السيرة
تُمثّل البروفيسورة باربرا لي فريدريكسون (Barbara Lee Fredrickson) واحدة من أبرز القامات الفكرية والتجريبية التي أعادت تشكيل المشهد المعرفي في علم النفس المعاصر منذ أواخر القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة. ففي وقتٍ ظل فيه البحث السيكولوجي لعقود طويلة أسير “النموذج المرضي” (Disease Model) الذي ركّز جلّ اهتمامه على دراسة الاعتلالات والاضطرابات النفسية وتفكيك ميكانيزمات الانفعالات السلبية كالقلق والاكتئاب والعدوان، برزت فريدريكسون لتقدم نموذجاً علمياً رصيناً ينقل بؤرة الاهتمام نحو دراسة الجوانب المضيئة من التجربة الإنسانية، متسلحة بأدوات المنهج التجريبي الصارم وعلم وظائف الأعضاء النفسي (Psychophysiology).
لم تكن فريدريكسون مجرد باحثة تدعو إلى التفاؤل السطحي أو تنخرط في أدبيات التنمية الذاتية الشائعة، بل كانت ولا تزال عالمة تأسيسية أسهمت في بناء القواعد الإبستمولوجية لما يُعرف اليوم بـ علم النفس الإيجابي (Positive Psychology). ومن خلال صياغتها لنظريتها الرائدة “نظرية التوسيع والبناء” (Broaden-and-Build Theory)، قدمت حلاً لواحدة من أعقد المعضلات التطورية في علم الأحياء والسلوك: ما هي القيمة التكيفية التطورية للمشاعر الإيجابية كالفرح والامتنان والسكينة والأمل؟ وكيف تسهم هذه الحالات الوجدانية العابرة في تعزيز فرص بقاء الكائن البشري وازدهاره على المدى الطويل؟
يتناول هذا المقال الموسوعي الشامل السيرة العلمية والفكرية لباربرا فريدريكسون منذ ولادتها عام 1964 وحتى يومنا هذا، متتبعاً نشأتها الأكاديمية، وجذور أطروحاتها النظرية، وتجاربها المعملية في قياس الاستجابات الفسيولوجية والبيولوجية الجزيئية، ونظريتها الثورية في إعادة تعريف الحب كظاهرة بيولوجية عصبية مشتركة، وصولاً إلى المعارك والجدالات المنهجية التي خاضتها دفاعاً عن الرصانة الأكاديمية، لنتعرف على إرث عالمة غيّرت بشكل جذري فهمنا للمشاعر الإنسانية من كونها مجرد نواتج ثانوية ممتعة إلى محركات بيولوجية ونفسية حيوية لازدهار الإنسان.
1. النشأة والخلفية الأكاديمية المبكرة (1964 – مرحلة التأسيس)
1.1 المسار التعليمي والتكوين الفكري الأولي
ولدت باربرا لي فريدريكسون في الخامس عشر من يونيو عام 1964 في الولايات المتحدة الأمريكية، ونشأت في بيئة أسرية واجتماعية شجعت الفضول العلمي والتفكير التحليلي المنضبط. منذ سنوات دراستها الأولى، أبدت فريدريكسون ميلاً مبكراً نحو استكشاف التفاعل المعقد بين السلوك الإنساني والعمليات الذهنية الداخلية. وقد وجّه هذا الشغف المبكر مسارها الأكاديمي، حيث التحقت بـ كلية كارلتون (Carleton College) المرموقة في ولاية مينيسوتا، وهي مؤسسة تعليمية معروفة بتشديدها على التفكير النقدي الصارم في مجالات الفنون الحرة والعلوم الأساسية. وفي هذه البيئة الأكاديمية المحفزة، تعمقت في دراسة علم النفس وتخرجت عام 1986 بمرتبة الشرف الأولى (Summa Cum Laude)، مما لفت أنظار الأساتذة إلى قدراتها الاستثنائية في التحليل المنهجي والتصميم التجريبي.
شكّل انتقال فريدريكسون إلى جامعة ستانفورد (Stanford University) لنيل درجة الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس التجريبي محطة مفصلية في تكوينها المعرفي. في ستانفورد، تتلمذت فريدريكسون على يد نخبة من كبار رواد علم النفس المعرفي والاجتماعي، ومن بينهم لورا كارستنسن (Laura Carstensen) المعروفة بأبحاثها الرائدة في نظرية الانتقائية الاجتماعية والانفعالية عبر مراحل العمر. وخلال هذه الفترة الحاسمة، كان الجو الأكاديمي العام يركز بشدة على دراسة الانفعالات السلبية، إذ كان الاعتقاد السائد أن المشاعر التي تستحق الدراسة التجريبية هي فقط تلك المرتبطة بآليات النجاة المباشرة مثل الخوف والغضب والاشمئزاز. ومع ذلك، تساءلت فريدريكسون بجرأة فكرية غير مسبوقة: لماذا يمتلك البشر ذخيرة واسعة من الانفعالات الإيجابية إذا كانت الانفعالات السلبية وحدها كفيلة بضمان البقاء التطوري؟ هذا التساؤل الجوهري كان الشرارة الأولى التي قادتها لصياغة مشروع حياتها الفكري.
أنهت فريدريكسون دراستها في جامعة ستانفورد وحصلت على درجة الدكتوراه عام 1990، وكانت أطروحتها تركز على دراسة الفروق الفردية والاجتماعية في المعالجة الانفعالية، مع التركيز على استجابات الأفراد للتجارب اليومية. وقد ساعدتها تلك المرحلة على استيعاب الأدوات الإحصائية المعقدة والمنهجيات التجريبية الدقيقة التي شكلت حجر الزاوية في كافة أبحاثها اللاحقة، مؤكدة ضرورة عدم الخلط بين دراسة المشاعر الإيجابية وبين التبسيط غير العلمي السائد في كتب المساعدة الذاتية.
1.2 أبحاث ما بعد الدكتوراه والانتقال الأكاديمي
بعد نيلها درجة الدكتوراه، سعت فريدريكسون إلى تعميق فهمها للأسس العضوية والجسدية للانفعالات، فالتحقت ببرنامج زمالة ما بعد الدكتوراه المرموق في المعاهد الوطنية للصحة (NIH) في جامعة كاليفورنيا ببيركلي (UC Berkeley). عملت هناك تحت الإشراف المباشر للعالم البارز روبرت ليفنسون (Robert Levenson)، الذي يعد من الآباء المؤسسين لعلم وظائف الأعضاء النفسي للانفعالات (Psychophysiology of Emotion). أتاح لها العمل في مختبر ليفنسون اكتساب خبرة عملية فريدة في قياس المؤشرات البيولوجية الحيوية اللحظية، مثل تقلبات ضغط الدم، ومعدل ضربات القلب، والموصلية الجلدية (Skin Conductance)، وسرعة تدفق الدم المحيطي أثناء مرور الأفراد بحالات وجدانية مختلفة.
في بيركلي، أدركت فريدريكسون فجوة منهجية عميقة: بينما كانت القياسات الفسيولوجية تُظهر بوضوح كيف تؤدي الانفعالات السلبية إلى إثارة الجهاز العصبي الودي (Sympathetic Nervous System) لدعم استجابة “القتال أو الهروب”، كانت الاستجابات الجسدية للمشاعر الإيجابية تبدو غامضة وغير مفهومة وفق النماذج الكلاسيكية. قادها هذا الاكتشاف إلى التفكير في وظيفة فسيولوجية مختلفة للمشاعر الإيجابية، وهي وظيفة “التهدئة والتعافي” بدلاً من “الاستثارة والقتال”.
في عام 1992، بدأت فريدريكسون مسيرتها التدريسية والبحثية المستقلة كأستاذة مساعدة في جامعة كاليفورنيا بسانتا كروز، قبل أن تنتقل إلى قسم علم النفس في جامعة ميشيغان (University of Michigan) في آن أربور، والتي كانت تُعد أحد أقوى معاقل أبحاث الشخصية وعلم النفس المعرفي والاجتماعي في العالم. في ميشيغان، أسست فريدريكسون برنامجها البحثي التجريبي المستقل، ونشرت عام 1998 ورقتها العلمية التاريخية في دورية Review of General Psychology التي طرحت فيها لأول مرة الخطوط العريضة لـ “نظرية التوسيع والبناء”.
وفي عام 2006، حطت فريدريكسون رحالها الأكاديمية في جامعة كارولاينا الشمالية في تشابل هيل (UNC-Chapel Hill)، حيث عُينت أستاذة متميزة لكرسي كينان (Kenan Distinguished Professor) في علم النفس وعلم الأعصاب. في تشابل هيل، أسست مختبرها الشهير “مختبر علم وظائف الأعضاء النفسي والانفعالات الإيجابية” (PEP Lab)، الذي أصبح المرجع البحثي الأول عالمياً للتحقيقات المتطورة التي تجمع بين السلوك، وعلم الأعصاب، والبيولوجيا الجزيئية، والجينات المناعية لدراسة الانفعالات الإنسانية.
