السيرة
تُعدّ باربرا روغوف (Barbara Rogoff) واحدةً من أبرز القامات الفكرية التي أعادت تشكيل مشهد علم النفس التنموي والأنثروبولوجيا المعرفية في أواخر القرن العشرين ومستهل القرن الحادي والعشرين. كرّست روغوف مسيرتها العلمية لتفكيك النزعة الفردية الاختزالية التي هيمنت لعقود طويلة على الدراسات النفسية الغربية، حيث قدّمت نموذجاً إبستمولوجياً ريادياً يرى في التطور المعرفي البشري سيرورة ثقافية تاريخية متأصلة في النشاط الاجتماعي الجماعي. من خلال أبحاثها الميدانية المقارنة وإسهاماتها النظرية المتجذرة، أثبتت روغوف أن التفكير والتعلم والنمو ليست عمليات تحدث في عزلة داخل الدماغ البشري الفردي، بل هي أنماط مشاركة حية ومتغيرة تتشكل وتتطور عبر التفاعل المستمر مع الأدوات والممارسات والقيم الثقافية التي تتوارثها وتبتكرها المجتمعات الإنسانية.
انطلقت روغوف في مشروعها المعرفي من مراجعة نقدية عميقة للنماذج الكلاسيكية في علم النفس النمائي، وفي مقدمتها النموذج البياجيهي القائم على المراحل المعرفية المجردة ونظرية المعالجة المعلوماتية، معيدةً قراءة وتوسيع أطروحات المدرسة الاجتماعية التاريخية السوفيتية، ولا سيما أعمال ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky). ولم تكتفِ روغوف بالبناء النظري الأكاديمي داخل الغرف المغلقة، بل نزلت إلى الميدان الأنثروبولوجي، حيث عاشت ودرست المجتمعات الأصلية في أمريكا الوسطى، وتحديداً في مرتفعات غواتيمالا، موازيةً ذلك بملاحظات دقيقة داخل البيئات الحضرية في الولايات المتحدة. وقد أتاح لها هذا المزج المنهجي الفريد بين الإثنوغرافيا العميقة والتحليل النفسي الدقيق تقديم مفاهيم مركزية أحدثت ثورة في العلوم السلوكية والتربوية، مثل “المشاركة الموجهة” (Guided Participation) ونموذج “التعلم من خلال الملاحظة والمساهمة الفاعلة” (Learning by Observing and Pitching In – LOPI).
يسعى هذا العمل الموسع والشامل إلى تقديم دراسة معمقة وتفصيلية لمسيرة باربرا روغوف الفكرية، مقتفياً أثر نشأتها وتكوينها الأكاديمي، ومستعرضاً ركائزها الفلسفية ومنهجياتها التجريبية والإثنوغرافية. كما يتناول هذا البحث بالتحليل الدقيق مؤلفاتها المفصلية، ولا سيما كتابها المرجعي “الطبيعة الثقافية للنمو البشري”، والردود النقدية التي دارت حول أطروحاتها، فضلاً عن تطبيقات نظرياتها في إصلاح المنظومات التعليمية المعاصرة وتوجيه السياسات التربوية العالمية. إن فهم مشروع روغوف ليس مجرد استعراض لتاريخ فكرة نفسية، بل هو مدخل ضروري لإعادة التفكير في الطبيعة الإنسانية ذاتها بوصفها نتاجاً وتجسيداً للمشاركة الثقافية الفاعلة.
1. النشأة والخلفية الأكاديمية والمهنية لباربرا روغوف
1.1 المسار التعليمي والتكوين المعرفي الأولي
وُلدت باربرا روغوف في عام 1950 في الولايات المتحدة، ونشأت في مناخ أكاديمي وثقافي كان يموج بالتحولات الكبرى في حقول العلوم الاجتماعية والإنسانية. منذ مراحلها الجامعية الأولى، أبدت روغوف شغفاً استثنائياً بالتقاطعات المعرفية المعقدة بين علم النفس المعرفي والأنثروبولوجيا الثقافية؛ إذ لم تستسغ النماذج النفسية الشائعة آنذاك، والتي كانت تنظر إلى الإنسان من خلال عدسة المختبرات الاصطناعية والتجارب المعزولة عن سياق الحياة اليومية. قادها هذا التوجه الفكري إلى إدراك مبكر بأن السلوك البشري والعمليات الذهنية لا يمكن استيعابهما دون فهم عميق للبيئة الثقافية والمادية التي ينشأ فيها الفرد ويتفاعل معها.
توجت روغوف هذا المسار الأكاديمي بالالتحاق بـ جامعة هارفارد، حيث نالت درجة الدكتوراه في علم النفس التنموي عام 1977. في هارفارد، تتلمذت روغوف على أيدي نخبة من كبار العلماء والمنظرين الذين شكلوا تفكيرها النقدي، وكان من أبرزهم جيروم برونر (Jerome Bruner) وبياتريس وايتنج (Beatrice Whiting)، اللذان كان لهما أثر بارز في توجيه اهتمامها نحو أهمية السياق الثقافي واللغوي في تشكيل العقل. وفرت لها هذه البيئة الأكاديمية الرصينة في كامبريدج منصة فريدة للجمع بين الصرامة المنهجية لعلم النفس التجريبي والعمق الوصفي للأنثروبولوجيا الميدانية.
خلال سنوات دراستها العليا، شرعت روغوف في القيام بدراسات إثنوغرافية ميدانية استكشافية كان لها الأثر الحاسم في مسارها البحثي بأكمله. سافرت إلى غواتيمالا، وتحديداً إلى مجتمعات المايا التقليدية المقيمة على ضفاف بحيرة أتيتلان، حيث انخرطت في مراقبة دقيقة ومكثفة لأنماط تربية الأطفال وكيفية انتقال المعرفة بين الأجيال. هذه التجارب الميدانية المبكرة في غواتيمالا، بمقارنتها المباشرة مع أنماط التنشئة الأسرية في الطبقة الوسطى الحضرية بالولايات المتحدة، رسخت في ذهنها قناعة بأن النظريات النمائية السائدة تعاني من تحيز إثني غربي فج، وهو ما وضع حجر الأساس لمشروعها العلمي الطويل الهادف إلى تحرير علم النفس من هذه القوالب الضيقة.
1.2 المناصب الأكاديمية والبحثية
عقب إتمام دراستها العليا، انطلقت مسيرة روغوف الأكاديمية عبر تقلد مناصب تدريسية وبحثية مرموقة في عدة جامعات أمريكية بارزة. بدأت مسارها المهني في جامعة يوتا (University of Utah)، حيث عملت كأستاذة لعلم النفس وقادت فرقاً بحثية رائدة عكفت على دراسة التفاعل الاجتماعي ودوره في النمو المعرفي لدى الأطفال. خلال فترة وجودها في يوتا، أسست روغوف مختبرات بحثية ميدانية ركزت على تحليل أشرطة الفيديو للتفاعلات اليومية بين الآباء والأطفال، وهو ما مكنها من تطوير منهجيات دقيقة لرصد السلوكيات غير اللفظية والإشارات الحركية التي ترافق عملية التعلم.
في أوائل التسعينيات، انتقلت باربرا روغوف إلى جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز (UCSC)، وهي المؤسسة التي احتضنت النضج الأكبر لمشروعها الفكري وشهدت تدشين أهم أبحاثها وكتبها. في سانتا كروز، شغلت روغوف كرسي مؤسسة كلارك المرموق للتميز الأكاديمي في علم النفس والتعليم (Clark Foundation Endowed Chair in Psychology and Education)، وهو موقع تقديري مخصص للعلماء ذوي الإسهامات الاستثنائية التي تجمع بين النظرية النفسية والتطبيق التربوي الواسع. أتاح لها هذا الكرسي موارد واسعة لتوسيع نطاق أبحاثها المقارنة عبر الثقافات وتكوين شبكة بحثية دولية تمتد عبر قارات متعددة.
لم يقتصر دور روغوف في جامعة كاليفورنيا على التدريس والبحث الفردي، بل ساهمت بفاعلية في تأسيس وتطوير برامج دراسات عليا بينية متخصصة في علم النفس الثقافي والتنموي والتعليم التشاركي. قادت مبادرات أكاديمية دمجت طلاب الدراسات العليا من خلفيات إثنية متنوعة في مشاريع بحثية ميدانية تشاركية في المكسيك والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. وقد أضحت برامج سانتا كروز تحت قيادتها منارة عالمية تستقطب الباحثين المهتمين بنقد النماذج الغربية في التربية وعلم النفس، مما رسخ مكانتها كأكاديمية مؤسسة لتيارات فكرية تتبنى العدالة المعرفية والشمول الثقافي.
1.3 الجوائز والتقديرات العلمية في مسيرتها
نالت باربرا روغوف على مدار عقود من العطاء العلمي اعترافاً دولياً واسعاً تجسد في حصولها على أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية من كبرى الهيئات العلمية في العالم. من أبرز هذه التقديرات، فوزها بجائزة الإسهامات المتميزة في المسيرة العلمية لعلم النفس التنموي من جمعية علم النفس الأمريكية (APA – Division 7)، وهي الجائزة التي تُمنح فقط للعلماء الذين أحدثت أبحاثهم تحولات جذرية في البنية المعرفية للنظرية النمائية المعاصرة. كما حازت على جوائز متميزة من جمعية الأبحاث في تنمية الطفل (SRCD)، تكريماً لجهودها الرائدة في إدخال المنهجيات الإثنوغرافية الميدانية إلى قلب أبحاث الطفولة.
إلى جانب الجوائز التقديرية، تم انتخاب روغوف عضواً دائماً في أرقى الهيئات الأكاديمية الشرفية في الولايات المتحدة؛ فقد انتُخبت لعضوية الأكاديمية الوطنية للتعليم (National Academy of Education)، وهي هيئة تضم نخبة منتقاة من كبار الباحثين الذين تؤثر أعمالهم بشكل مباشر في سياسات وفلسفات التعليم الوطنية والدولية. كما حظيت بعضوية الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم (American Academy of Arts and Sciences)، وهو تكريم يُمنح للشخصيات الفكرية الاستثنائية التي تسهم بشكل جوهري في إثراء الحضارة والعلوم الإنسانية والمعرفية على الصعيد العالمي.
شمل هذا الاعتراف الدولي أيضاً توجيه الدعوات لها لإلقاء محاضرات افتتاحية في كبرى المؤتمرات الفكرية عبر أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا، فضلاً عن ترجمة كتبها وأبحاثها إلى لغات متعددة كالإسبانية، والبرتغالية، والفرنسية، واليابانية، والصينية. يُنظر إلى روغوف اليوم في الأوساط الأكاديمية العالمية بوصفها الصوت الأكثر رصانة وحجية في الدفاع عن التكامل بين الثقافة والبيولوجيا، وتفكيك المركزية الغربية في دراسة العقل البشري، مما جعلها أيقونة فكرية تتجاوز حدود علم النفس الأكاديمي لتلهم علماء الاجتماع، والأنثروبولوجيا، وواضعي السياسات التعليمية في كل مكان.
2. الأسس النظرية والفلسفية لمنظور باربرا روغوف
2.1 الجذور السوسيوبنائية وتطوير أطروحات فيغوتسكي
تستند المنطلقات النظرية لباربرا روغوف إلى التراث السوسيوبنائي (Sociocultural approach)، وتحديداً الأطروحات التأسيسية التي صاغها عالم النفس السوفيتي ليف فيغوتسكي وزملاؤه مثل ألكسندر لوريا وأليكسي ليونتيف. رأت روغوف في منظور فيغوتسكي ثورة إبستمولوجية حقيقية، إذ رفض الأخير فصل العمليات العقلية العليا عن أصولها الاجتماعية والتاريخية. غير أن روغوف لم تتعامل مع نصوص فيغوتسكي كنصوص مقدسة أو نهائية، بل انخرطت في قراءة نقدية وتوسيع إبداعي لمفاهيمه، متجاوزة بعض القيود السياقية والتاريخية التي أحاطت بأعماله في بدايات القرن العشرين، ولا سيما تركيزه شبه الحصري على السياقات التعليمية واللغوية الرسمية.
