولات التفكير بصوت عالٍ (Protocol Analysis)

لم يكن للثورة المعرفية التي قادها نيويل أن تكتمل دون ابتكار منهجية رصد إمبيريقية جديدة توازي المناهج الصارمة في العلوم الطبيعية. تمثلت هذه المنهجية في تطوير تحليل بروتوكولات التفكير بصوت عالٍ (Think-Aloud Protocol Analysis). وفيها يُطلب من الشخص المفحوص أن ينطق بكل ما يدور في ذهنه من أفكار، ومشاعر، وفرضيات، ومقارنات، وشكوك بصوت مرتفع دون توقف أو تنميق، أثناء معايشته الحية لحل المعضلة.

كان نيويل واعياً تماماً بالاعتراضات التاريخية التي وجهت لأسلوب “الاستبطان” (Introspection) الذي استخدمه فيلهلم فونت وتيتشنر في بواكير علم النفس، والذي نبذه السلوكيون بسبب ذاتيته المفرطة وغياب قابليته للمعايرة الموضوعية. لذا، صاغ نيويل وسيمون فارقاً جوهرياً بين الاستبطان القديم والتحليل المعاصر للبروتوكولات اللفظية:

  • الاستبطان الكلاسيكي يطلب من المفحوص “تفسير وتحليل” حالاته العقلية الذاتية، مما يحول الفرد إلى منظّر ذاتي مشوش.
  • أما التفكير بصوت عالٍ عند نيويل، فهو مجرد إخراج خام (Trace/Log) للحالات والرموز المتواجدة في الذاكرة العاملة الواعية دون أي محاولة من المفحوص لتفسيرها أو نقدها.

طور نيويل تقنيات بالغة الصرامة لتسجيل هذه التمتمات اللفظية، ومن ثم تفريغها وتقطيعها إلى شظايا إجرائية، وترميزها (Coding) إلى سلاسل من الحالات والعوامل، وتحويلها إلى رسوم بيانية لسلوك المشكلة (Problem Behavior Graphs – PBG). سمحت هذه الطريقة بمقارنة السلوك المسجل للمفحوص سطراً بسطر مع الخطوات التي ينفذها البرنامج الحاسوبي المحاكي، مما منح علم النفس المعرفي أداة تجريبية موضوعية وقابلة للقياس والتكرار لاختبار الفرضيات المتعلقة ببنية واستراتيجيات التفكير البشري.

5.3 دراسة الفروق بين الخبراء والمبتدئين

من أخصب التطبيقات السيكولوجية التي فجرها نيويل، بالتعاون مع تلميذه ويليام تشيس (William Chase) وسيمون، دراسة آليات اكتساب الخبرة والفروق النوعية في الأداء المعرفي بين “الخبراء” و”المبتدئين”، ولاسيما في لعبة الشطرنج. أعادت هذه الأبحاث صياغة المفهوم التقليدي للذكاء والعبقرية؛ إذ برهنت على أن الفرق الجوهري بين أستاذ الشطرنج الدولي واللاعب المبتدئ لا يكمن في امتلاك الأستاذ لقدرات بصرية استثنائية خارقة أو تفوق مسبق في سرعة المعالجة الدماغية، بل ينبع من “طبيعة وبنية تنظيم المعرفة المخزنة في الذاكرة طويلة المدى”.

كشفت التجارب أن أستاذ الشطرنج، بفضل سنوات الممارسة الطويلة، يمتلك في ذاكرته طويلة المدى عشرات الآلاف من “التكتلات المعرفية” أو الكتل ذات المغزى (Chunks). فعندما ينظر الأستاذ إلى رقعة الشطرنج لمدة خمس ثوانٍ فقط، فإنه لا يرى 32 قطعة منفصلة وموزعة عشوائياً (وهو ما يرهق الذاكرة قصيرة المدى المحدودة بسبعة عناصر تقريباً حسب قانون ميلر)، بل يرى أربعة أو خمسة تكتلات هادفة ومترابطة استراتيجياً. أما عندما وُضعت القطع على الرقعة بشكل عشوائي لا يمت بصلة لقواعد واستراتيجيات الشطرنج الحقيقية، تساوى الأستاذ تماماً مع المبتدئ في الفشل في تذكر المواضع؛ مما أثبت أن التفوق هو تفوق في “البنية التمثيلية للمعرفة” وليس في سعة الذاكرة الفيزيائية المجردة.

أفضت هذه الرؤية النيولية إلى استنتاجات تعليمية وتربوية ثورية: يدرك الخبراء في شتى المجالات (من الطب والتشخيص إلى الفيزياء والهندسة) فضاء المشكلة بصورة شمولية (Top-Down)، مرتكزين على المبادئ العميقة والتجريدات الجوهرية، بينما يظل المبتدئون أسرى التفاصيل السطحية والمعالجة البطيئة والبحث العشوائي. فتحت هذه الدراسات الباب واسعاً أمام تطوير برامج التدريب المهني وتصميم المناهج التربوية لتسريع انتقال المتعلمين من طور التفكير السطحي إلى طور التمثيل المعرفي الخبير.

6. أنظمة قواعد الإنتاج وهندسة السلوك المعرفي

6.1 طبيعة وبنية قواعد الإنتاج (Production Systems)

في مسار بحثه الدائم عن البنية الصورية القادرة على الربط بين التفكير الرمزي والسلوك التكيفي المرن، تبنى ألين نيويل وطور ما يُعرف بـ أنظمة قواعد الإنتاج (Production Systems)، وهي فكرة استلهمها في الأصل من أعمال المنطقي والرياضي إميل بوست (Emil Post). رأى نيويل في أنظمة الإنتاج النموذج المعرفي والبرمجي الأمثل لتمثيل العقل البشري أثناء أدائه لمختلف المهمات المعرفية.

تتأسس القاعدة الإنتاجية البسيطة على ثنائية إجرائية صورية تتخذ صيغة: “إذا تحقق الشرط، فنفّذ الإجراء” (IF [Condition] -> THEN [Action]). يتألف نظام الإنتاج المتكامل من ثلاثة مكونات وظيفية مترابطة:

  • الذاكرة العاملة (Working Memory): وتعمل كحيز دينامي لتخزين الحالات الراهنة، والمثيرات الحسية الوافدة من البيئة، والتمثيلات الرمزية التي تشغل وعي النظام في اللحظة الآنية.
  • ذاكرة الإنتاج أو الذاكرة الإجرائية (Production Memory): وتتضمن رصيد النظام الهائل من المعرفة الإجرائية، المشفرة في آلاف القواعد الإنتاجية الجاهزة للتفعيل.
  • دورة التعرف والتنفيذ (Recognize-Act Cycle): وهي الآلية الحركية التي تفحص محتويات الذاكرة العاملة بصورة دورية وسريعة، لتقارنها مع شروط القواعد المخزنة؛ فإذا تطابق محتوى الذاكرة العاملة مع شروط قاعدة معينة، تُطلق القاعدة ويُنفذ الإجراء التابع لها فوراً، مما قد يترتب عليه تعديل في محتوى الذاكرة العاملة نفسها أو إصدار فعل حركي خارجي.

قدم هذا النموذج لعلم النفس المعرفي قفزة نوعية؛ إذ تحول السلوك من مفهوم “الاستجابة الانعكاسية الآلية للمثير الخارجي” (وفق المنطق السلوكي الساذج) إلى “سلوك موجه داخلياً بالأهداف والنيات”. فالشرط في أنظمة الإنتاج نادراً ما يكون مثيراً حسياً محضاً، بل هو في الغالب وجود “هدف محدد” مرمز في الذاكرة العاملة، مما يمنح النظام مرونة مذهلة في التكيف مع الظروف الطارئة واسترجاع المعرفة ذات الصلة في الوقت المحدد وبلا إبطاء.

