السيرة
يمثل كونوي لويد مورغان (Conwy Lloyd Morgan، 1852–1936) حجر الزاوية الحقيقي في انتقال الدراسات السلوكية من طور التأملات الفلسفية والانطباعات القصصية غير المنضبطة إلى رحاب المنهج العلمي التجريبي الرصين. ففي مرحلة تاريخية بالغة الحساسية تلت صدور نظرية التطور لتشارلز داروين، واجهت العلوم البيولوجية والنفسية مأزقاً إبستمولوجياً تمثل في الرغبة الجامحة لإثبات الاستمرارية النفسية بين الإنسان وسائر الكائنات الحية، وهو ما قاد العديد من الباحثين الأوائل إلى السقوط في فخ النزعة التجسيمية وإسقاط المشاعر والقدرات العقلية البشرية المركبة على الحيوانات دون بينة علمية قاطعة. في هذا الأتون الفكري المتلاطم، برز مورغان كصوت للعقلانية المنهجية، واضعاً معايير صارمة أسست لما بات يُعرف لاحقاً بـ علم النفس المقارن الحديث.
ولم تكن إسهامات مورغان محصورة في صياغة قاعدته التفسيرية الشهيرة المعروفة بـ “قانون مورغان” (Morgan’s Canon)، بل امتدت لتشمل بناء صرح نظري وتجريبي متكامل يربط بين علم الأحياء التطوري، وعلم النفس التجريبي، وفلسفة العقل. فمن خلال تجاربه الميدانية والمعملية الدقيقة على صغار الطيور والثدييات، استطاع تفكيك آليات التعلم القائم على “المحاولة والخطأ”، وتوضيح التمايز الجوهري بين السلوك الغريزي الفطري والخبرة الفردية المكتسبة، مساهماً بذلك في صياغة الفهم البيولوجي لظاهرة التكيف العضوي والسلوكي، وممهداً الطريق لظهور النظريات السلوكية التي هيمنت على المشهد الأكاديمي لعقود متتالية.
علاوة على ذلك، توج مورغان مسيرته العلمية برؤية ميتافيزيقية وفلسفية ناضجة تمثلت في نظريته حول “التطور الانبثاقي” (Emergent Evolution)، مقدماً إطاراً فلسفياً تجاوز به الثنائية التقليدية بين المادية الآلية العمياء والمثالية الغائية المجردة. إن قراءة فكر لويد مورغان اليوم ليست مجرد استدعاء لتاريخ العلوم، بل هي مراجعة إبستمولوجية ضرورية لفهم جذور المعضلات المعاصرة في دراسات الوعي، والإدراك الحيواني، وفلسفة العقل، والذكاء الاصطناعي، حيث يظل مبدأ التوفير التفسيري والصرامة المنهجية اللذان نادى بهما نبراساً لا غنى عنه لكل باحث يسعى لاستكشاف آليات الإدراك وألغاز العقل المتطور.
1. النشأة والتكوين الأكاديمي المبكر لسي. لويد مورغان
1.1 الخلفية الأسرية والمراحل التعليمية الأولى (1852–1870)
ولد كونوي لويد مورغان في السادس من فبراير عام 1852 في منطقة لندن الكبرى، إبان ذروة الازدهار الاقتصادي والحضاري الذي ميز العصر الفيكتوري. نشأ مورغان في بيئة أسرية برجوازية مستقرة تهتم بالثقافة والتعليم؛ حيث كان والده، جيمس آرثر مورغان، محامياً ناجحاً وفر للأسرة مناخاً فكرياً حفز الفضول المعرفي لدى الصغير. تميزت طفولته بشغف لافت بمراقبة الطبيعة الإنجليزية والتأمل في تقلبات الحياة البرية المحيطة، وهو ميل فطري عززته الرحلات الاستكشافية التي كان يقوم بها في الريف، حيث جمع العينات الصخرية والنباتية، محاكياً في ذلك التقاليد البريطانية العريقة لهواة التاريخ الطبيعي في ذلك العصر.
تلقى مورغان تعليمه المبكر في مدرسة القديس برونو المهنية الخاصة ومدرسة القواعد في ويبريدج، حيث أبدى نبوغاً ملحوظاً في دراسة اللغات والآداب، إلى جانب ميله الجارف نحو العلوم الفيزيائية والطبيعية. كان العصر الفيكتوري في منتصف القرن التاسع عشر يمر بمخاض فكري هائل؛ فبينما كانت الثورة الصناعية تعيد تشكيل المجتمع والاقتصاد، كانت الاكتشافات الجيولوجية والبيولوجية تزعزع المفاهيم اللاهوتية التقليدية حول عمر الأرض وأصل الأنواع. وقد تركت هذه الأجواء الفكرية المشحونة بالأسئلة الوجودية والمنهجية أثراً عميقاً في تكوين عقلية الفتى اليافع، حيث تشرب مبادئ الملاحظة الحثيثة والبحث عن التفسيرات الطبيعية المادية للظواهر المعقدة، بعيداً عن الركون إلى التفسيرات الماورائية الساذجة.
وعلى الرغم من أن عائلته كانت تطمح في البداية إلى توجيهه نحو مهنة الهندسة أو التعدين بما يتوافق مع متطلبات التوسع الإمبراطوري البريطاني، إلا أن شغفه الجوهري بالآليات التكوينية للطبيعة الحية وغير الحية حسم مساره. أظهر مورغان خلال مراهقته وعياً حاداً بأهمية الدقة الصارمة في تدوين الملاحظات، وهو ما تجلى في كراساته الميدانية الأولى التي لم تكن مجرد رسومات هاوٍ، بل تضمنت محاولات مبكرة لتصنيف التباينات المورفولوجية بين الكائنات الحية والربط بين تكوين الطبقات الجيولوجية والحفريات المتضمنة فيها، مما أنبأ عن ولادة باحث استثنائي يجمع بين الخيال التحليلي والانضباط المنهجي.
1.2 التتلمذ العلمي تحت إشراف توماس هنري هكسلي
شهد عام 1870 المنعطف الأكثر حسماً في التكوين المعرفي لمورغان، حين التحق بالكلية الملكية للمناجم (Royal School of Mines) في لندن؛ وهناك وقع تحت التأثير المباشر لواحد من أعظم قامات الفكر العلمي في التاريخ الحديث: توماس هنري هكسلي، الملقب بـ “بولدوغ داروين” لدفاعه المستميت عن النظرية التطورية. لم يكن هكسلي مجرد أستاذ لعلم التشريح المقارن والبيولوجيا، بل كان منظراً إبستمولوجياً كرس حياته لغرس النزعة الطبيعية التجريبية وتفكيك الخرافات العلمية، وكان لحضوره الكاريزمي ومنهجه الصارم دور محوري في إعادة هيكلة وعي مورغان العلمي.
تعلم مورغان من هكسلي أسس التشريح الدقيق، وكيفية استنطاق البنى العضوية للكشف عن مساراتها التطورية التاريخية. كان هكسلي يصر على أن الفرضيات العلمية لا قيمة لها ما لم تقترن بالتحقق التجريبي الحاسم، وكان يرفض بشدة القفز إلى استنتاجات تعميمية دون شواهد ملموسة. غرس هذا المنهج في نفس مورغان حساسية مفرطة تجاه الدقة المصطلحية، وجعله ينظر إلى الظواهر البيولوجية، بما في ذلك السلوك والنشاط العصبي، بوصفها نتاجات طبيعية قابلة للتحليل والاختبار المخبري المنظم، وليست أسراراً مغلقة تعلو على الإدراك البشري.
منح هذا التتلمذ مورغان قاعدة معرفية صلبة جمعت بين علم المعادن، الجيولوجيا، والبيولوجيا العامة، إلا أن الأهم كان تبنيه للنظرة التطورية بوصفها الإطار النظري الأوحد القادر على منح العلوم الحيوية وحدتها وتماسكها المنطقي. لقد رأى مورغان من خلال هكسلي أن عقل الإنسان ومشاعره وسلوكياته لا تنفصل عن الشجرة التطورية الكبرى للكائنات الحية، ولكن هذه الاستمرارية البيولوجية يجب ألا تُستخدم ذريعة لإسقاط السمات البشرية اعتباطياً على الحيوانات. ومن هذا المنطلق الدارويني الهكسلي الرصين، انطلق مورغان لاحقاً لإعادة بناء علم النفس المقارن على ركائز تجريبية صارمة تخلو من الرومانسية الفكرية.
1.3 البعثة التدريسية في جنوب إفريقيا والتحول نحو السلوك الحيواني
بعد إتمام دراسته وتفوقه الأكاديمي، عُرضت على مورغان فرصة فريدة في عام 1878 للعمل كمحاضر لمادتي الكيمياء، الفيزياء، والجيولوجيا في كلية ديوسيسان (Diocesan College) في رونديبوش بالقرب من كيب تاون في جنوب إفريقيا. كانت هذه الإقامة، التي امتدت لنحو خمس سنوات حتى عام 1883، بمثابة المختبر المفتوح الذي نقل اهتمامات مورغان من الدراسات الجيولوجية البحتة إلى المراقبة الحية للسلوك الحيواني في بيئاته الفطرية الخصبة.
أتاحت البيئة الإفريقية بمخزونها الهائل من التنوع الحيوي لمورغان مراقبة تفاعلات بيئية وسلوكية معقدة لم تكن متاحة في الأرياف البريطانية الهادئة. قضى مورغان ساعات طوال في تدوين الملاحظات حول حركة النعام، استجابات الحرباء، وسلوكيات القردة المفترسة وحيوانات السافانا. بدأ يدون مذكرات حقلية بالغة التفصيل تركز على كيفية تعامل الكائنات الحية مع المواقف غير المألوفة، ومدى قدرتها على التكيف الآني مع المتغيرات البيئية مقارنة بردود أفعالها الفطرية النمطية. قادته هذه المشاهدات إلى التساؤل العميق حول الحدود الفاصلة بين الغريزة العمياء والسلوك المتعلم القائم على الخبرة الفردية.
عاد مورغان إلى بريطانيا عام 1884 محروثاً بأسئلة جديدة، ليتولى كرسي الجيولوجيا وعلم الحيوان في الكلية الجامعية ببريستول (University College, Bristol). ورغم مسؤولياته الإدارية والتدريسية في الجيولوجيا، كان تحوله الفكري نحو دراسة السيكولوجيا التطورية قد حُسم بالفعل؛ فقد أدرك أن الساحة العلمية البريطانية تشهد فراغاً منهجياً خطيراً في دراسة سلوك الحيوان وعلاقته بالتطور العقلي، مما دفعه إلى تحويل جزء كبير من أبحاثه نحو إجراء تجارب مضبوطة داخل البيئات المغلقة لتفكيك ألغاز الإدراك الفطري والمكتسب، وهو التحول الذي قاده مباشرة إلى احتلال مكانة ريادية في تاريخ علم النفس العالمي.