2. السياق التاريخي لظهور علم النفس الإيجابي ومكانة فريدريكسون
2.1 هيمنة النموذج المرضي في علم النفس الكلاسيكي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وجد علم النفس الأكاديمي والإكلينيكي نفسه محكوماً بنموذج طبي قائم على العجز والاختلال؛ إذ تركزت الميزانيات البحثية والجهود الإكلينيكية حول تقييم وعلاج الاضطرابات النفسية المدرجة في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM). كان هذا التركيز مفهوماً ومبرراً من الناحية الإنسانية لإعادة تأهيل ضحايا الحروب ومساعدة من يعانون من الفصام، والاكتئاب الحاد، والصدمات النفسية. إلا أن هذا التوجه الأحادي أدّى بالتدريج إلى اختزال الطبيعة البشرية في نقاط ضعفها وتآكل اهتمام الأوساط العلمية بما يجعل الحياة جديرة بالعيش وبناء مكامن القوة الإنسانية.
امتد هذا الانحياز نحو النماذج السلبية إلى النظريات التطورية في دراسة الانفعالات. فوفقاً للأطر التطورية الكلاسيكية المستندة إلى أعمال تشارلز داروين وجون توبي وليزا كوزميدس، اعتُبرت الانفعالات آليات تكيفية متخصصة نشأت لحل مشكلات محددة تتعلق بالبقاء المباشر. فالخوف يهيئ الكائن للهروب من المفترسات، والغضب يحفز الدفاع عن النفس والموارد ضد المنافسين، والاشمئزاز يدفع لتجنب المواد السامة أو المعدية. وفي إطار هذه الرؤية الضيقة، ارتبط كل انفعال بما يُعرف بـ “الميول الحركية النوعية” (Specific Action Tendencies)؛ أي أن المشاعر السلبية تُضيق تلقائياً الخيارات السلوكية المتاحة أمام الفرد لتوجيهه نحو استجابة فورية واحدة تنقذ حياته.
في المقابل، عجز هذا النموذج الكلاسيكي عن تقديم تفسير بيولوجي مقنع لوجود المشاعر الإيجابية مثل البهجة، والرضا، والفخر، والاهتمام، والحب. فعندما يشعر الإنسان بالفرح أو الاسترخاء، فإنه لا يواجه خطراً محدقاً يتطلب عملاً حركياً نوعياً عاجلاً كالجري أو الهجوم. ونتيجة لذلك، صُنفت المشاعر الإيجابية لعقود على أنها مجرد إشارات جانبية مريحة أو علامات تدل على زوال التهديد، دون الاعتراف بأي وظيفة تكيفية مستقلة لها. تغير هذا الواقع التاريخي في أواخر التسعينيات عندما أطلق العالم مارتن سيلجمان (Martin Seligman) خلال رئاسته لجمعية علم النفس الأمريكية (APA) دعوته لتأسيس “علم النفس الإيجابي”، وكان اختيار فريدريكسون كعضو مؤسس وباحثة رئيسية في هذه الحركة بمثابة الخطوة التي منحت هذا الحقل الوليد عمقه التجريبي وعموده الفقري النظري.
2.2 إعادة صياغة دراسة الانفعالات في علم النفس المعاصر
كانت مساهمة فريدريكسون المركزية في حركة علم النفس الإيجابي تتمثل في تحويل الانتباه من مجرد محاولة علاج العجز إلى استكشاف شروط الازدهار النفسي والأداء الإنساني الأمثل. إلا أنها رفضت بشدة المنهجية التبسيطية التي حاولت إسقاط مفاهيم الانفعالات السلبية مباشرة على دراسة الانفعالات الإيجابية؛ إذ أوضحت أن محاولة البحث عن “ميول حركية نوعية” للمشاعر الإيجابية تمثل خطأ تصنيفياً ومعرفياً فادحاً، لأن طبيعة هذه المشاعر لا تدفع نحو أفعال جسدية ضيقة ومحدودة، بل تعمل بطريقة مناقضة تماماً.
انتقدت فريدريكسون المحاولات الرامية إلى التعامل مع المشاعر الإيجابية بوصفها مضادات بسيطة للاكتئاب أو مجرد تجارب حسية للمتعة (Hedonia). وأصرت على أن دراسة المشاعر الإيجابية يجب أن ترتكز على منهج تجريبي دقيق، يعتمد على تصميمات بحثية صارمة، واختبارات قياس معشاة ذات شواهد (Randomized Controlled Trials)، وتوثيق دقيق للتغيرات الفسيولوجية والعصبية. هذا الالتزام المنهجي الصارم حما أبحاث فريدريكسون من الانزلاق إلى مطبات علم النفس الشعبي وحركات التفكير الإيجابي غير العلمية، وأكسبها احترام المجتمع الأكاديمي التقليدي في مجالات علم النفس التجريبي وعلم الأعصاب الإدراكي.
من خلال هذه الصياغة المبتكرة، استطاعت فريدريكسون أن تبرهن على أن الانفعالات الإيجابية ليست مجرد نتاج للنجاح أو الرفاه، بل هي سبب رئيسي ومحرك مولد للصحة النفسية والجسدية والنجاح التكيفي. وبذلك، تحول مفهوم الانفعال الإيجابي من كونه غاية مستهدفة أو مكافأة عابرة إلى وسيلة تطورية أساسية لبناء الطاقات الحيوية للإنسان.
3. نظرية التوسيع والبناء (Broaden-and-Build Theory): المفاهيم والأصول
3.1 مفهوم التوسيع الإدراكي والفكري (The Broadening Effect)
تُعد فرضية التوسيع (The Broadening Effect) الركيزة الأولى لنظرية فريدريكسون. تفترض هذه الفرضية أن المشاعر الإيجابية تعمل على توسيع مخزون الفكر والعمل اللحظي لدى الفرد (Momentary Thought-Action Repertoire). فبينما تقود المشاعر السلبية إلى تضييق التركيز المعرفي والسلوكي لضمان النجاة في المواقف الطارئة (حيث ينصب انتباه المهدد على مصدر الخطر فقط)، تعمل المشاعر الإيجابية في بيئات آمنة نسبياً على فتح الآفاق العقلية، وتوسيع نطاق الانتباه البصري، وتحفيز المرونة المعرفية، وزيادة الاستعداد لاستكشاف البيئة وتجربة سلوكيات وأفكار جديدة.
وفقاً لهذا التصور، يؤدي كل انفعال إيجابي إلى نوع متميز من التوسيع الفكري والسلوكي:
- الفرح (Joy): يولد الرغبة في اللعب والمرح، ودفع الحدود الإبداعية، وتجربة أفكار غير مألوفة، مما يوسع المدارك الحركية والاجتماعية والفكرية.
- الاهتمام والفضول (Interest): يدفع الفرد نحو استكشاف معارف جديدة، واستيعاب معلومات معقدة، واكتساب مهارات لم تكن موجودة لديه سابقاً.
- السكينة والرضا (Serenity): تحفز الفرد على التأمل الذاتي وإعادة تقييم أولويات الحياة ودمج الخبرات الحياتية في منظور تكاملي عميق للذات والعالم.
- الفخر (Pride): الناتج عن الإنجاز الشخصي والاجتماعي، يحفز الفرد على مشاركة النجاحات ووضع أهداف كبرى جديدة والاستثمار في تطوير الكفاءة الذاتية.
- الحب (Love): بوصفه مزيجاً شاملاً من كافة الانفعالات الإيجابية التي تظهر داخل إطار علاقة آمنة، يوسع الرغبة في الرعاية المتبادلة وبناء الروابط الاجتماعية العميقة.
أكدت الأدبيات التجريبية المتراكمة أن هذا التوسيع لا يحدث على المستوى النظري فقط، بل ينعكس ملموساً على العمليات العصبية والإدراكية؛ حيث تُظهر الاختبارات السلوكية أن الأفراد الذين يختبرون مشاعر إيجابية يمتلكون قدرة أكبر على الربط بين مفاهيم متباعدة، والوصول إلى حلول إبداعية مبتكرة، والنظر إلى “الصورة الكلية” للأشياء بدلاً من الغرق في التفاصيل الجزئية المجهدة.
3.2 مفهوم بناء الموارد الشخصية الدائمة (The Building Effect)
إذا كانت فرضية التوسيع تشرح ما يحدث للإنسان في “اللحظة الراهنة” أثناء مروره بالخبرة الانفعالية، فإن فرضية البناء (The Building Effect) تصف الأثر التراكمي المستمر على المدى الطويل. تفترض فريدريكسون أن حالات التوسع المعرفي والسلوكي اللحظية والعابرة لا تتبدد مع زوال المشاعر الإيجابية، بل تترك وراءها أثراً بنيوياً دائماً، يتمثل في بناء موارد شخصية ودائمة تسهم في تحسين قدرة الفرد على التكيف ومواجهة التحديات المستقبلية.
تتنوع هذه الموارد التي يبنيها الإنسان نتيجة لتكرار التجارب الانفعالية الإيجابية إلى أربعة أصناف رئيسية:
- الموارد الفكرية والمعرفية (Intellectual Resources): تشمل المعارف الجديدة، ومهارات حل المشكلات المعقدة، والقدرة على التعلم الذاتي، وسعة الذاكرة العاملة، والذكاء الإجرائي. فاللعب والاستكشاف في الطفولة والرشد يبنيان مهارات عقلية تبقى مع الفرد طوال حياته.
- الموارد النفسية (Psychological Resources): تتضمن المرونة النفسية (Resilience)، والتفاؤل الواعي، والإحساس بفاعلية الذات (Self-Efficacy)، والقدرة على التحكم في الذات وتوجيه الأهداف. هذه السمات تمثل درعاً حصيناً يحمي من الانتكاسات الوجودية.
- الموارد الاجتماعية (Social Resources): تشمل بناء شبكات دعم اجتماعي قوية، وتعميق علاقات الصداقة والشراكة، وتعزيز مشاعر الثقة والانتماء المتبادل، مما يوفر بيئة حاضنة في أوقات الأزمات.