6.2 حل النزاعات والتحكم المعرفي

سرعان ما واجه نيويل في بناء هذه الأنظمة المعقدة معضلة سيكولوجية وبرمجية بالغة الدقة: ماذا يحدث عندما يتطابق محتوى الذاكرة العاملة في لحظة زمنية واحدة مع شروط “أكثر من قاعدة إنتاجية” متزامنة؟ تُعرف هذه الحالة بـ “حالة النزاع المعرفي” (Conflict Set)، وتتطلب من النظام المعرفي وجود ميكانيزمات ذكية لحسم هذا النزاع، وتحديد أي القواعد يجب أن تحظى بأولوية التنفيذ، وهي العملية التي تماثل سيكولوجياً توجيه الانتباه الواعي وتحديد الأولويات السلوكية لدى الإنسان.

اقترح نيويل مجموعة من المبادئ والقواعد السيكولوجية لحل النزاعات (Conflict Resolution Strategies)، تعكس السلوك الإنساني الرشيد في إدارة صراعاته الإدراكية:

  1. مبدأ الخصوصية (Specificity): تُمنح الأولوية للقاعدة التي تحتوي شروطها على تفاصيل أكثر ملاءمة للموقف العيني، على حساب القواعد العامة الأكثر عمومية.
  2. مبدأ الحداثة (Recency): تُفضل القواعد التي تتطابق شروطها مع المعطيات التي دخلت مؤخراً إلى الذاكرة العاملة، وهو ما يفسر سيكولوجياً ميل الإنسان لتركيز انتباهه على أحدث المستجدات في بيئته المحيطة.
  3. مبدأ أولوية الهدف المنشود (Refraction and Refinement): عدم تكرار تطبيق نفس القاعدة على نفس البيانات لمنع النظام من الوقوع في الدوران العبثي في حلقات مفرغة، مع إعطاء القواعد الخادمة للهدف المركزي الصريح الصدارة في التنفيذ.

قدمت أنظمة الإنتاج بهذا الطرح نموذجاً فريداً لـ “التحكم اللامركزي” (Decentralized Control)؛ فالسلوك المعرفي البشري لا يتطلب وجود “رجل قزم” داخلي (Homunculus) يجلس في الدماغ ويدير العمليات كما تصورت النظريات القديمة، بل ينبثق السلوك المتماسك والذكي تلقائياً من التناغم الدينامي وتوالي تفعيل هذه القواعد المتفاعلة ذاتياً داخل بيئة الذاكرة العاملة.

6.3 أنظمة الإنتاج المبكرة وتطورها نحو الهياكل العامة

في سبعينيات القرن العشرين، انخرط نيويل في معهد كارنيغي ميلون في سلسلة من المشاريع البرمجية التجريبية لترجمة هذه المبادئ إلى معماريات حاسوبية عاملة ومرنة. قاد نيويل تطوير أنظمة إنتاج تأسيسية مثل نظام PSG (Production System Language) في عام 1973، والذي كان مخصصاً في البداية لنمذجة نتائج تجارب الذاكرة قصيرة المدى وأزمنة الرجع البشري في مهام التذكر والاستدعاء اللفظي.

تلا ذلك تطوير عائلة أنظمة OPS الشهيرة (Official Production System)، لاسيما تحت قيادة تلميذه تشارلز فورجي (Charles Forgy) بتوجيه وإلهام مستمرين من نيويل. وقد بلغت هذه الجهود ذروتها في ابتكار خوارزمية ريتي (Rete Algorithm) في أواخر السبعينيات، وهي الخوارزمية الفائقة التي حلت المشكلة المستعصية المتمثلة في البطء الحاسوبي لمقارنة آلاف القواعد بمحتويات الذاكرة العاملة في كل دورة زمنية، مما أتاح قفزة نوعية في سرعة التنفيذ جعلت أنظمة الإنتاج قابلة للتطبيق على أرض الواقع الصناعي والطبي.

لم يقتصر تأثير هذه الأنظمة على علم النفس المعرفي الخالص، بل أصبحت حجر الزاوية الذي شيد عليه صرح “النظم الخبيرة” (Expert Systems) التي اجتاحت عالم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي التطبيقي في الثمانينيات (مثل نظام XCON لتكوين الحواسيب في شركة DEC). والأهم من ذلك، كان نيويل يرى في أنظمة الإنتاج المكتملة ما هو أعظم من مجرد تقنية حاسوبية؛ لقد رأى فيها “الجسر الإبستمولوجي والوظيفي المفقود” الذي يصل بين الرمز المعرفي المجرد المنظم منطقياً، والنشاط العصبي البيولوجي المشتت والمتوازي، موفراً نموذجاً حقيقياً لكيفية بزوغ التفكير الإنساني المركب من أسس مادية وإجرائية بالغة البساطة والدقة.

7. معمارية العقل البشري ونشأة مشروع ‘سور’ (Soar)

7.1 مفهوم المعمارية المعرفية (Cognitive Architecture)

مع مطلع ثمانينيات القرن العشرين، شعر ألين نيويل بنوع من عدم الرضا المعرفي تجاه مسار أبحاث الذكاء الاصطناعي وعلم النفس الإدراكي؛ فقد كانت الأبحاث تتجه أكثر فأكثر نحو التجزؤ، وبناء نماذج متفرقة مخصصة لمعالجة مهام معزولة (برنامج مخصص للرؤية، وآخر لفهم الجمل النحوية، وثالث للعب الشطرنج، ورابع لتعلم المفردات). جادل نيويل بأن هذا التشتت يبتعد عن جوهر الطبيعة الإنسانية المتكاملة؛ فالإنسان لا يملك عقولاً مستقلة لكل مهمة، بل يمتلك “عقلاً واحداً” قادراً على توظيف نفس المنظومة الإدراكية لممارسة شتى الأنشطة المتنوعة. من هنا، بلور نيويل المفهوم النظري لـ المعمارية المعرفية (Cognitive Architecture).

عرّف نيويل المعمارية المعرفية بأنها: “البنية الوظيفية الثابتة والعتاد الإجرائي الكامن الذي يدعم ويشغل العمليات الذهنية المتنوعة للكائن الذكي”. ولتوضيح هذا المفهوم، صاغ نيويل تفرقة حاسمة بين بعدين:

  • المعمارية (The Architecture): وهي الهيكل الثابت الذي لا يتغير بتغير المواقف؛ وتشمل آليات تنظيم الذاكرة، والقدرة الاستيعابية للذاكرة العاملة، وخوارزميات حل النزاع، وآلية التعلم، والقوانين المادية التي تحكم سرعة المعالجة ونقل البيانات بين الأجزاء.
  • المحتوى أو المعرفة (The Knowledge): وهي البيانات والمعلومات والخبرات المتغيرة واللانهائية التي يكتسبها النظام من بيئته ويخزنها داخل هذه المعمارية لتوجيه سلوكه.

أكد نيويل أن فهم العقل يقتضي بالضرورة الكشف عن هذه المعمارية التحتية؛ لأنها هي التي تقيد وتحدد حدود الأداء البشري، وتفسر أسباب ارتكاب الإنسان لبعض الأخطاء المعرفية النمطية، وتحدد السرعة القصوى لاتخاذ القرارات وردود الأفعال، وتشكل الوعاء النهائي الذي تتشكل داخله كل سلوكياتنا الواعية.