2. السياق التاريخي والفكري لنشأة علم النفس المقارن
2.1 الإرث الدارويني ومحاولات تفسير العقل التطوري
أحدث نشر كتاب أصل الأنواع لتشارلز داروين عام 1859 زلزالاً معرفياً امتدت توابعه لتشمل كافة فروع الفكر الإنساني. لكن داروين لم يكتفِ بإثبات التطور المورفولوجي والجسدي، بل أدرك بوضوح أن نظريته ستظل ناقصة ما لم تفسر نشأة الملكات العقلية والانفعالية والأخلاقية للإنسان. وقد تجسد هذا المشروع في كتابيه اللاحقين: نشأة الإنسان والانتخاب الجنسي (1871)، والتعبير عن الانفعالات لدى الإنسان والحيوان (1872). طرح داروين فيهما فرضية حاسمة مؤداها: أن الفارق بين عقل الإنسان وعقل الحيوانات العليا هو فارق في “الدرجة” وليس فارقاً في “النوع”، مما يفترض وجود استمرارية سيكولوجية موازية للاستمرارية التشريحية.
وضعت هذه الأطروحة الدارونية الباحثين أمام تحدٍ إبستمولوجي شائك؛ فإذا كانت الحياة النفسية نتاجاً تطورياً متدرجاً، فكيف يمكن للعلماء البرهنة على وجود العمليات العقلية والوعي لدى كائنات لا تمتلك لغة رمزية تعبر بها عن حالاتها الذهنية الباطنية؟ كان البحث عن “الحلقات المفقودة” في تطور العقل مسألة بالغة الإغراء، مما دفع رواد هذا المجال الناشئ إلى البحث الحثيث عن أدلة تثبت امتلاك الحيوانات للذكاء، والوفاء، والخيال، وحتى الحس الأخلاقي والجمالي.
غير أن هذه الرغبة الملحة في سد الفجوة بين الإنسان والحيوان قادت في كثير من الأحيان إلى نتائج عكسية؛ حيث تحولت الدراسات السلوكية في أواخر القرن التاسع عشر إلى جمع متسرع للشواهد التي تؤكد الطبيعة العقلية للحيوانات، دون التوقف الكافي لاختبار ما إذا كانت هذه السلوكيات يمكن تفسيرها بآليات بيولوجية أو ارتباطية أكثر بساطة. أدى هذا الاستقطاب بين المدافعين عن التمايز الإنساني المطلق والمدافعين عن الاستمرارية التطورية الشاملة إلى نشوء فراغ منهجي، جعل من علم النفس المقارن حقلاً هشاً تتنازعه التقديرات الذاتية والمواقف الفكرية المسبقة.
2.2 المنهج القصصي والنزعة التجسيمية المفرطة لدى جورج رومانيس
في هذا السياق التاريخي، برز العالم البيولوجي البريطاني جورج جون رومانيس (George Romanes)، التلميذ المقرب لداروين، كواحد من أبرز المدافعين عن العقل التطوري من خلال مؤلفاته الشهيرة مثل ذكاء الحيوان (Animal Intelligence، 1882) والتطور العقلي في الحيوان (1883). صاغ رومانيس مصطلح “علم النفس المقارن”، غير أن منهجيته عانت من علة هيكلية قاتلة عرفت بـ “المنهج القصصي” (Anecdotal Method)، إلى جانب إفراطه غير المسبوق في النزعة التجسيمية أو المؤنسنة (Anthropomorphism).
اعتمد رومانيس في جمع بياناته على مراسلات الهواة، الحكايات الشعبية، وروايات المسافرين والصيادين وأصحاب الحيوانات الأليفة حول السلوكيات “الذكية” والخارقة للعادة التي تبديها الكلاب، والقطط، والخيول، والطيور. وتضمنت تلك السجلات حكايات عن كلاب تقطع مسافات خرافية للانتقام من شخص أساء إليها، أو قطط تتأمل في المرآة وتفهم فكرة “الذات”، أو قردة تبكي حزناً على فراق رفاقها بدوافع انتحارية واعية. وكان رومانيس يفسر هذه الحكايات بإسقاط دوافع واستدلالات عقلية عليا تتطابق كلياً مع الاستبطان الذهني البشري الواعي، معتبراً أن الحيوان يمر بسلسلة من المحاكمات المنطقية المجردة المشابهة لتفكير الفيلسوف أو المهندس.
تسبب هذا التوجه في تعريض علم النفس المقارن لموجة عاتية من التشكيك من قِبل الأوساط العلمية الصارمة؛ إذ غابت عن أعمال رومانيس أبسط قواعد التحقق التجريبي، وضبط المتغيرات، وفحص صدق الروايات وموثوقية الرواة. لم يكن الباحث قادراً على فصل ما حدث بالفعل عما تخيله الراوي المنحاز عاطفياً لحيوانه. ونتيجة لذلك، أوشك هذا الحقل المعرفي الوليد على التحول إلى مجرد فرع من فروع الفولكلور أو الأدب الترفيهي، مهدداً بفقدان شرعيته كفرع أصيل من فروع البيولوجيا والعلوم الطبيعية التجريبية.
2.3 الحاجة التاريخية إلى مأسسة المنهج التجريبي الصارم
أمام هذا الانزلاق المنهجي الخطير، بات واضحاً لنخبة من العلماء في تسعينيات القرن التاسع عشر أن إنقاذ الفرضية التطورية للداروينية النفسية يتطلب قطيعة إبستمولوجية حاسمة مع النزعة القصصية التجسيمية. برزت الحاجة إلى تحرير علم النفس المقارن من ثقل الفلسفة التأملية ومن إسقاطات الوعي الإنساني، والبحث عن معايير موضوعية قابلة للتكرار في البيئات المخبرية المقننة والملاحظة المنظمة.
كانت اللحظة التاريخية مواتية لتطبيق مبدأ الاقتصاد الفكري أو مبدأ التوفير التفسيري (Parsimony) على عالم الحيوان؛ وهو المبدأ الذي يقضي بأنه في حال وجود تفسيرات متعددة لظاهرة ما، يجب تفضيل التفسير الذي يفترض أقل عدد ممكن من الكيانات أو الفرضيات غير المثبتة. لم يكن الهدف نفي إمكانية امتلاك الحيوانات لصور من الوعي، بل التوقف عن افتراض وجود عمليات عقلية راقية ما لم تعجز التفسيرات الأدنى عن الإحاطة بالسلوك المرصود.
وهنا تجلى الدور التاريخي والريادي لسي. لويد مورغان؛ إذ لم يكتفِ بنقد منهج معاصره وصديقه رومانيس نقداً عابراً، بل تصدى لعملية إعادة ضبط هيكلية وشاملة لبوصلة علم النفس المقارن. أدرك مورغان أن المنهج الاستقرائي القائم على الملاحظة الميدانية والمخبرية المضبوطة، والمقرون بالتحليل النفسي-الفزيولوجي الصارم، هو السبيل الوحيد لبناء علم سلوك مقارن قادر على الصمود في وجه التشكيك العلمي، مقدماً نموذجاً رصيناً سارعت الجامعات والمؤسسات العلمية الكبرى في أوروبا وأمريكا إلى تبنيه وتطويره.
3. قانون مورغان: المفهوم والتأصيل النظري والإبستمولوجي
3.1 الصياغة النصية لقانون مورغان في كتاب عام 1894
في عام 1894، نشر سي. لويد مورغان كتابه الاستثنائي مقدمة في علم النفس المقارن (An Introduction to Comparative Psychology)، الذي احتوى في صفحته الثالثة والخمسين على الصياغة الكلاسيكية لمبدئه التفسيري الذي خلد اسمه في تاريخ العلوم السلوكية، والذي نُص عليه بدقة متناهية كما يلي:
“لا يجوز بأي حال من الأحوال تفسير أي فعل سلوكي على أنه نتاج لممارسة نشاط نفسي أعلى، إذا أمكن تفسيره على نحو مشروع بأنه ناتج عن ممارسة نشاط يقع في مرتبة أدنى على سلم التطور النفسي.”
تكمن عبقرية هذا القانون في حدوده الفاصلة والدقيقة؛ فلم يكن مورغان يهدف إلى إنكار وجود القدرات العقلية العليا كلياً لدى الكائنات غير البشرية، كما فعلت السلوكية الراديكالية لاحقاً، بل وضع قيداً منهجياً يمنع الإفراط التفسيري والتسرع في نسبة العقلانية المنطقية للحيوان. وقد شدد مورغان في نفس السياق على ما أطلق عليه “الملحق التوضيحي للقانون”، مؤكداً أن هذا التوفير لا يمنع الباحث من افتراض قدرات عليا متى ما قامت أدلة إمبيريقية قاطعة تعجز العمليات البسيطة—كالارتباط الحسي والتعلم الحركي—عن تفسيرها.
ميز مورغان بين نوعين رئيسيين من العمليات النفسية: العمليات النفسية الإدراكية البسيطة (Perceptual Inference) القائمة على الارتباط المباشر بين المثيرات الحسية والاستجابات وتراكم الخبرة الحركية، والعمليات الفكرية الترابطية المعقدة أو التفكير المفاهيمي المجرد (Conceptual Thought and Reflective Reasoning) الذي يتضمن التفكير في العلاقات المجردة واستخلاص المبادئ الكلية. كان جوهر القانون يقضي بالبقاء في حدود العمليات الإدراكية الارتباطية البسيطة طالما كانت كافية لحل المشكلة التفسيرية، وتجنب القفز إلى التفكير المفاهيمي دون مبرر منهجي لا يقبل الشك.
3.2 علاقة قانون مورغان بشفرة أوكام ومبدأ التوفير التفسيري
يُنظر إلى قانون مورغان في الأدبيات الفلسفية والإبستمولوجية بوصفه تطبيقاً مباشراً ومخصصاً لـ شفرة أوكام (Occam’s Razor) في ميدان علم النفس المقارن. فالقاعدة الفلسفية القديمة التي صاغها وليم الأوكامي في القرون الوسطى، والتي تنص على أن “الكثرات لا ينبغي أن تُفترض بغير ضرورة” (Pluralitas non est ponenda sine necessitate)، وجدت في صياغة مورغان تجلياً سيكولوجياً تطورياً يتعامل مع درجات التعقيد الذهني بدلاً من مجرد الكيانات الوجودية.
ومع ذلك، ينطوي قانون مورغان على بعد بيولوجي تطوري أعمق بكثير من شفرة أوكام المجردة؛ فالترتيب بين “الأدنى” و”الأعلى” عند مورغان لا ينبع من مجرد البساطة الرياضية أو الاقتصاد الفكري المجرد، بل يستند إلى شجرة التطور البيولوجي العضوي والوظيفي للجهاز العصبي. فالعمليات “الدنيا” هي تلك التي ظهرت في مراحل تطورية أقدم، وتشترك فيها طوائف واسعة من الكائنات الحية، وتمتلك أساساً فسيولوجياً عصبياً أكثر بدائية، بينما العمليات “العليا” تمثل مكتسبات حيوية متأخرة مقصورة على كائنات تمتلك أجهزة عصبية ومخية بالغة التعقيد، وفي مقدمتها الإنسان.
أثار هذا التأسيس جدلاً مستفيضاً حول ما إذا كان قانون مورغان يمثل مبدأً “أنطولوجياً” يقرر حقيقة الواقع وطبيعة العقل الحيواني، أم أنه مجرد “توجيه إجرائي ومنهجي” للباحثين. وقد حسم مورغان هذا الجدل بتأكيده على الطبيعة الإجرائية لقانونه؛ فالقانون لا يزعم الجزم بأن الحيوان لا يفكر تفكيراً مجرداً، بل يلزم العالم باتباع استراتيجية البحث الحذرة: البدء من أبسط الفرضيات الممكنة ومراكمة الأدلة قبل الانتقال إلى الفرضيات الأكثر تركيباً، صيانةً للعلم من الوقوع في فخ الأوهام الذاتية والتأويلات الإسقاطية.