- الموارد الجسدية (Physical Resources): مثل تقوية وظائف الجهاز المناعي، وخفض مخاطر الإصابة بالأمراض المزمنة، وزيادة كفاءة الجهاز القلبي الوعائي، والنوم الجيد، مما ينعكس إيجابياً على متوسط العمر المتوقع وجودة الحياة.
يمثل هذا الأثر البنائي الإجابة التطورية الحاسمة التي صاغتها فريدريكسون: لقد احتفظ الانتخاب الطبيعي بالمشاعر الإيجابية لأن الأفراد الذين اختبروا هذه المشاعر تمكنوا من بناء موارد معرفية واجتماعية وبيولوجية مستقرة جعلتهم أكثر قدرة على البقاء وتوريث جيناتهم مقارنة بأقرانهم الذين اقتصرت تجاربهم على الاستجابة للتهديدات فقط.
3.3 دوامة الارتقاء الإيجابي (Upward Spirals of Flourishing)
انطلاقاً من التفاعل الديناميكي بين التوسيع والبناء، صاغت فريدريكسون مفهوم “دوامات الارتقاء الإيجابي” (Upward Spirals). في علم النفس المرضي، يُعرف نموذج “الدوامة الهابطة” (Downward Spiral) المألوف في حالات الاكتئاب، حيث يؤدي الحزن والقلق إلى تضييق التفكير، مما يدفع نحو العزلة والاجترار الفكري (Rumination)، والذي يولد بدوره المزيد من الحزن واليأس والانغلاق السلوكي المعطل.
في المقابل، تؤكد فريدريكسون أن المشاعر الإيجابية قادرة على إطلاق دينامية معاكسة تماماً. فعندما يختبر الفرد مشاعر إيجابية عابرة، تتسع آفاق تفكيره وخياراته السلوكية (توسيع)، مما يمكنه من التعامل مع الضغوط الحياتية بمرونة وابتكار، فيؤدي ذلك إلى بناء موارد جديدة مثل الأمل والعلاقات الداعمة (بناء). وحين يواجه هذا الفرد أزمة جديدة في المستقبل، تساعده هذه الموارد المبنية مسبقاً على استدعاء حلول تكيفية فعالة، مما يولد مشاعر إيجابية جديدة، وهكذا يستمر الفرد في الصعود عبر دوامة ديناميكية تقوده نحو “الازدهار النفسي” (Flourishing).
تكمن قوة هذا المفهوم في إثباته أن الازدهار ليس حالة سكونية أو نقطة وصول نهائية، بل هو عملية نظامية ديناميكية ذاتية التغذية الراجعة، تكسر حلقات العجز المكتسب وتعزز قدرة الجهاز النفسي والجسدي على التكيف المستمر مع تقلبات الحياة الصعبة.
4. المشاعر الإيجابية والعمليات المعرفية: الأدلة التجريبية
4.1 تجارب الانتباه والإدراك البصري
لإثبات صحة فرضية التوسيع الإدراكي، صممت باربرا فريدريكسون ومعاونوها سلسلة من التجارب المخبرية الذكية لاختبار تأثير المشاعر الإيجابية على الإدراك الحسي والانتباه البصري. اعتمدت إحدى أبرز هذه التجارب على استخدام “اختبار نافون” (Navon Task) للأشكال الهندسية الهرمية المركبة، وهو اختبار يقيس ما إذا كان الشخص يميل في معالجته البصرية إلى النمط الشامل العالمي (Global Processing) أو النمط الموضعي المحلي (Local Processing). يتألف الاختبار من أشكال هندسية كبيرة (مثل مثلث كبير) مكونة من عناصر صغيرة متكررة (مثل مربعات صغيرة).
في التجربة، عُرضت على المشاركين مقاطع فيديو محفزة لمشاعر مختلفة: مقاطع تثير الفرح والرضا (انفعالات إيجابية)، ومقاطع تثير الخوف والغضب (انفعالات سلبية)، ومقاطع محايدة لا تثير أي مشاعر محددة. أظهرت النتائج بشكل قاطع أن الأفراد الذين تم تحفيز المشاعر الإيجابية لديهم اختاروا بشكل دال إحصائياً الأنماط التي تعكس المعالجة الشاملة (رؤية المثلث الكبير ككل)، بينما مال المشاركون في حالات الانفعالات السلبية إلى المعالجة الموضعية الدقيقة (التركيز على المربعات الصغيرة المكونة للشكل).
ولم تتوقف الأدلة عند هذا الحد، بل دعمتها تجارب لاحقة استخدمت تقنيات تتبع حركة العين (Eye-Tracking). كشفت هذه الدراسات أن التحفيز الانفعالي الإيجابي يوسع المجال البصري الفعلي للمشاركين، مما يجعلهم يمسحون مساحات أوسع من الشاشة ويلتقطون المثيرات الهامشية والمحيطية التي يعجز الأفراد في الحالات المحايدة أو السلبية عن ملاحظتها. علاوة على ذلك، أظهرت تجارب فريدريكسون المنشورة عام 2005 أن المشاعر الإيجابية تقلل من ظاهرة “تحيز العرق المشترك” (Cross-Race Bias)؛ وهي ظاهرة إدراكية شهيرة يواجه فيها الأفراد صعوبة في التمييز بين وجوه الأشخاص المنتمين إلى أعراق مختلفة عن عرقهم. أثبتت التجربة أن الانفعال الإيجابي، بتوسيعه للمدارك الذهنية، يدفع العقل للتركيز على السمات الفردية الدقيقة للوجوه بصرف النظر عن خلفيتها العرقية، مما يقلل من القولبة النمطية ويعزز إدراك الإنسانية المشتركة.
4.2 المرونة الذهنية وسعة الذاكرة العاملة
امتدت الاختبارات المعملية لتشمل دراسة تأثير المشاعر الإيجابية على الوظائف التنفيذية العليا للدماغ، وبخاصة المرونة الذهنية وحل المشكلات الإبداعي وسعة الذاكرة العاملة. بالاعتماد على التراث البحثي الذي أرسته العالمة أليس إيسن (Alice Isen)، برهنت فريدريكسون على أن تحفيز المشاعر الإيجابية يعزز الأداء في “اختبار الارتباطات البعيدة” (Remote Associates Test)، وهو مقياس كلاسيكي يقيس التفكير التباعدي والقدرة على إيجاد روابط خفية بين كلمات تبدو غير متصلة ظاهرياً.
في تجربة كلاسيكية لفريدريكسون وزميلتها كريستين برانيجان (Christine Branigan) عام 2005، طُلب من المشاركين بعد استثارة حالات انفعالية معينة إكمال استمارة تحتوي على عبارة مفتوحة: “أود الآن أن أفعل…” مع إتاحة المجال لكتابة ما يصل إلى عشرين رغبة سلوكية. أظهرت النتائج أن الأفراد في مجموعات المشاعر الإيجابية (الفرح والرضا) كتبوا قوائم أطول وأكثر تنوعاً وغنى بسلوكيات الاستكشاف والتواصل الاجتماعي والتجديد، مقارنة بمجموعات المشاعر السلبية أو المحايدة. أثبت هذا الدليل التجريبي المباشر أن الانفعال الإيجابي يوسع عملياً “مخزون الفكر والعمل اللحظي” المتاح للوعي البشري.
كما بينت الدراسات المعرفية المتزامنة أن المشاعر الإيجابية تزيد من كفاءة الذاكرة العاملة وتساعد الأفراد على التبديل السريع والسلس بين المهمات المعرفية المتطلبة (Task Switching)، مع تقليل الجمود الذهني (Cognitive Rigidity). هذا التكيف المعرفي لا يسهل التفوق الأكاديمي والمهني فحسب، بل يمنح الأفراد قدرة استثنائية على إعادة صياغة المواقف الضاغطة والتفكير في حلول بديلة عندما تفشل الخطط الأولية، وهو جوهر السلوك التكيفي الإنساني.
5. فرضية الإلغاء الفسيولوجي (The Undoing Hypothesis)
5.1 الأسس البيولوجية لفرضية الإلغاء
تُعد “فرضية الإلغاء الفسيولوجي” (The Undoing Hypothesis) إحدى أكثر مساهمات باربرا فريدريكسون عبقرية في ميدان علم وظائف الأعضاء النفسي. تسعى هذه الفرضية للإجابة عن سؤال بيولوجي بالغ الأهمية: إذا كانت الانفعالات السلبية ترفع كفاءة النجاة الفورية من خلال استنفار الجهاز العصبي الودي — مما يؤدي إلى زيادة معدل ضربات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وانقباض الأوعية الدموية الطرفية، وإفراز هرمونات التوتر كالكورتيزول والأدرينالين — فكيف يعود الجسم إلى حالته الطبيعية ويتخلص من هذه الأعباء الفسيولوجية المجهدة؟
افترضت فريدريكسون أن المشاعر الإيجابية تمتلك وظيفة فسيولوجية فريدة تكمن في قدرتها على “إلغاء” أو تفكيك الآثار الجسدية المتبقية للاستثارة السلبية، وإعادة توازن النظام القلبي الوعائي إلى خط الأساس السوي بسرعة تفوق بكثير تأثير الحالات المحايدة أو استمرار الحزن. بعبارة أخرى، تعمل المشاعر الإيجابية كـ “كوابح فسيولوجية” تمنع الجسم من البقاء طويلاً في حالة الاستنفار القصوى التي تنهك الأنسجة الحيوية وتسبب تلف الشرايين وضعف المناعة.