7.2 مشروع ‘سور’ (Soar Architecture): الأسس والأهداف

في عام 1983، وفي إطار سعيه الجريء لترجمة مفهوم المعمارية المعرفية الشاملة إلى واقع تطبيقي، أطلق ألين نيويل، بالتعاون مع باحثَين شابين بارزين هما جون ليرد (John E. Laird) وبول روزنبلوم (Paul S. Rosenbloom)، مشروع المعمارية المعرفية سور (Soar). كان الهدف من Soar يتجاوز كل المشاريع السابقة: تصميم معمارية حاسوبية معرفية موحدة لا تكتفي بحل المشكلات أو ممارسة الاستدلال المنطقي فحسب، بل تدمج في نسق تركيبي واحد عمليات حل المشكلات، والتعلم المستمر، والتفاعل الحسي والحركي مع البيئة في الزمن الحقيقي.

تأسست معمارية Soar على مجموعة من المبادئ الإبستمولوجية الحاسمة والمترابطة:

  1. فضاء المشكلة كفضاء عام للسلوك: ينطلق النظام من افتراض راديكالي مؤداه أن “كل سلوك موجه نحو هدف—سواء كان حل مسألة رياضية معقدة، أو التقاط كوب شاي، أو فهم جملة لغوية—يمكن بل يجب تمثيله كعملية بحث داخل فضاء مشكلة محدد”.
  2. الذاكرة المبنية حصرياً على قواعد الإنتاج: تُخزن كافة أنواع المعرفة في Soar (بما في ذلك المعرفة التقريرية والإجرائية والتصريحية) في هيئة واحدة متجانسة: قواعد إنتاجية شرطية (Production Rules).
  3. الذاكرة العاملة الدينامية: تستقبل المعطيات الآنية من المستشعرات الحسية أو الاسترجاعات الداخلية، وتتغير معطياتها مع كل دورة لتفعيل القواعد.
  4. دورة القرار الموجهة بالحالة: يمر النظام بدورات مستمرة تتضمن اقتراح العوامل (Operators)، وتقييمها، والمفاضلة بينها، وتطبيق العامل الأنسب لتغيير حالة النظام نحو الهدف المنشود.

أصبحت معمارية Soar بمثابة المختبر التجريبي الأبرز للذكاء الاصطناعي الرمزي والمعرفي في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، ومثلت التجسيد البرمجي المباشر لعقيدة نيويل المعرفية حول وحدة البنية العقلية وتماسكها الميكانيكي المنظم.

7.3 التعلم التلقائي وآلية التقطيع (Chunking Mechanism)

كان التحدي الأعظم الذي واجه نيويل في Soar هو تفسير كيفية تعلم العقل البشري واكتسابه للمهارات التلقائية دون الحاجة إلى تدخل برمجي خارجي مستمر. ولحل هذه المعضلة، ابتكر نيويل وفريقه آلية ثورية تُدعى آلية التقطيع في Soar (Soar Chunking Mechanism)، بوصفها آلية التعلم الوحيدة والكلية داخل المعمارية.

تتولد آلية التقطيع وتنشط حصرياً عند مواجهة النظام لما أسماه نيويل بـ “المأزق المعرفي” (Impasse). ويحدث المأزق عندما تعجز قواعد الإنتاج العادية المخزنة عن تحديد الخطوة التالية؛ كأن يجد النظام نفسه أمام خيارات متعددة متساوية الأفضلية ولا يدري أيهما يختار (Tie Impasse)، أو عندما لا يجد أي عامل مؤهل للتطبيق في الحالة الراهنة (No-Change Impasse). عندئذٍ، لا يتوقف النظام أو ينهار، بل تقوم المعمارية تلقائياً بتوليد “فضاء مشكلة فرعي” (Sub-state Problem Space) يكون هدفه الأوحد هو: “حل المأزق وتحديد العامل الأفضل”.

ينخرط النظام في فضاء المشكلة الفرعي في عمليات بحث واستدلال معمقة، مستخدماً معارف تقريبية وكشفيات متعددة للوصول إلى قرار حاسم. وبمجرد نجاح النظام في حسم الموقف وحل المأزق، تتدخل آلية “التقطيع” المعمارية لترصد مسار المعالجة الذي أدى إلى هذا الحل، وتقوم بتلخيصه واختزاله في “قاعدة إنتاجية جديدة” تُضاف فوراً ودائماً إلى الذاكرة طويلة المدى للنظام. تحتوي القاعدة الجديدة على الشروط الابتدائية التي أدت للمأزق في شق الشروط، وتحتوي في شق الإجراء على الحل النهائي الذي تم التوصل إليه.

يترتب على ذلك أنه إذا واجه النظام نفس الموقف في المستقبل، فإنه لن يقع في المأزق ولن يحتاج إلى البحث في فضاء فرعي، بل ستُفعل القاعدة الجديدة فوراً في كسر من الثانية. والأمر المذهل سيكولوجياً وتجريبياً في هذه الآلية—كما أثبت نيويل وروزنبلوم تجريبياً—هو أن تسارع أداء Soar بفضل آلية التقطيع يتطابق تطابقاً رياضياً تاماً مع قانون القوة للممارسة (Power Law of Practice) في علم النفس البشري التجريبي؛ حيث ينخفض زمن تنفيذ المهام لدى البشر مع التدريب وفق دالة قوى لوغاريتمية صارمة، مما دل على أن آلية التقطيع التلقائي في Soar تقدم تفسيراً ميكانيكياً بالغ الصدق لكيفية تحول الأفعال العقلية الواعية والمعقدة إلى عادات ذهنية ومهارات تلقائية روتينية تجري دون عناء واعي.

8. النظريات الموحدة للإدراك (Unified Theories of Cognition)

8.1 محاضرات ويليام جيمس (1987) وكتاب النظريات الموحدة للإدراك

في ربيع عام 1987، دُعي ألين نيويل لإلقاء “محاضرات ويليام جيمس” المرموقة في جامعة هارفارد، وهو المنبر الأكاديمي الأعرق في علم النفس الأمريكي. استغل نيويل هذه المناسبة التاريخية ليطلق صرخته الفكرية المدوية ومانيفستو حياته العلمي الذي تحول لاحقاً إلى كتابه المرجعي البارز الصادر عام 1990 عن دار نشر جامعة هارفارد بعنوان: النظريات الموحدة للإدراك (Unified Theories of Cognition – UTC). كان الكتاب بمثابة مرافعة فلسفية وعلمية كبرى ضد حالة التردي والتشرذم التي انحدر إليها علم النفس المعاصر.

استهل نيويل طرحه بتذكير المجتمع العلمي بمقالته الشهيرة والتحذيرية التي نشرها عام 1973 بعنوان: “لا يمكنك أن تلعب 20 سؤالاً مع الطبيعة وتفوز” (You Can’t Play 20 Questions with Nature and Win). انتقد نيويل بشدة إدمان علماء النفس على عزل الظواهر في ثنائيات قطبية ضيقة (مثل: واعي مقابل لاواعي، فطري مقابل مكتسب، صوري مقابل وظيفي، متسلسل مقابل متوازي) وتراكم آلاف الدراسات المعملية الدقيقة دون وجود نظرية كبرى جامعة تؤلف بين هذا الشتات. جادل نيويل بأن تراكم الوقائع التجريبية المعزولة لا يصنع علماً حقيقياً، وأن علم النفس سيظل علماً قاصراً ما لم يتجرأ الباحثون على بناء “نظريات موحدة للإدراك” تجمع في نسق مفاهيمي واحد شتات العقل الإنساني: الإدراك الحسي، والتعلم، والذاكرة العاملة، والاستدلال، واللغة الطبيعية، والتحكم الحركي، والانفعالات النفسية.