أعادت روغوف قراءة وتطوير المفهوم الفيغوتسكي الشهير المعروف باسم منطقة النمو الوشيك (Zone of Proximal Development – ZPD). فرغم أن فيغوتسكي حدد هذه المنطقة باعتبارها المسافة الفاصلة بين مستوى النمو الفعلي للطفل ومستوى النمو المحتمل تحت توجيه الكبار أو بالتعاون مع أقران أكثر تقدماً، إلا أن روغوف لاحظت أن هذا التعريف ارتبط تاريخياً بالتعليم المدرسي وحل المشكلات الأكاديمية ذات الصبغة اللفظية. قامت روغوف بتوسيع المفهوم ليتجاوز أسوار المدارس، مظللةً تحته جميع الممارسات غير الرسمية، والأنشطة الإنتاجية اليومية، وأشكال التفاعل الاجتماعي المتنوعة التي يكتسب عبرها الأطفال كفاءات حيوية دون الحاجة إلى وصاية لفظية مباشرة أو تلقين منهجي منظم.
كما عملت روغوف على دمج أطروحة “الوساطة السيميائية” (Semiotic Mediation) الفيغوتسكية بالممارسات الثقافية اليومية المتجذرة مادياً. فبينما شدد فيغوتسكي على اللغة المنطوقة والمكتوبة كأداة نفسية وسيطة عظمى، بينت روغوف أن الأدوات الثقافية ليست مجرد كلمات ورموز مجردة، بل تشمل أيضاً أدوات العمل المادية، والتقاليد الحركية، وأنماط استغلال المساحة الجغرافية والمعمارية، ونظم تقسيم العمل داخل المجتمع. ومن هنا، يصبح النمو المعرفي في منظور روغوف عملية حية وديناميكية لا تتبع مساراً خطياً واحداً مرسوماً سلفاً، بل هو مسار متعدد الاتجاهات تتشكل مساراته بناءً على طبيعة الأنشطة المجتمعية التي يشارك فيها الفرد والغايات الجمعية التي تسعى ثقافته لتحقيقها.
2.2 التحول من الفردية المعرفية إلى النشاط الجمعي
يمثل نقد النموذج المعرفي البياجيهي (نسبة إلى جان بياجيه Jean Piaget) إحدى الركائز الفلسفية الأساسية في مشروع باربرا روغوف. على الرغم من اعترافها بالقيمة التاريخية لإسهامات بياجيه في إبراز الدور النشط للطفل في بناء المعرفة، انتقدت روغوف بشدة الفرضية المركزية التي بني عليها هذا النموذج، والتي تصور الطفل كـ “عالم صغير” (little scientist) يكتشف العالم من خلال التجريب الفردي المعزول والتعامل المستقل مع الأشياء المادية، ثم يمر بمراحل نمو بيولوجية وعالمية ثابتة ومستقلة عن أي سياق ثقافي.
جادلت روغوف بأن هذا التصور البياجيهي هو نتاج مباشر للأيديولوجيا الفردية الغربية التي تفصل الذات عن العالم الاجتماعي. في مقابل ذلك، اقترحت روغوف نموذجاً ثورياً يعتبر الفرد والمجتمع الثقافي وحدة تحليل واحدة غير قابلة للتجزئة (Inseparable unit of analysis). وفقاً لهذا المنظور، فإن محاولة فهم الفرد بمعزل عن سياقه الثقافي تشبه محاولة دراسة السمكة خارج الماء؛ فالعمليات العقلية ليست ملكيات فردية حبيسة داخل الجمجمة، بل هي علاقات تشاركية تتجلى في الأنشطة الثقافية المشتركة. لا وجود لطفل “مجرد” ينمو في فضاء فارغ، بل هناك دوماً طفل محدد يشارك في ممارسات محددة مع أشخاص حقيقيين في زمن وتاريخ معينين.
طوّرت روغوف مفهوم “النشاط المشترك” (Joint Activity) كجوهر أساسي لتشكيل الإدراك الإنساني. فالنشاط، وفق تعريفها، ليس مجرد خلفية أو بيئة خارجية تؤثر على النمو، بل هو النسيج نفسه الذي يتكون منه العقل. يتجاوز هذا الطرح الثنائية التقليدية الشهيرة بين الذات والموضوع، أو بين الفرد والمجتمع؛ إذ يصبح التفكير عملية موزعة ومشتركة يساهم فيها الفرد والجماعة والأدوات الثقافية المتاحة في آن واحد. هذا التحول من “الفردية المعرفية” إلى “النشاط الجمعي” أسس لتحول باراديغمي واسع النطاق في حقول العلوم المعرفية، ناقلاً بوصلة البحث من قياس الكفاءات المخبرية الفردية إلى فهم ديناميكيات المساهمة والمشاركة الإنسانية في سياقاتها الطبيعية.
2.3 التفاعل بين الإثنوغرافيا وعلم النفس التجريبي
تميزت باربرا روغوف بصرامتها المنهجية المبتكرة التي نجحت في جسر الهوة العميقة التي طالما فصلت بين الأنثروبولوجيا الثقافية وعلم النفس التجريبي. فعلى مدار عقود، كان علم النفس يميل نحو المنهجية الوضعية والتجارب المعملية الصارمة المضبوطة لعزل المتغيرات، والتي غالباً ما انتزعت السلوك البشري من معناه الحقيقي، بينما مالت الأنثروبولوجيا إلى الأوصاف السردية الإثنوغرافية الغنية ولكن دون توظيف أدوات القياس النفسي الدقيق للعمليات المعرفية. اتخذت روغوف مساراً تأليفياً فريداً زاوج بين هذين التقليدين المعرفيين لإنتاج منهجية بحثية هجينة ومتكاملة.
وظفت روغوف المنهجية الوصفية الإثنوغرافية كأداة تأسيسية لفهم المعاني الثقافية الكامنة وراء السلوك الإنساني. فقضت شهوراً وسنوات في الملاحظة بالمشاركة (Participant Observation) داخل مجتمعات السكان الأصليين، موثقةً تفاصيل الحياة اليومية، والعلاقات القرابية، والأعراف المجتمعية، وكيفية تنظيم الوقت والمكان والعمل. غير أنها لم تتوقف عند الوصف الأنثروبولوجي الخارجي، بل أدخلت تقنيات التحليل السلوكي الدقيق من خلال تسجيلات الفيديو التفصيلية، وتحليل التفاعلات خطوة بخطوة، والترميز المنهجي للحركات، والإشارات، والنظرات المتبادلة بين الأفراد أثناء ممارستهم لأنشطة حل المشكلات الحقيقية.
أتاح هذا الدمج المنهجي تجنب السقوط في فخ “الاختزال المخبري” (Laboratory reductionism) الذي يعيب علم النفس التقليدي، وتفادي “النسبية الثقافية الرخوة” التي قد تعجز أحياناً عن تحديد آليات التطور الإدراكي. استطاعت روغوف عبر هذه المنهجية المختلطة إثبات أن السياق ليس متغيراً دخيلاً يجب ضبطه أو تحييده في التجربة، بل هو المكون الجوهري الذي يعطي السلوك دلالته ومعناه؛ وبالتالي فإن أي دراسة للذكاء أو الذاكرة أو التعلم تتجاهل السياق البيئي والثقافي الحقيقي تفقد صدقها الإيكولوجي (Ecological validity) وتصل إلى استنتاجات مضللة ومجحفة بحق المجتمعات غير الغربية.
3. نظرية المشاركة الموجهة (Guided Participation)
3.1 مفهوم وبنية المشاركة الموجهة في الطفولة
تُعد نظرية “المشاركة الموجهة” (Guided Participation)، التي بلورتها باربرا روغوف في كتابها التأسيسي الصادر عام 1990 بعنوان Apprenticeship in Thinking، نقلة نوعية كبرى في فهم كيفية اكتساب الأطفال للمهارات الإدراكية والاجتماعية. تُعرف روغوف المشاركة الموجهة بأنها عملية تفاعلية وبنائية تنشأ بين الأفراد، ولا سيما بين الأطفال ذوي الخبرة المبتدئة والبالغين أو الأقران الأكثر خبرة، حيث يُبنى جسر من التفاهم المشترك يمكّن المبتدئين من الانخراط الفاعل في ممارسات وأنشطة ذات مغزى ثقافي داخل مجتمعهم.
تتضمن بنية هذه المشاركة آليات متبادلة للتوجيه تمتد على طيف واسع يجمع بين الأشكال الصريحة والمباشرة، والأشكال الضمنية وغير المباشرة. فالتوجيه لا يعني بالضرورة التعليم اللفظي المباشر أو المحاضرة التلقينية المنظمة، بل يشمل كيفية هيكلة الكبار للمواقف والبيئات المادية، واختيار المواد المتاحة للأطفال، وتقسيم المهام الصعبة إلى خطوات يمكن استيعابها، فضلاً عن تقديم الدعم الحركي والإيمائي. وفي الوقت نفسه، لا يكون الأطفال متلقين سلبيين لهذا التوجيه، بل هم شركاء نشطون يسعون إلى استكشاف العالم، ويطرحون الأسئلة، ويراقبون التفاصيل، ويوجهون انتباه الكبار نحو ما يحتاجون إلى فهمه.
يرتكز هذا التفاعل على بناء ما تسميه روغوف بـ “الذاتية المشتركة” أو الفهم المشترك المتبادل (Intersubjectivity). يعني ذلك أن التفاعل بين الطفل والخبير يتطلب توافقاً في التركيز والانتباه وتشاركاً في تعريف الموقف والهدف منه. هذا الجسر التفاعلي يسمح بنقل المعرفة ليس كمعلومات صماء تُحفظ، بل كمهارة حية تُمارس وتُفهم ضمن سياقها الوظيفي الحقيقي، مما يجعل المشاركة الموجهة ظاهرة إنسانية شاملة تتجاوز الفروق الثقافية، وإن اختلفت أشكالها التعبيرية من مجتمع إلى آخر باختلاف تقاليده ونظمه الاجتماعية.
3.2 مستويات التحليل الثلاثة في العملية التنموية
لتجنب تفكيك الظواهر السلوكية إلى أجزاء معزولة، طورت باربرا روغوف إطاراً تحليلياً شاملاً يُعرف بـ “المستويات الثلاثة للنشاط الاجتماعي الثقافي” (Three Planes of Sociocultural Activity). أكدت روغوف أن هذه المستويات ليست مراحل نمائية منفصلة، وليست كيانات متباينة في الواقع، بل هي عدسات تحليلية مختلفة ومترابطة يستخدمها الباحث لدراسة النشاط الإنساني الموحد من زوايا متعددة. تتمثل هذه المستويات في: المستوى الشخصي (Personal plane)، والمستوى التفاعلي بين الأشخاص (Interpersonal plane)، والمستوى المجتمعي المؤسسي (Community/Institutional plane).
- المستوى الشخصي (الاستيعاب التشاركي – Participatory Appropriation): يركز هذا المستوى على كيفية تحول الفرد وتطوره من خلال مشاركته المستمرة في النشاط. ترى روغوف أن الأفراد لا يستوعبون المعرفة الخارجية سلبياً ثم يخزنونها داخلياً (كما تدعي النظريات السلوكية والمعرفية التقليدية)، بل إن مشاركتهم الفعلية تغير من قدراتهم وأدوارهم ومسؤولياتهم في الأنشطة اللاحقة؛ فالاستيعاب هنا هو عملية تحول في نمط الوجود والممارسة.
- المستوى التفاعلي الشخصي (المشاركة الموجهة – Guided Participation): يركز هذا المستوى التحليلي على التفاعلات والتفاوضات المباشرة بين الأفراد في سياق مهام محددة. يشمل ذلك أشكال التعاون، والوساطة، والتوجيه الحركي واللفظي، وكيفية تكييف المشاركين لأفعالهم استجابة لشركائهم في النشاط سواء كانوا أفراداً أو مجموعات صغيرة.
- المستوى المؤسسي الثقافي (التلمذة – Apprenticeship): يتناول هذا المستوى الأعراف، والمؤسسات، والقيم، والتقاليد التاريخية الأوسع التي تنظم الأنشطة المجتمعية وتحدد الغايات منها. هنا يُنظر إلى الأفراد كأعضاء في مؤسسات ثقافية (كالمدارس، وورش العمل، والأنظمة القرابية، والأسواق) تحدد الممارسات المقبولة وتوفر الأدوات الفكرية والمادية الضرورية لاستمرار الثقافة عبر الأجيال.
تؤكد روغوف أن التحليل الشامل لأي سلوك تنموي يقتضي وضع أحد هذه المستويات في بؤرة التركيز المؤقتة مع الإبقاء على المستويين الآخرين في الخلفية الواعية للباحث. إن إغفال أي مستوى يؤدي حتماً إلى فهم مشوه للنمو؛ فاختزال الظاهرة في المستوى الشخصي يسقطنا في الفردية المجردة، واختزالها في المستوى المؤسسي يقود إلى الحتمية الاجتماعية الصارمة، بينما يضمن تكامل المستويات الثلاثة إدراكاً حيوياً للتفاعل الإنساني الخلاق في سياقه البيئي والتاريخي المتكامل.