3.3 تصنيف مستويات العمليات النفسية عند مورغان
من أجل إرساء أساس نظري واضح لتطبيق قانونه التوفيري، وضع مورغان مخططاً تدرجياً هرمياً دقيقاً للعمليات النفسية والسلوكية، يتيح للباحث تصنيف السلوك الملاحظ وتحديد مستواه الإبستمولوجي. ويمكن تلخيص هذا التدرج الهرمي في المستويات الآتية:
- الأفعال المنعكسة والغرائز الفطرية (Reflexes and Pure Instincts): استجابات عضوية فسيولوجية ثابتة وغير مشروطة، ومحددة جينياً سلفاً عبر الانتخاب الطبيعي. يؤديها الكائن الحي بشكل نمطي آلي وتلقائي عند مواجهة مثير بيئي محدد دون حاجة لأي تعلم مسبق أو خبرة فردية.
- التعلم الحسي-الحركي الذاتي (Sensory-Motor Learning): تعديل الكائن الحي لسلوكه عبر الخبرة المباشرة القائمة على المحاولة والخطأ؛ حيث ترتبط الإشارات الحسية للمواقف بنجاحات أو إخفاقات حركية سابقة تقترن بمشاعر اللذة أو الألم، مما يؤدي إلى تثبيت السلوك المفيد وإلغاء السلوك العقيم دون وعي بمبادئ الفعل.
- الإدراك الحسي الترابطي (Associative Perceptual Intelligence): القدرة على تشكيل صور حسية واستدعاء توقعات استباقية بناءً على اقتران تجارب سابقة، مما يسمح بحل مشكلات مألوفة تتطلب تكيفاً مرناً في إطار المثيرات البصرية والحسية المتاحة في المجال البيئي المباشر.
- المحاكمة العقلية والتفكير المفاهيمي المجرد (Rational Conceptual Reasoning): القدرة على تفكيك المشهد إلى علاقات مجردة، إدراك الروابط السببية المستقلة عن الإدراك الحسي المباشر، التخطيط الواعي المسبق عبر محاكاة ذهنية داخلية، واستخدام الرموز الفكرية، وهو المستوى الذي يرى مورغان أنه خاص بالإنسان، ونادراً جداً ما تظهر شواهده لدى غيره من الثدييات العليا.
وضع مورغان شروطاً إمبيريقية بالغة الصرامة للاعتراف بانتقال السلوك من مستوى الإدراك الحسي الترابطي إلى مستوى التفكير المجرد؛ ومن هذه الشروط عجز المحاكاة العشوائية أو الارتباط التدريجي عن تفسير سرعة ودقة الاستجابة، وظهور السلوك الصحيح فجأة في المرة الأولى دون مرحلة تدريبية سابقة للمحاولة والخطأ، إلى جانب إمكانية تعميم المبدأ على مواقف بيئية مختلفة بنيوياً ولا تشترك في نفس الخصائص الحسية الظاهرة.
4. التطبيقات التجريبية ومنهج المحاولة والخطأ
4.1 التجارب المعملية والميدانية على صغار الطيور
لتطبيق مبادئه النظرية تطبيقاً إمبيريقياً صارماً، ابتدر مورغان سلسلة من التجارب المخبرية الرائدة التي نُفذت في منزله ومختبره، مستخدماً بيئات محكمة لعزل المتغيرات البيئية؛ وكان تركيزه الأساسي منصباً على صغار الدواجن والطيور المائية مثل الكتاكيت، وفراخ البط والدراج حديثة الفقس في الحاضنات الصناعية، لضمان عدم تعرضها لأي تأثيرات تربوية أو تعليمية سابقة من أمهاتها.
كانت إحدى تجاربه الكلاسيكية تتمثل في مراقبة دقة سلوك نقر الحبوب؛ لاحظ مورغان أن الكتاكيت تبدأ في النقر بعد الفقس مباشرة بدافع غريزي كامل التكوين وراثياً، إلا أن دقة توجيه المنقار نحو الحبة الصغيرة والتقاطها بنجاح وابتلاعها كانت تتطلب فترة تمرين وجيزة تتراوح بين بضع ساعات إلى يومين. أثبتت هذه التجربة أن الغريزة تضع الهيكل الخام للحركة فقط، بينما يقوم “التعلم الحركي الفردي” بتهذيبها وصقلها بالتجربة المتكررة.
وفي تجربة أخرى ذات دلالة إبستمولوجية عميقة، قدم مورغان لكتاكيت عديمة الخبرة يرقات حشرات ملونة بألوان تحذيرية فاقعة، مثل يرقات عثة السينابار (Cinnabar moth) التي تتميز بخطوط سوداء وصفراء ولها مذاق مر للغاية ومثير للغثيان. هاجمت الكتاكيت هذه اليرقات بشراهة في المرة الأولى بدافع الفضول الغريزي، ولكن بمجرد التقاطها وتذوقها، قامت ببصقها بحركات تدل على الاشمئزاز، مثل مسح مناقيرها بالأرض. وعند تقديم نفس اليرقات بعد ساعات أو في اليوم التالي، كانت تقترب منها بحذر، ثم تتوقف تماماً عن نقرها، مكتفية بفحصها بصرياً.
دحضت هذه التجربة فرضية لامارك وداروين القائلة بـ “وراثة المعرفة المسبقة” حول الأطعمة السامة كأفكار فطرية مورثة؛ وبرهن مورغان على أن ما يُورث بيولوجياً ليس معرفة المذاق السيئ ليرقة معينة، بل “القابلية العصبية للتعلم السريع والارتباط بين المنبه البصري والمذاق الحسي غير المرغوب”. كانت النتيجة حاسمة: السلوك الظاهري الذي يبدو في غاية الحكمة والذكاء التكيفي ليس نتاجاً لتفكير تأملي، بل نتاج اقتران شرطي حسي-حركي ترسخ عبر تجربة مباشرة واحدة أو اثنتين.
4.2 سلوك حل المشكلات وتجربة الكلب والمزلاج
تُعد دراسة مورغان لحركات كلبه من فصيلة تيرييه (Fox Terrier)، المسمى “توني”، في فتح بوابة الحديقة المغلقة، النموذج المعياري الأكثر شهرة لدحض النزعة التجسيمية في تفسير سلوك حل المشكلات لدى الثدييات الأليفة. كانت الروايات التجسيمية السائدة تدعي أن الكلاب تفهم ميكانيكا الروافع وتدرك أن رفع المزلاج يؤدي إلى إطلاق طاقة الحركة لتحرير الباب؛ لكن مورغان اختار الملاحظة العلمية التراكمية لتفكيك كيفية وصول الكلب إلى هذا الإنجاز.
لاحظ مورغان أن الكلب توني، عندما كان يرغب في الخروج إلى الطريق، كان يقفز بعشوائية وعصبية شديدة على السور الخشبي، واضعاً رأسه بين الفجوات، دافعاً بجسده هنا وهناك بدافع الحرمان والتوتر الحركي. وخلال هذه المحاولات الفوضوية، تصادف أن وضع رقبته أسفل مقبض المزلاج ورفع رأسه للأعلى، فانزلق المزلاج الحديدي من مكانه وانفتحت البوابة وخرج الكلب متحمساً. لم يستنتج مورغان أن الكلب فهم آلية المزلاج، بل قرر إعادة التجربة وتوثيقها بدقة زمنية وحركية عبر سلسلة متتالية من الاختبارات اليومية.
أظهرت البيانات المسجلة أن الكلب في المرات التالية لم يذهب مباشرة إلى المزلاج لفتحه بهدوء كما يفعل الإنسان المفكر، بل أعاد تكرار العديد من الحركات الخاطئة السابقة، ولكن مع تناقص تدريجي طفيف في زمن المحاولات العبثية، وتركز تدريجي للجهد في المنطقة المحيطة بالمزلاج نتيجة لاقتران النجاح بتلك البقعة بالتحديد. ومع مرور الأيام، تلاشت الحركات الزائدة وغير الفعالة تدريجياً، حتى استقر النمط الحركي النهائي: وضع الرأس مباشرة تحت المزلاج ورفعه، وهو ما يعطي الانطباع للمشاهد العابر وغير المطلع بأن الكلب يمتلك “ذكاءً هندسياً”.
صاغ مورغان من خلال هذه الملاحظة المفهوم الأولي لـ “التعلم القائم على المحاولة والخطأ” (Trial and Error Learning)، معتبراً أن الكلب لم يكن لديه أي فهم لعلاقة السبب والنتيجة أو ميكانيكا الحركة، بل تشكل لديه مسار ارتباطي آلي يربط بين رؤية المزلاج، وحركة رفع الرأس، واستجابة انفتاح البوابة المعززة بالخروج. شكلت هذه التجربة ضربة قاصمة لقصص رومانيس الخيالية، ووضعت أساساً رصيناً لدراسة سلوك الحيوان الآلي والارتباطي.
4.3 الملاحظة المنظمة والتوثيق الكمي بديلاً عن الاستبطان
أدرك مورغان أن الثورة الحقيقية في علم النفس المقارن لا تكمن في المفاهيم النظرية وحدها، بل في تطوير أدوات الرصد المنهجي والتوثيق الكمي. ورفض رفضاً قاطعاً الاعتماد على “الاستبطان بالتناظر” (Introspection by Analogy)، وهو المنهج الذي كان الباحثون من خلاله يتخيلون ما يشعرون به لو كانوا مكان الحيوان، ثم ينسبون تلك المشاعر والأفكار للحيوان ذاته.
استبدل مورغان هذا الاستبطان الذاتي بإجراءات تسجيل موضوعية صارمة؛ فابتكر أساليب لقياس زمن الاستجابة (Latency)، وحساب عدد المحاولات الفاشلة قبل الوصول إلى الحل الناجح، ورسم المنحنيات التوضيحية لتراجع زمن الأداء بمرور التدريب. كان هذا القياس الكمي بمثابة الخطوة التأسيسية التي مهدت لتحويل السلوك إلى دالة رياضية قابلة للقياس الإحصائي، متجاوزاً بذلك السرد اللغوي الانطباعي الذي وسم كتابات القرن التاسع عشر.
علاوة على ذلك، فرض مورغان بروتوكولات صارمة للبيئة التجريبية: كضرورة إجراء الملاحظة في ظروف معزولة عن المشتتات، وتكرار التجربة على أفراد متعددين من نفس النوع لتجنب الاستثناءات الفردية، وتوثيق المتغيرات البيئية مثل درجات الحرارة، وحالة الشبع والجوع، والمحفزات المحيطة. فتحت هذه المعايير الباب على مصراعيه لإنشاء مختبرات علم النفس الحيواني المقننة في أوائل القرن العشرين، وجعلت من الملاحظة المنظمة معياراً لا يمكن تجاوزه في تقييم أي بحث في الإدراك الحيواني.
5. التمييز بين الغريزة والتعلم المكتسب
5.1 مفهوم السلوك الغريزي في كتاب العادة والغريزة (1896)
في عام 1896، ألقى لويد مورغان سلسلة محاضرات في معهد لويل في بوسطن وجامعة كولومبيا في نيويورك، ونشرها في نفس العام في مؤلفه المرجعي العادة والغريزة (Habit and Instinct). كان الهدف المركزي لهذا العمل هو فض الاشتباك النظري والمفاهيمي العميق الذي طالما خلط بين السلوكيات الفطرية الموروثة والسلوكيات المكتسبة عبر العادة والتعلم الفردي.