لاختبار هذه الفرضية معملياً، قادت فريدريكسون تجربة رائدة بالتعاون مع روبرت ليفنسون (Fredrickson & Levenson, 1998). قام الباحثون بوضع المشاركين تحت ضغط نفسي حاد عن طريق إخبارهم بأن لديهم ستين ثانية لإعداد خطاب عام حول موضوع شائك سيتم تسجيله وتقييمه بواسطة زملائهم، وهو إجراء معملي قياسي يُعرف بـ (Trier Social Stress Test) يؤدي إلى قفزة فورية في النشاط القلبي الوعائي والتوتر الحاد. بعد تصاعد الاستثارة الفسيولوجية، أُبلغ المشاركون بإلغاء إلقاء الخطاب، وعُرض عليهم فوراً أحد أربعة مقاطع فيديو قصيرة ومتباينة:
- مقطع يثير البهجة والضحك (مشاعر إيجابية عالية الطاقة).
- مقطع يثير السكينة والهدوء (مشاعر إيجابية منخفضة الطاقة).
- مقطع محايد يعرض أمواج البحر التجريدية.
- مقطع يثير الحزن والكآبة.
سجلت أجهزة القياس الدقيقة الوقت المستغرق لعودة المؤشرات الحيوية للقلب والأوعية (معدل ضربات القلب، ضغط الدم الانقباضي والانبساطي، وتوتر الأوعية) إلى مستوياتها الطبيعية المسجلة قبل التهديد. أظهرت النتائج أن المشاركين الذين شاهدوا مقاطع البهجة أو السكينة استعادوا توازنهم الفسيولوجي وعادوا إلى خط الأساس القلبي الوعائي في وقت قياسي بلغ نحو نصف الوقت الذي احتاجه أولئك الذين شاهدوا المقطع المحايد. أما المشاركون الذين شاهدوا مقطع الحزن، فقد استمرت لديهم الاستثارة القلبية الوعائية المجهدة لفترة أطول بكثير.
أكدت هذه النتيجة التجريبية الحاسمة أن المشاعر الإيجابية ليست مجرد مشاعر تزيينية، بل هي آليات بيولوجية نشطة تعيد ضبط التوازن العضوي للجسم (Homeostasis) وتحميه من التآكل الناتج عن الضغوط التطورية المزمنة.
5.2 التطبيقات الصحية لفرضية الإلغاء
تحمل فرضية الإلغاء الفسيولوجي دلالات وتطبيقات بالغة الأهمية في مجال الطب السلوكي وأمراض القلب والأوعية الدموية. فمن المعروف طبياً أن الاستثارة الودية المزمنة والارتفاع المتكرر لضغط الدم دون تعافٍ سريع يمثلان العامل الرئيسي في تطور تصلب الشرايين، والجلطات الدماغية، وتضخم عضلة القلب. ومن هنا، توضح نظرية فريدريكسون كيف أن الأفراد القادرين على توليد المشاعر الإيجابية — حتى في خضم الأزمات والشدائد — يتمتعون بحصانة بيولوجية تحمي أجهزتهم الوعائية من التلف التراكمي المسمى “الحمل الخيفي” (Allostatic Load).
تتجلى هذه الآلية بوضوح في دراسات “الصلابة النفسية” (Psychological Resilience). ففي دراسة طولية أجرتها فريدريكسون وتوجاد (Tugade & Fredrickson, 2004)، تبين أن الأفراد الذين يتميزون بارتفاع سمة المرونة النفسية لا يتجاهلون المشاعر السلبية ولا ينكرون الألم، بل يستخدمون المشاعر الإيجابية كاستراتيجية تكيفية نشطة؛ كاستدعاء الفكاهة اللطيفة، أو التعبير عن الامتنان لمن يساندهم، أو البحث عن بصيص أمل في الأوقات الحالكة. وقد أظهرت قياساتهم الفسيولوجية المعملية أن هذه القدرة النفسية مكنتهم من تحقيق تعافٍ قلبي وعائي سريع للغاية من الصدمات، مما يحفظ كفاءة أجهزتهم الحيوية على المدى الطويل.
تفتح هذه الاستنتاجات آفاقاً واسعة في تصميم برامج إدارة الضغوط في بيئات العمل عالية الخطورة، كالمستشفيات، والمؤسسات العسكرية، وغرف الطوارئ؛ حيث يمكن لتدريب العاملين على تقنيات استحضار السكينة والامتنان في فترات الراحة القصيرة أن يوقف مسار التدهور البدني والاحتراق النفسي، مما يحول المشاعر الإيجابية إلى أداة وقائية منقذة للحياة.
6. مختبر علم وظائف الأعضاء النفسي والانفعالات الإيجابية (PEP Lab)
6.1 تأسيس المختبر والمنهجيات القياسية الحديثة
مع استقرارها في جامعة كارولاينا الشمالية في تشابل هيل، أسست باربرا فريدريكسون “مختبر علم وظائف الأعضاء النفسي والانفعالات الإيجابية” (Positive Emotions and Psychophysiology Laboratory – PEP Lab)، الذي سرعان ما غدا المركز الأكثر ابتكاراً في الجمع بين العلوم النفسية الدقيقة والبيولوجيا الطبية المتطورة. كان الهدف الأساسي للمختبر هو تجاوز مجرد الاعتماد على استبانات التقرير الذاتي (Self-Report Scales)، التي كثيراً ما تشوبها التحيزات المعرفية ورغبة المفحوصين في تقديم صور مثالية عن أنفسهم، والتحول نحو دراسة البصمات البيولوجية العميقة التي تتركها المشاعر الإيجابية في الأنسجة، والخلايا، والشفرة الوراثية للإنسان.
يتبنى مختبر (PEP Lab) أعلى معايير النزاهة العلمية عبر إجراء تجارب عشوائية منضبطة الشواهد طوبوغرافية وطولية (Longitudinal RCTs) تمتد لعدة أشهر وأحياناً لسنوات. يتم إخضاع المشاركين لقياسات متعددة الأبعاد تشمل:
- تسجيلات فسيولوجية مستمرة للتخطيط الكهربائي للقلب (ECG) وسرعة التنفس والموصلية الجلدية.
- أخذ عينات من اللعاب والدم لقياس المؤشرات الهرمونية والمناعية، كالكورتيزول والإنترلوكين-6 (IL-6) وبروتين سي التفاعلي (CRP).
- تحليل التعبير الجيني لكرات الدم البيضاء بالتعاون مع مراكز الجينوم المتخصصة.
- استخدام تقنيات القياس البيئي اللحظي (Ecological Momentary Assessment – EMA) عبر الهواتف الذكية لرصد المشاعر والتفاعلات الاجتماعية في سياق الحياة اليومية الواقعية دون حصر المشاركين في بيئة المعمل الاصطناعية.
6.2 التعبير الجيني وعلم المناعة النفسي العصبي
أثمرت التحالفات العلمية لفريدريكسون مع علماء الأحياء الجزيئية عن واحدة من أكثر الدراسات ثورية وإثارة للجدل في علم النفس المعاصر. فبالتعاون مع ستيف كول (Steve Cole)، أستاذ الطب والجينات في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس (UCLA)، وجهت فريدريكسون اهتمامها نحو دراسة ما يُعرف بـ “الاستجابة النسخية المحفوظة للشدائد” (Conserved Transcriptional Response to Adversity – CTRA). يتميز هذا النمط الجيني بنشاط مفرط في التعبير عن الجينات المسببة للالتهابات المزمنة وتثبيط الجينات المسؤولة عن بناء الأجسام المضادة ومقاومة الفيروسات، وهو نمط جيني خطير يرتبط ارتباطاً وثيقاً بظروف التوتر المزمن، والصدمات النفسية، والعزلة الاجتماعية، ويؤدي إلى ارتفاع مخاطر الإصابة بالسرطان وأمراض القلب وألزهايمر.
في دراستهم التاريخية المنشورة في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) عام 2013، ميزت فريدريكسون وكول بين نوعين فلسفيين من السعادة والرفاه:
- السعادة اللذية (Hedonic Well-Being): وهي السعادة الناتجة عن تلبية الرغبات الفردية، وتراكم المتع الحسية، والراحة الاستهلاكية اللحظية.
- السعادة اليودايمونية (Eudaimonic Well-Being): وهي السعادة القائمة على المعنى الوجودي، والخدمة الاجتماعية، والتفاني في دعم الآخرين، وعيش حياة متسقة مع القيم الأخلاقية العميقة (وهو المفهوم الأرسطي للازدهار).
جاءت النتائج مذهلة للوسط العلمي؛ فعلى الرغم من أن المشاركين الذين سجلوا درجات عالية في السعادة اللذية أبلغوا نظرياً عن شعورهم بالرضا والسعادة المشابهة لتلك التي أبلغ عنها أصحاب السعادة اليودايمونية، إلا أن تحليلات التعبير الجيني لخلايا الدم البيضاء كشفت عن تباين جذري: أظهر أصحاب السعادة اليودايمونية تثبيطاً كبيراً ومفيداً لنمط الالتهاب الضار (CTRA) وزيادة في التعبير عن الجينات المضادة للفيروسات، بينما أظهر أولئك الذين انحصرت سعادتهم في المتع اللذية الفردية مظهر تعبير جيني التهابي مرتفع شبيه بذلك الذي يُرصد لدى ضحايا العزلة المزمنة والتوتر الشديد!