3.3 التفاعل اللفظي وغير اللفظي في التأطير المعرفي
من أهم إسهامات روغوف في نظرية المشاركة الموجهة كشفها عن الدور الجوهري للوسائط غير اللفظية في التعلم، وهو بُعد تجاهلته النظريات النمائية الغربية التي بالغت في تقدير الحوار الكلامي والتعليم اللفظي الصريح. أظهرت أبحاث روغوف الميدانية أن المجتمعات البشرية تعتمد بصورة مذهلة على قنوات تواصل غير لغوية، تشمل حركة الأجساد، وتبادل النظرات، والإيماءات، واللمس، ونبرة الصوت، والمزامنة الإيقاعية في العمل، بوصفها أدوات تعليمية معرفية بالغة الدقة والتأثير تفوق في كثير من الأحيان الكلمات المجردة.
تؤكد روغوف على مفهوم “تنظيم الانتباه المشترك” (Coordination of Joint Attention) دون الاعتماد الحصري على التوجيه الكلامي. في كثير من المجتمعات التقليدية والأصلية، لا يحتاج الخبير إلى إلقاء شروح مطولة للطفل؛ بل يكفي تعديل بسيط في وضعية اليد، أو توجيه نظرة حازمة أو مطمئنة، أو إبطاء وتيرة الحركة لتمكين المبتدئ من فهم الخطأ وتعديل مساره الإجرائي. هذا النمط من التأطير غير اللفظي ينشئ نوعاً من التزامن المعرفي الحركي المتبادل بين المتعلم والخبير، ويسمح بانتقال المهارات العملية المعقدة—كالنسيج، والطهي، والزراعة، واستخدام الأدوات الحادة—بأقصى درجات الكفاءة والسلامة.
علاوة على ذلك، تتميز المشاركة الموجهة بالمرونة العالية في مواءمة استجابات الخبراء مع مبادرات الأطفال الاستكشافية. فالخبير لا يفرض جدول أعماله بصورة قسرية، بل يراقب اهتمامات الطفل ويستجيب لها بلباقة وحكمة، مقدماً القدر الكافي من الدعم الذي يحفظ استمرارية مشاركة الطفل دون تجريده من زمام المبادرة والدافعية الذاتية. إن هذا التفاعل السيال والديناميكي يحول البيئة اليومية بأكملها إلى فضاء تعلم حيوي وشامل يمتلك فيه الجسد والفعل الحركي قيمة إدراكية موازية لقيمة اللغة المنطوقة، مما يحرر مفهوم التعلم من الارتهان بالبنى اللغوية الصرفة.
4. التعلم من خلال الملاحظة والمشاركة المجتمعية (LOPI)
4.1 أركان نموذج التعلم بالملاحظة والمساهمة الفاعلة
يُمثل نموذج “التعلم من خلال الملاحظة والمساهمة الفاعلة” (Learning by Observing and Pitching In – LOPI) التتويج النظري والمنهجي الأبرز لأبحاث باربرا روغوف وفريقها البحثي الممتد عبر عقود. تبلور هذا النموذج كإطار تفسيري بديل يصف الطريقة الأساسية التي يتعلم بها الأطفال وينمون في العديد من المجتمعات الأصلية والتقليدية في الأمريكتين وحول العالم، وهي طريقة مغايرة جذرياً للنموذج المدرسي الغربي السائد. يقوم نموذج LOPI على افتراض جوهري مفاده أن الأطفال يمتلكون نزعة فطرية ورغبة عميقة في الانخراط الحقيقي والمساهمة الفعلية في الأنشطة الإنتاجية والاجتماعية لعائلاتهم ومجتمعاتهم.
يتألف نموذج LOPI من منظومة متكاملة من الأركان المترابطة التي تعمل بانسجام عضوي. أول هذه الأركان هو “الاندماج المجتمعي الكامل”؛ حيث لا يُعزل الأطفال في فضاءات مخصصة للصغار فقط، بل يتواجدون بشكل طبيعي ودائم في قلب مساعي الكبار وأعمالهم الإنتاجية، في المزارع، والورش، والمطابخ، والمناسبات الاجتماعية والطقسية. الركن الثاني هو “الدافعية الذاتية والمبادرة الفردية”؛ فالطفل لا يحتاج إلى نظام من المكافآت والعقوبات الخارجية لكي يتعلم، بل يدفعه شعوره بالانتماء ورغبته الصادقة في أن يكون عضواً مفيداً وفاعلاً في جماعته، مما يجعله يُقدم على المبادرة بالمساعدة والمشاركة من تلقاء نفسه.
أما الركن الثالث فيتمثل في “المسؤولية المشتركة والتنظيم التعاوني” في مساحات العمل الحية؛ حيث يتشارك الجميع في إنجاز الأهداف المشتركة بروح التعاون الأفقي، مع توفير دعم متبادل ومرن. ويقترن ذلك بركن رابع حاسم وهو “التعلم متعدد الحواس”، حيث يعتمد الطفل على الملاحظة اليقظة والشاملة لجميع أبعاد النشاط، مستخدماً البصر والسمع واللمس والحركة لاستيعاب المهارات بصورة متكاملة، بدلاً من تلقي التعليمات اللفظية المجردة. إن هذه الأركان تجعل من عملية اكتساب المعرفة والمهارة تجربة حياتية طبيعية وممتعة تتطابق فيها غايات التعلم مع غايات الحياة الاجتماعية ذاتها.
4.2 الفروق الجوهرية بين نموذج LOPI ونموذج التلقين المدرسي
قامت روغوف وزملاؤها بإجراء مقارنات إبستمولوجية وتربوية تفصيلية بين نموذج LOPI ونموذج “التلقين المدرسي الصريح” (Assembly-line instruction) السائد في النظم التعليمية الحديثة. بينت هذه المقارنات وجود فجوات جوهرية وتناقضات بنيوية في كيفية فهم طبيعة المعرفة، ودور المتعلم، والبيئة التعليمية، وأساليب التقييم بين هذين النموذجين، كما يلخصه التحليل المعمق في الجدول التوضيحي التالي والمحاور المرافقة له:
| وجه المقارنة | نموذج التعلم بالملاحظة والمساهمة (LOPI) | نموذج التلقين المدرسي الصناعي (Assembly-line) |
|---|---|---|
| سياق التعلم | سياق إنتاجي حقيقي، ومهام واقعية ذات معنى مجتمعي حقيقي. | تمارين معزولة ومصطنعة داخل فصول دراسية منفصلة عن الحياة. |
| بنية العلاقات | تنظيم أفقي مرن، وتعاون تشاركي، ومسؤولية جماعية متبادلة. | تراتبية عمودية صارمة؛ سلطة المعلم المركزية مقابل خضوع الطالب. |
| طبيعة الدافعية | دافعية ذاتية نابعة من الرغبة في الانتماء والمساهمة الفاعلة. | دافعية خارجية مفروضة تعتمد على الدرجات والمكافآت والتهديد بالرسوب. |
| قنوات التواصل | تواصل متعدد القنوات: بصري، وحركي، وحسي، وتوجيه غير لفظي. | هيمنة الخطاب اللفظي الصريح، والمحاضرات، والنصوص المكتوبة المجردة. |
| منهجية التقييم | تقييم مستمر ومدمج في العمل؛ يظهر في جودة المنتج الفعلي وصلاحيته. | امتحانات معيارية دورية منفصلة عن الممارسة وتعتمد على استرجاع الرموز. |
توضح روغوف أن التعليم المدرسي الحديث استعار هيكليته التنظيمية من خطوط التجميع في المصانع إبان الثورة الصناعية؛ حيث يتم تقسيم المعرفة إلى أجزاء مجزأة لا معنى لها في ذاتها، وتجميع الطلاب في دفعات متطابقة حسب العمر الزمني، ومعاملتهم كمتلقين لجرعات متساوية من المعلومات التلقينية. في المقابل، يتيح نموذج LOPI للمتعلم رؤية الصورة الكلية للعمل منذ اللحظة الأولى؛ فالطفل في ورشة الخياطة أو الحقل يرى المنتج النهائي ويدرك الغاية من كل خطوة فرعية يشارك فيها، مما يمنح التعلم معنى متأصلاً ينعدم في الفصول المدرسية الكلاسيكية.
كما يختلف التقييم في نموذج LOPI جذرياً عنه في التعليم المدرسي؛ فالتقييم في بيئات المشاركة الحية ليس حكماً معيارياً خارجياً يوصم الفرد بالنجاح أو الفشل، بل هو تعديل وتصحيح وتوجيه مدمج في سياق الفعل ذاته (In-flight feedback). فإذا أخطأ الطفل في نسج خيط أو تقطيع خضار، يظهر الخطأ فورياً في المنتج الواقعي، ويتدخل الخبير لمساعدته على التصحيح فوراً دون توتر أو تهديد للهوية الذاتية. هذا النمط التقييمي يعزز التعلم من الأخطاء باعتبارها مساراً طبيعياً للتطور، خلافاً للامتحانات المدرسية التي تولد القلق وتفرز الطلاب طبقياً واجتماعياً.
4.3 الملاحظة الشاملة والانتباه متعدد القنوات
أحد المكتشفات الميدانية الباهرة لباربرا روغوف يتمثل في إبراز الاختلافات الثقافية العميقة في كيفية توظيف وإدارة الانتباه الإنساني. فبينما تفترض سيكولوجيا الانتباه الغربية أن التركيز العقلي الأفضل هو “الانتباه أحادي البؤرة” (Single-focus attention)، الذي يقوم على حجب جميع المثيرات المحيطة للتركيز على مهمة واحدة معزولة، أثبتت روغوف أن أطفال مجتمعات السكان الأصليين يطورون نمطاً إدراكياً فائق التطور يُعرف بـ “الانتباه الموزع والشامل متعدد القنوات” (Simultaneous/Broad attention).
يتميز هذا النمط من الانتباه بقدرة مدهشة على مراقبة ورصد أحداث بيئية واجتماعية متعددة تجري في المحيط في آن واحد بدقة بالغة، ودون أن يصاب المتعلم بالتشتت أو يفقد التركيز على مهمته الآنية. لاحظت روغوف أن أطفال المايا في غواتيمالا يستطيعون الاستماع إلى محادثة معقدة تجري بجوارهم، ومراقبة عمل حرفي يقوم به شخص آخر، ومتابعة لعب إخوتهم الأصغر سناً، وكل ذلك أثناء قيامهم بعملهم اليدوي الشخصي بإتقان. هذه “الملاحظة اليقظة” (Keen observation) ليست مجرد فضول عابر، بل هي استراتيجية تعلم نشطة ومدروسة للغاية تسبق التدخل الفعلي في المهمة وتمكّن الطفل من التصرف بثقة عند مباشرة العمل لأول مرة.
تُعزى هذه القدرة الإدراكية العالية إلى أساليب التنشئة الاجتماعية المتبعة في مجتمعات السكان الأصليين، حيث لا يُمنع الأطفال من مشاهدة نشاطات الكبار، ولا يُطلب منهم “الصمت والانتباه لشيء واحد فقط” كما يحدث في المدارس الحديثة. لقد طورت هذه المجتمعات نظماً بيئية وثقافية تشجع الاستشعار البصري والحركي الفائق كأداة للبقاء والاندماج الاقتصادي. تكمن المفارقة في أن المدارس الغربية تصنف الأطفال الذين يمتلكون هذا الانتباه الشامل المفتوح على أنهم يعانون من “قصور الانتباه وفرط الحركة” (ADHD)، في حين أنه في الواقع قدرة إدراكية عليا ومتطورة للتفاعل مع البيئات المعقدة والمتعددة المهام، مما يكشف خطورة المعايير النمائية الأحادية عند فرضها على تنوع بيولوجي وثقافي واسع.
5. النقد الموجه للنماذج النمائية الغربية التقليدية
5.1 تفكيك فرضية عالمية مسارات النمو المعرفي
كرست باربرا روغوف جانباً كبيراً من مجهودها الفكري لتفكيك ما أسمته “المركزية الإثنية” (Ethnocentrism) الراسخة في نظريات علم النفس النمائي التقليدي. وجهت روغوف نقداً لاذعاً لفرضية “عالمية مسارات النمو المعرفي”، التي اعتبرت أن مسار التطور الإنساني الذي يعيشه أطفال الطبقة الوسطى البيضاء في المجتمعات الغربية الحضرية والصناعية هو المعيار العالمي الأوحد للطبيعة البشرية، وأن أي خروج عنه يمثل تأخراً أو قصوراً أو انحرافاً نمائياً يجب تصحيحه.