رفض نيويل بحسم دعاوى المشككين الذين ادعوا أن العقل البشري بالغ التعقيد والتناقض بحيث يستحيل إخضاعه لنظرية موحدة، مشيراً إلى أن الفيزياء لم تستسلم لتعقيد الكون، بل صاغت قوانين نيوتن وميكانيكا الكم والنظرية النسبية لتأطير حركة المادة. وكان مشروعه يكمن في إثبات أن المعماريات المعرفية الحاسوبية—وعلى رأسها مشروع Soar—تمثل المرشح الواقعي والتجريبي الأول لتحقيق هذا الحلم الويلفردي الأكبر وصياغة النظرية الموحدة المنشودة للعقل الإنساني.

8.2 مقاييس الزمن المعرفي وبنية الوعي الزمني

من أعمق الرؤى التحليلية التي طرحها نيويل في كتابه النظريات الموحدة للإدراك هي منظومة “مقاييس الزمن المعرفي” (Time Scales of Human Action). افترض نيويل أن الطبيعة تتنظم في مستويات هرمية صارمة من حيث المدى الزمني الذي تستغرقه العمليات، وقسم السلوك الإنساني إلى أربعة عوالم زمنية كبرى تتفرع إلى مستويات فرعية دقيقة:

  • النطاق البيولوجي (Biological Band): يمتد من $10^{-4}$ إلى $10^{-2}$ ثانية (0.1 إلى 10 مللي ثانية)؛ ويشمل النبضات العصبية، والنشاط الأيوني على مستوى الخلايا العصبية المشبكية في الدماغ.
  • النطاق المعرفي (Cognitive Band): يمتد من $10^{-1}$ إلى $10^{1}$ ثانية (100 مللي ثانية إلى 10 ثوانٍ)؛ ويمثل البؤرة الجوهرية لعلم النفس المعرفي. في هذا النطاق، تحدث عمليات استرجاع الرموز، وإطلاق القواعد الإنتاجية (نحو 100 مللي ثانية)، وعمليات اتخاذ القرار الأولي، وحلقات الإدراك والفعل البسيطة.
  • النطاق العقلاني أو الرشيد (Rational Band): يمتد من $10^{2}$ إلى $10^{4}$ ثانية (دقائق إلى ساعات معدودة)؛ حيث ينخرط الكائن في التفكير المعقد الموجه نحو الغايات الكبرى، وصياغة الخطط، ولعب مباريات الشطرنج، وحل المسائل البرمجية. في هذا النطاق، تظهر “العقلانية” بأجلى صورها، حيث يتصرف النظام بناءً على ما تمليه المعرفة المحضة.
  • النطاق الاجتماعي والتاريخي (Social and Historical Band): يمتد من $10^{5}$ ثانية فما فوق (أيام، وشهور، وسنوات)؛ ويشمل السلوك التعاوني بين الأفراد، والتنظيم المؤسسي، وتراكم الثقافة والتقاليد عبر الأجيال التاريخية المتعاقبة.

أوضح نيويل أن المعمارية المعرفية البشرية تشكلت عبر التطور لتكون الجسر الرابط بين بطء العمليات البيولوجية العصبية (التي لا تتجاوز سرعتها بضعة مئات من الهيرتز) وبين متطلبات التكيف مع العالم الفيزيائي في الزمن الفعلي. ومن خلال تثبيت حدود النطاق المعرفي عند حدود 100 مللي ثانية كحد أدنى للدورة المعرفية الواحدة، نجح نيويل في تقديم تفسير علمي متين للقيود الزمنية المفروضة على سرعة البديهة والوعي الإنساني، مبرهناً على أن الوعي ليس تدفقاً مستمراً هلامياً، بل هو سلسلة متتابعة من دورات المعالجة الرمزية الميكانيكية السريعة.

8.3 معايير تقييم النظريات المعرفية الشاملة

لم يترك ألين نيويل دعوته لبناء النظريات الموحدة للإدراك في إطار الأمنيات الفكرية المجردة، بل وضع مصفوفة معيارية صارمة تتألف من اثني عشر معياراً علمياً واختبارياً وتطبيقياً؛ واشترط أن تخضع لها أي نظرية سيكولوجية تدعي لنفسها الشمول والتوحيد قبل أن تحظى باعتراف المجتمع العلمي. تمثلت هذه المعايير المتطلبة في ضرورة قدرة المعمارية على إثبات كفاءتها في الأبعاد التالية:

  1. إظهار سلوك مرن وموجه بالكامل نحو الأهداف الحيوية.
  2. العمل في بيئة واقعية في الزمن الفعلي ومجاراة سرعة الأحداث المادية.
  3. التعامل مع كميات هائلة من المعارف الرمزية المتنوعة دون انهيار المعمارية تحت وطأة التضخم.
  4. استخدام الرموز والمفاهيم التجريدية في التمثيل الذهني للواقع.
  5. استخدام وتوليد اللغة الطبيعية والتواصل الرمزي البشري.
  6. التعلم المستمر واكتساب المهارات والخبرات التراكمية من المحيط البيئي.
  7. التكامل التام بين الإدراك البصري والحسي، وعمليات التفكير، والتحكم في الحركات الميكانيكية للجسد.
  8. القدرة على التفكير المجرد، وحل المشكلات غير المألوفة، والاستدلال الاستقرائي والاستنباطي.
  9. القدرة على التعافي التلقائي من الأخطاء العارضة والأعطال الطارئة في مسار المعالجة.
  10. التوافق التام مع القيود والمقاييس العصبية والفسيولوجية للدماغ البشري.
  11. التطابق التجريبي مع مقاييس الزمن المعرفي البشري (لاسيما أزمنة الرجع ومعدلات النسيان).
  12. القدرة على البزوغ التطوري والنمو النمائي من مرحلة الطفولة إلى النضج المعرفي الرشيد.

بهذه المعايير الصارمة، وضع نيويل مسطرة تقييمية لا ترحم للنظريات السيكولوجية، مبيناً أن النماذج الجزئية الشائعة في علم النفس تكتفي عادة بتلبية معيار أو معيارين فقط من هذه المنظومة بينما تعجز عن الاستجابة للبقية، مما جعل كتابه بمثابة خارطة طريق استشرافية للمستقبل المعرفي توجه الباحثين في كيفية توحيد شتات السلوك البشري تحت مظلة علمية رصينة وموحدة.

9. التفاعل بين الإنسان والحاسوب (HCI) ونموذج GOMS النفسي

9.1 تأسيس سيكولوجية التفاعل بين الإنسان والحاسوب

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، نقل ألين نيويل طاقته الإبداعية إلى وادٍ تطبيقي جديد لم يكن قد تشكل بعد كعلم مستقل، وذلك من خلال تعاونه التاريخي مع عالمين بارزين في مختبرات شركة زيروكس بارك (Xerox PARC) الشهيرة في وادي السيليكون: ستيوارت كارد (Stuart K. Card) وتوماس موران (Thomas P. Moran). كانت زيروكس بارك آنذاك تصنع ثورة الحوسبة الشخصية عبر ابتكار واجهات المستخدم الرسومية (GUI)، والفأرة الحاسوبية (Mouse)، وشاشات العرض النقطية، وتحرير النصوص على الشاشات.