عرّف مورغان السلوك الغريزي تعريفاً بيولوجياً عصبياً دقيقاً، معتبراً إياه: مجموعة من الأفعال الحركية المعقدة والمنسقة عضوياً، التي تنبع من بنية الجهاز العصبي الموروثة بيولوجياً للنوع، والتي تؤديها الكائنات الحية دون حاجة إلى تدريب مسبق أو تقليد للمحيطين بها، ودون أن يكون لدى الكائن بالضرورة أي وعي بالغايات النهائية أو المقاصد البعيدة لتلك الأفعال. ورفض مورغان التصور الصوفي للغريزة بوصفها قوة غامضة أو بصيرة روحية خاصة حلت محل العقل لدى الحيوان.
شدد مورغان على الأساس الفسيولوجي للاستجابات الغريزية النمطية، مبيناً أنها ترتكز على مسارات عصبية انعكاسية متسلسلة؛ فالمثير الخارجي الأول يطلق فعلاً حركياً أولياً، وتؤدي التغذية الراجعة الحسية من هذا الفعل إلى إطلاق الفعل الحركي التالي في سلسلة ثابتة. بيد أن مورغان أوضح في الوقت نفسه نقطة الضعف القاتلة في السلوك الغريزي الخالص: وهي جموده التام وعجزه عن التكيف في مواجهة التغيرات البيئية المفاجئة وغير المعتادة. فالطائر الذي يبني عشه وفق برمجة غريزية صارمة سيستمر في نسج الأغصان حتى لو أزيلت قاعدة العش، مما يثبت الطبيعة الآلية العمياء لهذه الاستجابات المنسقة وراثياً.
5.2 التفاعل الديناميكي بين الطبيعة الفطرية والخبرة المكتسبة
لم يكن مورغان عالماً اختزالياً ساذجاً يرى الكائن الحي ككتلة من الغرائز الصماء، بل كان رائداً في فهم ما يُعرف اليوم بـ “التفاعل بين الطبيعة والتطبيع” (Nature versus Nurture). طرح مورغان رؤية متقدمة بيّن فيها أن السلوك الحيواني الواقعي ليس حاصلاً جمعياً بسيطاً للغريزة وحدها أو العادة وحدها، بل هو حاصل تداخل ديناميكي وتكاملي مستمر بين الركيزة الفطرية الخام والتعديل البيئي المكتسب.
أوضح مورغان أن الغريزة نادراً ما تبقى نقية تماماً طوال حياة الحيوان في بيئته الطبيعية؛ فمنذ اللحظات الأولى لخروج الكائن إلى العالم، تبدأ الخبرة الفردية والتعلم القائم على العادة في صقل تلك الغرائز، تعديل مساراتها، وتكييفها مع الظروف الحركية والمكانية المتغيرة. فالطائر يولد بغريزة الطيران، ولكن ضبط التوازن الهوائي، والتحكم في الهبوط عند اشتداد الرياح، واختيار مسارات الطيران الأكثر كفاءة هي كلها عادات تُكتسب عبر المران والمحاولة والخطأ في البيئة الحية.
وفي هذا السياق، خاض مورغان نقاشاً نقدياً حاداً ضد أطروحات الوراثة اللاماركية، التي كانت تفترض أن المهارات والعادات التي يكتسبها الكائن الحي خلال حياته الفردية يمكن أن تنطبع في المادة الوراثية وتنتقل مباشرة إلى نسله. اتخذ مورغان موقفاً حازماً يتسق مع أبحاث عالم الأحياء الألماني أوغست وايزمان ونظريته حول البلازما الجرثومية (Germ-plasm theory)؛ حيث أكد مورغان أن العادات المكتسبة لا تُورث بيولوجياً على الإطلاق، وأن ما يُورث هو فقط الاستعداد الفطري العصبي العام والقابلية للتعلم، مما وضع حداً حاسماً للخلط بين التاريخ التكاثري للنوع والتاريخ التعلمي للفرد.
5.3 المرونة التكيفية وأثرها على البقاء والانتخاب الطبيعي
قاد الفهم الدقيق للتعلم عند مورغان إلى المساهمة في حل واحدة من أعقد معضلات نظرية التطور بالانتخاب الطبيعي: كيف تستطيع الكائنات الحية البقاء على قيد الحياة عند تعرض بيئاتها لتغيرات جذرية مفاجئة، قبل أن تتوافر الطفرات الجينية المفيدة التي تحتاج لملايين السنين؟ كان هذا الطرح جوهر المساهمة التاريخية التي صاغها مورغان بشكل متزامن ومستقل مع كل من جيمس مارك بالدوين وهنري فيرفيلد أوزبورن في عام 1896، والتي عُرفت لاحقاً في علم الأحياء التطوري باسم تأثير بالدوين (The Baldwin Effect) أو “التكيف العضوي” (Organic Selection).
وفقاً لرؤية مورغان، فإن الكائنات الحية التي تمتلك قدراً من المرونة السلوكية والقدرة على التعلم واكتساب عادات جديدة، تستطيع التكيف سلوكياً مع الشروط البيئية القاسية أو المتغيرة حديثاً. وهذا التكيف الفردي الفوري لا يغير الجينات بشكل مباشر كما زعم لامارك، ولكنه يحفظ حياة الأفراد ويبقيهم على قيد الحياة عبر التكيف السلوكي، مانحاً النوع الحزام الزمني الضروري لانتظار ظهور وتراكم التغيرات الوراثية العشوائية التي تعزز هذا التكيف وتثبته وراثياً بمرور الأجيال.
وبذلك، وضع مورغان جسراً متيناً ربط بين علم النفس التجريبي والبيولوجيا التطورية؛ فالقدرة على التعلم والمرونة الذهنية ليستا مجرد ترف فكري أو مظاهر جانبية للحياة العضوية، بل هما قوتان حاسمتان توجهان مسار الانتخاب الطبيعي ذاته. جعل هذا التفسير من العقل والسلوك عناصر فاعلة وإيجابية في المسار التطوري، وليس مجرد انعكاسات سلبية ساكنة للبنى المورفولوجية الجسدية، وهو ما منح علم النفس المقارن وزناً استراتيجياً هائلاً في المنظومة العلمية التطورية ككل.
6. فلسفة التطور الانبثاقي (Emergent Evolution)
6.1 الأسس المعرفية لمحاضرات جيفورد (1922–1923)
في خريف مسيرته العلمية والأكاديمية، دُعي لويد مورغان لإلقاء محاضرات جيفورد (Gifford Lectures) المرموقة في جامعة سانت أندروز في اسكتلندا لعامي 1922 و1923. كانت هذه المحاضرات تمثل المنصة الأرفع في العالم الناطق بالإنجليزية لبحث المسائل الكبرى في اللاهوت الطبيعي، وفلسفة العلم، والميتافيزيقا؛ واغتنم مورغان هذه الفرصة لتقديم أطروحته الفلسفية الناضجة والمعقدة المعروفة بـ التطور الانبثاقي (Emergent Evolution)، والتي طُبعت لاحقاً في كتابين شهيرين: التطور الانبثاقي (1923) والحياة والعقل والروح (Life, Mind, and Spirit، 1926).
انطلق مورغان في محاضراته من محاولة شجاعة لتجاوز الصراع الفكري المحتدم في الربع الأول من القرن العشرين بين تيارين فلسفيين متناقضين: المادية الآلية الاختزالية (Mechanistic Reductionism) التي سعت لرد كافة ظواهر الكون، بما فيها الحياة والوعي، إلى مجرد حركات وتصادمات ذرية وكيميائية عمياء، والمثالية الحيوية الغائية (Vitalism) التي افترضت وجود قوى روحية أو طاقات حيوية خارقة للطبيعة (كالـ élan vital عند هنري برغسون) لتفسير نشأة الحياة وتطورها.
رفض مورغان كلا الموقفين؛ معتبراً أن الاختزالية المادية تجرد الكون من ثرائه الحقيقي وتفشل في تفسير الجدة النوعية، بينما النزعة الحيوية تستسلم للغموض وتخرج عن إطار العلم المنهجي الرصين. وسعى بدلاً من ذلك إلى صياغة نظام ميتافيزيقي شامل يتوافق توافقاً تاماً مع أحدث معطيات العلوم الطبيعية والتجريبية، مع الإقرار في الوقت نفسه بأن التطور الكوني ليس مجرد تكرار آلي متطابق للماضي، بل هو عملية إبداعية مستمرة تنتج مستويات جديدة من الوجود تمتلك قوانينها الخاصة وغير القابلة للاختزال التام لما قبلها.
6.2 مفهوم الانبثاق والخصائص الكيفية غير القابلة للاختزال
صاغ مورغان مفهوم “الانبثاق” بالاستناد إلى التمييز الذي وضعه الفيلسوف الإنجليزي جورج هنري لويس (George Henry Lewes) بين نوعين من النواتج التطورية: النواتج المحصلة أو الحسابية (Resultants)، والخواص الانبثاقية الحقيقية (Emergents). والفرق بينهما جوهري في إبستمولوجيا العلوم الطبيعية:
- النواتج المحصلة (Resultants): هي الخصائص التي يمكن التنبؤ بها وحسابها مسبقاً وبدقة من خلال الجمع الحسابي لخصائص الأجزاء المنفردة؛ مثل وزن جسم مركب ناتج عن جمع أوزان عناصره، أو محصلة القوى الميكانيكية المتجهة. تخضع هذه النواتج لمبدأ الاستمرارية الحسابية ولا تقدم أي جديد نوعي في طبيعة الواقع.
- الخواص الانبثاقية (Emergents): هي السمات الكيفية والنوعية الجديدة كلياً، التي تظهر عند تجمع عناصر معينة في مستوى تنظيمي جديد من التعقيد، والتي يستحيل التنبؤ بها مسبقاً بمجرد دراسة خصائص العناصر المكونة لها وهي في حالة انفصال؛ وأشهر الأمثلة الكلاسيكية على ذلك هو جزيء الماء (H2O)، فخصائص الماء السائل وخصائص الرطوبة وإطفاء النيران لا يمكن استنتاجها من الخصائص المنفردة لغاز الهيدروجين سريع الاشتعال وغاز الأكسجين المساعد على الاحتراق.
طبق مورغان هذا المبدأ على التاريخ التطوري للكون، مقدماً نموذجاً هرمياً ثلاثي الأبعاد لصعود الوجود: يبدأ من مستوى المادة والفيزياء والكيمياء (Matter)، ثم ينبثق مستوى الحياة والتنظيم البيولوجي (Life) الذي لا يمكن اختزاله في الكيمياء البحتة رغم اعتماده عليها، ثم ينبثق مستوى العقل والوعي السيكولوجي (Mind) الذي يمتلك خصائص نوعية تتجاوز الفسيولوجيا العصبية المجردة. أكد مورغان في هذا الإطار على المبدأ الفلسفي القائل بأن “الكل يتجاوز مجرد مجموع أجزائه”، مؤسساً بذلك لتيار فلسفي وعلمي وازن يُعرف اليوم في نظرية النظم والعلوم المعرفية بـ “الانبثاقية القوية” (Strong Emergence).