بينت روغوف كيف أن مفاهيم مثل “المراحل النمائية الثابتة”، واكتساب التفكير المجرد، وأساليب حل المشكلات المنطقية الصرفة، ليست حقائق بيولوجية حتمية مكتوبة في الجينات البشرية، بل هي نتاج مباشر للعيش في مجتمعات موجهة نحو التمدرس النظامي والاقتصاد الرأسمالي البيروقراطي. أوضحت دراساتها المقارنة أن هناك تنوعاً هائلاً عبر الثقافات في توقيت وشكل اكتساب المهارات الذهنية والحركية؛ فالمهام التي قد يفشل فيها طفل تقليدي في اختبارات بياجيه للتعرف على حفظ الكميات (Conservation) قد ينجزها ببراعة فائقة وإبداع مدهش عندما تُعرض عليه داخل سياقات حقيقية ومألوفة تتصل بالتجارة المحلية، أو صناعة الفخار، أو صيد الأسماك.
أدى هذا الطرح التفكيكي إلى مساءلة جذرية لمقاييس واختبارات الذكاء التقليدية (مثل اختبارات IQ). أثبتت روغوف أن هذه المقاييس تعاني من تحيز لغوي وثقافي بنيوي غير قابل للإصلاح البسيط؛ فهي تقيس المهارات التي تدربت عليها النخبة الغربية داخل المدارس، مثل التفكير غير السياقي (Decontextualized thinking)، وتصنيف الأشياء بناءً على سمات شكلية مجردة، والتعامل مع المشكلات اللفظية الافتراضية. إن تجاهل هذه المقاييس للمهارات السياقية، والذكاء العملي، والقدرة على حل المشكلات الجمعية، جعلها أدوات إقصاء معرفي واجتماعي وصمت شعوباً وثقافات كاملة بـ “الدونية الذهنية”، وهو ما عملت روغوف على نسفه بالأدلة العلمية والتجريبية الدامغة.
5.2 فصل الأطفال عن فضاءات الكبار في المجتمعات الصناعية
قدمت روغوف تحليلاً سوسيولوجياً ونفسياً عميقاً للظاهرة التاريخية المرتبطة بالمجتمعات الصناعية الغربية، والمتمثلة في “عزل الأطفال وفصلهم عن فضاءات الكبار” (Segregation of children from adult life). وثقت روغوف كيف أدت الثورة الصناعية، وما رافقها من ظهور المصانع والمكاتب خارج المنزل، إلى حرمان الأطفال من رؤية والديهم أثناء قيامهم بالعمل الإنتاجي الحقيقي؛ وبدلاً من ذلك، تم إنشاء مؤسسات متخصصة—كالمدارس ودور الحضانة والنوادي المعزولة—لحجز الأطفال وتجميعهم في معازل جيلية مع أقران من أعمارهم بدقة.
ترتب على هذا الانفصال، بحسب تحليل روغوف، عواقب نفسية ومعرفية وخيمة على نمو الناشئة في العالم الغربي المعاصر. لقد أدى غياب الفرص الحقيقية لمشاهدة العمل المهني والإنتاجي للبالغين إلى تحويل عملية التعليم إلى مهمة مجردة ومفصولة تماماً عن القيمة التطبيقية المباشرة؛ حيث يُطلب من الطفل أن يتعلم أشياء لا يرى أحداً يستخدمها في الحياة الواقعية، مع وعد غامض بأنها “ستكون مفيدة له في المستقبل البعيد عندما يكبر”. هذا الانفصال أفرغ التعلم من معناه الوجودي والحيوي، مما استلزم ابتكار أساليب تحفيز خارجية قسرية لضمان انضباط الطلاب.
فضلاً عن ذلك، بينت روغوف أن هذا العزل المؤسسي للطفولة ولد ما يُعرف بـ “أزمة المراهقة” أو ثقافة الشباب المعزولة (Youth culture) المغتربة عن المجتمع العام. فعندما يُمنع اليافعون من تحمل مسؤوليات حقيقية والمساهمة الفاعلة في حياة مجتمعاتهم حتى سن متأخرة، ينشأ لديهم شعور بالتهميش وانعدام الهدف، ويتجهون نحو سلوكيات التمرد أو الانكفاء على ذواتهم. في المقابل، تظهر المجتمعات التي تدمج صغارها في فضاءات الكبار انعداماً شبه كامل لهذه “الأزمة المراهقية” المصطنعة؛ حيث يمر الانتقال إلى سن الرشد بسلاسة ووعي بفضل استمرارية المشاركة وتحمل المسؤوليات المشتركة منذ سن مبكرة جداً.
5.3 إعادة تعريف الاستقلالية والاعتماد المتبادل
تصدت روغوف بشجاعة فكرية لأحد أقدس المفاهيم في الفلسفة وعلم النفس الغربي: مفهوم “الاستقلالية الفردية” (Individual Autonomy) باعتباره الغاية النهائية والوحيدة للنمو والنضج النفسي السليم. انتقدت النظريات التي تفترض أن مسار التطور الطبيعي للطفل يجب أن ينتقل من حالة “الاعتماد” (Dependence) الطفولي إلى حالة “الاستقلال” (Independence) التام والانفصال الأناني عن العائلة والجماعة، معتبرةً أن هذا الطرح يعكس نموذج “الإنسان الرأسمالي الذري” المنعزل.
في مقابل هذا التصور، اقترحت روغوف مفهوماً بديلاً وأكثر إنسانية هو “الاستقلالية المسؤولة المترابطة” أو “الاعتماد المتبادل” (Interdependence). أظهرت روغوف من خلال دراساتها أن النضج في معظم ثقافات العالم لا يُقاس بمدى قدرة الفرد على الانفصال عن الآخرين والاعتماد الحصري على نفسه، بل بمدى نضجه في بناء علاقات تعاونية وثيقة، وقدرته على تنسيق أفعاله بانسجام مع مساعي جماعته، واستعداده لتحمل المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية تجاه عائلته ومجتمعه.
أكدت روغوف أن هذا الاعتماد المتبادل لا يلغي على الإطلاق المبادرة الشخصية أو الاستقلالية الإجرائية، كما يزعم بعض المنظرين الغربيين الذين يخلطون بين التعاون والقمع الشمولي؛ بل على العكس تماماً، إن الشعور بالأمان والانتماء العميق لشبكة من العلاقات الداعمة يمنح الطفل الجرأة والثقة القصوى للمبادرة والابتكار والاستكشاف الذاتي. فالاستقلالية في منظور روغوف ليست عزلة فردية، بل هي كفاءة في المشاركة المتناغمة داخل نسيج مجتمعي يعترف بقيمة الفرد ويثمن مساهمته في الصالح العام.
6. الدراسات الميدانية والإثنوغرافية في غواتيمالا
6.1 العمل الميداني في مجتمع سان بيدرو لا لاغونا
يحتل العمل الميداني الذي أجرته باربرا روغوف في بلدة “سان بيدرو لا لاغونا” (San Pedro La Laguna)، وهي مجتمع أصلي يقطنه سكان المايا التزوتوجيل (Tz’utujil Maya) على ضفاف بحيرة أتيتلان في غواتيمالا، مكانة القلب النابض في مجمل أبحاثها النظرية والتطبيقية. بدأت روغوف أبحاثها في هذه البلدة منذ منتصف السبعينيات واستمرت في زيارتها ودراستها على مدار عقود طويلة، مما أتاح لها بناء علاقات ثقة عميقة مع أجيال متتالية من السكان المحليين، وتوثيق التحولات الثقافية والتنموية الدقيقة عبر منهجية الملاحظة الطولية المعمقة.
ركزت أبحاث روغوف في سان بيدرو على التوثيق البصري والسلوكي المتناهي الدقة لتفاعلات أمهات المايا مع أطفالهن الرضع في سياق الحياة اليومية. لاحظت روغوف أن أمهات المايا يدمجن الرضع بشكل مستمر في أنشطتهن اليومية؛ فالطفل يُحمل في شال قماشي تقليدي ملتصقاً بجسد أمه أثناء قيامها بغسيل الملابس، والطهي، والبيع في السوق، والمشاركة في الطقوس الدينية. هذا الالتصاق الجسدي المستمر يوفر للرضيع منصة مراقبة دائمة وثرية، حيث يرى ويسمع ويشعر بكل ما يفعله الكبار، مما يجعل التعلم عملية مستمرة وتبادلية لا تحتاج إلى “تخصيص وقت محدد للتعليم” كما تفعل الأمهات الغربيات.
كما تتبعت روغوف التطور الحركي والمعرفي لأطفال المايا الصغار في ظل غياب شبه كامل لأدوات اللعب والألعاب المصنعة تجارياً التي تعج بها غرف الأطفال في المجتمعات الغربية. أظهرت الملاحظات أن أطفال سان بيدرو لا يحتاجون إلى ألعاب بلاستيكية لتعلم التنسيق الحركي أو حل المشكلات؛ بل إنهم يطورون هذه المهارات ببراعة مذهلة من خلال اللعب بالأشياء الطبيعية والإنتاجية المحيطة بهم—مثل أعواد الخشب، والحجارة، والأواني، وبقايا خيوط النسيج—بل والأدوات الحادة كالمناجل والسكاكين تحت المراقبة غير المباشرة للكبار. هذا الانغماس في العالم الحقيقي يمنح الأطفال نضجاً إدراكياً وسلوكياً مبكراً وشعوراً عالياً بالكفاءة والأمان في التعامل مع بيئتهم الفيزيقية والاجتماعية.
6.2 دراسات مقارنة بين مجتمعات المايا والمجتمعات الحضرية الأمريكية
أجرت باربرا روغوف وفريقها سلسلة من الدراسات التجريبية والإثنوغرافية المقارنة بالغة الرصانة، قارنت فيها مباشرة بين أطفال وأمهات من مجتمع المايا في سان بيدرو ونظرائهم من العائلات ذات الخلفية التعليمية العالية من الطبقة الوسطى الحضرية في مدن أمريكية مثل سولت ليك سيتي وسان فرانسيسكو. صُممت هذه الدراسات لاختبار أنماط التفاعل، وإدارة الانتباه، والاستجابة للمهام التعاونية لحل المشكلات تحت شروط مقارنة صارمة.
كشفت النتائج عن فروق كيفية مذهلة في إدارة الانتباه والتواصل؛ فعند مواجهة مهمة جديدة (مثل استكشاف لعبة ميكانيكية جديدة أو حل لغز بصري معقد)، أظهر أطفال غواتيمالا مستويات فائقة من الانتباه البصري الصامت، حيث ظلوا يراقبون تصرفات الآخرين وإشاراتهم الحركية بدقة متناهية ودون حاجة لتوجيهات لفظية، ثم شرعوا في إنجاز المهمة بنجاح واستقلالية هادئة. في المقابل، اعتمد الأطفال الأمريكيون بشكل شبه كامل على التوجيه اللفظي الصريح، حيث سألوا باستمرار: “ماذا أفعل الآن؟ وكيف يعمل هذا؟”، مظهرين تشتتاً سريعاً ما لم يكن هناك بالغ يوجه انتباههم بشكل فردي ولفظي مستمر.
كما بحثت الدراسات أثر الخلفية التعليمية الرسمية للأمهات على أسلوب التواصل مع الصغار. بينت روغوف أن الأمهات الغربيات (وذوات التمدرس الطويل) يستخدمن لغة “تعليمية شبه مدرسية” مع أطفالهن حتى أثناء اللعب اليومي، مثل طرح أسئلة اختبارية يعرفن إجابتها مسبقاً (مثل: “ما لون هذا الشيء يا بني؟”) وتقديم المديح اللفظي المبالغ فيه. أما أمهات المايا التقليديات، فاستخدمن التواصل اللفظي فقط لنقل معلومات حقيقية وجديدة، واعتمدن بشكل أساسي على المشاركة الحركية المشتركة والإيماءات، معتبرات أن طرح أسئلة ذات إجابات معروفة هو تصرف غريب وغير منطقي؛ مما أثبت أن أنماط التواصل المعرفي ليست طبيعية وعالمية بل هي مخرجات مشروطة بالتقاليد الثقافية ومؤسسات التمدرس.