أثبت هذا الكشف الجزيئي أن بيولوجيا الإنسان والجينوم البشري قادران على “قراءة” نقاء ونوع المشاعر التي نعيشها؛ فالمشاعر الإيجابية المشبعة بالمعنى والموجهة نحو الآخرين تعزز التوازن المناعي الخلوي وتحمي الجسم من التآكل المرضي، مؤكدة أن السعادة القائمة على الإيثار والمعنى ليست ترفاً أخلاقياً بل ضرورة مناعية تكيفية.
6.3 العصب الحائر والتوافق القلبي (Vagal Tone)
يشكل “العصب الحائر” (Vagus Nerve) — العصب القحفي العاشر الذي يمتد من جذع الدماغ ليغذي القلب، والرئتين، والجهاز الهضمي، وعضلات الوجه — محوراً رئيسياً آخر لأبحاث مختبر (PEP Lab). يُعد العصب الحائر القناة الرئيسية للجهاز العصبي اللاودي (الباراسمبثاوي)، ومسؤوليته المركزية هي كبح استجابات التوتر وتهدئة ضربات القلب وتعزيز الهضم والاسترخاء. ويُقاس نشاط هذا العصب غير جراحياً عبر مؤشر يُعرف بـ “النغمة المبهمية” (Vagal Tone)، والتي تُستدل من خلال تقلب معدل ضربات القلب المرتبط بالتنفس (Respiratory Sinus Arrhythmia – RSA).
استناداً إلى “النظرية متعددة المبهمات” (Polyvagal Theory) التي طورها ستيفن بورغيس (Stephen Porges)، والتي تربط الفرع البطني للعصب الحائر بـ “نظام الانخراط الاجتماعي” (Social Engagement System)، اختبرت فريدريكسون بالتعاون مع باحثة ما بعد الدكتوراه بيثاني كوك (Bethany Kok) الفرضية القائلة بوجود حلقة تغذية راجعة متبادلة (Reciprocal Upward Spiral) بين النغمة المبهمية والمشاعر الإيجابية والروابط الاجتماعية.
في دراسة طولية نشرت عام 2013 في دورية Psychological Science، تابعت فريدريكسون وفريقها عشرات المشاركين على مدار أشهر بعد تدريب نصفهم على ممارسات تعزيز المشاعر الإيجابية نحو الآخرين. أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين دخلوا الدراسة بنغمة مبهمية مرتفعة تمكنوا من جني فوائد اجتماعية وانفعالية أكبر بكثير من التدخل. والأهم من ذلك، أن ممارسة المشاعر الإيجابية اليومية والتواصل الاجتماعي الدافئ أدت بدورها إلى زيادة مادية مقيسة في “النغمة المبهمية” نفسها بعد عدة أسابيع! أثبتت هذه التجربة لأول مرة أن التدخلات النفسية الإيجابية قادرة على تحسين وتعديل الكفاءة الفسيولوجية للجهاز العصبي اللاإرادي، مما يعزز قدرة القلب على الاستجابة المرنة، ويزيد من كفاءة التواصل البصري والتناغم الصوتي مع الآخرين.
7. إعادة تعريف الحب: نظرية “رنين الإيجابية” (Positivity Resonance)
7.1 الحب كحالة بيولوجية عصبية لحظية مشتركة
في عام 2013، أحدثت باربرا فريدريكسون هزة في المفاهيم السائدة بإصدارها كتابها الثوري Love 2.0: How Our Supreme Emotion Affects Everything We Feel, Think, Do, and Become. في هذا العمل، وجهت فريدريكسون نقداً جذرياً للتصورات الغربية والكلاسيكية للحب، والتي كانت تحصره إما في إطار الرومانسية الحصرية الطويلة، أو الرابطة البيولوجية الأسرية الصارمة، أو كعقد والتزام فكري يستمر لعقود بغض النظر عن المشاعر اليومية المعاشة.
جادلت فريدريكسون بأن هذه التعريفات التقليدية تختزل الحب أو تخلط بين “الانفعال” وبين “الرابطة الاجتماعية” الناتجة عنه. وبدلاً من ذلك، قدمت إعادة تعريف راديكالية قائمة على علم الأعصاب والفسيولوجيا، معتبرة الحب انفعالاً لحظياً عابراً ومتميزاً أطلقت عليه اسم “رنين الإيجابية” (Positivity Resonance). وفقاً لفريدريكسون، الحب ليس شيئاً يمتلكه الفرد بمفرده داخل عقله، بل هو ظاهرة بيولوجية عصبية مشتركة تنبثق وتحدث حصراً *بين* شخصين أو أكثر في لحظة زمنية محددة تتسم بثلاث ميزات متزامنة لا تنفصم:
- مشاركة لحظية للمشاعر الإيجابية: شعور متزامن بالدفء، والبهجة، أو التقدير يمر به الطرفان معاً في نفس التوقيت.
- التزامن السلوكي والبيولوجي الحيوي (Bio-Behavioral Synchrony): انعكاس وتناغم لحظي في لغة الجسد، وإيماءات الوجه، والتوافق البصري، ونبضات القلب، والتنشيط العصبي المتطابق في الدماغ (Neural Coupling).
- الدافع المتبادل للرعاية والاستثمار في رفاه الآخر: توجه داخلي صادق للعناية بالطرف الآخر ينشأ بصورة عفوية خلال لحظة اللقاء.
شددت فريدريكسون على أن حدوث “رنين الإيجابية” يتطلب شرطين فيزيائيين لا غنى عنهما: الحضور الجسدي المشترك، والتواصل البصري المباشر. وعليه، فإن الرسائل النصية، والاتصالات الرقمية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمكالمات الهاتفية، رغم فائدتها، لا تستطيع بيولوجياً توليد “رنين الإيجابية” الكامل، لأنها تفتقر إلى ميكانيزمات التزامن العصبي البصري والحركي الدقيق ومحفزات إفراز الأوكسيتوسين الطبيعية التي لا تنشط إلا في الحضور المكاني الفعلي وجهاً لوجه.
7.2 الآثار الاجتماعية والصحية لرنين الإيجابية
يفتح مفهوم “رنين الإيجابية” الباب واسعاً لإعادة النظر في معالجة ما تصفه منظمة الصحة العالمية والهيئات الطبية بـ “وباء الوحدة والعزلة الاجتماعية” في العالم المعاصر. فوفق منظور (Love 2.0)، لا يحتاج الإنسان بالضرورة إلى شريك حياة رومانسي كي ينعم بالفوائد البيولوجية والصحية العميقة للحب؛ إذ يمكن لأي تفاعل بشري عابر — مثل تبادل ابتسامة صادقة مع غريب في محطة القطار، أو نقاش دافئ ومفعم بالفكاهة مع بائع القهوة، أو نظرة تقدير متبادلة مع زميل عمل — أن يولد شحنة دقيقة وحقيقية من “رنين الإيجابية” تنشط الدوائر العصبية للارتباط وتفرز هرمون الأوكسيتوسين وتهدئ الجهاز العصبي الودي.
توضح أبحاث فريدريكسون أن هذه اللحظات الدقيقة من الرنين الانفعالي، عند تراكمها يوماً بعد يوم، تحدث تحولات نوعية في النسيج الاجتماعي والصحي:
- تعزيز الثقة المجتمعية: يساعد رنين الإيجابية على تقليل مشاعر الريبة تجاه الغرباء، ويخلق أرضية من التماسك المجتمعي والتكافل الاجتماعي العفوي.
- الوقاية من أمراض القلب والاكتئاب: يعمل التحفيز المتكرر للعصب الحائر ومستويات الأوكسيتوسين الناتجة عن لحظات الرنين على خفض الالتهابات الوعائية المزمنة وتقوية مرونة عضلة القلب وتقليل أعراض الاكتئاب السريري.
- إعادة صياغة العلاقات الزوجية والأسرية: بدلاً من القلق بشأن زوال “الحب الرومانسي الكلي”، يوجه هذا النموذج الأزواج نحو الاهتمام بالبناء المستمر لـ “اللحظات المصغرة” اليومية من التواصل البصري والضحك المشترك والدفء اللمسي، بوصفها الوقود الحقيقي الذي يحافظ على صحة العلاقة واستمراريتها.
8. التدخلات التطبيقية: تأمل اللطف والمحبة (Loving-Kindness Meditation)
8.1 تكييف الممارسات التأملية للبحث السيكولوجي الغربي
لم تكتفِ باربرا فريدريكسون برصد المشاعر الإيجابية ودراستها في شروطها الطبيعية، بل سعت بجدية لتطوير واختبار تدخلات نفسية استباقية قابلة للتطبيق والتعليم تسهم في “توليد” هذه المشاعر عمداً ومساعدة الأفراد على جني فوائدها البنائية. وفي هذا السياق، استلهمت من التقاليد الشرقية القديمة ممارسة تأملية معروفة بـ “تأمل الميتا” أو تأمل اللطف والمحبة (Loving-Kindness Meditation – LKM)، وقامت بإخضاعها لعملية علمنة وتنميط وتكييف غربية صارمة لتتناسب مع متطلبات البحث التجريبي النفسي.