6.3 التوفيق بين التفسير السببي العلمي والغائية الكونية
لم يكتفِ مورغان بالتحليل الطبيعي للانبثاق، بل وسع أفقه ليشمل البعد الفلسفي الميتافيزيقي للصيرورة الكونية؛ وطرح إشكالية العلاقة بين السببية الفيزيائية الطبيعية المستمرة عبر الزمان، والغائية الكلية التي تعطي للكون اتجاهه ومعناه التراكمي. ميز مورغان بحرص بين مجالين متمايزين من التفسير المعرفي:
المجال الأول هو مجال التفسير العلمي الوضفي (Scientific Description)؛ وهو معني برصد الشروط البيئية والفيزيائية والبيولوجية التي تترافق مع ظهور كل مستوى انبثاقي جديد. هذا المسار يخضع لقوانين الحتمية والسببية المادية الطبيعية، وتلك هي وظيفة العالم التجريبي التي لا ينبغي خلطها بأي افتراضات ميتافيزيقية. أما المجال الثاني فهو مجال التفسير الفلسفي الكلي (Philosophical Explanation)؛ وهو يطرح السؤال الجذري: لماذا يتجه الكون نحو مزيد من التعقيد والتنظيم والوعي بدلاً من الركود أو التفكك الإنتروبي التام؟
وهنا، أدخل مورغان مفهوم “النشاط الإلهي الفاعل” (Activity or God)، لا بوصفه صانعاً يتدخل من الخارج لخرق القوانين الطبيعية، بل كحضور كلي ومحايث (Immanent) يوجه العملية الانبثاقية التطورية من الداخل ويدفعها نحو تحقيق مراتب أسمى من الوعي والروحانية. كان هذا التصور متناغماً مع الفلسفة الواقعية البريطانية في تلك الحقبة، وتحديداً مع أفكار صامويل ألكسندر (Samuel Alexander) في كتابه الفضاء والزمن والإله. وقد ترك هذا الطرح الانبثاقي أثراً عميقاً في فلاسفة العملية مثل ألفريد نورث وايتهيد، مبرهناً على أن نزعة مورغان التجريبية الحذرة لم تكن مانعاً له من الانفتاح على أرحب الرؤى الكونية الشاملة.
7. تحليل المؤلفات والكتب الكبرى لسي. لويد مورغان
7.1 كتاب مقدمة في علم النفس المقارن (1894)
يعد كتاب مقدمة في علم النفس المقارن (An Introduction to Comparative Psychology)، المنشور في لندن عام 1894، المنشور التأسيسي الذي رسم الخط الفاصل بين مرحلتين تاريخيتين في دراسة العقل والسلوك. يتألف الكتاب من فصول متسلسلة بدقة هندسية، يبدؤها مورغان بمسح شامل للمشكلات الإبستمولوجية المتعلقة بإدراك الكائنات الحية لذواتها ومحيطها، مشدداً على أن دراسة عقل الحيوان لا يمكن أن تتم إلا من خلال الاستدلال غير المباشر المستند إلى السلوك الخارجي القابل للملاحظة.
تحتوي الفصول المحورية من الكتاب على نقد منهجي موسع للأدلة السمعية والحكايات غير الموثقة، حيث استعرض مورغان بالتفصيل تجاربه على الاستجابات البصرية والحركية، مبيناً الفارق الجوهري بين “الإدراك الحسي للأشياء” (Perception of Objects) و”المحاكمة العقلية المجردة للعلاقات” (Conception of Relations). وأثبت مورغان أن الغالبية الساحقة من السلوكيات التي كان يُعتقد أنها تدل على فهم الحيوان للعلاقات الفيزيائية والمنطقية ليست في الحقيقة سوى إدراكات حسية مباشرة تدرب الحيوان على الاستجابة لها بتواتر حركي بسيط.
تضمن هذا الكتاب الصياغة التاريخية لقانون مورغان، مع تحليل مفاهيمي معمق لشروطه وتطبيقاته، مما جعل منه المرجع القياسي الأول لكل مختبر أو باحث انشغل بالمسألة السلوكية في مطلع القرن العشرين. تميز أسلوب الكتاب باللغة الأكاديمية الرصينة، والجمع بين النماذج الرياضية المبكرة والرسومات البيانية التوضيحية لتغير أزمنة الاستجابة، مما أرسى تقاليد النشر العلمي المعاصر في السيكولوجيا التجريبية وقطع دابر الروايات الأدبية في هذا الميدان بشكل نهائي.
7.2 كتاب العادة والغريزة (1896) وكتاب سلوك الحيوان (1900)
في كتابه العادة والغريزة (Habit and Instinct، 1896)، انتقل مورغان من التنظير الإبستمولوجي العام إلى التشريح التجريبي الدقيق لظواهر التطور النمائي لدى الأفراد. خصص الكتاب لدراسة الكيفية التي تتبلور بها السلوكيات في المراحل العمرية المبكرة جداً، مستعرضاً مئات التجارب على الدواجن، والطيور المائية، والثدييات الصغيرة. كان الكتاب بمثابة البيان الختامي الذي أسقط الفكرة القائلة بأن الغريزة معرفة مسبقة كاملة، مبيناً أنها مجرد أطر حركية عصبية بحاجة ماسة للتطبيع عبر العادة.
أما في كتابه التالي سلوك الحيوان (Animal Behaviour)، المنشور عام 1900، فقد وسع مورغان مجاله المعرفي ليدمج بين علم وظائف الأعضاء، وعلم الأحياء المقارن، وعلم النفس في منظومة واحدة. طرح الكتاب مسحاً شاملاً لأنماط السلوك عبر المملكة الحيوانية، بدءاً من حركات الكائنات أحادية الخلية البدائية مثل الأميبا (التي بين أنها استجابات توجه كيميائي وفيزيائي بحت لا تستدعي وعياً)، صعوداً إلى سلوكيات الحشرات الاجتماعية المعقدة مثل النمل والنحل، وصولاً إلى الرئيسيات والثدييات الراقية.
تكمن الأهمية المعجمية لكتاب سلوك الحيوان في أنه رسخ المعجم المصطلحي لعلم النفس المقارن الحديث؛ فميز بشكل قاطع ودقيق بين مصطلحات مثل: الاستجابة الانعكاسية (Reflex)، النشاط الغريزي (Instinctive Activity)، الارتباط الذاتي المكتسب (Acquired Association)، التمييز الإدراكي (Perceptual Discrimination)، والتفكير العقلي (Intellectual Thought). أصبح هذا المعجم بمثابة اللغة المشتركة التي تفاهم بها علماء البيولوجيا وعلماء النفس عبر جانبي المحيط الأطلسي طوال النصف الأول من القرن العشرين.
7.3 سلسلة التطور الانبثاقي وكتاب الحياة والعقل والروح (1923–1926)
تمثل المؤلفات المتأخرة لمورغان، وعلى رأسها كتابه التطور الانبثاقي (1923) وكتابه الحياة والعقل والروح (1926)، تتويجاً لمسار رجل علم كرّس شيخوخته للتأمل الفلسفي الميتافيزيقي. تميزت هذه المؤلفات بنبرة فلسفية عميقة تبتعد عن لغة المختبرات المباشرة لتخوض في بنية الوجود والمعرفة الكونية. لم تكن هذه الأعمال تراجعاً عن مواقفه التجريبية السابقة، بل كانت محاولة لإيجاد الأساس الأنطولوجي الذي يستوعب علمه التجريبي دون اختزاله أو تجريده من معناه الإنساني.
شرح مورغان في هذه السلسلة البنية الهرمية الصاعدة للكون؛ حيث رأى أن الواقع مبني في صورة هرم يتصاعد من قاعدة واسعة تشمل الأحداث الفيزيائية-المكانية والزمانية، وتنبثق منها المادة الكيميائية، ومن ثم تنبثق الحياة البيولوجية بخصائص تنظيمية فريدة، ومن الحياة ينبثق العقل بوعيه الذاتي وإدراكه للقيم، وفي قمة هذا الهرم تنبثق الروح (Spirit) التي تدرك الغايات الأخلاقية والميتافيزيقية وتتواصل مع المبدأ الإلهي الكلي الموجه للوجود.
استقبل المجتمع الفلسفي البريطاني والأمريكي هذه الأعمال المتأخرة بحفاوة بالغة في الأوساط الواقعية والظاهراتية، في حين استقبلتها بعض الأوساط العلمية السلوكية الناشئة بنوع من التحفظ، معتبرين أن مورغان الشيخ قد انحرف عن صرامته الوضعية لصالح الميتافيزيقا التأملية. غير أن المراجعات الفلسفية المعاصرة تعيد قراءة هذه الأعمال اليوم بوصفها محاولة نادرة واستشرافية مبكرة لتأسيس فلسفة عقل طبيعية وغير اختزالية، قادرة على الصمود في وجه التطرف الفيزيائي والتطرف المثالي على حد سواء.
8. التأثير التأسيسي في المدرسة السلوكية وروادها
8.1 التأثير المباشر على إدوارد ثورندايك وقانون الأثر
يعد عالم النفس الأمريكي الشهير إدوارد لي ثورندايك (Edward L. Thorndike) الوريث المباشر والأبرز للمنهج التجريبي الذي أسسه لويد مورغان. فقد قرأ ثورندايك أعمال مورغان بنهم خلال دراسته في جامعة هارفارد تحت إشراف ويليام جيمس، وتأثر تأثراً عميقاً بنقد مورغان للمنهج القصصي وبتجربته حول الكلب والمزلاج؛ مما دفعه إلى نقل هذا النموذج المنهجي من الملاحظة الحقلية وشبه المخبرية إلى أقصى درجات الضبط والتقنين المخبري في جامعة كولومبيا.
صمم ثورندايك “صناديق الألغاز” (Puzzle Boxes) الشهيرة لدراسة سلوك القطط والكلاب الجائعة أثناء محاولتها الخروج للحصول على الطعام. واستنسخ ثورندايك حرفياً نموذج مورغان في “المحاولة والخطأ”، لكنه صاغه في قالب تجريبي كمي دقيق للغاية، مدوناً منحنيات زمن التعلم خطوة بخطوة. أدت هذه الأبحاث إلى صياغة ثورندايك لأطروحته للدكتوراه عام 1898، التي تضمنت القانون الأساسي في علم النفس التربوي والسلوكي: قانون الأثر (Law of Effect).
ينص قانون الأثر على أن الاستجابات التي تعقبها نتائج سارة ومجزية للحيوان تميل إلى التكرار والترسخ، في حين أن الاستجابات التي تعقبها نتائج غير مريحة أو محبطة تضعف وتتلاشى تدريجياً. لم يكن هذا القانون في جوهره سوى الصياغة الفسيولوجية والرياضية المباشرة للمبادئ التي رصدها مورغان تجريبياً على كتاكيته وكلبه. وبفضل تبني ثورندايك لمنهج مورغان، أصبح القياس الكمي للسلوك الحيواني في البيئات الاصطناعية المعيار الذهبي للبحث النفسي في جميع الجامعات الأمريكية لعقود طويلة.
8.2 إلهام جون واطسون ومشروع السلوكية الراديكالية
امتد تأثير مورغان التأسيسي ليصل إلى المهندس الحقيقي للمدرسة السلوكية الأمريكية، جون برودوس واطسون (John B. Watson)، الذي أعلن في بيانه الشهير عام 1913 (“علم النفس كما يراه السلوكي”) ولادة السلوكية بوصفها علماً طبيعياً موضوعياً يرفض الاستبطان جملة وتفصيلاً. وجد واطسون في “قانون مورغان” التوفيري السلاح الإبستمولوجي الأمضى لتطهير علم النفس من المفاهيم “الميتافيزيقية” الغائمة مثل: الشعور، والوعي، والإرادة، والصور الذهنية الباطنية.