6.3 التحولات الجيلية وأثر التمدرس الحديث في المجتمعات التقليدية
لم تتعامل روغوف مع مجتمع سان بيدرو لا لاغونا ككيان فولكلوري جامد أو متحف حي معزول عن التاريخ، بل تابعت على مدار عقود كيف بدأت رياح الحداثة والتمدرس النظامي في التغلغل في هذا المجتمع التقليدي، موثقةً التحولات الجيلية العميقة التي طرأت على أساليب التفكير والتعلم الأسري. مع انتشار المدارس الابتدائية والثانوية في القرية وتزايد سنوات التحاق الأمهات والآباء بالتعليم الرسمي، بدأت أنماط التعلم التقليدية تشهد تحولات بنيوية ملحوظة وصراعات صامتة بين الموروث والوافد.
أظهرت دراسات روغوف الطولية أن الأجيال الجديدة من الأمهات اللواتي تلقين تعليماً مدرسياً نظامياً بدأن يتبنين—بشكل غير واعٍ أحياناً—أساليب التعليم الغربية القائمة على التوجيه اللفظي الصريح، وإعطاء الأوامر الفردية، وتخصيص أوقات منفصلة للعب الأطفال، مما أدى تدريجياً إلى تراجع الانتباه الموزع متعدد القنوات لدى أطفالهن مقارنة بأقرانهم الذين تربوا على يد أمهات وجدات لم يلتحقن بالمدارس. كما لاحظت روغوف بداية ظهور مؤشرات التنافس الفردي وتراجع الرغبة التلقائية في المساهمة المنزلية لصالح الانشغال بالواجبات المدرسية الفردية المعزولة.
ومع ذلك، وثقت روغوف أيضاً المرونة المعرفية المدهشة التي أظهرتها مجتمعات السكان الأصليين في التوفيق والتفاوض الإبداعي بين التراث والحداثة. فقد استطاعت العديد من العائلات الحفاظ على روح التعاون المجتمعي ونموذج LOPI في إدارة شؤون الزراعة والتجارة والنسيج، مع الاستفادة في الوقت ذاته من المهارات الحسابية واللغوية التي يوفرها التمدرس الحديث. قدمت هذه الملاحظات لروغوف دليلاً حياً على أن الثقافة ليست قالباً ثابتاً يفرض نفسه قهراً، بل هي عملية تفاوض تاريخية مستمرة يعيد الأفراد من خلالها ابتكار أدواتهم المعرفية للتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة دون التفريط الكامل بهويتهم الجمعية.
7. الطبيعة الثقافية للنمو الإنساني: تفكيك كتاب 2003
7.1 الأطروحة المركزية لكتاب الطبيعة الثقافية للنمو البشري
يُعد كتاب باربرا روغوف الصادر عام 2003 عن مطبعة جامعة أكسفورد بعنوان الطبيعة الثقافية للنمو البشري (The Cultural Nature of Human Development) إنجازاً فكرياً فائق الأهمية غير بوصلة الدراسات النمائية في مطلع الألفية الثالثة. تنطلق الأطروحة المركزية لهذا العمل الموسوعي من مبدأ جذري: “البشر مهيأون بيولوجياً لتعلم الثقافة والمشاركة فيها”. ترفض روغوف بصورة قاطعة المعضلة الثنائية الزائفة التي قسمت الفكر الغربي لقرون بين “الطبيعة والتنشئة” (Nature vs. Nurture) أو بين البيولوجيا والثقافة، مؤكدة أن البيولوجيا الإنسانية ذاتها لا تكتمل ولا تؤدي وظائفها إلا داخل ومن خلال الممارسات الثقافية التاريخية.
تجادل روغوف بأن الثقافة ليست مجرد “متغير مستقل” يُضاف إلى المعادلة النفسية لتعديل السلوك، وليست قالباً جامداً موروثاً أو كياناً ثابتاً يمتلكه الناس، بل هي سيرورة ديناميكية متحركة ومستمرة من الممارسات المشتركة التي يخلقها الناس ويعيدون صياغتها عبر أجيالهم المتعاقبة. النمو البشري، وفق هذا المنظور، ليس مساراً نضجياً بيولوجياً مغلفاً بقشرة ثقافية سطحية، بل هو عملية تحول في نمط المشاركة في الممارسات الثقافية للجماعة؛ فكل فعل يقوم به الطفل—من طريقة نومه وتنفسه ورضاعته إلى أنماط تفكيره ولغته وأخلاقه—هو في جوهره فعل بيولوجي وثقافي في آن واحد لا يقبل الفصل التعسفي.
تؤسس روغوف في هذا الكتاب لمنهجية فكرية تتجاوز النظرة الأحادية التي تفترض وجود مسار ارتقائي وحيد للبشرية تقع المجتمعات الغربية في قمته. وتدعو بدلاً من ذلك إلى تبني “نموذج الأنماط الثقافية المتباينة”؛ حيث تُفهم الاختلافات النمائية بين المجتمعات لا بوصفها فروقاً في “كمية” الذكاء أو مراحل النضج، بل بوصفها حلولاً تكيفية وثقافية متنوعة ومتكافئة في القيمة والذكاء، تم تطويرها تاريخياً للاستجابة لتحديات بيئية واجتماعية محددة تختلف من مجتمع إلى آخر حول كوكب الأرض.
7.2 الأدوار الاجتماعية ومسارات البلوغ عبر الثقافات
يفكك كتاب روغوف لعام 2003 المفاهيم الشائعة حول مسارات الطفولة والبلوغ والرشد من خلال استعراض أنثروبولوجي ونفسي مقارن مذهل يشمل عشرات المجتمعات حول العالم. توضح روغوف أن مفهوم “الطفولة” بحد ذاته ليس حقيقة موضوعية متطابقة في كل زمان ومكان، بل هو بناء اجتماعي يتفاوت في حدوده ومضامينه تفاوت المعتقدات الثقافية. فبينما تُعامل المجتمعات الغربية الحديثة الطفل حتى سن المراهقة ككائن غير ناضج يجب حمايته وتجريده من المسؤوليات الإنتاجية والاقتصادية، تمنح مجتمعات أخرى الأطفال في سن الخامسة أو السادسة أدواراً اقتصادية ومجتمعية بالغة الأهمية، مثل رعاية الإخوة الأصغر، ورعي الماشية، وإعداد وجبات الطعام، والمساهمة الفاعلة في الحصاد الزراعي.
كما تبرز روغوف التباين الثقافي الشاسع في “طقوس العبور” (Rites of Passage) ونظم الاعتراف الاجتماعي بالنضج الجسدي والفكري. ففي حين تمدد المجتمعات الصناعية فترة الانتقال إلى سن الرشد وتخلق مرحلة وسيطة مضطربة وطويلة تسمى “المراهقة”، تدمج العديد من الثقافات التقليدية اليافعين فور بلوغهم البيولوجي في عالم الكبار من خلال طقوس عبور محددة وشديدة الوضوح تمنحهم المكانة القانونية والأخلاقية والاجتماعية الكاملة وتلزمهم بواجبات الجماعة دون تردد أو اغتراب.
وعلى صعيد تشكيل الهوية الأخلاقية، تكشف روغوف كيف تساهم البنى الثقافية في صياغة مفهوم الفضيلة والمسؤولية لدى الصغار. ففي المجتمعات المترابطة، تُبنى الأخلاق حول مراعاة الصالح المشترك، وتجنب الخزي الجمعي، واحترام كبار السن، والتناغم مع الطبيعة والمجتمع؛ بينما تميل التنشئة الغربية إلى تركيز الأخلاق حول مفاهيم الحقوق الفردية المطلقة، والعدالة التوزيعية التنافسية، والتحقيق الأناني للذات. هذا التنوع يثبت أن مسارات التطور الاجتماعي ليست مساراً خطياً نحو النموذج الليبرالي الفردي، بل هي فضاءات مفتوحة تتشكل وفق أولويات وقيم كل ثقافة وتاريخها الإنساني المميز.
7.3 تأثير الكتاب على مسار علم النفس المعاصر
أحدث نشر كتاب “الطبيعة الثقافية للنمو البشري” زلزالاً معرفياً في الأوساط الأكاديمية العالمية المتخصصة في العلوم السلوكية والتربوية. فقد اضطرت أقسام علم النفس التنموي في كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية إلى مراجعة مناهجها ومقرراتها التدريسية التي ظلت لعقود تعامل نظريات بياجيه، وفرويد، وإريكسون كنظريات صالحة لكل زمان ومكان دون الإشارة إلى بيئتها الثقافية الأصلية. أصبح كتاب روغوف مرجعاً إجبارياً في دراسات الطفولة، والأنثروبولوجيا التربوية، وعلم النفس المعرفي المقارن في مختلف أنحاء العالم.
حفز الكتاب أجيالاً متتابعة من الباحثين الشباب على مغادرة المختبرات المغلقة والنزول إلى الميدان لإجراء دراسات عابرة للثقافات بمنهجيات تشاركية جديدة تراعي خصوصيات المجتمعات المحلية. وساهم في تقويض ما يسمى بظاهرة أبحاث “WEIRD” (المجتمعات الغربية، المتعلمة، الصناعية، الغنية، والديمقراطية – Western, Educated, Industrialized, Rich, and Democratic)، حيث كشفت أطروحات روغوف أن هذه العينة التي استندت إليها 95% من النظريات السيكولوجية لا تمثل سوى أقل من 12% من سكان كوكب الأرض، وبالتالي فإن تعميم نتائجها يمثل خطأً علمياً فادحاً يفتقر إلى الموضوعية العلمية الرصينة.
علاوة على ذلك، نجح الكتاب في ترسيخ نموذج تكاملي بارع جمع بين علم النفس المعرفي والأنثروبولوجيا الثقافية وعلم الاجتماع، ممهداً الطريق لظهور تيارات فكرية رائدة تعنى بالعدالة المعرفية، وتعدد اللغات، والتعليم المستجيب ثقافياً. لم يعد بإمكان أي باحث جاد بعد كتاب روغوف لعام 2003 أن يدعي دراسة “الإدراك البشري” دون أن يسائل أولاً الأرضية الثقافية واللغوية التي ينبثق منها هذا الإدراك، وهو ما يمثل انتصاراً إبستمولوجياً كبيراً لمشروع باربرا روغوف التنويري في تفكيك المركزيات الغربية المغلقة.
8. التلمذة المعرفية ومفهوم مجتمعات الممارسة
8.1 بنية التلمذة الفكرية (Apprenticeship in Thinking)
قدمت باربرا روغوف في مؤلفاتها تحليلاً إبستمولوجياً عميقاً لمفهوم “التلمذة الفكرية” (Apprenticeship in Thinking)، مستعيرةً هذا المفهوم من النظم الحرفية التاريخية لتطبيقه على التطور المعرفي للأطفال. تجادل روغوف بأن العلاقة بين الطفل والكبار ليست علاقة بين “معلم ملقن ومتعلم متلقٍ”، بل هي شراكة معرفية حقيقية تتكشف وتتطور داخل سياق تطبيقي ومكاني وثقافي حقيقي. فالتلمذة الفكرية هي سيرورة يكتسب من خلالها المبتدئون الأدوات والمهارات الفكرية التي تمكنهم من ممارسة التفكير المستقل تحت إشراف وتوجيه ومرافقة الخبراء في مجتمعهم.
يرتبط هذا المفهوم بنيوياً بآلية “الدعم المؤقت” أو “السقالات التعليمية” (Scaffolding)، وهو المفهوم الذي صاغه جيروم برونر وطورته روغوف ليشمل الأنشطة اليومية الحية. في التلمذة الفكرية، يقدم الخبير دعماً مرناً ومؤقتاً للمتعلم يتيح له إنجاز مهام معقدة تتجاوز قدراته المستقلة في تلك اللحظة؛ فمع تزايد كفاءة المتعلم وخبرته، يقوم الخبير بتفكيك هذا الدعم وسحبه تدريجياً وبوعي، مانحاً المتعلم مساحة أكبر لتحمل المسؤولية الإجرائية الكاملة عن المهمة، مما يحول التعلم إلى عملية تدرج ديناميكية تمكن الفرد من النمو دون مواجهة الإحباط الناتج عن الفشل غير الموجه.
تتطابق هذه الرؤية مع نظرية جين ليف (Jean Lave) وإيتيان فينجر (Etienne Wenger) حول “المشاركة الهامشية المشروعة” (Legitimate Peripheral Participation) داخل مجتمعات الممارسة؛ حيث يدخل الطفل أو المتعلم المبتدئ النشاط الثقافي من أطرافه وهوامشه—عبر أداء مهام بسيطة ولكنها ضرورية للمجمل الإنتاجي العام، مثل حمل الأدوات أو مسك القماش أو تنظيف المكان—ليتحرك تدريجياً وبثبات نحو مركز النشاط والمشاركة الكاملة مع اكتسابه للمهارات والخبرات الضرورية. التلمذة الفكرية بهذا المعنى ليست مجرد اكتساب تقني للمعلومات، بل هي مسار تحول وجودي في الهوية والمسؤولية والانتماء للجماعة وممارساتها التاريخية.