يختلف تأمل اللطف والمحبة جوهرياً عن تأمل اليقظة الذهنية الكلاسيكي (Mindfulness Meditation). فبينما يركز تأمل اليقظة الذهنية على الانتباه غير الحاكم لمجرى الأفكار والتنفس والتركيز في الحاضر دون محاولة تغيير التجربة، يتسم تأمل اللطف والمحبة بكونه تدخلاً توليدياً نشطاً ومقصوداً لمشاعر محددة؛ إذ يدرب الفرد على توليد وتوجيه مشاعر الدفء والتعاطف والرغبة في الخير والسعادة عبر خطوات منهجية متدرجة تبدأ بـ:
- توجيه مشاعر الحب والقبول غير المشروط نحو الذات أولاً (“أتمنى لنفسي السلام، أتمنى لنفسي الصحة، أتمنى لنفسي التحرر من المعاناة”).
- توجيه هذه المشاعر تدريجياً نحو شخص مقرب أو معلم ملهم يسهل استشعار الامتنان نحوه.
- توسيع الدائرة لتشمل شخصاً محايداً لا يكنّ له الفرد مشاعر حب أو كراهية خاصة (كغريب يراه يومياً).
- الخطوة الأكثر صعوبة: توجيه مشاعر اللطف والصفح نحو شخص يمثل مصدر إزعاج أو خصومة في حياة الفرد.
- الوصول إلى التعميم الأسمى بتوجيه مشاعر الرحمة واللطف نحو كافة الكائنات الحية في الكون.
أثبت هذا البرتوكول المقنن قدرته على تجاوز الحواجز الثقافية والدينية، متحولاً إلى تمرين تدريب عقلي وعصبي مقاس يهدف لإعادة برمجة الدوائر العاطفية في الدماغ نحو الانفتاح والتعاطف.
8.2 النتائج التجريبية لتدخلات تأمل اللطف
في عام 2008، نشرت فريدريكسون وزملاؤها في دورية Journal of Personality and Social Psychology دراسة ميدانية معشاة ذات شواهد تُعد إحدى أهم وأعمق الدراسات التدخلية في تاريخ علم النفس الإيجابي. شملت الدراسة موظفين في شركة حاسوب كبرى تم توزيعهم عشوائياً إما على مجموعة تدريب أسبوعي على تأمل اللطف والمحبة لمدة سبعة أسابيع، أو على مجموعة انتظار ضابطة (Waitlist Control Group). قام المشاركون يومياً بتسجيل المشاعر الإيجابية والسلبية التي يختبرونها، فضلاً عن تقييم مواردهم الشخصية والاجتماعية عبر استبانات معيارية.
أثبتت نتائج الدراسة صحة مسار “التوسيع والبناء” بصورة إحصائية دقيقة لا تقبل الشك؛ حيث قاد الانخراط المنتظم في ممارسة تأمل اللطف والمحبة إلى:
- زيادة يومية تصاعدية في وتيرة المشاعر الإيجابية المتنوعة (الفرح، الامتنان، الأمل، السكينة، الاهتمام) دون محو المشاعر السلبية الضرورية، بل تعديل توازنها العام.
- قادت هذه الزيادة في المشاعر الإيجابية مباشرة إلى بناء طيف واسع من الموارد الشخصية بعد أسابيع من انتهاء التدريب؛ وتضمنت تلك الموارد: زيادة الشعور بالمعنى والهدف في الحياة، وارتفاع الدعم الاجتماعي المدرك وتقليل الشعور بالعزلة، وتراجع الأعراض المرضية الجسدية الملموسة مثل الصداع وآلام الظهر واضطرابات الهضم.
- أدى تراكم هذه الموارد النفسية والجسدية بدوره إلى خفض ملحوظ في أعراض الاكتئاب السريري وتحقيق قفزات ملموسة في الرضا الكلي عن الحياة، وهي النتيجة التي بقيت مستقرة وممتدة في دراسات التتبع اللاحقة لعدة أشهر.
علاوة على ذلك، تعاونت فريدريكسون مع عالمة الأحياء الجزيئية الحائزة على نوبل إليزابيث بلاكبيرن (Elizabeth Blackburn) وإليسا إيبل (Elissa Epel) لدراسة الأثر البيولوجي الخلوي العميق لتأمل اللطف والمحبة. في دراسة بالغة الأهمية نُشرت عام 2019، أظهرت التحليلات أن النساء اللاتي انتظمن في ممارسة تأمل اللطف والمحبة أظهرن طولاً أكبر ومحمياً لـ “التيلوميرات” (Telomeres) — وهي الأغطية البروتينية الواقعة في نهايات الكروموسومات التي يقصر طولها تدريجياً مع التقدم في العمر والتوتر المزمن — مما وفر دليلاً تجريبياً ثورياً على أن توليد مشاعر الحب واللطف يساهم في إبطاء الشيخوخة الخلوية ويعزز الاستقرار الجيني على المستوى الجزيئي.
9. الجدل العلمي ونقد نموذج “نسبة الإيجابية” (The Positivity Ratio)
9.1 طرح النسبة الحرجة ونموذج لوسادا (2005)
في عام 2005، نشرت باربرا فريدريكسون بالاشتراك مع عالم النظم النفسية التشيلي مارسيل لوسادا (Marcial Losada) ورقة بحثية في دورية American Psychologist بعنوان: “Positive Affect and the Complex Dynamics of Human Flourishing”. سعت هذه الورقة لتقديم إجابة رياضية دقيقة لمعضلة شائكة: ما هو المقدار المتوازن من المشاعر الإيجابية مقارنة بالمشاعر السلبية الذي يحتاجه الإنسان أو الفريق للوصول إلى حالة “الازدهار النفسي والأداء الأقصى” بدلاً من مجرد التدهور أو البقاء العادي؟
اعتمد لوسادا في بناء النموذج على استخدام “المعادلات التفاضلية غير الخطية” ونماذج ديناميكيات السوائل المستعارة من نظرية الشواش (Chaos Theory) ومعادلات لورنز للجاذبات الجوية الغريبة (Lorenz Attractors). ومن خلال تطبيق هذه المعادلات الرياضية المعقدة على بيانات ديناميكيات فرق العمل وتجارب فريدريكسون النفسية، توصل الباحثان إلى وجود “نسبة حرجة” أو نقطة انعطاف رياضية محددة بدقة بالغة: 2.9013 إلى 1.
وفقاً لهذا الطرح:
- إذا كانت نسبة المشاعر الإيجابية إلى المشاعر السلبية التي يختبرها الفرد يومياً تتجاوز هذه العتبة (أي ما يقارب 3 مشاعر إيجابية في مقابل كل انفعال سلبي واحد)، فإن النظام النفسي يدخل تلقائياً في حالة تشعب ديناميكي تقوده نحو الازدهار والنمو الإبداعي وتوليد “دوامات الارتقاء”.
- أما إذا انخفضت النسبة عن (2.9:1)، فإن النظام يتدهور أو يعلق في جمود نفسي وأداء وظيفي روتيني.
- وحدد النموذج أيضاً حداً أقصى أعلى يُقدر بنحو (11.6:1)، حيث حذرت فريدريكسون من أن الإيجابية غير المنضبطة التي تتجاوز هذا الحد تفقد وظيفتها وتتحول إلى نرجسية أو انفصال مرضي عن الواقع، مؤكدة أن الانفعالات السلبية كالحزن والغضب ضرورية للبقاء وتقديم تغذية راجعة واقعية للأخطاء.
لاقت هذه الفكرة رواجاً أسطورياً في الدوائر الأكاديمية والعالمية؛ وتم الترويج لها على نطاق واسع في كتاب فريدريكسون الشهير الصادر عام 2009 بعنوان Positivity، واحتفت وسائل الإعلام العالمية بما اعتبرته “المعادلة الرياضية للسعادة الإنسانية”.
9.2 نقد براون وسوكال وفريدمان (2013) والتراجع الرسمي
في عام 2013، تلقت هذه الأطروحة ضربة نقدية مدوية؛ حيث نشر طالب الدكتوراه البريطاني نيكولاس براون (Nicholas Brown)، بالتعاون مع الفيزيائي الشهير آلان سوكال (Alan Sokal) — المعروف بمقالب سوكال الشهيرة في نقد العلوم الزائفة — وعالم النفس نيك فريدمان (Nick Friedman)، ورقة بحثية شديدة القسوة والدقة في دورية American Psychologist بعنوان: “The Complex Dynamics of Wishful Thinking: The Critical Positivity Ratio”.
فكك براون وزملاؤه النمذجة الرياضية للوسادا بالكامل، وأثبتوا بما لا يدع مجالاً للشك أن:
- تطبيق معادلات لورنز التفاضلية الخاصة بديناميكا الموائع والحمل الحراري للغازات على قياسات المشاعر الإنسانية كان إسقاطاً تعسفياً وغير مبرر رياضياً أو فيزيائياً.
- المعطيات والبيانات النفسية المدخلة تم التلاعب بها قسراً لتلائم البارامترات المسبقة، مما جعل “النسبة الدقيقة” (2.9013) مجرد رقم وهمي ناتج عن خطأ منهجي فادح.
- المعادلات المستخدمة تعاني من عيوب جوهرية تجعل استنتاجاتها غير صالحة منطقياً وعلمياً.