أدرك نيويل ورفاقه أن تصميم هذه التقنيات الجديدة لا يمكن أن يُترك للحدس العفوي للمهندسين أو التخمينات الجمالية غير الدقيقة. كانت هناك حاجة ملحة لتأسيس فرع علمي وتطبيقي جديد يرتكز على تطبيق النظريات النفسية لمعالجة المعلومات في تصميم واستخدام الأنظمة الرقمية، وهو ما تبلور بصورة قاطعة في كتابهم التأسيسي الذي غيّر وجه التكنولوجيا وصدر عام 1983 بعنوان: سيكولوجية التفاعل بين الإنسان والحاسوب (The Psychology of Human-Computer Interaction). أعلن هذا الكتاب الولادة الرسمية لحقل التفاعل بين الإنسان والحاسوب (Human-Computer Interaction – HCI).

أحدث نيويل وزملاؤه ثورة منهجية في هذا المجال؛ حيث نقلوا تصميم التقنيات من مرحلة “التجربة والخطأ” إلى مرحلة “العلوم الهندسية المعرفية التنبؤية”. أصبح بمقدور المصمم أن يتنبأ علمياً بدقة بالوقت الذي سيستغرقه المستخدم البشري لإنجاز مهمة معينة على الشاشة، ومعدل الأخطاء المحتملة التي قد يقع فيها، ومقدار العبء الإدراكي الواقع على ذاكرته العاملة، حتى قبل أن يتم كتابة سطر برمجي واحد للنظام المقترح.

9.2 عناصر نموذج GOMS ومستويات تطبيقه

كان الابتكار النظري والتطبيقي الأبرز الذي انبثق من أبحاث نيويل وكارد وموران هو صياغة نموذج GOMS الشهير. يمثل هذا النموذج أداة تحليلية وسيكولوجية تهدف إلى تفكيك المهام الإجرائية الروتينية التي يمارسها الخبراء والمستخدمون عند تفاعلهم مع الواجهات الرقمية. يتألف النموذج من أربعة أركان بنائية متضافرة تختصرها حروف اسمه:

  • الأهداف (Goals): وهي ما يسعى المستخدم لتحقيقه من خلال التفاعل مع النظام (مثل: حذف فقرة نصية، البحث عن ملف، إغلاق نافذة). وتتصف الأهداف بالبنية الهرمية؛ حيث ينقسم الهدف الأكبر إلى منظومة من الأهداف الفرعية التابعة.
  • العوامل أو العمليات (Operators): وهي الأفعال الإجرائية والفيزيائية والحركية والذهنية الأولية التي يؤديها المستخدم لتحقيق الأهداف (مثل: الضغط على زر الفأرة، تحريك المؤشر، الضغط على مفتاح في لوحة المفاتيح، مسح الشاشة بالعين، استرجاع معلومة من الذاكرة).
  • الأساليب (Methods): وهي التتابعات الإجرائية المتسلسلة والمترابطة من العوامل والعمليات التي تقود مجتمعة لتحقيق هدف معين. على سبيل المثال، قد يتضمن أسلوب حذف كلمة في معالج النصوص: تحريك الفأرة لتحديد الكلمة، ثم الضغط على زر الحذف.
  • قواعد الاختيار (Selection Rules): وهي القواعد المنطقية والمعرفية التي يستخدمها الفرد ليقرر أي أسلوب يتبعه إذا توفر أكثر من أسلوب بديل لتحقيق نفس الهدف في بيئة معينة.

أثبت نموذج GOMS فاعلية فائقة في حساب الزمن القياسي اللازم لأداء المهام المكتبية المعقدة، مثل إدخال البيانات والتعديل المطبعي وتشغيل المقاسم الهاتفية. ووفر للمؤسسات الصناعية والتكنولوجية الكبرى أدوات كمية لتصميم واجهات استخدام تقلل الهدر الزمني، وتحد من الإجهاد الإدراكي والحركي، مؤكداً قوة النماذج المعرفية الرمزية لنيويل عندما تُنزل من أبراج التنظير العاجية إلى مصاف التطبيق التكنولوجي الملموس.

9.3 نموذج المعالج الإنساني للمعلومات (Model Human Processor)

لإضفاء الطابع الهندسي والكمي الصارم على حسابات نموذج GOMS، صاغ نيويل وكارد وموران نموذجاً سيكولوجياً وفسيولوجياً استثنائياً أطلقوا عليه اسم “نموذج المعالج الإنساني للمعلومات” (Model Human Processor – MHP). يمثل MHP تجسيداً عبقرياً لمنظومة الإنسان وكأنه حاسوب بيولوجي متكامل يتألف من ثلاثة معالجات فرعية متمايزة لكل منها ذاكرته الخاصة وزمن دورته التشغيلية الدقيقة، المستقاة من رصيد أبحاث علم النفس التجريبي والفسيولوجي:

  1. المعالج الحسي (The Perceptual Processor): يستقبل المثيرات الفيزيائية من الحواس (البصر والسمع) ويخزنها في مخازن حسية فورية (مثل الذاكرة الأيقونية البصرية والذاكرة الصدوية السمعية). حدد النموذج زمن الدورة المعرفية لهذا المعالج بنحو 100 مللي ثانية في المتوسط (بمدى يتراوح بين 50 و200 مللي ثانية).
  2. المعالج المعرفي (The Cognitive Processor): يستقبل البيانات المرمزة من المخازن الحسية والذاكرة العاملة، ويجري عليها التحويلات الرمزية وتفعيل قواعد الإنتاج. يتسم هذا المعالج بدورة تشغيلية زمنية تبلغ نحو 70 مللي ثانية (بمدى يتراوح بين 25 و170 مللي ثانية).
  3. المعالج الحركي (The Motor Processor): يترجم القرارات الصادرة عن المعالج المعرفي إلى أفعال عضلية وميكانيكية مادية تنفذها اليد والأصابع والعينان؛ وتبلغ الدورة الزمنية لتنفيذ الأمر الحركي نحو 70 مللي ثانية (بمدى يتراوح بين 30 و100 مللي ثانية).

أتاح هذا التوصيف الرياضي والكمي الدقيق دمج قوانين سيكولوجية كلاسيكية شهيرة—مثل قانون فيتس (Fitts’s Law) لحساب زمن الحركة اليدوية، وقانون هيك (Hick’s Law) لحساب زمن اتخاذ القرار—في معادلات هندسية موحدة. وبذلك، نجح نيويل في إدخال الإنسان كعنصر محسوب بدقة داخل معادلات تصميم الأنظمة التقنية، محولاً السيكولوجيا من علم وصفي رخو إلى شريك هندسي أساسي في صناعة ثورة التكنولوجيا الرقمية.

10. الشراكة الفكرية بين ألين نيويل وهيربرت سيمون

10.1 دينامية التعاون وأوجه التكامل بين العالمين

في تاريخ العلوم الحديثة، تندر التحالفات الفكرية التي بلغت من العمق والخصوبة والاستمرارية ما بلغته الشراكة بين ألين نيويل وهيربرت سيمون؛ فهذه الشراكة التي انطلقت شرارتها الأولى عام 1952 في مؤسسة راند واستمرت نابضة بالعطاء لما يقارب أربعة عقود متواصلة في جامعة كارنيغي ميلون، لم تكن مجرد زمالة عمل عابرة، بل كانت تلاحماً فكرياً نادراً أعاد صياغة إبستمولوجيا العلوم الإنسانية والمعلوماتية.

تميزت هذه الشراكة بتكامل معرفي استثنائي بين شخصيتين تتمتعان بقدرات عقلية متباينة ومتضافرة:

  • ألين نيويل: كان يمثل العقلية الفيزيائية والمنطقية الصارمة؛ فهو المهندس المعماري الخارق الذي يجيد بناء المنظومات الحوسبية الشاملة، ويتقن فن كتابة الأكواد المعقدة، والتحليل اللوجستي الدقيق، وتصميم الهياكل البرمجية المتكاملة والمغلقة منطقياً.
  • هيربرت سيمون: كان يمثل الموسوعية الإنسانية والاجتماعية الشاملة؛ فهو عالم السياسة والاقتصاد الحائز على نوبل، ذو الأفق الفلسفي الرحب، والقدرة الفذة على قراءة الأبعاد المؤسسية والاجتماعية والتنظيمية للظواهر الإدراكية وصياغة المفاهيم الكبرى.