استلهم واطسون دعوة مورغان إلى تفسير السلوك عبر أدنى العمليات الممكنة، لكنه أخذ هذا المبدأ إلى مداه الأقصى المتطرف؛ فإذا كان مورغان يطالب بالحذر المنهجي في نسبة العمليات العقلية العليا للحيوان، فإن واطسون قرر إلغاء دراسة العمليات العقلية برمتها—حتى لدى الإنسان—وقصر علم النفس على الملاحظة الخارجية المباشرة للمثيرات البيئية (Stimuli) والاستجابات العضلية والفسيولوجية المقاسة (Responses).
تحول قانون مورغان في أيدي السلوكيين الأمريكيين من مجرد قاعدة توجيهية حذرة تهدف إلى منع النزعة التجسيمية غير المثبتة، إلى مبدأ أيديولوجي ينكر تماماً وجود أي حياة نفسية داخلية مستقلة. وقد اعترف واطسون في كتاباته بفضل مورغان وأبحاثه على الطيور والثدييات في إثبات إمكانية بناء سيكولوجيا كاملة ومثمرة دون الحاجة لاستنطاق الوعي الداخلي أو الاعتماد على التخمينات الفلسفية الاستبطانية.
8.3 الموقف النقدي لمورغان من الاختزالية السلوكية المفرطة
على الرغم من أن السلوكيين رفعوا راية قانون مورغان عالياً واعتبروه والدهم الروحي، إلا أن مورغان نفسه راقب صعود السلوكية الراديكالية بنوع من القلق والرفض المنهجي الصريح. ففي كتاباته اللاحقة ومقالاته الفلسفية في العشرينيات، أوضح مورغان بجلاء أنه لم يكن أبداً “سلوكياً” بالمعنى الواطسوني الاختزالي، وأن مشروعه العلمي فُهم على نحو مبتور ومشوه من قِبل رواد السلوكية الأمريكية.
أكد مورغان أنه لم يسعَ قط إلى إنكار وجود الوعي أو الخبرة الذاتية الواعية (Subjective Conscious Experience)، بل كان يرى أن الوعي حقيقة بيولوجية ونفسية مؤكدة لا يمكن للباحث العلمي أن يتجاهلها. كان هدفه الأساسي هو “ضبط المنهج الاستدلالي” الذي نصل به إلى معرفة هذا الوعي لدى غيرنا من الكائنات، وليس إعدام الوعي من الوجود. ورأى أن اختزال الكائن الحي في مجرد آلة استجابة ميكانيكية صماء (Mechanical Automaton) أو نظام بيولوجي سلبي يخضع للمثيرات الخارجية فقط، هو خطأ إبستمولوجي فادح لا يقل خطورة عن خطأ النزعة التجسيمية التي حاربها طوال حياته.
شدد مورغان على أن قانونه التوفيري كان ينص على عدم افتراض عمليات نفسية أعلى إذا أمكن التفسير بعمليات أدنى، لكنه يوجب في الوقت نفسه الانتقال إلى العمليات العليا متى ما توفرت الشواهد التجريبية الكافية. واعتبر أن رفض السلوكيين المطبق لمفاهيم الغائية، والمعنى، والنشاط الذهني الذاتي يمثل اختزالاً ميكانيكياً فجاً يتعارض مع مفهومه العميق حول “التطور الانبثاقي”، حيث تظهر في مستويات التطور العليا خصائص نوعية تتجاوز الآلية الفزيائية البسيطة ولا يمكن إنكارها باسم الموضوعية الصورية.
9. المسيرة الأكاديمية والقيادة المؤسسية في جامعة بريستول
9.1 القيادة الأكاديمية وتأسيس جامعة بريستول
ارتبط الجزء الأعظم من الحياة المهنية والأكاديمية لسي. لويد مورغان بمدينة بريستول ومؤسستها الجامعية العريقة. ففي عام 1884، عُيّن مورغان أستاذاً لعلم الجيولوجيا وعلم الحيوان في الكلية الجامعية ببريستول، ولم يلبث أن أثبت كفاءة إدارية واستراتيجية استثنائية دفعت مجلس الكلية إلى اختياره مديراً ورئيساً للكلية (Principal) في عام 1887، وهو المنصب الذي شغله لأكثر من عقدين متتاليين من البناء المؤسسي الشاق والمضني.
قاد مورغان خلال فترة إدارته جهوداً مضنية لتحويل الكلية الإقليمية الصغيرة المتعثرة مالياً إلى صرح جامعي مستقل ذي معايير أكاديمية دولية. واجه مورغان تحديات مالية وتنظيمية هائلة في العصر الفيكتوري المتأخر، ونجح عبر نسج علاقات وثيقة مع العائلات الصناعية الكبرى في المدينة (وعلى رأسها عائلة ويلز W.D. & H.O. Wills الشهيرة في صناعة التبغ) في جمع التبرعات الوقفية الضخمة اللازمة لتوسيع الحرم الجامعي وتشييد المختبرات العلمية الحديثة.
توجت هذه الجهود الجبارة في عام 1909 حينما نالت الكلية الميثاق الملكي البريطاني السامي لتتحول رسمياً إلى جامعة بريستول المستقلة. وتقديراً لدوره المحوري والقيادي كمهندس حقيقي لهذا الإنجاز التاريخي، اختير سي. لويد مورغان كأول نائب لرئيس جامعة بريستول (First Vice-Chancellor of the University of Bristol). وعلى الرغم من أنه آثر التنحي عن هذا المنصب التنفيذي الرفيع بعد فترة وجيزة للعودة إلى بحوثه الفلسفية والنفسية، إلا أنه ظل يشغل كرسي أستاذية علم النفس والأخلاق في الجامعة حتى تقاعده، تاركاً بصمة مؤسسية لا تزال حاضرة في تقاليد الجامعة حتى اليوم.
9.2 التكريم والاعتراف المؤسسي في الأوساط العلمية البريطانية
نال لويد مورغان خلال مسيرته العلمية أرفع مظاهر التكريم والاعتراف الأكاديمي من كبرى المؤسسات العلمية في بريطانيا والعالم؛ وكان الحدث الأبرز في هذا السياق هو انتخابه في عام 1899 زميلاً لـ الجمعية الملكية البريطانية (Fellow of the Royal Society – FRS)، وهو أسمى وسام وتكريم علمي يمكن أن يحصل عليه عالم طبيعي في الإمبراطورية البريطانية. وجاء هذا الانتخاب تقديراً لأبحاثه المبتكرة في دراسة سلوك الحيوان وتأسيس المنهجية التجريبية في علم النفس المقارن.
علاوة على ذلك، كان مورغان شخصية محورية وفاعلة في إدارة وتوجيه كبرى الجمعيات الفكرية والفلسفية في المملكة المتحدة؛ حيث انتُخب رئيساً للجمعية الأرسطية (Aristotelian Society) المرموقة، ورئيساً لقسم علم النفس في الرابطة البريطانية لتقدم العلوم (British Association for the Advancement of Science). كما مُنح شهادات الدكتوراه الفخرية في العلوم والآداب من جامعات عريقة، تقديراً لجهوده التي لم تتوقف عند إنتاج المعرفة المتخصصة، بل امتدت لبناء برامج ومناهج أكاديمية رائدة جمعت بين العلوم البيولوجية الصرفة والعلوم السلوكية والإنسانية.
شارك مورغان بنشاط فاعل في تحرير المجلات العلمية الفلسفية الرائدة مثل مجلة Mind ومجلة The Monist، وكانت أوراقه البحثية تمثل أحداثاً فكرية بارزة تستقطب كبار الفلاسفة وعلماء الطبيعة. وقد تميز حضوره في تلك المحافل بالدماثة الأكاديمية العالية، والابتعاد عن السجالات الشخصية العنيفة، والحرص الدائم على التقريب بين وجهات النظر المتباينة من خلال التركيز على التدقيق الدلالي والمفاهيمي للألفاظ والقضايا المطروحة للنقاش.
9.3 تقاعده وسنوات النشاط الفكري الأخيرة حتى عام 1936
تقاعد لويد مورغان من عمله الجامعي الرسمي في جامعة بريستول عام 1919، بعد أكثر من ثلاثة عقود ونصف من الخدمة التدريسية والإدارية والبحثية المستمرة. غير أن التقاعد لم يكن بالنسبة له بداية للركود أو الانسحاب من المشهد العلمي، بل شكل نقطة انطلاق جديدة كرس فيها وقته وجهده الكاملين للتأليف الفلسفي المتعمق والمراجعة الشاملة لمسيرته الفكرية المديدة.
استقر مورغان في سنواته الأخيرة في بلدة هاستنغز الساحلية في مقاطعة ساسكس، واستمر في استقبال العلماء الشبان والرد على مراسلات الباحثين من مختلف أنحاء العالم، مناقشاً الأطروحات الجديدة في فيزياء الكم الناشئة ونظريات النسبية لآينشتاين، محاولاً دمج هذه التطورات الفيزيائية الثورية في منظومته حول التطور الانبثاقي. وشارك في ندوات الجمعية الأرسطية حتى أواخر السبعينيات من عمره، مبدياً يقظة ذهنية لافتة وقدرة نادرة على مواكبة التحولات المعرفية المعاصرة.
وفي السادس من مارس عام 1936، وافته المنية في هاستنغز عن عمر ناهز الرابعة والثمانين عاماً، بعد حياة حافلة بالإنتاج الفكري والعلمي الرصين. نعته الأوساط الأكاديمية البريطانية والأمريكية بوصفه “الرجل الذي جعل من علم النفس المقارن علماً”، وأشادت به المجلات العلمية الكبرى كعالم موسوعي جمع بين عبقرية الجيولوجي الميداني، ودقة عالم الحيوان المخبري، وعمق الفيلسوف المتأمل، تاركاً إرثاً فكرياً ومؤسسياً أسهم مساهمة جوهرية في تشكيل معالم العلوم المعرفية والسلوكية الحديثة.
10. المناقشات النقدية والتقييم الإبستمولوجي المعاصر لقانون مورغان
10.1 الانتقادات الموجهة لمبدأ التوفير التفسيري في أبحاث الإدراك
على الرغم من المكانة المعيارية الراسخة التي حظي بها قانون مورغان لأكثر من قرن من الزمان، إلا أن الفلسفة المعاصرة للعلوم وأبحاث الإدراك المتقدمة لم تعفِ هذا المبدأ من النقد والمراجعة الإبستمولوجية الحادة. تركزت أولى هذه الانتقادات على أن الإفراط في تطبيق مبدأ التوفير قد يوقع الباحث في فخ “الخطأ المعاكس” المتمثل في التبسيط المخل والمفرط للظواهر الحيوية المعقدة (Over-simplification)، وهو ما يُعرف في فلسفة العلم بالنزعة الاختزالية الزائفة.