8.2 التفاعل بين الأقران وبناء المعرفة الجماعية
لم تحصر باربرا روغوف عملية التلمذة الفكرية في العلاقات العمودية بين الكبار والأطفال، بل أولت اهتماماً بالغاً للتعاون الأفقي بين الأقران (Peer Interaction) ودوره في بناء وتوليد المعرفة الجماعية. رأت روغوف أن التفاعل بين الأطفال، ولا سيما ذوي المستويات المتفاوتة قليلاً في الخبرة والمعرفة، يخلق ديناميكيات تفاعلية فريدة ومتميزة تختلف نوعياً عن التفاعل مع الكبار؛ فالأقران يشتركون في لغة وأفق مفاهيمي متقارب يجعل التحديات المشتركة أكثر إثارة ومحفزة على الاستكشاف الجريء دون خوف من سلطة البالغين.
أثبتت أبحاث روغوف أن “حل المشكلات الجماعي” بين الأقران ليس مجرد حاصل جمع القدرات الفردية للمشاركين، بل هو بيئة خصبة لتوليد حلول ابتكارية ورؤى معرفية لا يمكن لأي فرد من المجموعة أن ينتجها بمفرده بمعزل عن التفاعل المشترك. فعبر التفاوض المستمر، والاعتراض، وتبادل الأدوار، وتصحيح المسارات، يختبر الأطفال ما يمكن تسميته بـ “الجهد الإدراكي الموزع” (Distributed cognitive effort)؛ حيث يتحمل كل طفل جزءاً من العبء الذهني للمهمة، مما يسمح للمجموعة ككل بالتعامل مع مشكلات شديدة التعقيد والتجريد تتجاوز السعة الفردية لكل منهم.
كما بينت روغوف كيف يتعلم الأطفال من خلال هذا التفاعل الأفقي مهارات التفاوض الديمقراطي، والتنسيق الاستراتيجي، والتعاطف المعرفي (Cognitive empathy)—أي القدرة على رؤية المشكلة من منظور الآخر وتعديل استراتيجيات العمل لتلائم الفهم المشترك. هذا التفاعل التعاوني لا يبني الذكاء المنطقي والعملي فحسب، بل يرسخ أيضاً الكفاءة الاجتماعية والقدرة على القيادة التشاركية التبادلية، مما يجعل مجموعات الأقران فضاءات تنموية حاسمة لا غنى عنها لاكتمال النضج الإنساني السليم.
8.3 السياقات غير الرسمية كفضاءات للنمو الفكري
تُعد إعادة الاعتبار للسياقات غير الرسمية (Informal settings) كبيئات خصبة وعالية القيمة للنمو المعرفي والفكري واحدة من أعظم الإسهامات التي قدمتها باربرا روغوف لنظرية التعلم المعاصرة. انتقدت روغوف بشدة النظرة المدرسية الضيقة التي تحتكر مفهوم “النمو الفكري” داخل جدران الفصول الأكاديمية والمناهج المكتوبة، مؤكدة أن معظم المعارف الإنسانية والمهارات العقلية المعقدة يتم اكتسابها في الواقع خارج المدارس، وتحديداً في ورش الحرف الشعبية، والمطابخ المنزلية، والأسواق التجارية، والمزارع، والمجالس العائلية.
قدمت روغوف دراسات مفصلة كشفت كيف يكتسب الأطفال مهارات الحساب والرياضيات المتقدمة، والتفكير المنطقي، وتقدير النسب والأحجام، من خلال انخراطهم في المعاملات التجارية في الأسواق الشعبية أو مساعدة والديهم في تفصيل الملابس وبناء المنازل. أظهرت هذه الدراسات أن بائعي الشوارع الصغار في البرازيل وغواتيمالا يستطيعون إجراء حسابات مالية مركبة تشمل الضرب والقسمة وحساب الأرباح والخصومات ببراعة مذهلة في رؤوسهم أثناء الحركة السريعة للبيع والشراء، في حين قد يتعثرون في حل نفس المسائل إذا قُدمت لهم كأرقام مجردة على ورقة امتحان مدرسي؛ فالرياضيات في السياق غير الرسمي ليست رموزاً فارغة، بل هي قرارات مادية حيوية متجذرة في البقاء الاجتماعي.
كما شددت روغوف على الأهمية البالغة للسرد القصصي (Storytelling) والمحادثات العائلية اليومية غير الرسمية في تنمية المهارات اللغوية العليا، والذاكرة التفسيرية، والتفكير النقدي والأخلاقي. فالقصص المتوارثة التي تُروى حول مواقد النار أو أثناء إعداد وجبات العشاء تحوي نسقاً إبستمولوجياً غنياً يربط التاريخ بالقيم الأخلاقية، ويدرب الطفل على استخلاص العبر، وفهم دوافع الشخصيات، وتوقع المآلات، دون الحاجة لنصوص منهجية جافة. إن هذه السياقات الحية تؤكد أن الحياة الاجتماعية الطبيعية هي بطبيعتها مدرسة معرفية مفتوحة ومستمرة، وأن تهميشها لصالح التمدرس الصناعي الصارم يمثل إفقاراً غير مبرر للتجربة العقلية الإنسانية.
9. التطور المعرفي كتحول في المشاركة والمسؤولية
9.1 إعادة صياغة تعريف التعلم في منظور روغوف
قدمت باربرا روغوف إعادة صياغة جذرية وإبستمولوجية لتعريف “التعلم” أحدثت هزة عميقة في علم النفس التربوي والمعرفي. رفضت روغوف التعريف الكلاسيكي الشائع الذي يعتبر التعلم “عملية استيعاب داخلي وتخزين للمعلومات المجردة داخل الرأس أو العقل الفردي” (Information acquisition paradigm). وجادلت بأن هذا النموذج المستمد من ميكانيكا الحواسيب يختزل العقل البشري في جهاز سلبي لمعالجة البيانات ويعزل التفكير عن نبض الحياة والتفاعل الاجتماعي.
في مقابل هذا النموذج الميكانيكي، عرفت روغوف التعلم بأنه: “تحول نوعي في نمط المشاركة والمساهمة الفاعلة للفرد في الأنشطة الثقافية المشتركة لمجتمعه” (Learning as transformation of participation). وفقاً لهذا التعريف الثوري، فإن قياس ما إذا كان الفرد قد تعلم شيئاً ما لا يتم عبر اختبار كمية الحقائق المحفوظة في ذاكرته، بل عبر ملاحظة التغير الحاصل في طبيعة مشاركته، ومدى تحمله لمسؤوليات جديدة، وتطور مبادرته، وقدرته المتزايدة على تنسيق أفعاله مع الآخرين لتحقيق غايات حقيقية ذات قيمة مجتمعية.
يتضمن هذا التحول انتقالاً ديناميكياً ومستمراً عبر الزمن؛ حيث يتحول المتعلم تدريجياً من موقع المتلقي للمساعدة والدعم السلبي إلى موقع الشريك الفاعل المبادر، ثم إلى موقع الخبير الذي يتحمل أدواراً قيادية ومسؤوليات كاملة عن النشاط، وصولاً إلى قدرته على تقديم التوجيه والسقالات التعليمية للوافدين الجدد من المبتدئين. التعلم هنا ليس شيئاً “يحدث للشخص” في لحظة زمنية مجردة، بل هو “صيرورة حياة” يعيد الفرد من خلالها تعريف نفسه، وقدراته، ومكانته داخل الجماعة الإنسانية التي ينتمي إليها ويسهم في استمرارها وتطورها.
9.2 الملاءمة الإبداعية للأدوات الثقافية
حرصت باربرا روغوف على التأكيد أن انخراط الأفراد في الممارسات الثقافية ليس عملية استنساخ ميكانيكية أو تدجيناً سلبياً يفرض فيه المجتمع تقاليده على الأجيال الناشئة. بل طورت مفهوم “الملاءمة الإبداعية” (Creative appropriation) لتسليط الضوء على الفاعلية الذاتية (Agency) للمتعلم وقدرته الخلاقة على إعادة ابتكار الأدوات المادية والرمزية التي يرثها عن ثقافته وتكييفها بمرونة لتلائم احتياجاته وسياقاته المستجدة.
توضح روغوف أن الطفل عندما يتعلم استخدام أداة معينة—سواء كانت أداة فيزيقية كالمطرقة أو القلم أو الحاسوب، أو أداة رمزية كالرمز الحسابي أو المفهوم اللغوي—فإنه لا يكرر الاستخدام التقليدي حرفياً؛ بل يدخل في حوار جدلي مع الأداة، يختبر حدودها، ويعدل وظائفها، ويدمجها في مسارات لعب جديدة واستكشافات غير مسبوقة. هذه الملاءمة الإبداعية هي المحرك الأساسي للتطور الثقافي والتاريخي؛ فالثقافة ليست وثيقة جامدة، بل هي نص حي يضيف إليه كل جيل وكل فرد أسطراً جديدة من خلال إعادة تأويل أدواتها واستخداماتها اليومية.
تضمن هذه الرؤية التوفيق المتناغم بين مبدأي “الاستمرارية والتغير” (Continuity and change) في الحضارة البشرية. فالاستمرارية تتحقق عبر انتقال التقاليد والأدوات والخبرات من الخبراء إلى المبتدئين عبر المشاركة الموجهة، بينما يتحقق التغير والابتكار عبر المبادرات الإبداعية التي يبتكرها هؤلاء المبتدئون أنفسهم عندما يواجهون تحديات تاريخية جديدة لم يعهدها أسلافهم. وبذلك يتحول كل متعلم إلى مساهم فاعل في إعادة بناء الثقافة، وليس مجرد وعاء لتفريغ الموروثات الماضية.
9.3 الهوية والانتماء كعنصرين ملازمين للنمو المعرفي
في نموذج باربرا روغوف، لا يمكن فصل النمو المعرفي والإدراكي عن مسألة “الهوية والانتماء” (Identity and belonging). انتقدت روغوف النظريات السيكولوجية التي تتعامل مع الذكاء كقدرة تقنية معزولة عن العواطف والانتماء الاجتماعي، مؤكدة أن العمليات الذهنية تتغذى بشكل جوهري على شعور الفرد بالانتماء للجماعة ورغبته في بناء هوية اجتماعية معترف بها ومقدرة داخل مجتمعه.
تُظهر أبحاث روغوف أن التطور الذهني للطفل يسير جنباً إلى جنب مع بناء “الكفاءة الذاتية” (Self-efficacy) والشعور بالقيمة الشخصية التي تنبثق مباشرة من رؤية الطفل لنتائج مساهماته الحقيقية وهي تخدم عائلته ومجتمعه. فعندما يشارك طفل في تحضير طعام يؤكل، أو نسج رداء يُلبس، أو رعاية أخ أصغر، يكتسب قناعة عميقة بأنه كائن ذو قيمة وفائدة للمحيطين به؛ وهذا الاعتراف الاجتماعي يعزز دافعيته المعرفية للتعلم والابتكار بدرجات تفوق بكثير أي مديح لفظي مجرد أو علامة امتحان مدرسية باردة.
في المقابل، حذرت روغوف بشدة من المخاطر النفسية والنمائية الكارثية الناتجة عن “الإقصاء الثقافي والمؤسسي”. فعندما يدخل أطفال الأقليات أو الشعوب الأصلية إلى المدارس الحديثة وتُعامل معارفهم المنزلية، ولغاتهم، وأساليبهم التعاونية بالتجاهل أو الاحتقار، يصاب هؤلاء الأطفال بتمزق حاد في هويتهم وانتمائهم. هذا الاغتراب المؤسسي يؤدي غالباً إلى الانسحاب المعرفي والشعور بالعجز المكتسب والرسوب الدراسي؛ ليس بسبب قصور في قدراتهم العقلية الفطرية، بل بسبب العنف الرمزي لمنظومة مدرسية تفرض نمطاً أحادياً للهوية يقصي كل من لا يتطابق مع معاييرها الغربية الطبقية، مما يجعل النضال من أجل الشمول الثقافي نضالاً من أجل الصحة النفسية والنمو السليم للأجيال القادمة.