أحدثت الورقة زلزالاً معرفياً في أروقة علم النفس الإيجابي. وكان رد فعل باربرا فريدريكسون درساً استثنائياً في الأخلاقيات الأكاديمية والنزاهة العلمية؛ حيث اعترفت على الفور وبشجاعة بنجاح نقد براون وسوكال فيما يتعلق بالنمذجة الرياضية. وفي مقال رسمي نُشر في نفس الدورية (Fredrickson, 2013)، أقرت فريدريكسون بأنها بصفتها عالمة نفس لم تكن تمتلك الخبرة الرياضية الكافية لفحص المعادلات الفيزيائية المتقدمة للوسادا، وسحبت رسمياً كافة الادعاءات القائمة على المعادلات التفاضلية ونسبة (2.9:1) المحددة كمقدار رياضي دقيق.
إلا أن فريدريكسون وقفت بقوة دفاعاً عن الجوهر السيكولوجي والتجريبي للنسبة؛ وأوضحت أن عشرات الدراسات النفسية المستقلة — التي لا تعتمد بأي شكل على معادلات لوسادا — تؤكد أن الأفراد المزدهرين يختبرون بالفعل وتيرة أعلى بشكل ملحوظ من المشاعر الإيجابية مقارنة بالمشاعر السلبية، وأن مبدأ “رجحان الإيجابية” يظل حقيقة نفسية لا غبار عليها، حتى لو كان التعبير عنها بمعادلة رقمية صلبة قد ثبت بطلانه. شكلت هذه الأزمة التاريخية نقطة نضج مفصلية في مسيرة علم النفس الإيجابي، محذرة من مغبة استعارة النماذج الرياضية المعقدة لتزيين العلوم الإنسانية دون سند منهجي متين.
10. التطبيقات المؤسسية والتربوية والإكلينيكية لأبحاثها
10.1 بيئات العمل والقيادة الإيجابية
أحدثت نظرية التوسيع والبناء ثورة حقيقية في حقل السلوك التنظيمي (Organizational Behavior) وعلم النفس الصناعي؛ حيث قدمت لمديري المؤسسات وقادتها بديلاً علمياً متقدماً عن أساليب الإدارة التقليدية القائمة على التخويف والضغط المستمر. فوفقاً لفريدريكسون، يؤدي العمل في بيئات مشبعة بالقلق والخوف المزمن إلى تضييق المدارك الفكرية للموظفين واقتصار سلوكياتهم على تجنب الأخطاء الفورية و”القتال” من أجل البقاء الوظيفي، مما يخنق روح الابتكار والمبادرة تماماً.
في المقابل، يساهم خلق مناخ تنظيمي يعزز المشاعر الإيجابية من خلال التقدير، وبناء الأمان النفسي (Psychological Safety)، وتوليد رنين الإيجابية في اجتماعات العمل، في تحقيق نتائج استثنائية تشمل:
- تعزيز التفكير الإبداعي وحل المشكلات: حيث تدفع المشاعر الإيجابية عقول الموظفين نحو تجربة أفكار غير تقليدية ورؤية أنماط وفرص تجارية جديدة.
- بناء رأس المال الاجتماعي (Social Capital): يؤدي تبادل الامتنان والتعاطف اللحظي إلى تقوية روابط الثقة غير الرسمية بين أعضاء الفريق، مما يقلل من الصراعات التدميرية ويسرع إنجاز المشاريع المعقدة.
- خفض الاحتراق الوظيفي (Burnout): تعمل فترات الراحة الإيجابية والتفاعلات الاجتماعية الداعمة ككوابح فسيولوجية توقف مسار الإجهاد العضوي والنفسي لدى الكوادر المهنية.
10.2 التطبيقات الإكلينيكية والعلاج النفسي
في الفضاء الإكلينيكي والعلاجي، شكلت أبحاث فريدريكسون إضافة جوهرية لممارسات العلاج المعرفي السلوكي (CBT) والعلاجات الإنسانية؛ إذ بينت أن التركيز الحصري للمعالج على تشريح المشاعر السلبية ومحاربة الأفكار المشوهة قد يكون غير كافٍ لتحقيق الشفاء المستدام، بل قد يقع أحياناً في فخ تغذية دوامات الاجترار الفكري.
أدخلت برامج التدخل الإكلينيكي الحديثة استراتيجيات فريدريكسون لتوليد المشاعر الإيجابية بصفتها أداة علاجية مركزية من خلال:
- استخدام المشاعر الإيجابية لإعادة التقييم المعرفي (Cognitive Reappraisal): استغلال التوسيع الفكري المؤقت لمساعدة مريض الاكتئاب أو القلق على رؤية تفسيرات بديلة وواقعية لمعاناته لم يكن قادراً على ملاحظتها تحت وطأة الضيق.
- الوقاية من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD): أظهرت دراسات فريدريكسون التي تتبعت عينات من الأمريكيين بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية أن الأفراد الذين اختبروا مشاعر امتنان وأمل ومحبة إلى جانب حزنهم الطبيعي كانوا أكثر قدرة على تجنب الانزلاق إلى اضطراب ما بعد الصدمة، بفضل تفعيل فرضية الإلغاء الفسيولوجي والمرونة النفسية.
- علاج الاكتئاب المقاوم: إدراج تدريبات تأمل اللطف والمحبة ودفاتر الامتنان اليومية لإعادة تحفيز “نظام المكافأة الدوباميني” والدوائر العصبية للتعاطف التي تصاب بالضمور الوظيفي أثناء نوبات الاكتئاب الحادة.
10.3 التعليم والسياسات التربوية
في الحقل التربوي، أثرت أبحاث فريدريكسون بشكل مباشر على ظهور حركة “التعليم الإيجابي” (Positive Education) وتصميم المناهج المدرسية الحديثة. أدرك التربويون أن عقل الطالب في حالات القلق الشديد أو الخوف من الفشل والعقاب يدخل في حالة “تضييق معرفي” تعيق مراكز الذاكرة العاملة والفهم المجرد في الدماغ، مما يؤدي إلى تراجع التحصيل الأكاديمي.
وعليه، ركزت التطبيقات التربوية المستندة إلى نظرية فريدريكسون على:
- تصميم بيئات تعلم محفزة للمشاعر الإيجابية: دمج الأنشطة القائمة على الفضول، والتعلم القائم على اللعب، والمناقشات التعاونية الممتعة التي توسع مدارك الطلاب وتزيد من سعة استيعابهم للمعلومات المعقدة.
- تعزيز رنين الإيجابية في الغرفة الصفية: تشجيع التفاعل البصري الإيجابي والتعاطف بين المعلمين والطلاب، مما يقلل بشكل حاسم من معدلات التنمر والسلوكيات العدوانية ويخلق بيئة حاضنة للنمو النفسي.
- برامج التدخل المبكر لتطوير الموارد: تدريب الأطفال في سن مبكرة على مهارات التهدئة الذاتية، وتوليد اللطف، والامتنان، بوصفها استثمارات بنائية تنمي مرونتهم النفسية لمواجهة ضغوط المراهقة ومرحلة الرشد بنجاح.
11. المؤلفات الرئيسية والجوائز والاعتراف الأكاديمي
11.1 الكتب المؤثرة والمساهمات التأليفية
تركت باربرا فريدريكسون بصمة تأليفية عميقة تجاوزت الأوساط الأكاديمية المتخصصة لتصل إلى عموم القراء والمثقفين عبر كتابين تأسيسيين ترجما إلى عشرات اللغات حول العالم:
- كتاب “الإيجابية” (Positivity: Top-Notch Research Reveals the 3-to-1 Ratio That Will Change Your Life – 2009): قدمت فيه فريدريكسون خلاصات تجاربها المعملية لعقد كامل بأسلوب أدبي وعلمي شيق، موضحة كيف تقود وتيرة المشاعر الإيجابية اليومية إلى إحداث تحولات نوعية في الصحة البدنية والعلاقات الاجتماعية والمرونة الذهنية. ورغم التراجع اللاحق عن الشق الرياضي البحت، بقي الكتاب مرجعاً تطبيقياً رائداً لأدبيات ازدهار الإنسان.
- كتاب “الحب 2.0” (Love 2.0: How Our Supreme Emotion Affects Everything We Feel, Think, Do, and Become – 2013): يمثل هذا الكتاب نقلة معرفية جذرية شجاعة أعادت من خلالها فريدريكسون صياغة مفهوم الحب بيولوجياً واجتماعياً، متحررة من الكليشيهات العاطفية لتقدم دليلاً عملياً مدعوماً ببيولوجيا العصب الحائر والتزامن العصبي لمكافحة الوحدة وبناء صحة الجسد والروح.
إلى جانب هذين الكتابين، أسهمت فريدريكسون بكتابة فصول مرجعية رئيسية في أمهات كتب علم النفس، مثل كتاب Handbook of Positive Psychology، وHandbook of Emotions، وتجاوز عدد أوراقها البحثية المنشورة في أرفع المجلات المحكمة مئات المقالات التي حصدت ما يزيد عن مئة ألف استشهاد علمي (Citations)، مما يجعلها واحدة من أكثر علماء النفس تأثيراً واستشهاداً بأعمالهم في تاريخ العلم الحديث وفق منصات الأرشفة الأكاديمية العالمية.
11.2 الجوائز والتكريمات الدولية
نالت فريدريكسون خلال مسيرتها الحافلة تقديراً دولياً واسعاً تجلى في حصدها لأرقى الجوائز الأكاديمية المتخصصة في العلوم السلوكية والطبية النفسية:
- جائزة تمبلتون للبحث الإيجابي في علم النفس (Templeton Prize in Positive Psychology – 2000): كانت فريدريكسون أول باحثة في العالم تفوز بهذه الجائزة الدولية الرفيعة في نسختها الافتتاحية تقديراً لبنائها الرائد لـ “نظرية التوسيع والبناء”.