يشير النقاد المعاصرون إلى وجود صعوبة إبستمولوجية بالغة في تعريف ما يشكل “عملية عقلية دنيا” في مقابل “عملية عقلية عليا” على نحو موضوعي وقاطع. ففي كثير من الأحيان، قد يتطلب تفسير سلوك معقد عبر سلسلة طويلة ومتداخلة من الارتباطات الشرطية والمحاولات العشوائية افتراض آليات عصبية وحسابية بالغة التعقيد والاضطراب، بينما يكون التفسير القائم على افتراض تمثيل ذهني واعٍ أو “خريطة معرفية” بسيطة أكثر بساطة واقتصاداً من الناحية المنطقية والحسابية، مما يضع مفهوم “البساطة والتوفير” ذاته موضع تساؤل جذري.
وقد تجلى هذا المأزق بوضوح عند دراسة سلوكيات الثدييات العليا، ولا سيما الرئيسيات كالقردة العليا والدلافين. فأبحاث حل المشكلات التبصري (Insightful Problem Solving)، والقدرة على استخدام الأدوات وتصنيعها، واختبارات الوعي بالذات أمام المرآة، أظهرت أن محاولة تفسير هذه السلوكيات عبر المحاولة والخطأ الحركية البحتة لقانون مورغان تبدو متكلفة للغاية وتتعارض مع السياق البيولوجي والتطوري لتلك الكائنات التي تمتلك أدمغة متطورة شبيهة تشريحياً بدماغ الإنسان، مما يجعل التوفير التفسيري الصارم عائقاً أمام رؤية القدرات الحقيقية للحيوان بدلاً من أن يكون ضمانة للموضوعية.
10.2 إعادة تقييم القانون في ضوء علم الإيثولوجيا وعلم الأحياء الاجتماعي
مع ظهور علم الإيثولوجيا (Ethology) الكلاسيكي في منتصف القرن العشرين على يد كونراد لورنتس ونيكولاوس تينبرغن، تعرض قانون مورغان لمراجعة بيولوجية جديدة. فقد انتقد علماء الإيثولوجيا اعتماد مورغان وتلاميذه السلوكيين شبه المطلق على البيئات المخبرية الاصطناعية (كالصناديق والأقفاص الضيقة)، معتبرين أن عزل الحيوان عن بيئته الطبيعية المحفزة يجرده من ذخيرة استجاباته التكيفية المعقدة ويدفعه دفعاً نحو ممارسة حركات عشوائية تبدو للمراقب كأنها مجرد محاولة وخطأ ميكانيكية.
أثبتت الملاحظات الميدانية للإيثولوجيا، وتبعتها في ذلك أبحاث علم الأحياء الاجتماعي (Sociobiology) وعلم البيئة السلوكي، أن الحيوانات في بيئاتها الطبيعية تبدي سلوكيات اجتماعية بالغة الدقة والتنسيق، مثل الخداع التكتيكي، والتحالفات السياسية، والتعلم الثقافي عبر الأجيال، والتواصل التحذيري المعقد. وهذه السلوكيات لا يمكن اختزالها في مجرد ردود أفعال انعكاسية أو ترابطات حسية بسيطة كما كان يقتضي الفهم الضيق لقانون التوفير المورغاني.
ومع ذلك، لم تؤدِ هذه المراجعات إلى هدم قانون مورغان، بل إلى إعادة توجيهه وتجديده؛ حيث يرى الباحثون اليوم ضرورة المواءمة بين صرامة مورغان المنهجية الرافضة للتجسيم الساذج، وبين القبول التبادلي بالقدرات الإدراكية المتطورة للحيوانات متى ما فُحصت تلك القدرات في بيئاتها الطبيعية التي تطورت فيها. أصبح المطلوب ليس إنكار الذكاء الحيواني باسم التوفير، بل تصميم تجارب ذكية تراعي “العالم الخاص للكائن” (Umwelt) وتفحص فرضيته بأدوات موضوعية صارمة تتجنب الأحكام المسبقة.
10.3 النقاشات الإبستمولوجية المعاصرة حول الوعي الحيواني
في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين، فجر عالم الحيوان الأمريكي دونالد غريفين (Donald Griffin) ثورة فكرية كبرى بتأسيسه لما بات يعرف بـ “علم الإيثولوجيا المعرفي” (Cognitive Ethology)، داعياً بشكل صريح إلى دراسة الوعي، والأفكار، والمشاعر الذاتية لدى الحيوانات دون مواربة. وقد وضع غريفين قانون مورغان في قفص الاتهام المباشر، معتبراً أن الاستخدام المتعسف لهذا القانون على مدار عقود تحول إلى “ستار حديدي” أعاق التطور الطبيعي لدراسات الوعي المقارن ورسخ نوعاً من الإنكار المنهجي للعقل الحيواني.
اشتعل السجال الإبستمولوجي بين أنصار غريفين من جهة، والمدافعين عن الأرثوذكسية المنهجية لمورغان من جهة أخرى؛ وقد جادل الفلاسفة المعاصرون، مثل إليوت سوبر (Elliott Sober)، بأن قانون مورغان لا يزال يمثل الحصن المنيع الأخير ضد انزلاق العلم إلى فخ التمني وإسقاط المشاعر الإنسانية الذاتية. وبيّن سوبر أن التخلي عن مبدأ التوفير التفسيري سيفتح الباب على مصراعيه لعودة الخرافات وتفسير تصرفات الحشرات والزواحف بنوايا أخلاقية وتأملات فلسفية واهية لا يمكن إثباتها أو نقضها تجريبياً.
استقر الرأي المعاصر في الأوساط المعرفية على أن المشكلة لم تكن قط في قانون مورغان في ذاته كما صاغه الرجل عام 1894، بل في النزعة العقائدية التي طُبق بها في العصور اللاحقة؛ فالقانون يجب ألا يُفهم كحاجز دوغمائي يمنع اكتشاف الوعي والذكاء لدى الكائنات الحية، بل كضابط إجرائي تحذيري يضمن أن تكون كل خطوة نخطوها نحو الاعتراف بالقدرات العليا مدعومة بشواهد إمبيريقية متماسكة وتجارب محكمة الاستبعاد، مما يجعل من مورغان رائداً حقيقياً للشك المنهجي الإيجابي في العلوم الحيوية المعاصرة.
11. مقارنة منهجية بين سي. لويد مورغان ومعاصريه من الرواد
11.1 سي. لويد مورغان مقابل جورج رومانيس: القطيعة الإبستمولوجية
تمثل المقارنة بين سي. لويد مورغان وجورج جون رومانيس التجسيد الأوضح للصراع بين نموذجين إبستمولوجيين مختلفين تماماً في تاريخ علم النفس المقارن؛ فرغم أن الرجلين انطلقا من نفس الأرضية الفكرية، وهي محاولة إثبات صحة نظرية التطور لداروين في حقل السلوك، إلا أن أدواتهما ومنطلقاتهما المنهجية كانت على طرفي نقيض.
اعتمد رومانيس على المنهج الاستدلالي القصصي، جامعاً الحكايات الفردية التي تروي بطولات استثنائية وخوارق سلوكية للحيوانات، وكان تفسيره ينطلق دوماً من “القمة إلى القاعدة”، أي بإسقاط المعايير العقلية البشرية المركبة مباشرة على تصرفات الحيوان وتفسيرها بأسمى الدوافع الممكنة. في المقابل، أسس مورغان لمنهج استقرائي تجريبي يرفض النوادر الاستثنائية وينطلق من “القاعدة إلى القمة”، مركزاً على السلوك النمطي المتكرر تحت ظروف الملاحظة المنظمة والقياس الحركي والزمني الصارم، مفضلاً التفسير عبر أدنى العمليات النفسية الممكنة.
أنقذ مورغان بهذا التحول التاريخي الداروينية النفسية من مأزق كارثي كاد يقضي عليها؛ فبينما كانت كتابات رومانيس تعرض الفكرة التطورية للسخرية من جانب علماء الفسيولوجيا والمختبرات التجريبية بسبب سذاجتها التفسيرية، أعاد مورغان للمشروع هيبته العلمية بفرضه معايير الشك والتحقق، مبرهناً على أن إثبات التطور النفسي لا يتطلب الزعم بأن الحيوانات فلاسفة صغار، بل يتطلب تتبع البذور الأولى للعمليات التكيفية والارتباطية البسيطة التي مهدت لظهور العقل البشري المعقد عبر ملايين السنين.
11.2 سي. لويد مورغان مقابل ويليام جيمس: الوظيفية والوعي
ارتبط لويد مورغان بعلاقة حوار فكري خصب ومتبادل مع رائد المدرسة الوظيفية الأمريكية وفيلسوف البراغماتية ويليام جيمس (William James). تقاطع العالمان في الرؤية التطورية العامة التي تنظر إلى العقل والسلوك بوصفهما أدوات وظيفية تكيفية أفرزها الانتخاب الطبيعي لتمكين الكائن الحي من البقاء والازدهار في بيئة مضطربة ومحفوفة بالمخاطر.
غير أن نقطة الافتراق المنهجي بينهما كانت تكمن في مقاربة مسألة “الوعي الذاتي” وتحديد أدوات الوصول إليه؛ فقد كان ويليام جيمس في كتابه العمدة مبادئ علم النفس (Principles of Psychology، 1890) مسحوراً بـ “تيار الوعي” (Stream of Consciousness) وتجلياته الظاهراتية العميقة، وكان يعتمد اعتماداً كبيراً على الملاحظة الاستبطانية التأملية الغنية في رصد الحالات النفسية الشعورية وتقلباتها، ولم يكن يتردد في مد هذا الفهم الوظيفي ليشمل خبرات الحيوانات وتطلعاتها التكيفية بنوع من التعاطف الإنساني الواسع.
أما لويد مورغان، فرغم احترامه العميق لتحليلات جيمس، فقد كان أكثر تشككاً وحذراً حيال قدرة الاستبطان الذاتي على بناء علم سيكولوجي موضوعي صارم. أصر مورغان على أن الخبرة الشعورية للكائنات غير البشرية تظل صندوقاً مغلقاً لا يجوز فتحه بالمماثلة الذاتية الجيمسية، بل يجب التعامل معها عبر المؤشرات السلوكية الخارجية القابلة للمعايرة. أثر هذا التحفظ المورغاني كثيراً في توجيه تلاميذ ويليام جيمس أنفسهم (مثل ثورندايك) بعيداً عن الاستبطان ونحو السلوكية الوظيفية التجريبية التي طغت على علم النفس الأمريكي لاحقاً.
11.3 سي. لويد مورغان مقابل جاك لوب: الميكانيكية والانبثاقية
على الطرف النقيض من رومانيس، برز العالم البيولوجي الألماني الأمريكي جاك لوب (Jacques Loeb) الذي طرح في تسعينيات القرن التاسع عشر نظرية ميكانيكية متطرفة عرفت بنظرية “التوجهات الحركية الإجبارية” (Tropisms). رأى لوب أن كافة تصرفات الكائنات الحية، من الديدان وحتى الثدييات، ليست سوى استجابات كيميائية-فيزيائية حتمية ومباشرة للمنبهات الخارجية كالإضاءة والجاذبية والحرارة، رافضاً تماماً أي دور للنفس، أو العقل، أو الخبرة الذاتية في توجيه السلوك.
وقف مورغان بحزم ضد هذا التوجه الميكانيكي الاختزالي المتطرف لجاك لوب، معتبراً إياه تشويهاً لطبيعة الحياة والسلوك التكيفي. ورغم أن قانون مورغان يطالب بالتفسير بأدنى العمليات، إلا أن مورغان أكد بوضوح أن الكائن الحي ليس مجرد بلورة كيميائية تتفاعل سلبياً مع الضوء أو الحرارة، بل هو وحدة عضوية ذات فاعلية حيوية تمتلك جهازاً عصبياً قادراً على مراكمة الخبرة الذاتية وتعديل سلوكه وفق مشاعر اللذة والألم والنتائج المكتسبة عبر المحاولة والخطأ.