اتسمت منهجية العمل المشترك بينهما بالنزاهة العلمية والتواضع المعرفي المتبادل؛ حيث كانا يعقدان جلسات حوار ونقاش يومية تتسم بالجدل السقراطي الصارم والمراجعة النقدية الجريئة لكل فكرة. كان كل منهما يكتب ويعدل على نصوص وأفكار الآخر دون أي تحسس فردي حول الأسبقية أو الملكية الفكرية، حتى غدا من العسير على مؤرخي العلم في كثير من الأحيان أن يفصلوا أين تبدأ أفكار نيويل وأين تنتهي بصمات سيمون في منشوراتهما التأسيسية المشتركة.

10.2 المفاهيم المشتركة وأثرها في الفكر الإنساني

أثمر هذا التعاون الخلاق عن إطلاق منظومة من المفاهيم الفكرية التي هزت أركان العلوم الاجتماعية والنفسية. في مقدمة هذه المفاهيم صياغة وتطوير نظرية العقلانية المقيدة (Bounded Rationality)، التي حطمت أسطورة “الإنسان الاقتصادي الخارق” (Homo Economicus) في الفكر الكلاسيكي، الذي يفترض فيه معرفة كل البدائل وحساب كل الاحتمالات لتعظيم المنفعة المطلقة. برهن نيويل وسيمون على أن العقل البشري يملك موارد حسابية وطاقة ذاكرية محدودة تجعله عاجزاً عن الوصول للمثالية؛ ولذلك يلجأ إلى استراتيجيات الكشفيات الإرشادية ومفهوم “الرضا والاكتفاء” (Satisficing)، أي البحث عن حل بديل يكون “جيداً بما فيه الكفاية” لحل المشكلة دون الانغماس في البحث الأعمى المرهق.

توج هذا الإنجاز المشترك بنيلهما أرقى درجات الاعتراف الأكاديمي العالمي، وعلى رأسها منحهما المشترك لـ جائزة تورينغ لعام 1975. وجاء في بيان التكريم أن نيويل وسيمون، من خلال عملهما الموحد في “مُنظّر المنطق” وبرنامج حل المشكلات العام وفرضية النظم الرمزية الفيزيائية، قد أحدثا نقلة تاريخية لم تكتفِ بتأسيس الذكاء الاصطناعي كفرع علمي صارم، بل أعادت رسم وتوحيد خارطة العلوم المعرفية، وأظهرت كيف يمكن للمحاكاة الحاسوبية أن تسبر أغوار النفس البشرية بمنهجية إمبريقية لا يرقى إليها الشك.

10.3 استقلالية نيويل وأسلوبه الخاص في سنواته الأخيرة

برغم هذا التحالف التاريخي المتين، شهدت سنوات الثمانينيات نوعاً من التمايز الأكاديمي والاستقلالية الإبداعية الصحية بين العالمين، فرضتها طبيعة الاهتمامات البحثية المتباينة لكل منهما في ختام مسيرته العلمية. اتجه هيربرت سيمون بتوسيع آفاقه نحو علم النفس التربوي، والاقتصاد السلوكي، وتطوير برامج المحاكاة الحاسوبية لنمذجة آليات “الاكتشاف العلمي” لدى عظماء العلماء في التاريخ (مثل مشروع برنامج BACON لاكتشاف القوانين الفيزيائية)، فضلاً عن انخراطه الدائم في النقاشات الفلسفية للأكاديمية الوطنية للعلوم.

في المقابل، صب ألين نيويل كل طاقته وتركيزه الهائل في سنواته العشر الأخيرة داخل أروقة مدرسة علوم الحاسوب بجامعة كارنيغي ميلون على قيادة مشروعه الأيقوني الأعظم: معمارية Soar والنظريات الموحدة للإدراك. كان نيويل يؤمن بأن الوقت قد حان للانتقال من مرحلة إطلاق المفاهيم الكلية إلى مرحلة الهندسة التوليدية للمعمارية الموحدة للعقل، فكان يقضي أيامه ولياليه في المختبر مع فرق الباحثين والطلاب، يشرف على التفاصيل الخوارزمية المعقدة، ويوجه رسائل الدكتوراه، ويقود الاجتماعات البرمجية الأسبوعية الصارمة بكل تواضع وحماس طفولي متجدد.

وظل الحوار الفكري والنقدي راقياً ومستمراً بين الرفيقين حتى الأسابيع الأخيرة من حياة نيويل عام 1992. وعقب وفاة نيويل المأساوية بمرض السرطان، كتب هيربرت سيمون نصاً تأبينياً تاريخياً نابعاً من أعماق القلب والوجدان الأكاديمي، نُشر في سجلات الجمعيات العلمية، واصفاً إياه بأنه: “العملاق الفكري، والمهندس العظيم الذي علمني التفكير الصارم، والصديق والرفيق الاستثنائي الذي جسد نبل العالم ونزاهة الباحث التي لا تشوبها شائبة”، مؤكداً أن فراغ نيويل في المشهد العلمي العالمي لا يمكن أن يعوضه باحث منفرد.

11. الانتقادات العلمية والجدل المعرفي حول أطروحات نيويل

11.1 هجوم الاتصالية (Connectionism) والشبكات العصبية

لم يخلُ المسار الفكري لألين نيويل من عواصف الجدل والنقد الإبستمولوجي العنيف، وكان التحدي الداخلي الأكبر لمدرسته الرمزية الكلاسيكية قد تفجر في ثمانينيات القرن العشرين مع الصعود الكاسح لما يُعرف بـ المذهب الاتصالي (Connectionism) ونماذج “المعالجة الموزعة المتوازية” (Parallel Distributed Processing – PDP) بريادة ديفيد روميلهارت وجيمس ماكليلاند، والتي تشكل السلف المباشر لما يُعرف اليوم بـ التعلم العميق (Deep Learning) والشبكات العصبية الاصطناعية.

وجه الاتصاليون انتقادات لاذعة لنظرية النظم الرمزية الفيزيائية ولمعمارية Soar، استندت إلى حجج معتبرة:

  • الهشاشة المعرفية (Brittleness): تعاني الأنظمة الرمزية الصارمة من الهشاشة؛ فأي خطأ طفيف في كتابة الرمز أو اختلال شرطي في قاعدة الإنتاج قد يؤدي إلى شلل تام في استدلال النظام، في حين أن السلوك البشري الطبيعي يتسم بالمرونة والتدهور المتدرج والتكيف مع الضجيج والمواقف الناقصة.
  • مشكلة الإدراك الحسي السريع والتعرف على الأنماط: تفشل الرمزية الصريحة في تقديم تفسير مقنع للآليات التي ندرك بها الوجوه، أو نميز بها نبرات الأصوات، أو نتعرف بها على الحروف المكتوبة بخط اليد في كسر من الثانية، وهي أمور لا يمكن التعبير عنها بقواعد شرطية منطقية صلبة.
  • البعد عن الواقع البيولوجي للدماغ: الدماغ البشري ليس معالجاً رمزياً متسلسلاً، بل هو شبكة عصبية هائلة تتكون من مليارات العصبونات الموزعة التي تعالج الإشارات بصورة متوازية ودون حاجة لوجود ميكانيزم تحكم مركزي.