- جائزة المساهمة العلمية المتميزة في علم النفس (APA Distinguished Scientific Award for an Early Career Contribution – 2000): الممنوحة من جمعية علم النفس الأمريكية، تكريماً لأبحاثها الاستثنائية في قياس وظائف الانفعالات الإنسانية.
- جائزة كريستوفر بيترسون للشجاعة العلمية والتميز (IPPA Christopher Peterson Gold Medal): تقديراً لإسهاماتها المستمرة مدى الحياة في تأسيس وتطوير أبحاث علم النفس الإيجابي الرصين.
- رئاسة الجمعية الدولية لعلم النفس الإيجابي (IPPA): حيث انتُخبت فريدريكسون رئيسة لهذه الجمعية العالمية، وقادت خلال ولايتها جهوداً حثيثة لربط علم النفس بالطب، والجينات، وعلم الأعصاب، وتطهير المجال من التوجهات التجارية غير العلمية.
- عضوية الجمعيات الأكاديمية الكبرى: حازت على الزمالة الشرفية في الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم (AAAS)، وجمعية علم النفس التجريبي، وجمعية الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (SPSP).
12. الإرث العلمي والآفاق المستقبلية لأبحاث فريدريكسون
12.1 المراجعات المعاصرة لنظرية التوسيع والبناء
مع دخول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تشهد نظرية التوسيع والبناء مراجعات علمية متقدمة تهدف إلى تعميق مفاهيمها واختبار حدودها الإبستمولوجية. ومن أبرز مسارات البحث المعاصرة:
- اختبار النظرية عبر الثقافات غير الغربية: فبينما تأسست معظم التجارب الأولية على عينات تنتمي إلى المجتمعات الغربية الصناعية المترفة (WEIRD Societies)، تركز الأبحاث الحديثة على تقييم تجليات المشاعر الإيجابية في المجتمعات الجمعية (Collectivist Cultures)؛ حيث تظهر الدراسات أن المشاعر الإيجابية الهادئة كالسكينة والوئام تحظى بقيمة بنائية تفوق المشاعر الصاخبة كالفرح المفرط في تلك البيئات، مما يعزز البعد النسبي الثقافي للنظرية.
- الفرز الدقيق للمشاعر الإيجابية المتمايزة: الابتعاد عن معاملة “المشاعر الإيجابية” ككتلة واحدة متجانسة، وتخصيص دراسات دقيقة لكل انفعال على حدة؛ مثل دراسة التأثير المعرفي الفريد لـ “الرهبة والذهول” (Awe) في محو التمركز حول الذات، وتأثير “الفخر التكيفي” مقابل “الفخر المتغطرس”، والآثار البيولوجية المتباينة للسكينة مقارنة بالحماس.
- تطوير أدوات القياس الرقمية الحيوية: استخدام المستشعرات القابلة للارتداء الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد التغيرات الفسيولوجية للنغمة المبهمية ونبضات القلب في الزمن الفعلي طوال ساعات اليوم، لتقديم صورة بيئية حية وشاملة عن ديناميكيات دوامات الارتقاء الإيجابي.
12.2 مستقبل البحث في التقاطع بين علم النفس والبيولوجيا
يمتد الأفق المستقبلي لأبحاث فريدريكسون ومدرستها الفكرية نحو أعمق مناطق التماس بين السيكولوجيا والبيولوجيا، وتحديداً في حقل “علم الوراثة اللاجيني السلوكي” (Behavioral Epigenetics). يستكشف الباحثون اليوم الكيفية التي يمكن بها للممارسات التدخلية الطويلة كالتأمل والامتنان أن تحدث تغييرات مستقرة في علامات الميثيلين (DNA Methylation) وتعديل الهستونات حول الجينات المسؤولة عن تنظيم الالتهابات المناعية واستجابة محور (HPA) للضغوط، مما قد يفتح الباب لتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية جينية تستند كلياً إلى تنمية المشاعر الإنسانية الإيجابية.
كما تنشط الجهود حالياً لتطوير تطبيقات وتدخلات رقمية قائمة على نظرية “رنين الإيجابية” تهدف لمواجهة أزمات الاكتئاب والانتحار المتزايدة بين المراهقين والشباب، من خلال تصميم منصات تحفز التواصل الإنساني الحقيقي وجهاً لوجه بدلاً من التفاعل الخوارزمي الافتراضي المنعزل.
تستقر مكانة باربرا فريدريكسون التاريخية اليوم بوصفها العالمة الرائدة التي نسفت للأبد الفكرة الخاطئة القائلة بأن المشاعر الإيجابية ليست سوى زينة ترفيهية للحياة أو نتيجة عرضية للراحة البدنية؛ مبرهنة عبر عقود من القياس المعملي والتجريب الدقيق على أن المشاعر الإيجابية هي ضرورة بيولوجية تكيفية لا غنى عنها لبقاء النوع الإنساني، ونمائه، وتحقيق أقصى إمكاناته المادية والروحية في هذا العالم المضطرب.
خاتمة
جسدت المسيرة العلمية لباربرا فريدريكسون نقلة إبستمولوجية كبرى في علوم النفس الحديثة؛ فمن خلال الجمع المبدع بين النظريات التطورية الكلاسيكية والمختبرات الفسيولوجية المتقدمة وتقنيات البيولوجيا الجزيئية، نجحت في تحرير علم النفس من أسر النظرة الأحادية للعجز والاعتلال دون الوقوع في شراك السطحية والتفاؤل الساذج. أكدت نظرية التوسيع والبناء، وفرضية الإلغاء الفسيولوجي، ونظرية رنين الإيجابية، أن الإنسان كائن صُمم بيولوجياً ليزدهر من خلال التواصل، والمحبة، وتوليد المعنى، وأن المشاعر الإيجابية ليست نهاية المطاف في رحلة البحث عن السعادة، بل هي البداية والوقود الفعلي لكل نمو عقلي، وصحي، واجتماعي دائم.
المراجع
- Brown, N. J., Sokal, A. D., & Friedman, H. L. (2013). The complex dynamics of wishful thinking: The critical positivity ratio. American Psychologist, 68(9), 801–813. https://doi.org/10.1037/a0032850
- Fredrickson, B. L. (1998). What good are positive emotions? Review of General Psychology, 2(3), 300–319. https://doi.org/10.1037/1089-2680.2.3.300
- Fredrickson, B. L. (2001). The role of positive emotions in positive psychology: The broaden-and-build theory of positive emotions. American Psychologist, 56(3), 218–226. https://doi.org/10.1037/0003-066X.56.3.218
- Fredrickson, B. L. (2009). Positivity: Top-Notch Research Reveals the 3-to-1 Ratio That Will Change Your Life. Crown Publishing Group.
- Fredrickson, B. L. (2013). Love 2.0: How Our Supreme Emotion Affects Everything We Feel, Think, Do, and Become. Hudson Street Press.
- Fredrickson, B. L. (2013). Updated thinking on positivity ratios. American Psychologist, 68(9), 814–822. https://doi.org/10.1037/a0033584
- Fredrickson, B. L., & Branigan, C. (2005). Positive emotions broaden the scope of attention and thought-action repertoires. Cognition & Emotion, 19(3), 313–332. https://doi.org/10.1080/02699930441000238
- Fredrickson, B. L., Cohn, M. A., Coffey, K. A., Pek, J., & Finkel, S. M. (2008). Open hearts build lives: Positive emotions, induced through loving-kindness meditation, build consequential personal resources. Journal of Personality and Social Psychology, 95(5), 1045–1062. https://doi.org/10.1037/a0013262
- Fredrickson, B. L., Grewen, K. M., Coffey, K. A., Algoe, S. B., Firestine, A. M., Arevalo, J. M., Ma, J., & Cole, S. W. (2013). A functional genomic perspective on human well-being. Proceedings of the National Academy of Sciences, 110(33), 13684–13689. https://doi.org/10.1073/pnas.1305412110
- Fredrickson, B. L., & Levenson, R. W. (1998). Positive emotions speed recovery from the cardiovascular sequelae of negative emotions. Cognition & Emotion, 12(2), 191–220. https://doi.org/10.1080/026999398379718
- Fredrickson, B. L., & Losada, M. F. (2005). Positive affect and the complex dynamics of human flourishing. American Psychologist, 60(7), 678–686. https://doi.org/10.1037/0003-066X.60.7.678
- Kok, B. E., Coffey, K. A., Cohn, M. A., Catalino, L. I., Vacharkulksemsuk, T., Algoe, S. B., Brantley, M., & Fredrickson, B. L. (2013). How positive emotions build physical health: Perceived positive social connections account for the upward spiral between positive emotions and vagal tone. Psychological Science, 24(7), 1123–1132. https://doi.org/10.1177/0956797612470827
- Le Nguyen, K. D., Lin, J., Algoe, S. B., Brantley, M. M., Kim, S. L., Firestine, A. M., Epel, E. S., Blackburn, E. H., & Fredrickson, B. L. (2019). Loving-kindness meditation slows biological aging in novices: Evidence from a 12-week randomized controlled trial. Psychoneuroendocrinology, 108, 20–27. https://doi.org/10.1016/j.psyneuen.2019.05.020
- Tugade, M. M., & Fredrickson, B. L. (2004). Resilient individuals use positive emotions to bounce back from negative emotional experiences. Journal of Personality and Social Psychology, 86(2), 320–333. https://doi.org/10.1037/0022-3514.86.2.320