تصدى مورغان لنزعة لوب الميكانيكية من خلال فلسفته حول “التطور الانبثاقي”؛ حيث برهن على أن الحياة الحية تمتلك خصائص كيفية جديدة تنبثق عن المستوى الفيزيائي والكيميائي ولا تنحدر إليه بالكامل، وأن العقل يمتلك تأثيراً وظيفياً فاعلاً في توجيه التطور البيولوجي العضوي من خلال التعلم التكيفي الفردي. وبذلك، نجح مورغان في التموضع بدقة بالغة بين فكي كماشة: بين إسفاف التجسيم القصصي عند رومانيس، واستبداد المادية الميكانيكية العمياء عند جاك لوب، راسماً الطريق الوسطي المتزن للعلوم السلوكية الحديثة.
12. الإرث العلمي لسي. لويد مورغان والدروس المستفادة للعلوم المعرفية الحديثة
12.1 حضور مبادئ مورغان في أبحاث الإدراك الحيواني المعاصرة
لا يزال قانون مورغان التوفيري يمثل البوصلة المنهجية التي توجه البروتوكولات الصارمة في مختبرات الإدراك الحيواني المعاصرة حول العالم؛ ويتجلى هذا الحضور الحيوي في تصميم التجارب الميدانية والمخبرية المعقدة الرامية لاختبار وجود قدرات متقدمة مثل: “نظرية العقل” (Theory of Mind)، التخطيط المستقبلي، الاستدلال المنطقي العابر، وإدراك الذات لدى الشمبانزي، والدلافين، والغيلان، وفصيلة الغرابيات (Corvids).
أحد أبرز التطبيقات المعاصرة لمنهج مورغان يتمثل في الاستبعاد الصارم لما يُعرف في تاريخ السيكولوجيا بـ “تأثير هانز الذكي” (Clever Hans Effect)؛ وهي الظاهرة التي برهن فيها الحصان الألماني الشهير هانز على قدرته على حل المسائل الحسابية المعقدة عبر النقر بحوافره، ليتبين لاحقاً بعد فحص تجريبي دقيق أنه لم يكن يفهم الأرقام على الإطلاق، بل كان يقرأ الحركات الجسدية المجهرية وغير المقصودة وتعبيرات الوجه الصادرة عن مدربه أو الجمهور عندما يقترب من النتيجة الصحيحة. يُعد قانون مورغان اليوم الأداة المنهجية الأساسية التي تفرض على العلماء تصميم اختبارات التعمية المزدوجة (Double-blind controls) لضمان عدم وجود أي إشارات حسية خفية تفسر الإنجاز المعرفي للحيوان دون الحاجة لافتراض قدرات حسابية أو لغوية خارقة.
كما يستند الباحثون المعاصرون في سلوك الطيور (مثل أبحاث نيكولا كلايتون على غربان الغابات) إلى مبادئ مورغان للتفريق الدقيق بين السلوكيات الناتجة عن محفزات بصرية غريزية مشروطة وتلك التي تنطوي بالفعل على تذكر استعادي واعي وتخطيط ذهني مسبق للمستقبل، مما يبرهن على أن مبدأ التوفير ليس عائقاً أمام إثبات الذكاء الحيواني بل هو الشهادة الوحيدة التي تجعل هذا الإثبات مقبولاً وموثوقاً في المحافل الأكاديمية الدولية الرصينة.
12.2 تطبيقات التطور الانبثاقي في دراسات الوعي والذكاء الاصطناعي
شهدت العقود الأخيرة عودة مذهلة لنظرية لويد مورغان حول “التطور الانبثاقي” في قلب المناقشات المتقدمة لعلوم الأعصاب المعرفية، وفلسفة العقل، وأبحاث الذكاء الاصطناعي والشبكات العصبية العميقة. فمع تعقد نماذج التعلم الآلي ونماذج اللغات الكبيرة، عاد العلماء للتساؤل حول كيفية ظهور القدرات المعرفية والسلوكية المذهلة التي لم تكن مبرمجة سلفاً في الأسطر البرمجية الفردية للمنظومة.
يُستدعى مفهوم مورغان للانبثاق لشرح كيف يمكن لمليارات الوصلات العصبية السينابسية في الدماغ البشري—أو مليارات المعاملات الرقمية (Parameters) في الشبكات العصبية الاصطناعية—أن تولد خصائص كيفية وسلوكية نوعية تتجاوز مجرد الحساب الرياضي البسيط لمجموع أجزائها المنفصلة. ويناقش فلاسفة العقل المعاصرون، استناداً إلى أطر مورغان، الفارق الدقيق بين “الذكاء الحسابي المحصل” الذي يظل مجرد انعكاس آلي للمدخلات، و”الوعي الانبثاقي الحقيقي” الذي يمتلك خصائص نوعية فريدة (Qualia) واستقلالاً سببياً ذاتياً لا يمكن تفكيكه إلى كودات رقمية بحتة.
يقدم فكر مورغان للباحثين في ميدان الذكاء الاصطناعي درساً إبستمولوجياً بالغ الحيوية: وهو الحذر من الوقوع في “تجسيم الآلات” (Machine Anthropomorphism) المعاصر، حيث يميل الكثيرون إلى نسبة الفهم، والوعي، والشعور، والنوايا الذاتية لروبوتات المحادثة والخوارزميات التوليدية لمجرد أنها تنتج لغة تحاكي لغة البشر. وهنا يعمل قانون مورغان ككابح فكري صارم؛ داعياً إلى البحث عن التفسيرات الحسابية والإحصائية الأدنى لإنتاج اللغة قبل التسرع بادعاء انبثاق الوعي والعقل في الأنظمة السيبرانية الحديثة.
12.3 المكانة التاريخية الخالدة لسي. لويد مورغان كأب لعلم النفس المقارن
يقف سي. لويد مورغان في سجل تاريخ العلوم الإنسانية والطبيعية كشخصية استثنائية نجحت في قيادة واحدة من أهم الثورات المنهجية الهادئة في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. لقد كان مهندس التحول الجذري الذي انتشل علم النفس المقارن من مستنقع الروايات القصصية غير المنضبطة، والتأملات الفلسفية الميتافيزيقية الغائمة، ليزرعه بقوة في تربة العلم التجريبي الاستقرائي الصارم، جاعلاً منه رافداً لا غنى عنه من روافد البيولوجيا التطورية الحديثة.
إن الدرس الأهم الذي يتركه مورغان للأجيال المتعاقبة من العلماء والباحثين هو درس “التواضع المعرفي” والنزاهة الإجرائية؛ فالشجاعة العلمية لا تتجلى فقط في طرح النظريات الجريئة والادعاءات المثيرة حول العقل والوعي، بل تتجلى بالأحرى في القدرة على ضبط النفس، والتشكيك في الانحيازات الذاتية، ومقاومة إغراء النزعة التجسيمية التي تدفع الإنسان دوماً إلى رؤية انعكاس صورته الخاصة في كل ما يحيط به من كائنات وآلات.
تظل أعمال لويد مورغان—من صياغته لقانونه التوفيري الخالد، وتجاربه العبقرية على صغار الطيور وثدييات البيئة المنزلية، وتأسيسه لمفهوم المحاولة والخطأ، وفلسفته الشاملة حول التطور الانبثاقي—حلقة وصل جوهرية وأصيلة لا يمكن تجاوزها لفهم كيفية نشأة العقل وتطوره في هذا الكون. إنه الأب المؤسس الذي علمنا كيف ننظر إلى الطبيعة بعين فاحصة تجمع بين الشغف البيولوجي الخالص والانضباط المنهجي الصارم، مخلداً اسمه في الذاكرة المعرفية للإنسانية كواحد من أخلص حراس الحقيقة العلمية الرصينة.
خاتمة
في الختام، يتبين بجلاء أن مسيرة سي. لويد مورغان الفكرية والعلمية لم تكن مجرد حلقة عابرة في تاريخ السيكولوجيا الفيكتورية، بل كانت اللحظة التأسيسية الفاصلة التي تشكلت فيها الهوية المنهجية المستقلة لعلم النفس المقارن والعلوم السلوكية المعاصرة. لقد استطاع هذا العالم الفذ، بتكوينه الموسوعي الذي صهره تحت إشراف هكسلي، أن يجمع بين دقة الملاحظة الجيولوجية والتشريحية وبين عمق التحليل الإبستمولوجي الفلسفي، ليصيغ معايير حاسمة طهرت الفكر التطوري من رواسب الرومانسية التجسيمية التي كادت تودي بمصداقيته العلمية.
إن إرث مورغان المتعدد الأبعاد—الممتد من “قانونه التوفيري” التأسيسي، إلى تفكيكه لآليات التعلم عبر “المحاولة والخطأ”، وتمييزه الخلاق بين الغريزة والخبرة المتطبعة، ووصولاً إلى منظومته الميتافيزيقية حول “التطور الانبثاقي”—يقدم درساً متجدداً للعلوم المعرفية المعاصرة في كيفية الموازنة بين الصرامة التجريبية الاستقرائية والانفتاح الفلسفي غير الاختزالي. يذكرنا مورغان دوماً بأن فهم العقل المتطور لا يتأتى من خلال إسقاط مشاعرنا الذاتية على الطبيعة، ولا عبر تحويل الكائنات الحية إلى مجرد آلات ميكانيكية صماء، بل عبر التقصي الصبور لمستويات الوجود المتدرجة التي يتجلى فيها إبداع التطور وصعوده الدائم نحو مراتب أسمى من التنظيم والوعي والحياة.
المراجع
- Alexander, S. (1920). Space, time, and deity: The Gifford lectures at Glasgow, 1916–1918. Macmillan and Co.
- Boakes, R. (1984). From Darwin to behaviourism: Psychology and the minds of animals. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511527715
- Burghardt, G. M. (2009). Darwin’s legacy to comparative psychology and ethology. American Psychologist, 64(2), 102–110. https://doi.org/10.1037/a0015094
- Costall, A. (1993). How Lloyd Morgan’s canon backfired. Journal of the History of the Behavioral Sciences, 29(2), 113–122. https://doi.org/10.1016/S1369-8486(00)00021-3
- Richards, R. J. (1987). Darwin and the emergence of evolutionary theories of mind and behavior. University of Chicago Press.
- Romanes, G. J. (1882). Animal intelligence. Kegan Paul, Trench & Co.
- Sober, E. (2005). Comparative psychology meets evolutionary biology: Morgan’s canon and cladistic parsimony. In L. Daston & G. Mitman (Eds.), Thinking with animals: New perspectives on anthropomorphism (pp. 85–99). Columbia University Press.
- Thorndike, E. L. (1898). Animal intelligence: An experimental study of the associative processes in animals. The Psychological Review: Monograph Supplements, 2(4), i–109. https://doi.org/10.1037/h0092987
- Watson, J. B. (1913). Psychology as the behaviorist views it. Psychological Review, 20(2), 158–177. https://doi.org/10.1037/h0074428
- Wozniak, R. H. (1993). Conwy Lloyd Morgan and the emergence of modern comparative psychology. In C. L. Morgan, An introduction to comparative psychology (Reprint ed., pp. vii–xix). Routledge/Thoemmes Press.