10. التطبيقات التربوية وإصلاح البيئات المدرسية
10.1 نموذج مجتمع المتعلمين في الفصول الدراسية
لم تتوقف باربرا روغوف عند نقد المنظومات المدرسية الغربية التقليدية، بل قدمت بديلاً تطبيقياً ريادياً يُعرف بنموذج مجتمع المتعلمين (Community of Learners). طُبق هذا النموذج الرائد بنجاح في العديد من المدارس التجريبية والتعاونية في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها مدرسة “أوك غروف” التشاركية في ولاية كاليفورنيا (OCP – Open Community Program). يقوم هذا النموذج على إعادة هيكلة الفصل الدراسي بالكامل ليتحول من مساحة جلوس فردية معزولة إلى ورشة عمل حية ومجتمع مصغر للتحري المشترك والتعلم التفاعلي.
في نموذج “مجتمع المتعلمين”، يتم تفكيك الشكل التقليدي للفصل القائم على المعلم الواقف في الصدارة يلقي الدروس على طلاب صامتين يجلسون في صفوف مستقيمة. بدلاً من ذلك، يُعاد تصميم المساحة الفيزيقية لتضم طاولات عمل دائرية، ومراكز استكشاف ومصادر تعلم مشتركة، حيث يشتغل الطلاب في مجموعات صغيرة مرنة وغير متجانسة عمرياً. يتغير دور المعلم جذرياً؛ إذ لم يعد “المصدر الوحيد للحقيقة والمعرفة”، بل أصبح “ميسراً، وموجهاً، ومرشداً حكيماً” (Facilitator and guide) يشارك الطلاب في عمليات الاستقصاء والبحث، ويقدم السقالات التعليمية المناسبة في اللحظات الحرجة، ويساعد في توجيه الحوار دون مصادرته.
يرتكز هذا النموذج على ترسيخ المسؤولية الجماعية عن مخرجات التعلم وجودة الأداء المشترك؛ فالنجاح ليس منافسة فردية يسعى فيها الطالب للتفوق على زملائه لنيل الدرجات، بل هو إنجاز تضامني تسعى المجموعة بأكملها لتحقيقه عبر تبادل الأفكار وتصحيح الأخطاء التعاوني. وقد أظهرت الدراسات التقييمية لمدارس “مجتمع المتعلمين” أن الطلاب لا يكتسبون فقط المهارات الأكاديمية الأساسية بكفاءة تضاهي بل وتتفوق على المدارس التقليدية، بل يطورون مستويات استثنائية من التفكير النقدي، والدافعية الذاتية العالية، والاستقلالية المسؤولة، والقدرة الفائقة على حل المشكلات الحقيقية والتفاوض المجتمعي الراقي.
10.2 استراتيجيات التدريس المتوافقة ثقافياً
انطلاقاً من دراساتها الإثنوغرافية العميقة، كانت روغوف من أشد المدافعين عن ضرورة تطوير استراتيجيات تدريسية متوافقة ثقافياً (Culturally responsive pedagogy)، موجهة بالأساس لدعم أطفال الأقليات، والمجتمعات الأصلية، والمهاجرين في النظم المدرسية. أكدت روغوف أن الصعوبات الأكاديمية التي يواجهها هؤلاء الأطفال في المدارس العامة لا تعود إلى نقص جيني أو حرمان ثقافي في منازلهم كما ادعت النظريات العنصرية والطبقية لعقود، بل تنجم عن “التنافر الثقافي والإجرائي” الحاد بين أساليب التعلم المألوفة لديهم في بيئاتهم الأسرية والمطالب الشكلية الصارمة للمدرسة الغربية.
تدعو روغوف إلى استثمار “أموال المعرفة” (Funds of knowledge) والخبرات الحياتية التي يجلبها الأطفال من منازلهم ومجتمعاتهم كركائز تأسيسية يُبنى عليها التعليم المدرسي. فإذا كان أطفال المايا أو اللاتينيون أو السكان الأصليون في أمريكا الشمالية قد اعتادوا على التعلم التعاوني الأفقي والملاحظة البصرية اليقظة في بيوتهم، فإن إجبارهم على الجلوس الفردي الصامت والتنافس العدائي مع زملائهم والاستجابة فقط للأوامر اللفظية يربك قدراتهم الإدراكية ويشل دافعيتهم. بدلاً من ذلك، يجب على المدارس تصميم مناهج تدمج العمل الجماعي، والتعلم بالمشاريع الميدانية، واستخدام القنوات التواصلية غير اللفظية، وتقدير المبادرة التشاركية.
يساهم هذا التوافق الثقافي في تضييق “فجوة الإنجاز” المصطنعة التي تعاني منها الأقليات، ويحول البيئة المدرسية من مساحة طرد وتغريب إلى فضاء أمان واستيعاب يعترف بتنوع العقول البشرية ويكرس العدالة التربوية. تؤكد روغوف أن هذا النهج لا يفيد أطفال الأقليات فحسب، بل يثري التجربة الإنسانية لأطفال الأغلبية الغربية أنفسهم، حيث يتيح لهم التحرر من النزعة الفردية الضيقة واكتساب مهارات الانفتاح والتكيف والتعاون مع تنوع العالم المعاصر.
10.3 تطوير نظم التقييم التربوي البديل
قدمت باربرا روغوف نقداً راديكالياً لنظم التقييم التربوي السائدة في معظم دول العالم، والتي تستند إلى الامتحانات المعيارية الفردية واختبارات الاختيار من متعدد عالية المخاطر (High-stakes standardized testing). جادلت روغوف بأن هذه النظم تقيس مهارات حفظ واسترجاع مجردة ومنزوعة السياق لا علاقة لها بكيفية استخدام المعرفة في الحياة الحقيقية، فضلاً عن كونها تولد مستويات مدمرة من القلق وتفرز الطلاب طبقياً وتكرس التفاوتات الاجتماعية القائمة بدلاً من قياس التطور الفعلي للقدرات العقلية.
في مقابل هذا النمط الاختزالي، اقترحت روغوف نماذج “التقييم التربوي البديل والتشاركي” (Authentic participatory assessment)، التي تنظر إلى التقييم باعتباره جزءاً لا يتجزأ من عملية التعلم المستمرة وليس حدثاً معزولاً ومخيفاً في نهاية الفصل الدراسي. يعتمد هذا النمط البديل على التوثيق المستمر لملفات الإنجاز التعاونية (Portfolios)، وملاحظة ديناميات المساهمة الفردية داخل المشاريع الجماعية، وتسجيل التقدم النوعي في كيفية إدارة الطلاب للمشكلات الحقيقية عبر الزمن.
يرتكز هذا التقييم التكويني (Formative assessment) على مفهوم “التعديل التفاعلي المستمر”؛ حيث يُستخدم التقييم لتشخيص الاحتياجات المعرفية للطلاب وإعادة توجيه الدعم والسقالات التعليمية المناسبة لمساعدتهم على تجاوز الصعوبات، بدلاً من استخدامه لإصدار أحكام تصنيفية جامدة بالنجاح أو الرسوب. يشارك الطلاب في هذا النموذج في عمليات التقييم الذاتي وتقييم الأقران، مما يعزز وعيهم بما وراء المعرفة (Metacognition) ومسؤوليتهم الأخلاقية عن جودة إنتاجهم، محولاً التقييم من أداة رقابة وعقاب مؤسسي إلى رافعة حقيقية لتمكين العقل وتعميق التضامن المعرفي في الفضاء التعليمي.
11. الانتقادات العلمية والمساجلات الأكاديمية
11.1 المناقشات حول قابلية تعميم النماذج الإثنوغرافية
على الرغم من التأثير الواسع والريادي لأطروحات باربرا روغوف، فقد واجهت أعمالها نقاشات حادة ومساجلات نقدية متواصلة من قِبل تيارات مختلفة في الأوساط الأكاديمية، ولا سيما من علماء النفس التجريبي الكلاسيكي والمناطقة الوضعيين. تمحور النقد الأول حول “مسألة قابلية تعميم النماذج الإثنوغرافية” (Generalizability)؛ حيث تساءل النقاد عن مدى إمكانية استخلاص قوانين ونظريات نفسية عامة تنطبق على البشرية جمعاء استناداً إلى دراسات ميدانية ونوعية أجريت على مجتمعات سكانية صغيرة ومعزولة نسبياً، مثل قرية سان بيدرو لا لاغونا في غواتيمالا.
جادل بعض الباحثين التجريبيين بأن المنهجية الإثنوغرافية القائمة على الملاحظة بالمشاركة تفتقر إلى إمكانية ضبط المتغيرات المعرفية بدقة مخبرية عازلة، مما يجعل من الصعب عزل العوامل الوراثية أو التغذوية أو العصبية الحيوية عن العوامل البيئية والثقافية المحيطة. كما أثاروا تساؤلات حول صعوبة تكرار الدراسات الميدانية بنفس النتائج الدقيقة من قِبل باحثين آخرين (Replication crisis)، معتبرين أن حضور باحث أمريكي بكاميرات الفيديو داخل مجتمع تقليدي قد يؤدي بذاته إلى تعديل السلوك الطبيعي للمشاركين (تأثير هاوثورن)، وهو ما قد يشكك في مصداقية بعض الاستنتاجات الإثنوغرافية المتفائلة حول التعاون والانسجام المطلق داخل تلك المجتمعات.
11.2 تحديات تطبيق نموذج LOPI في المجتمعات التكنولوجية الحديثة
تركز الجانب الثاني من السجالات النقدية حول مدى قابلية نموذج “التعلم بالملاحظة والمساهمة الفاعلة” (LOPI) للتطبيق الواقعي داخل المجتمعات الصناعية وما بعد الصناعية المتقدمة تقنياً. وجه نقاد التربية وعلم الاجتماع تساؤلاً جوهرياً: هل يمكن حقاً لنموذج نشأ في سياقات زراعية وحرفية تعتمد على مهارات يدوية ملموسة ومرئية بالعين المجردة أن ينجح في تعليم العلوم المعقدة في اقتصاد المعرفة الرقمي المعاصر؟
أشار النقاد إلى أن المهن المعاصرة—مثل هندسة البرمجيات، والفيزياء النووية، والتحليل المالي، والطب الحيوي—تعتمد على مفاهيم تجريدية، ولغات برمجية، وخوارزميات رقمية غير مرئية في الفضاء المادي؛ وبالتالي فإنه من المستحيل على الطفل أو المبتدئ أن يتعلم برمجة الذكاء الاصطناعي أو حساب التفاضل والتكامل بمجرد “الوقوف بجانب الخبير ومراقبته بصمت في العمل والمساهمة البسيطة”. تتطلب هذه العلوم، بحسب النقاد، نظماً صارمة ومطولة من التعليم الرمزي، والتجريد النظري، والتدريب المفاهيمي المنظم الذي لا يمكن توفيره إلا عبر الفصول الدراسية والمناهج المكتوبة والتلقين المنهجي الدقيق، مما يجعل الاعتماد الحصري على نموذج LOPI في المجتمعات التكنولوجية ضرباً من الرومانسية البدائية غير القابلة للتحقيق عملياً.
11.3 الردود النظرية والتطويرات اللاحقة لأطروحات روغوف
ردت باربرا روغوف وزملاؤها في أبحاثهم ومؤلفاتهم اللاحقة بقوة وعمق على هذه الانتقادات العلمية، موضحةً العديد من المفاهيم الخاطئة التي أحاطت بتأويل أطروحاتها. نفت روغوف بصورة قاطعة أنها تدعو في أي وقت إلى “إلغاء المدارس” أو “العودة الرومانسية إلى الماضي البدائي”، مؤكدة أن نموذج LOPI والتعليم المدرسي ليسا خيارين متناقضين يستبعد أحدهما الآخر في معركة صفرية، بل هما شكلان تعليميان يمكن وينبغي أن يتكاملا في المجتمعات المعاصرة لبناء بيئات تعلم إنسانية شاملة ومرنة.
أجرت روغوف وفريقها دراسات إمبريقية لاحقة ومتقدمة أثبتت من خلالها فاعلية نموذج LOPI داخل المجتمعات الحضرية والتكنولوجية ذاتها؛ حيث بينت أن تعلم استخدام البرمجيات الرقمية، وتصميم ألعاب الفيديو، وتطوير المنصات الرقمية يتم في واقع الأمر بين المبرمجين والشباب اليوم عبر آليات التلمذة الفكرية، والمشاركة في مجتمعات الممارسة الافتراضية، ومراقبة الشيفرات مفتوحة المصدر (Open-source communities) والمساهمة فيها، وهي كلها تطبيقات رقمية حديثة ومتطورة لنموذج LOPI تثبت صلاحيته الاستثنائية لعصر الفضاء الرقمي.