تصدى نيويل بصلابة لهذه الهجمات، مدافعاً عن استقلال المستوى المعرفي الرمزي؛ وأكد أن النماذج الاتصالية العصبية تصف ما يجري في “المستوى المادي/العصبي التحت-معرفي” (Sub-symbolic level)، لكنها تفشل تماماً في تفسير العمليات العقلية العليا مثل التفكير المجرد، والاستدلال الاستنباطي، والاستيعاب النحوي التوليدي للغة، وحل المشكلات الهرمية المعقدة، وهي ظواهر تتطلب حتماً آليات رمزية منظمة وقواعد إنتاجية دقيقة، مؤكداً أن المستقبل سيفرض نموذجاً هجيناً يستوعب الرموز فوق بنية تحتية شبكية متوازية.

11.2 تحديات الإدراك المتجسد (Embodied Cognition) والبيئة

على جبهة فلسفية أخرى، وجه فلاسفة الإدراك وظاهريات السيكولوجيا نقداً حاداً لنموذج نيويل لما أسموه بـ “العقل الحبيس في الصندوق” (Cognition in a Vat) أو النموذج “الديكارتي المنفصل”. جادل رواد مدرسة الإدراك المتجسد (Embodied Cognition)—مثل الفيلسوف هوبرت دريفوس (Hubert Dreyfus) ومارك جونسون—بأن التفكير الإنساني ليس مجرد تلاعب بارد برموز رياضية مجردة مخزنة داخل ذاكرة إلكترونية معزولة، بل هو نتاج مباشر لكون الإنسان يمتلك “جسداً فيزيائياً حياً” يتحرك ويتفاعل تفاعلاً دينامياً حركياً وبيولوجياً مستمراً مع البيئة المكانية والمادية المحيطة به.

أكد النقاد أن الكثير من العمليات الذكية لا تحتاج إلى تمثيلات رمزية داخلية على الإطلاق (كما بين رودني بروكس في تصميمه لروبوتات الحشرات التي تتفاعل حسياً وحركياً دون نماذج رمزية)، بل إن البيئة نفسها تعمل بمثابة “الذاكرة الخارجية” للنظام. كما أُخذ على نيويل تغييبه شبه التام لدور “المشاعر والعواطف” (Emotions) والمحددات الحيوية للجسد في تشكيل التفكير واتخاذ القرار؛ فالكائن البشري ليس آلة منطقية باردة تبحث في فضاء المشكلات، بل هو كائن بيولوجي تسبق مشاعره ورغباته وحالات جسده الفسيولوجية حساباته العقلانية الرمزية.

استجاب نيويل بمرونة فكرية لهذه التحديات في السنوات الأخيرة من مشروع Soar؛ حيث وسع نطاق المعمارية المعرفية لترتبط بمستشعرات روبوتية واقعية، محاولاً دمج آليات الإدراك البصري والتحكم الحركي التفاعلي ضمن دورات المعمارية في الزمن الفعلي. ورغم إقراره بأهمية المشاعر والجسد، إلا أنه ظل متمسكاً بأن التمايز السلوكي النوعي للنوع الإنساني، والذي يفصله عن الحيوانات اللافقارية، يتأسس حصرياً في القدرة على تحرير الفكر من أسر ردود الأفعال المادية الحركية اللحظية والانخراط في المحاكاة والتمثيل الرمزي الداخلي المجرد للمستقبل والاحتمالات.

11.3 الحدود المنهجية لتحليل البروتوكولات اللفظية

حتى الأداة المنهجية الأكثر لمعاناً التي ابتكرها نيويل، والمتمثلة في “تحليل بروتوكولات التفكير بصوت عالٍ”، لم تسلم من النقد السيكولوجي التجريبي الصارم. كان أبرز الانتقادات المنهجية التي وجهها علماء النفس المعرفيون تتعلق بـ “تأثير التفاعل والمراقبة” (Reactivity Effect)؛ فإجبار المفحوص على التحدث والنطق بصوت مرتفع أثناء أدائه لمهمة فكرية معقدة يؤدي بطبيعته إلى استهلاك جزء لا يستهان به من موارد الذاكرة العاملة وسعة الانتباه المقيدة، مما قد يغير ويبطئ، أو حتى يشوه، المسار الطبيعي الحقيقي للعملية المعرفية ذاتها عما لو كانت تجري في صمت وهدوء.

علاوة على ذلك، أثبتت الدراسات المقارنة التي أجراها باحثون مثل ريتشارد نيزبت وتيموثي ويلسون في دراستهما الشهيرة “إخبار أكثر مما يمكننا معرفته” (Telling More Than We Can Know)، أن قسماً عظيماً من العمليات الإدراكية واتخاذ القرار البشري يجري في مستويات “لاواعية وتحت-معرفية” معقدة تعجز آليات الوعي عن النفاذ إليها. ومن ثم، فإن ما يقوله المفحوص في البروتوكول اللفظي قد لا يكون سوى “تبرير منطقي بعدي” (Post-hoc Rationalization) وليس انعكاساً دقيقاً ومباشراً للحالات الحسابية الداخلية للذهن.

كما أظهرت أبحاث تتبع حركة العين (Eye-Tracking) وجود فجوات زمنية ملحوظة بين تثبيت النظر على عناصر معينة في فضاء المشكلة وبين نطق المفحوص بما يراه، مما برهن على أن اللغة اللفظية هي ناقل متأخر وبطيء لمسارات التفكير الأسرع بكثير. ومع ذلك، لم تنكر هذه الانتقادات القيمة التاريخية لمنهجية نيويل، بل أسهمت في صقلها ومعايرتها، ودفعت السيكولوجيا الحديثة إلى تبني مناهج مركبة تدمج التسجيل اللفظي مع المؤشرات الفسيولوجية، وتتبع حركة البؤبؤ، والتصوير الدماغي المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لبناء صور متكاملة لأفعال الذهن الإنساني.

12. الإرث العلمي والمستقبل: ألين نيويل في علم النفس المعاصر

12.1 استمرار وتطور المعماريات المعرفية المعاصرة

لم يمت فكر ألين نيويل برحيله الجسدي عام 1992، بل تحولت أطروحاته إلى منظومة بحثية حية تتطور وتتسع باستمرار عبر الأجيال العلمية المتعاقبة. لا يزال مشروعه العظيم، معمارية Soar، ينبض بالحياة تحت قيادة رفيق دربه جون ليرد وفريقه البحثي في جامعة ميشيغان، ووصلت المعمارية إلى إصدارها التاسع وما بعده، حيث وُظفت بنجاح في مهام استراتيجية بالغة التعقيد، من قيادة طائرات المحاكاة الحربية التكتيكية ذاتية التحكم لصالح وزارة الدفاع الأمريكية، إلى توجيه الروبوتات الذكية للتعاون مع البشر في البيئات الصناعية والطبية الخطرة.

كما امتد التأثير المباشر لنيويل إلى أعظم صرح موازٍ في السيكولوجيا المعرفية المعاصرة: معمارية ACT-R التي صممها وبناها تلميذه وزميله البروفيسور جون أندرسون (John R. Anderson) في جامعة كارنيغي ميلون. استلهم أندرسون قواعد الإنتاج وأنظمة الذاكرة المعمارية من نيويل، ولكنه طعمها بآليات إحصائية بيزية وتوافق فسيولوجي دقيق مع مناطق الرنين المغناطيسي في الدماغ البشري، مما جعل ACT-R المعمارية السيكولوجية الأكثر انتشاراً واستخداماً اليوم لتفسير تجارب علم النفس التجريبي وتصميم المعلمين الأذكياء (Intelligent Tutoring Systems).