كما واصلت روغوف تطوير منهجياتها البحثية عبر الانفتاح على التحليلات الإحصائية الكمية المتقدمة ونماذج النمذجة البنائية متعددة المستويات، مدمجةً هذه الأدوات الحسابية بالتحليلات النوعية الإثنوغرافية العميقة. أظهرت هذه الدراسات الهجينة المحدثة أن دمج استراتيجيات الملاحظة والمسؤولية المشتركة في تدريس العلوم والرياضيات والطب يزيد من الفهم المفاهيمي العميق للطلاب ويقلل من نسب التسرب الدراسي، مما أسكت أصوات المشككين ورسخ أطروحات روغوف كنظرية معرفية علمية رصينة قادرة على الصمود والتطور الإبداعي في وجه التحديات المعرفية المتسارعة.
12. إرث باربرا روغوف وتأثيرها المستمر في القرن الحادي والعشرين
12.1 التأثير على حقول علم النفس المعاصر والعلوم المعرفية
يُمثل الإرث الفكري لباربرا روغوف أحد الأعمدة المركزية التي يستند إليها علم النفس المعاصر والعلوم المعرفية في القرن الحادي والعشرين. لقد نجحت روغوف في إحداث تحول باراديغمي دائم في كيفية تعريف ودراسة التطور البشري؛ فلم يعد بالإمكان اليوم لأي باحث رصين في علم النفس النمائي أن يكتب عن “مراحل النمو” دون أن يأخذ بعين الاعتبار البعد الثقافي والتاريخي والمكاني كعنصر حاسم ومحدد في تشكيل تلك المسارات، وهو ما يعكس الانتصار الكامل للرؤية السوسيوبنائية التي ناضلت من أجلها طوال نصف قرن.
امتد تأثير روغوف العميق إلى حقول متجاورة متعددة، وفي مقدمتها علم النفس التطوري المعاصر، الذي استفاد من أطروحاتها لإعادة التفكير في كيفية تكيف الدماغ البشري كعضو بيولوجي تطور أساساً للتفاعل مع الثقافة والتعاون الاجتماعي المفتوح. كما تأثرت العلوم المعرفية المجسدة (Embodied and Situated Cognition) بأبحاثها حول دور الجسد، والإيماءات، والبيئة المادية في التفكير، مما ساعد في هدم النموذج الديكارتي القديم الذي فصل العقل عن الجسد والعالم المحيط.
تخرج على يدي باربرا روغوف وفي مدرستها الفكرية أجيال متتابعة من كبار الباحثين والأساتذة الذين يقودون اليوم أقسام علم النفس والتربية في أعرق الجامعات العالمية عبر أمريكا الشمالية واللاتينية وأوروبا وآسيا. يواصل هؤلاء الباحثون توسيع نموذج LOPI وتطوير منهجيات البحث الإثنوغرافي التشاركي، وتطبيقها على موضوعات معاصرة ملحة تشمل تفاعل الأطفال مع الذكاء الاصطناعي، والتعلم في بيئات الهجرة القسرية، وتطوير نظم التعليم البيئي المقاوم للتغير المناخي، مما يضمن حيوية واستدامة إرثها الفكري لأجيال قادمة.
12.2 السياسات العامة وتصميم برامج رعاية الطفولة المبكرة
تجاوز تأثير أبحاث باربرا روغوف أسوار الجامعات والأروقة الأكاديمية النظرية ليترك بصمة عميقة ومباشرة على تصميم السياسات العامة وبرامج رعاية الطفولة المبكرة على المستوى العالمي. استعانت كبرى المنظمات الدولية المعنية بالطفولة والتعليم، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) واليونسكو، بأطروحات ومفاهيم روغوف لإعادة صياغة استراتيجياتها التدخلية في دول الجنوب العالمي ومجتمعات الأقليات والسكان الأصليين.
ساهمت أعمال روغوف في توجيه هذه المنظمات نحو التخلي عن النماذج الاستعمارية القديمة التي حاولت فرض نظم الرعاية والتعليم الغربية بالقوة على المجتمعات التقليدية؛ وبدلاً من ذلك، تم تبني “برامج تنمية الطفولة القائمة على المجتمع والأسرة” (Community-based early childhood programs)، التي تعترف بأساليب التنشئة المحلية، وتثمن حكمة الأمهات والجدات، وتدعم نظم التعلم التعاوني المتبادلة بدلاً من تفكيكها باسم “التحديث والتنمية”.
كما ألهمت مبادئ المشاركة المجتمعية لروغوف ثورة عالمية في تصميم المساحات العامة ومتاحف الأطفال والمراكز التفاعلية عبر العالم؛ حيث تحولت هذه المؤسسات من قاعات عرض صامتة تحظر اللمس إلى بيئات تفاعلية حية تتيح للأطفال والعائلات التعلم المشترك من خلال الاستكشاف اليدوي، والملاحظة المباشرة، وحل المشكلات الحقيقية معاً بروح نموذج مجتمع المتعلمين. وقد أدى ذلك إلى تحسين مخرجات رعاية الطفولة المبكرة في مجتمعات متعددة عبر العالم مع ضمان الحفاظ على الكرامة الثقافية والتراث الإنساني لتلك الشعوب.
12.3 الرؤية المستقبلية لدراسة التعلم والتنمية البشرية
تظل الرؤية الفكرية والمنهجية لباربرا روغوف بوصلة مستقبلية لا غنى عنها لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجه الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. مع تصاعد وتيرة العولمة والرقمنة السريعة، تشتد الحاجة المعرفية المستمرة لتفكيك المركزية الغربية في العلوم السلوكية ومقاومة النزوع المتجدد نحو توحيد وتنميط السلوك الإنساني وفق معايير الشركات التكنولوجية الكبرى، حيث تقدم روغوف ترياقاً فكرياً حاسماً يؤكد أن تنوع المسارات النمائية هو الثروة الحقيقية والضمانة الأساسية لاستمرار الذكاء والإبداع البشري.
في العصر الرقمي الراهن، تفتح أطروحات روغوف آفاقاً استكشافية باهرة لفهم كيفية تفاعل الأطفال مع الوسائط والشبكات الافتراضية؛ فالأطفال اليوم يشاركون في منتديات البرمجة، وعوالم الألعاب الافتراضية، ومنصات صناعة المحتوى التشاركي عبر آليات معاصرة للمشاركة والملاحظة الموجهة تعيد إنتاج نموذج LOPI في بيئات سيبرانية لا حدود لها. يوفر إطار روغوف للباحثين المعاصرين الأدوات التحليلية الضرورية لدراسة هذه الظواهر الرقمية المستجدة دون السقوط في فخ الذعر الأخلاقي التكنولوجي أو الانبهار الاستهلاكي السطحي.
إن استدامة النموذج الثقافي لباربرا روغوف تنبع في جوهرها من إنسانيته العميقة وإيمانه المطلق بقدرات الأطفال والناس العاديين في كل مكان؛ فهو نموذج يعيد الاعتبار للتضامن، والمشاركة، والاحترام المتبادل، والتعاون المجتمعي بوصفها الركائز الحقيقية التي صنعت الحضارة الإنسانية عبر التاريخ. ستظل باربرا روغوف اسماً خالداً ومرجعاً تأسيسياً لكل من يسعى لفهم تعقيد العقل البشري، ولكل من يناضل من أجل تعليم يحرر الطاقات الإنسانية، ويحتفي بالتنوع، ويجعل من العالم مساحة أرحب للمشاركة والحياة المشتركة.
خاتمة
في ختام هذه المراجعة المعرفية الشاملة والموسعة لمسيرة وفكر باربرا روغوف، يتضح بجلاء أن مشروعها العلمي لا يمثل مجرد إضافة تراكمية إلى حقل علم النفس التنموي، بل يجسد ثورة إبستمولوجية مكتملة الأركان أعادت رسم خرائط المعرفة حول الإنسان، وعقله، وكيفية نموه وتعلمه. لقد استطاعت روغوف، عبر المزاوجة البارعة بين الفلسفة السوسيوبنائية، والبحث الميداني الإثنوغرافي الرصين، والتجريب النفسي الدقيق، أن تنتزع دراسة التطور البشري من براثن النزعة الفردية والمختبرات المعزولة، لتعيد غرسها في تربتها الطبيعية الحية: النشاط الإنساني الجماعي المشترك المتجذر في التاريخ والثقافة.
أثبتت روغوف، من خلال مفاهيمها الخالدة مثل “المشاركة الموجهة” (Guided Participation) ونموذج “التعلم بالملاحظة والمساهمة الفاعلة” (LOPI)، أن الذكاء الإنساني ليس قالباً مسبق الصنع ولا ملكية فردية تخزن في الرؤوس، بل هو سيرورة علاقات وتحول نوعي في أنماط المشاركة المجتمعية والمسؤولية الأخلاقية عن الصالح العام. ونجحت في تفكيك النماذج الغربية الأحادية التي وصمت المجتمعات التقليدية والأصلية بالقصور، مبرزةً أن أساليب التنشئة القائمة على الانتباه الموزع، والتعاون الأفقي، والاندماج الكامل في حياة الكبار تمثل ذرى معرفية وسلوكية بالغة التطور والذكاء لا تقل قيمة عن أي إنجاز مدرسي أكاديمي.
إن الإرث الفكري لباربرا روغوف يظل في مطلع القرن الحادي والعشرين منارة ملهمة للمربين، وعلماء النفس، وصناع السياسات، والمفكرين في كل مكان. فهو يقدم لنا البوصلة التي تمكننا من إعادة ابتكار مدارسنا لتتحول إلى مجتمعات حقيقية للمتعلمين تحترم التنوع الثقافي، وتنمي المبادرة الذاتية، وتكرس العدالة التربوية. كما يذكرنا هذا المشروع العظيم بالحقيقة الإنسانية الخالدة: أننا لا ننمو كأفراد لنلتحق بالمجتمع لاحقاً، بل إننا نصبح بشراً، ونفكر، ونبدع فقط لأننا منذ اللحظة الأولى شركاء متضامنون في نسج الحياة المشتركة مع الآخرين.
المراجع
- Rogoff, B. (1990). Apprenticeship in thinking: Cognitive development in social context. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oso/9780195059731.001.0001
- Rogoff, B. (1995). Observing sociocultural activity on three planes: Participatory appropriation, guided participation, and apprenticeship. In J. V. Wertsch, P. del Río, & A. Alvarez (Eds.), Sociocultural studies of mind (pp. 139–164). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9781139174299.008
- Rogoff, B. (2003). The cultural nature of human development. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oso/9780195131338.001.0001
- Rogoff, B., Mistry, J., Göncü, A., & Mosier, C. (1993). Guided participation in cultural activity by toddlers and caregivers. Monographs of the Society for Research in Child Development, 58(8), 1–179. https://doi.org/10.2307/1166109
- Rogoff, B., Paradise, R., Arauz, R. M., Correa-Chávez, M., & Angelillo, C. (2003). Firsthand learning through intent participation. Annual Review of Psychology, 54(1), 175–203. https://doi.org/10.1146/annurev.psych.54.101601.145118
- Rogoff, B., Dahl, A., & Callanan, M. (2018). The importance of understanding children’s cultural participation: Learning through observation and pitching in. Perspectives on Psychological Science, 13(4), 485–493. https://doi.org/10.1177/1745691617753935
- Rogoff, B. (2014). Learning by observing and pitching in to family and community endeavors: An orientation. Human Development, 57(2-3), 69–81. https://doi.org/10.1159/000356757
- Rogoff, B., Turkanis, C. G., & Bartlett, L. (Eds.). (2001). Learning together: Children and adults in a school community. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oso/9780195140484.001.0001
- Correa-Chávez, M., & Rogoff, B. (2009). Children’s attention to interactions directed to others: Guatemalan Mayan and European American cultural patterns. Developmental Psychology, 45(3), 630–641. https://doi.org/10.1037/a0014144
- Gaskins, S., & Rogoff, B. (2002). The cultural structuring of children’s play. In Inger, B. & Smith, P. K. (Eds.), Children’s play: Perspectives and context (pp. 52–68). State University of New York Press.
- Lave, J., & Wenger, E. (1991). Situated learning: Legitimate peripheral participation. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511815355
- Vygotsky, L. S. (1978). Mind in society: The development of higher psychological processes. Harvard University Press. https://doi.org/10.2307/j.ctvjf9vz4
- Bruner, J. (1996). The culture of education. Harvard University Press. https://doi.org/10.2307/j.ctv136c611
- Henrich, J., Heine, S. J., & Norenzayan, A. (2010). The weirdest people in the world?. Behavioral and Brain Sciences, 33(2-3), 61–83. https://doi.org/10.1017/S0140525X0999152X
- Whiting, B. B., & Edwards, C. P. (1988). Children of different worlds: The formation of social behavior. Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/harvard.9780674436572