وفي العصر الراهن، مع بلوغ ثورة التعلم العميق حدودها في تفسير المنطق والاستدلال، عاد المجتمع العلمي للذكاء الاصطناعي العام (AGI) ليبحث في أرشيف ألين نيويل؛ حيث يشهد العالم المعرفي اليوم نهضة حقيقية لما يسمى بـ الذكاء الاصطناعي العصبي-الرمزي (Neuro-Symbolic AI). يهدف هذا الاتجاه الثوري الصاعد إلى الجمع بين قدرات الإدراك الحسي المتفوقة للشبكات العصبية العميقة، وبين دقة وصرامة المعماريات المعرفية الرمزية لنيويل في التفكير والاستدلال العقلاني، مما يثبت الراهنية المتجددة لرؤيته التأسيسية التي سبقت عصرها بعقود طويلة.

12.2 المحاضرة الأخيرة والرسالة الوداعية: الرغبة والإخلاص للعلم

في سبتمبر عام 1991، وفي قاعة مكتظة بالأساتذة والطلاب والباحثين في مدرسة علوم الحاسوب بجامعة كارنيغي ميلون، وقف ألين نيويل ليلقي محاضرته العامة الأخيرة التي دخلت سجلات الأكاديميا الإنسانية بعنوان مؤثر وخالد: “الرغبة في المعرفة والتشتت الأكاديمي” (Desires and Diversions). كان نيويل يعلم في قرارة نفسه أنه يصارع المراحل المتقدمة من مرض السرطان القاتل، إلا أنه واجه هذا المصير برباطة جأش فيزيائية نادرة، محولاً تلك المنصة الوداعية إلى درس عميق في أخلاقيات العلم وفلسفة التفاني الأكاديمي.

استعرض نيويل في تلك المحاضرة مسيرة حياته العلمية، ليس من زاوية التباهي بالإنجازات والجوائز المرموقة، بل كاشفاً بصدق جارح عن أخطائه، والمسارات البحثية التي أخفق فيها، والمشاريع التي تشتت عنها. ووجه رسالته الوداعية الخالدة للأجيال الصاعدة من الباحثين والعلماء الشباب، وحثهم على تجنب “التشتت التافه” وراء الشهرة السريعة أو الأبحاث السطحية السريعة النشر، داعياً إياهم إلى اختيار “مشروع علمي كبير ومركزي واحد” يكرسون له حياتهم وطاقتهم، والتحلي بالشجاعة الإبستمولوجية لمواجهة المشكلات المستحيلة في فهم الطبيعة البشرية دون خوف من الفشل.

وقبل أسابيع قليلة من وفاته في بيتسبرغ في التاسع عشر من يوليو عام 1992، نال نيويل التكريم النهائي الأعظم من وطنه؛ حيث قلده الرئيس الأمريكي الميدالية الوطنية للعلوم (National Medal of Science) لعام 1992، وهي أرفع وسام علمي أمريكي، ونُقش على وسامه تقدير استثنائي يعترف بدوره الخالد في: “تأسيس علوم الذكاء الاصطناعي، وعلم النفس المعرفي، وعلوم تفاعل الإنسان مع الحاسوب، وتغيير الطريقة التي يفهم بها البشر عقولهم إلى الأبد”.

12.3 مكانة نيويل الخالدة في تاريخ العلوم الإنسانية

عند تقييم المسار الكلي لتاريخ الأفكار الإنسانية، يبرز ألين نيويل كواحد من قلة نادرة من العلماء الذين لم يكتفوا بإضافة معارف جديدة إلى تخصص قائم، بل شاركوا في إعادة خلق البنية الفكرية لمفهوم “الإنسان والعقل” برمتها. كان نيويل صانعاً حقيقياً للجسر الذي عبرت فوقه السيكولوجيا من ضفاف التكهنات الفلسفية والأطر السلوكية الضيقة، إلى رحاب العلوم الطبيعية الصارمة القائمة على النمذجة الرياضية والمحاكاة الحاسوبية المحكمة.

إن التحول الجذري الذي قاده نيويل قد حرر العقل من ثنائية الغيبيات المستحيلة والمادية السطحية العاجزة؛ فقد أثبت أن التفكير الإنساني ليس لغزاً متعالياً يستحيل فهمه، بل هو “نظام معالجة رمزي فيزيائي بالغ الجمال والتعقيد”، يمكن تفكيكه، وفهم آلياته، واختباره معملياً، ومحاكاته إلكترونياً، وتطوير أدوات تفاعله مع الآلة الذكية. لقد حول نيويل فكرة العقل البشري من كينونة مبهمة محبوسة في جمجمة الفرد إلى موضوع علمي تجريبي يربط بين الذكاء الحيوي والذكاء الاصطناعي في أفق حضاري موحد.

يمتد أثر نيويل اليوم كخيط ناظم يربط بين أحدث مختبرات علم الأعصاب الإدراكي، ومراكز أبحاث الروبوتات الذكية، واستوديوهات تصميم التكنولوجيا التفاعلية، ومعاهد دراسات فلسفة العقل. لقد كان ألين نيويل فيلسوفاً ارتدى عباءة المهندس، وعالم نفس تسلح بأدوات الرياضيات، ومبرمجاً سخر الحواسيب لخدمة إنسانية الإنسان، مخلداً اسمه كواحد من أعظم العقول العلمية التي أضاءت الدرب نحو فهم الذات البشرية في عصر المعلومات.

خاتمة

يمثل التراث العلمي والفكري لألين نيويل نموذجاً فذاً للجسارة الإبستمولوجية التي تجرأت على اقتحام أكثر القلاع غموضاً في تاريخ المعرفة الإنسانية: لغز الإدراك البشري. فمن خلال مسيرته الحافلة التي امتدت عبر أربعة عقود من العطاء المتواصل، نجح نيويل في نزع الغموض عن النشاط العقلي، وحول المفاهيم السيكولوجية المجردة مثل التفكير والاستدلال وحل المشكلات إلى عمليات ميكانيكية ورمزية واضحة المعالم، وقابلة للاختبار التجريبي الصارم على الحواسيب الرقمية. لقد وضع، بالتعاون مع هيربرت سيمون، الأسس التي نقلت علم النفس من حالة التوصيف السطحي إلى آفاق الهندسة التفسيرية، مبرهناً على أن العقل يمكن فهمه كنظام رمزي فيزيائي تحكمه قوانين قابلة للاكتشاف والنمذجة.

إن الدروس التي خلفها نيويل تتجاوز النظريات المحددة والمعماريات البرمجية مثل Soar أو نموذج GOMS؛ إنها دروس تتعلق بطبيعة المنهج العلمي نفسه. لقد علمنا نيويل أن التقدم العلمي الحقيقي لا يتأتى عبر الانكفاء داخل التخصصات الضيقة المنعزلة، بل ينبثق من الشجاعة في الجمع بين علوم متباينة كالفيزياء، والرياضيات، والسيكولوجيا، وهندسة البرمجيات لبناء نظريات موحدة للإدراك الإنساني. وفي عصرنا الراهن، حيث تقف البشرية على أعتاب تحولات دراماتيكية يفرضها التقدم الكاسح للذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلم العميق والعلوم العصبية، تظل رؤية ألين نيويل بمثابة البوصلة الفكرية الرصينة التي تذكرنا بأن فهم العقل البشري في أبعاده الرمزية والكلية والمعمارية هو السبيل الأوحد لبناء ذكاء اصطناعي حقيقي يعزز كرامة الإنسان ويثري مساره الحضاري.

المراجع

★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات