السيرة
يُمثّل المسار المعرفي والعلمي لعالم الحاسوب وعالم الأعصاب البريطاني السير ديميس هاسابيس (Demis Hassabis) أحد أكثر النماذج الاستثنائية تجسيداً لمفهوم “الموسوعية المعاصرة” في تاريخ العلوم والتكنولوجيا الحديثة. لم تكن رحلته مجرد تدرج أكاديمي أو مهني تقليدي، بل كانت مشروعاً فكرياً متكاملاً تم التخطيط له بوعي نادر منذ مطلع صباه؛ حيث تقاطعت في عقله مساحات التفكير الاستراتيجي للشطرنج، مع محاكاة العوالم الافتراضية المعقدة في صناعة الألعاب، وصولاً إلى استكشاف أسرار الدماغ البشري عبر علم الأعصاب الإدراكي، ليصهر هذه الروافد جميعها في بوتقة الذكاء الاصطناعي العام (Artificial General Intelligence). إن هذا المسار لم يعِد صياغة المفاهيم النظرية للذكاء فحسب، بل حوّل الحوسبة المعرفية إلى أداة مركزية لاكتشاف ألغاز الطبيعة وفك شفراتها البيولوجية الأكثر تعقيداً.
تنبثق الرؤية الفلسفية التي قادت هاسابيس طوال مسيرته من مبدأ إبستيمولوجي محوري: “فهم طبيعة الذكاء عبر بنائه، ثم استخدام هذا الذكاء لحل كافة المشكلات الإنسانية الكبرى”. ومن هذا المنطلق، لم يكن تأسيسه لشركة ديب مايند (DeepMind) في عام 2010 وليد صدفة استثمارية، بل كان تجسيداً لمشروع علمي راديكالي يسعى لدمج ميكانيزمات التعلم المستوحاة من الدماغ البشري مع القوة الرياضية والبرمجية للشبكات العصبية العميقة. وقد أحدث هذا النهج ثورات متتالية هزّت الأوساط العلمية العالمية؛ بدءاً من التفوق التاريخي على بطل العالم في لعبة “غو” الاستراتيجية، وصولاً إلى حل معضلة طي البروتين البيولوجية التي استعصت على العلماء لنصف قرن عبر نظام “ألفا فولد” (AlphaFold)، وهو الإنجاز التاريخي الذي توّج بحصوله على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024.
تستكشف هذه الدراسة الشاملة والموسعة البنية التطورية لفكر ديميس هاسابيس منذ ولادته عام 1976 وحتى اللحظة الراهنة؛ متتبعةً الجذور النفسية والبيئية لنبوغه المبكر، ومنعطفات تكوينه الأكاديمي والمهني الصارم بين جامعة كامبريدج ومعهد الأعصاب الإدراكي في كلية لندن الجامعية (UCL)، والآليات الخوارزمية التي ابتكرها لدمج التعلم المعزز بعلم الأعصاب الحسابي. كما تُشرّح هذه الورقة التأثيرات المعرفية والأخلاقية العميقة لأعماله، ليس فقط كإنجازات تقنية فارقة، بل كنقلة بارادايمية غيرت علاقة الإنسان بالمعرفة العلمية وبمفهوم الوعي والذكاء ذاته.
1. النشأة المبكرة والنبوغ الذهني: البنية المعرفية للطفولة الاستثنائية
1.1 الجذور الأسرية والبيئة المحفزة للنمو الإدراكي
ولد ديميس هاسابيس في شمال لندن في السابع والعشرين من يوليو عام 1976، لأب من أصول يونانية قبرصية وأم صينية سنغافورية. مثّل هذا التمازج الثقافي الفريد بوتقة معرفية وسيكولوجية أولى أسهمت في صياغة مرونته الذهنية وقدرته الاستثنائية على التفكير التكيفي عبر الأطر المفاهيمية المتعددة. لقد نشأ هاسابيس في بيئة أسرية تميزت بطبيعة غير نمطية تماماً مقارنة بمساره العلمي اللاحق؛ حيث كان والداه يميلان إلى الممارسات الفنية والروحية والتجارب الإنسانية الحرة، بعيداً عن الصرامة التقنية أو الأكاديمية الحسابية. والده عمل في مجالات متنوعة شملت الموسيقى وتجارة الألعاب، بينما عملت والدته في متاجر التجزئة الكبرى. هذا التباين المعرفي بين الفتى ذي التوجهات الرياضية التحليلية الصارمة وأسرته الفنية البوهيمية خلق لديه حاجة مبكرة جداً للاعتماد على الذات وتوليد استقلالية فكرية متينة في تحديد مساراته الاستكشافية.
لم يمارس الوالدان أي نمط من أنماط الضغط الأكاديمي القسري الشائع لدى عائلات الأطفال النوابغ، بل قدما دعماً سيكولوجياً غير مشروط اتسم بالمرونة وترك مساحات واسعة للاكتشاف الذاتي غير المقيد. تجلى الفضول المعرفي لدى هاسابيس في سن مبكرة بصورة لم تكن تقتصر على مجرد استهلاك المعارف المتاحة، بل في محاولة تفكيك “الآلية الكامنة وراء الإدراك ذاته”. كان الطفل يتساءل باستمرار عن ماهية التفكير، وكيف يتشكل القرار داخل العقل البشري، ولماذا يمتلك الإنسان القدرة على التعلم الذاتي وحل المشكلات المجردة. هذا التساؤل الوجودي والمبكر تحول إلى هاجس مفاهيمي قاده نحو البحث عن بيئات نظامية صارمة يمكن من خلالها اختبار حدود قدراته الذهنية وقدرة العقل البشري على المعالجة المعقدة، وهو ما وجده سريعاً في عالم ألعاب التفكير المجرد وعلى رأسها رقعة الشطرنج.
إن التوازن النفسي الذي تحقق لهاسابيس في تلك المرحلة العمرية التأسيسية جنّبه الاحتراق النفسي المبكر الذي يعاني منه غالباً الأطفال ذوو الذكاء المفرط؛ حيث إن غياب التوقعات الأسرية المشروطة بالنجاح المادي أو المكانة الاجتماعية منحه حرية المخاطرة الفكرية والشغف المعرفي الداخلي الخالص (Intrinsic Motivation). تشكلت لديه قناعة عميقة بأن الإدراك ليس قالباً ثابتاً، بل هو بنية ديناميكية قابلة للتطوير المستمر من خلال التفاعل الخلاق مع البيئات المعقدة ذات التحدي المعرفي العالي، مما رسخ لديه عقلية تنظر إلى التحديات الذهنية كألعاب محاكاة تتطلب التفكيك والتحليل المنهجي الموجه.
1.2 ظاهرة الشطرنج وتطور التفكير التجريدي المبكر
بدأ هاسابيس ممارسة لعبة الشطرنج في سن الرابعة بعد أن لفتت انتباهه أثناء مشاهدته لمباراة بين والده وعمه. أظهر الطفل استيعاباً حدسياً وفورياً للقواعد الهندسية والحسابية للعبة، وسرعان ما بدأ في هزيمة البالغين المحيطين به. بحلول سن الثامنة، كان الفتى يخضع لبرامج تدريبية متقدمة في أندية الشطرنج البريطانية، وبدأ اسمه يلمع كظاهرة استثنائية في سماء اللعبة التكتيكية. قاده هذا الشغف المكثف إلى الوصول إلى تصنيف عالمي مرموق في سن الثالثة عشرة، حيث حصل على لقب “أستاذ شطرنج” ووصل تصنيفه الدولي حسب الاتحاد الدولي للشطرنج (FIDE) إلى تصنيف إيلو يقارب 2300 نقطة، ليكون ثاني أعلى لاعب شطرنج تصنيفاً في العالم ضمن فئته العمرية آنذاك، تالياً مباشرة للأسطورة العالمية جوديت بولغار (Judit Polgár).
كان لممارسة الشطرنج التنافسي عالي المستوى في هذه السن الحرجة تأثيرات سيكولوجية وإدراكية عميقة على بنية هاسابيس المعرفية. لقد طوّر من خلال الرقعة قدرة استثنائية على “التخطيط الاستباقي” (Proactive Lookahead)، وهي مهارة تقتضي حساب شجرات الاحتمالات المتفرعة لعدة نقلات مستقبلية، مع تقييم متزامن للمخاطر وتحديد الأولويات الاستراتيجية تحت وطأة قيود زمنية بالغة القسوة. عملت رقعة الشطرنج كأداة تدريب مكثفة لتوسيع سعة الذاكرة العاملة (Working Memory)، وتطوير آليات التجريد المكاني، والقدرة على استدعاء الأنماط المعقدة من الذاكرة طويلة المدى في أجزاء من الثانية. هذه العمليات العصبية أصبحت لاحقاً حجر الزاوية في تصوره لكيفية معالجة الحواسيب للمهام الاستدلالية المعقدة.
إلى جانب الكفاءة الرياضية، شكلت سيكولوجية اتخاذ القرار تحت الضغط الذهني الحاد عنصراً حاسماً في شخصيته النامية. تعلم هاسابيس إدارة التهديدات المعرفية، والسيطرة على التوتر الانفعالي، والتعامل مع الخسائر ليس كإخفاقات نهائية مدمرة للذات، بل كبيانات تجريبية إضافية تستوجب التحليل بعد المباراة (Post-mortem Analysis) لاكتشاف الثغرات في التفكير الخوارزمي الخاص به. ومع ذلك، وعند بلوغه سن الثالثة عشرة تقريباً، بدأ يشعر بحدود الشطرنج كنظام منغلق تحكمه قواعد صارمة ومعزولة عن العالم الحقيقي؛ إذ أدرك أن العقل البشري يمتلك إمكانات أعظم بكثير من مجرد تحريك قطع خشبية على رقعة مكونة من 64 مربعاً، مما دفعه لإعادة توجيه طاقته الذهنية نحو أفق تكنولوجي جديد كان يتبلور في تلك الحقبة: الحوسبة وبرمجة الحواسيب الشخصية.
1.3 التسريع الأكاديمي والتحصيل المبكر
توازى التفوق الرياضي لهاسابيس على رقعة الشطرنج مع تسارع أكاديمي غير عادي في المدارس التي ارتادها في شمال لندن. تميزت مسيرته الدراسية بقطع المراحل التعليمية بسرعة تفوق أقرانه بكثير؛ حيث اجتاز الامتحانات العامة المتقدمة (A-levels) في الرياضيات والفيزياء والكيمياء في سن الخامسة عشرة وبدرجات امتياز كاملة، وهو الإنجاز الذي مكنه من نيل القبول في جامعة كامبريدج العريقة لدراسة العلوم الحاسوبية في سن السادسة عشرة. ومع ذلك، طلبت منه إدارة الجامعة الانتظار لمدة عام كامل نظراً لصغر سنه غير المسبوق وصعوبة إدماجه النفسي والاجتماعي مع طلاب المرحلة الجامعية في تلك السن المبكرة، وهو ما تحول إلى فرصة تاريخية صقلت مستقبله المهني العملي.
فرضت حالة “الموهبة المفرطة” تحديات نفسية واجتماعية عميقة على الفتى اليافع داخل البيئات التعليمية التقليدية؛ إذ كانت المناهج الدراسية المصممة للطلاب المتوسطين تبدو له بطيئة ورتيبة ومقيدة لفضوله التوليدي. كان يشعر في كثير من الأحيان بالاغتراب المعرفي، وهو نمط سيكولوجي شائع بين الأطفال ذوي الذكاء الاستثنائي الذين تتسع الفجوة الإدراكية بينهم وبين أقرانهم في السن، مما قد يؤدي إما إلى الانعزال أو الشعور بالتململ المزمن. لكن هاسابيس استطاع تجاوز هذا المأزق عبر إعادة توجيه طاقته الذهنية الفائضة خارج أسوار الفصول المدرسية، موجهاً اهتمامه نحو أجهزة الحواسيب المنزلية الأولى مثل ZX Spectrum و Commodore Amiga التي اشتراها من أموال جوائزه في بطولات الشطرنج.
بدأ هاسابيس في تعليم نفسه لغات البرمجة من خلال تفكيك شفرات الألعاب وتعديلها وكتابة خوارزميات المحاكاة الذاتية. أدرك اليافع أن الحاسوب يمثل امتداداً غير نهائي لقدرات العقل البشري، وأنه بعكس رقعة الشطرنج ذات القواعد المصمتة، فإن لغات البرمجة توفر منصة لبناء “عوالم جديدة” وتخليق نظم اصطناعية تحاكي السلوك الإنساني. هذا الانتقال من حل المشكلات المحددة سلفاً إلى “نمذجة الأنظمة المعقدة” مثّل النواة التأسيسية التي بنت شخصيته كعالم حاسوب يسعى ليس فقط إلى تشغيل الآلات، بل إلى غرس بذور التفكير المنطقي والتعلم المستقل في بنيتها البرمجية الأساسية.
2. سيكولوجية تصميم الألعاب والمحاكاة التفاعلية
2.1 تجربة استوديوهات بوليفروغ (Bullfrog) وصناعة عوالم المحاكاة
استغل هاسابيس “سنة الفراغ” (Gap Year) التي فرضتها عليه جامعة كامبريدج عام 1993 بالانضمام إلى واحدة من أهم شركات تطوير ألعاب الفيديو في المملكة المتحدة في ذلك الوقت، وهي شركة Bullfrog Productions التي أسسها المصمم الأسطوري بيتر مولينوكس (Peter Molyneux). في سن السابعة عشرة فقط، وجد هاسابيس نفسه يقود التطوير البرمجي والإسهام في التصميم المفهومي لواحدة من أكثر ألعاب محاكاة الإدارة شهرة وتأثيراً في تاريخ الصناعة: لعبة ثيم بارك (Theme Park). كانت هذه التجربة العملية بمثابة المعمل التجريبي الأول الذي اختبر فيه هاسابيس كيفية ترجمة المفاهيم الرياضية المعقدة إلى برمجيات تفاعلية تحاكي السلوك البشري بصورة حية وديناميكية.
تطلبت لعبة ثيم بارك بناء محرك خوارزمي متطور لا يعتمد فقط على الرسومات، بل يجسد سيكولوجية “الاقتصاد السلوكي المصغر” (Microeconomic Behavioral Psychology). عمل هاسابيس على كتابة الشيفرات المسؤولة عن محاكاة حشود الزوار الافتراضيين داخل مدينة الملاهي؛ حيث لم تكن هذه الشخصيات مجرد رسوم متحركة مبرمجة سلفاً، بل كانت “وكلاء افتراضيين مستقلين” (Autonomous Agents) يتمتع كل منهم بحزمة من الرغبات والدوافع النفسية الداخلية المتغيرة: مثل الجوع، والعطش، ومستوى السعادة، والإرهاق، والميل للإنفاق، وحساسية السعر. إذا زاد الملح في البطاطس المقلية الافتراضية، يزداد عطش الزائر، مما يدفعه للبحث عن متاجر المشروبات، وإذا كانت الأسعار مبالغاً فيها، تتولد لديه استجابة سيكولوجية من الإحباط تدفعه لمغادرة الحديقة ونشر التقييمات السلبية.
أتاحت هذه التجربة المبكرة لهاسابيس فرصة غير مسبوقة لفهم كيف يمكن لمجموعات من القواعد الخوارزمية البسيطة، عندما تتفاعل فيما بينها بشكل غير خطي، أن تنتج سلوكاً جمعياً معقداً وتكيفياً يحاكي تعقيد الحياة الواقعية (Emergence Theory). لقد كانت لعبة ثيم بارك نجاحاً تجارياً وثقافياً ساحقاً بيع منه ملايين النسخ حول العالم، لكن الأهم من ذلك بالنسبة لهاسابيس كان الإدراك الحاسم بأن نمذجة الذكاء والسلوك البشري داخل بيئة رقمية مغلقة ليست مجرد ضرب من الترفيه، بل هي علم تطبيقي دقيق يمكن استخدامه لدراسة سيكولوجية اتخاذ القرار وتفاعلات العقل البشري مع المتغيرات الاقتصادية والبيئية المتسارعة.
2.2 تأسيس إكسير ستوديوز (Elixir Studios): استكشاف الذكاء الاصطناعي الترفيهي
بعد تخرجه من جامعة كامبريدج، وفي عام 1998 تحديداً، قرر هاسابيس تأسيس شركته البرمجية المستقلة، أطلق عليها اسم إكسير ستوديوز (Elixir Studios). كان طموحه يتجاوز مجرد تأسيس شركة ألعاب ناجحة تجارياً؛ إذ كان هدفه الصريح هو استكشاف الحدود القصوى للذكاء الاصطناعي والمحاكاة الحاسوبية المتقدمة في البيئات التفاعلية الضخمة. نجحت الشركة في استقطاب تمويلات رأسمالية واستثمارية كبرى وضمت نحو 60 مطوراً ومبرمجاً ورياضياً، وقدمت إلى السوق العالمي أعمالاً استراتيجية بالغة التعقيد والابتكار، كان أبرزها لعبة ريبوبليك: ذا ريفولوشن (Republic: The Revolution) ولعبة إيفل جينيوس (Evil Genius).
في لعبة ريبوبليك، صمم هاسابيس وفريقه محرك محاكاة مجتمعية وسياسية غير مسبوق في دقته وتفاصيله الإدراكية؛ حيث بنى مدينة سوفيتية خيالية تضم قرابة مليون مواطن رقمي، يتحركون ويتصرفون وفق نماذج سلوكية تحاكي شبكات العلاقات الإنسانية الحقيقية والتأثير السياسي والاجتماعي. كان لكل وكيل اصطناعي داخل المدينة جدول أعمال يومي، ومجموعة من القيم النفسية، وشبكة علاقات تتأثر بالدعاية والشائعات والضغوط الاقتصادية. تطلب هذا المشروع صياغة خوارزميات متقدمة لإدارة الموارد الحاسوبية والذاكرة، والتنبؤ بالحركات الاجتماعية التلقائية داخل البيئة الرقمية، مما جعل اللعبة بمثابة تجربة رائدة مبكرة في النمذجة المعتمدة على الوكلاء (Agent-based Modeling).
إلا أن هذه التجربة وضعت هاسابيس وجهاً لوجه أمام الضغوط السيكولوجية والإدارية العنيفة لريادة الأعمال التكنولوجية في مرحلة الشباب؛ حيث وجد نفسه مسؤولاً عن ميزانيات ضخمة وفرق عمل متباينة الخلفيات وتوقعات تسويقية بالغة الصعوبة. أظهرت تلك المرحلة حدود “الحوسبة التقليدية الرمزية”؛ حيث تطلبت كتابة البرمجيات لقواعد سلوكية محددة يدوياً آلاف الساعات من العمل المضني، وكانت النتيجة تفتقر في النهاية إلى المرونة الحقيقية والقدرة على التعلم الذاتي التلقائي. قاد هذا الإدراك الاستراتيجي هاسابيس إلى اتخاذ قرار شجاع بإغلاق الاستوديو في عام 2005، بعد أن تيقن من أن الحواسيب في ذلك العصر لم تكن مهيأة بعد للوصول إلى الذكاء الحقيقي عبر أسلوب البرمجة المباشرة الصرفة، وأن المسار الحقيقي يتطلب فهم الآلة البيولوجية التي أنتجت هذا العقل: الدماغ البشري.
2.3 الألعاب كمختبر سيكولوجي لفهم السلوك البشري
شكلت سنوات العمل في صناعة الألعاب ركيزة فلسفية وعلمية دائمة في عقل هاسابيس؛ حيث خلص إلى أن الألعاب ليست وسائط للتسلية السطحية، بل هي بمثابة “مختبرات سيكولوجية ومعرفية نقية” قادرة على عزل ودراسة آليات السلوك البشري واتخاذ القرار بدرجة عالية من الضبط والتحكم الإحصائي. توفر بيئات الألعاب الرقمية منصات تجريبية استثنائية؛ لأنها تقدم عوالم ذات قواعد محددة بصرامة، وأهداف واضحة، وتغذية راجعة فورية تتيح قياس كفاءة السلوك البشري ومقارنته بالنماذج النظرية للاختيار العقلاني (Rational Choice Theory).
حدث لدى هاسابيس في تلك المرحلة انتقال فكري حاسم من التركيز على تصميم الترفيه التفاعلي الخارجي إلى البحث في “العقل المنشئ للعبة”؛ أي فحص البنية المعرفية التي تمكن اللاعب البشري من التكيف مع سيناريوهات مجهولة كلياً واستنباط الحلول الإبداعية دون تدريب صريح ومسبق. أدرك أن ألعاب الفيديو تمثل بيئات مثالية لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي واختبارها، لكونها محمية وآمنة، وتتيح إجراء ملايين التجارب بسرعة تفوق الزمن الواقعي بآلاف المرات دون تعريض أي كائنات حية للخطر أو تكبد تكاليف مادية باهظة في العالم الفيزيائي.
هذا الربط البصير بين الألعاب والذكاء الاصطناعي أصبح لاحقاً البنية المنهجية التي تأسست عليها أبحاث ديب مايند في بداياتها الأولى. لقد أثبت هاسابيس أن الأنظمة المقيدة بقواعد واضحة – سواء كانت ألعاب آتاري الكلاسيكية أو ألعاب الطاولة المعقدة كالشطرنج وغو – تشكل النواة المعرفية الأولى لبناء “ذكاء اصطناعي عام” قادر على الانتقال التدريجي من التفكير في المساحات الافتراضية إلى التفاعل المباشر مع العالم الحقيقي المعقد وغير المنتظم. وهكذا، تحولت ألعاب الطفولة والشباب من مجرد شغف مبكر إلى منصة إطلاق أعظم المشاريع التكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.
3. التكوين الأكاديمي في كامبريدج: تقاطع علوم الحاسوب مع المعرفة
3.1 دراسة العلوم الحاسوبية في كلية كوينز
التحق هاسابيس بـ كلية كوينز (Queens’ College) في جامعة كامبريدج في عام 1994 لدراسة منهاج علوم الحاسوب المتقدم (Computer Science Tripos)، بعد أن أتم عامه التدريبي الميداني في استوديوهات بوليفروغ. كانت كامبريدج في ذلك الوقت معقلاً راسخاً لتقاليد الحوسبة النظرية التي خطها رواد تاريخيون من طراز تشارلز بابيج وألان تورينغ. انغمس هاسابيس في دراسة البنى الرياضية الصلبة، ونظريات التعقيد الحسابي (Computational Complexity Theory)، ولغات البرمجة الوظيفية، والمنطق الصوري، مستفيداً من بيئة فكرية نخبوية وفّرت له الأدوات المنهجية الدقيقة لتحويل حدسه التفكيكي إلى أطر رياضية قابلة للتطبيق الصارم.
تُوّجت مسيرته في كامبريدج بتفوق أكاديمي لافت؛ حيث تخرج في عام 1997 حاصلاً على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف الأولى المزدوجة (Double First-Class Honours)، وهي أرفع درجة علمية تمنحها الجامعة لصفوة طلبتها المتفوقين. ولكن، وعلى الرغم من إعجابه الكبير بالقوة الحسابية للأجهزة الحديثة وقدرتها على معالجة ملايين العمليات في الثانية الواحدة، بدأ يشعر بوجود فجوة إبستيمولوجية كبرى تفصل بين قدرات الحواسيب التقليدية وطبيعة الفكر البشري. كانت الآلات قادرة على أداء العمليات الحسابية الخوارزمية الصارمة بسرعة مذهلة، لكنها كانت تفتقر إلى أبسط مظاهر “المرونة الذهنية”، وتنهار تماماً عند مواجهة مواقف تتطلب التعميم أو التجريد أو التعامل مع بيانات ناقصة وغامضة.
قادته هذه الملاحظة العميقة إلى نقد التيارات السائدة في الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي القائم على الرموز والقواعد المكتوبة مسبقاً (GOFAI – Good Old-Fashioned AI). أدرك هاسابيس أن محاولة محاكاة الذكاء من خلال إدخال ملايين الحقائق المنطقية المشفرة يدوياً في حواسيب صامتة هو طريق مسدود معرفياً؛ لأن الذكاء الطبيعي لم يتطور عبر التاريخ البشري من خلال جداول المنطق الصوري، بل انبثق من آليات التطور البيولوجي والتكيف الحسي الحركي والتفاعل المباشر مع البيئات المحيطة. بدأت هنا تتشكل رؤيته الفكرية حول ضرورة استلهام البيولوجيا في بناء الحوسبة الذكية، معتبراً أن الدماغ البشري هو “دليل الوجود” (Proof of Concept) الوحيد المتاح لنا والذي يثبت إمكانية قيام نظام مادي بممارسة التفكير العام والوعي الذاتي.
3.2 التحول نحو الاستكشاف العصبي للدماغ
أثناء دراسته في كامبريدج، لم ينحصر اهتمام هاسابيس في مقررات الحوسبة وحدها، بل امتد ليتشابك مع قراءات معمقة في فلسفة العقل ونظريات المعرفة (Epistemology). كان مهتماً بدراسة أعمال فلاسفة العقل وعلماء المنطق الذين ناقشوا حدود الحوسبة الميكانيكية مثل معضلة الغرفة الصينية لجون سيرل، وأطروحات غودل حول عدم الاكتمال الرياضي، ومحاولات ألان تورينغ المبكرة للإجابة عن سؤال: “هل تستطيع الآلات أن تفكر؟”. تولدت لديه قناعة حاسمة بأن الحوسبة الكلاسيكية المنعزلة عن علم وظائف الأعضاء عاجزة بنيوياً عن تخليق مفاهيم مثل “الحدس” الإنساني والاستبصار التوليدي الخلاق.
أدرك هاسابيس أن المعضلة تكمن في البنية التحتية لمعالجة المعلومات: الحواسيب تعمل وفق معمارية فون نيومان (Von Neumann Architecture) التي تفصل فصلاً صارماً بين وحدة المعالجة المركزية ووحدة الذاكرة، بينما يعمل الدماغ البشري عبر شبكات عصبية مترابطة تؤدي فيها الخلايا أدوار المعالجة والتخزين في آن واحد وبشكل متوازي وموزع فائق الكفاءة الطاقية والمعرفية. هذا الإدراك أحدث انعطافة مفصلية في مساره؛ حيث اتخذ قراراً استراتيجياً غير مألوف في الأوساط التقنية والتجارية، وهو التوقف المؤقت عن بناء البرمجيات التجارية وهجر قطاع الأعمال التكنولوجية المربحة للتفرغ التام للبحث الأكاديمي في علم الأعصاب الإدراكي (Cognitive Neuroscience).
كانت خطته تقتضي الغوص عميقاً في “تشريح الآلة البيولوجية”؛ أي فهم الأسس الخلوية والشبكية لكيفية قيام الدماغ البشري بتمثيل المفاهيم المجردة، وتخزين الذكريات العرضية، وبناء التوقعات المستقبلية. لم يكن هدفه التحول إلى طبيب سريري، بل كان يبحث عن “المبادئ الحوسبية” الكامنة خلف العمليات العصبية الإدراكية، ليعود بها لاحقاً إلى عالم البرمجيات والذكاء الاصطناعي. انطلق هاسابيس في هذا المسار متسلحاً بأدوات علوم الحاسوب الصارمة، ليصبح باحثاً فريداً يقف على الجسر الواصل بين بيولوجيا الأعصاب والهندسة الرياضية للمعلومات.
4. الانتقال إلى علم الأعصاب الإدراكي: أبحاث الذاكرة والخيال
4.1 الدكتوراه في كلية لندن الجامعية (UCL): تشريح بنية الذاكرة
في عام 2005، بدأ هاسابيس رحلة الدكتوراه في كلية لندن الجامعية (UCL)، التي تعد واحدة من أرقى مراكز أبحاث الدماغ وعلم الأعصاب في العالم. انضم إلى مختبر تصوير الأعصاب المرموق (Wellcome Trust Centre for Neuroimaging) ليعمل تحت الإشراف المباشر للبروفيسورة إليانور ماغواير (Eleanor Maguire)، العالمة الرائدة عالمياً وصاحبة الدراسات الشهيرة حول التلدن الدماغي والحصين لدى سائقي سيارات الأجرة في لندن. ركز هاسابيس جهوده البحثية على دراسة منطقة الحُصين (Hippocampus) والبنى المجاورة لها في الفص الصدغي الإنسي، وهي المناطق العصبية المسؤولة تقليدياً عن تشفير الذاكرة التقريرية والتنقل المكاني.
وظف هاسابيس خبرته البرمجية والرياضية العميقة في تطبيق أحدث تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، متجاوزاً أساليب التحليل الإحصائي التقليدية التي كانت تكتفي بتحديد مناطق النشاط العام. أدخل تقنيات متطورة مثل “تحليل الأنماط متعددة المتغيرات” (Multivoxel Pattern Analysis – MVPA)، وهي تقنية خوارزمية تعتمد على تعلم الآلة لقراءة الأنماط الدقيقة الموزعة لإشارات الرنين المغناطيسي لفك شفرة المعلومات العصبية الكامنة في خلايا الحصين. من خلال هذه المنهجية، استطاع إثبات إمكانية “قراءة” محتوى الذاكرة الفراغية للمبحوثين من خلال مراقبة أنماط إشارات النشاط العصبي فقط أثناء تحركهم داخل بيئات افتراضية مصممة حاسوبياً.
كشفت هذه الأبحاث المختبرية الدقيقة عن الطبيعة الحيوية للحصين؛ فهو لا يعمل كقرص صلب سلبي يقوم بتخزين ملفات الذكريات بصورة ثابتة ومسترجعة حرفياً، بل يمثل وحدة حوسبة عصبية ديناميكية تقوم بإعادة بناء مستمرة للتجارب الماضية. أظهر هاسابيس كيف يقوم الدماغ بربط الشظايا الحسية الموزعة في القشرة المخية وتجميعها في سياق مكاني متماسك. شكلت هذه النتائج الأساس الذي بنى عليه هاسابيس أطروحته الرائدة التي ربطت الذاكرة بالتخيل، وفتحت آفاقاً معرفية غير مسبوقة لفهم كيفية معالجة المعلومات داخل المنظومات الإدراكية الحية.
4.2 نظرية البناء الذهني للمشاهد (Scene Construction Theory)
قاد التعاون الوثيق بين ديميس هاسابيس وإليانور ماغواير إلى صياغة واحدة من أكثر النظريات تأثيراً في علم النفس المعرفي المعاصر: “نظرية بناء المشاهد الذهنية” (Scene Construction Theory). انطلق هاسابيس من فرضية جريئة مفادها أن الآليات العصبية المستخدمة لتذكر الماضي هي ذاتها الآليات المستخدمة لتخيل المستقبل وتوليد سيناريوهات افتراضية جديدة. ولاختبار هذه الفرضية عملياً، أجرى دراسات سريرية عميقة على مرضى يعانون من فقدان ذاكرة حاد نتيجة تلف ثنائي متماثل في منطقة الحصين، وطلب منهم تخيل سيناريوهات بسيطة لم يعايشوها من قبل، مثل “الاستلقاء على شاطئ استوائي دافئ” أو “الوقوف في ساحة متحف ملونة”.
كانت النتائج مذهلة وقاطعة؛ إذ أظهر المرضى المصابون بتلف الحصين عجزاً تاماً ليس فقط عن استرجاع ماضيهم الشخصي، بل أيضاً عن تخيل أي مشهد مستقبلي جديد؛ حيث بدت خيالاتهم مجزأة ومفككة وتفتقر إلى التماسك المكاني والمحيطي. أثبت هاسابيس أن الحصين يؤدي وظيفة حوسبية مركزية تتمثل في دمج العناصر المعرفية والبيئية المتناثرة في مسرح فضائي ثلاثي الأبعاد متماسك داخلياً. نُشر هذا البحث الاستثنائي في مطلع عام 2007، واختارته مجلة ساينس (Science) المرموقة كواحد من أهم عشرة اختراقات علمية في العالم لذلك العام، عبر كافة المجالات والتخصصات العلمية.
مثّل هذا الكشف العلمي حجر زاوية فلسفياً وتقنياً في مسار هاسابيس؛ حيث برهن على أن “التخيل والتنبؤ والتخطيط للمستقبل” ليست سوى عمليات مشتقة ومترابطة عضوياً مع بنية الذاكرة. لم تعد الذاكرة مجرد مستودع للأرشيف، بل أصبحت بمثابة محرك محاكاة توليدي (Generative Simulation Engine) يستخدم لبناء سيناريوهات وهمية بغرض تقييمها قبل اتخاذ القرار في العالم الواقعي. هذه الفكرة الحوسبية أصبحت لاحقاً الأساس الجوهري الذي بنيت عليه خوارزميات التخطيط الاستباقي للعملاء الاصطناعيين المستقلين في أبحاثه المستقبلية.
4.3 أبحاث ما بعد الدكتوراه في معهد ماساتشوستس وهارفارد
بعد نيله درجة الدكتوراه في عام 2009، واصل هاسابيس أبحاثه المتقدمة كباحث زائر في أرقى المراكز الأكاديمية العالمية في بوسطن بالولايات المتحدة؛ حيث قضى فترات بحثية مكثفة بين مختبر توماسو بوجيو (Tomaso Poggio) في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ومختبرات علم النفس الإدراكي في جامعة هارفارد. ركز خلال هذه المرحلة على تعميق دراسته في علوم الأعصاب الحسابية (Computational Neuroscience) والتعلم التوليدي، ساعياً إلى سد الفجوة بين المشاهدات التشريحية الوظيفية والنماذج الرياضية الصارمة لكيفية معالجة الشبكات العصبية للمعلومات المعقدة.
تعاون هاسابيس مع كبار المفكرين في معالجة الرؤية الحاسوبية ونمذجة الدماغ، وركز بشكل خاص على دراسة كيفية قيام القشرة البصرية والحصين بتوليد تمثيلات تجريدية للبيئة قادرة على الثبات رغم تغير زوايا الرؤية أو ظروف الإضاءة (Invariant Representations). كما استكشف الآليات العصبية التي تتيح للدماغ البشري القيام بـ “التعلم بالتقليد” والمحاكاة الذاتية للسيناريوهات دون الحاجة إلى خوض تجارب فيزيائية خطرة، وهي الظاهرة التي تُعرف في علم الأعصاب الحسابي بنماذج التنبؤ المعرفي القائم على التعلم المبني على النموذج (Model-Based Learning).
خلال إقامته في بوسطن، بلور هاسابيس نهائياً الإطار المفاهيمي العام الذي سيحكم عمله المستقبلي: ألا وهو أن الذاكرة البشرية ليست مجرد سجل فوتوغرافي، بل هي أداة رياضية حاسوبية تستخدم “إعادة التشغيل غير المتصل” (Offline Replay) لإعادة تمثيل التجارب وتصنيفها واستخلاص القواعد التجريدية العامة منها أثناء فترات النوم والراحة. عاد هاسابيس إلى بريطانيا وهو يحمل في جعبته مخططاً متكاملاً لما وصفه بـ “الذكاء الاصطناعي المستلهم عصبياً” (Neuroscience-Inspired AI)، عازماً على الانتقال من دراسة الدماغ إلى محاكاته خوارزمياً عبر أحدث تقنيات هندسة الحواسيب.
5. تأسيس ديب مايند (DeepMind): دمج علم النفس المعرفي بالذكاء الاصطناعي
5.1 الرؤية التأسيسية: حل مشكلة الذكاء لاستخدامها في حل كل شيء
في أواخر عام 2010، أسس ديميس هاسابيس بالاشتراك مع شين ليغ (Shane Legg)، زميله الباحث في الحوسبة المعرفية في UCL وتلميذ ماركوس هوتر، ومصطفى سليمان (Mustafa Suleyman)، صديق طفولته والناشط في السياسات الاجتماعية وحل النزاعات، شركة ناشئة في لندن أطلقوا عليها اسم ديب مايند تكنولوجيز (DeepMind Technologies). كان الشعار المؤسس الذي صاغه هاسابيس يلخص الطموح الجريء للشركة بعبارتين قاطعتين: “الخطوة الأولى: حل مشكلة الذكاء. الخطوة الثانية: استخدام هذا الذكاء في حل كل شيء آخر”. لم تكن الشركة تهدف إلى بناء تطبيقات تجارية ضيقة لبيع المنتجات أو زيادة الإعلانات، بل كانت موجهة كلياً نحو مشروع علمي طموح يتمثل في تطوير الذكاء الاصطناعي العام (AGI).
تميزت الرؤية التأسيسية بدمج منهجي وفريد بين ركيزتين: قوة التعلم الإحصائي للشبكات العصبية العميقة المتنامية آنذاك، ومبادئ علم الأعصاب الإدراكي التي تحدد كيفية تخزين الذاكرة، والتخطيط الاستباقي، والتعلم المستند إلى المكافأة. استطاع هاسابيس، بفضل قدرته الفائقة على التواصل الإقناعي وحججه الفلسفية المتماسكة، جذب استثمارات مبكرة من كبار المستثمرين العالميين مثل بيتر ثيل (Peter Thiel) وإيلون ماسك (Elon Musk)، الذين رأوا في أطروحات هاسابيس رؤية علمية ناضجة قادرة على إخراج أبحاث الذكاء الاصطناعي من مرحلة الشتاء التقني الطويل إلى عصر النهضة الحوسبية الشاملة.
نجح هاسابيس في تحويل مقر الشركة في منطقة كينغز كروس بلندن إلى بيئة بحثية هجينة تجمع بين الصرامة الأكاديمية لأفضل الجامعات العالمية والديناميكية الإنتاجية لوادي السيليكون. تم تصميم ثقافة الشركة لتشجيع الحوار العابر للتخصصات؛ حيث جلس كبار علماء الأعصاب جنباً إلى جنب مع كبار مهندسي التعلم العميق والفيزيائيين والرياضيين، موجهين تركيزهم الجماعي نحو بناء معماريات حوسبية جديدة تماماً لا تكتفي بتقليد السلوك السطحي للبيانات، بل تستوعب القوانين التوليدية العميقة للبيئات التي تتفاعل معها.
5.2 التعلم المعزز العميق (Deep Reinforcement Learning)
شكّل الابتكار المنهجي الأبرز الذي قدمه هاسابيس وفريقه العلمي في ديب مايند ولادة حقل علمي ثوري جديد: “التعلم المعزز العميق” (Deep Reinforcement Learning). استند هذا المفهوم إلى مزج تيارين علميين رئيسيين: الشبكات العصبية الاصطناعية العميقة القادرة على استخلاص الميزات والأنماط التجريدية من المدخلات الحسية المعقدة، ومبادئ “التعلم المعزز” المستمدة أساساً من سيكولوجية السلوك الحيواني ونظرية التكيف الشرطي؛ حيث يتعلم الوكيل الحوسبي اتخاذ القرارات المثلى عبر التجربة والخطأ والتفاعل المستمر مع بيئته لتعظيم إشارة “مكافأة” محددة سلفاً.
قام هذا الابتكار على محاكاة خوارزمية مباشرة للآليات العصبية الحيوية؛ وتحديداً مسار الدوبامين في الدماغ المتوسط للبشر والثدييات، وهو المسار المسؤول عن معالجة ما يعرف بـ “خطأ التنبؤ بالمكافأة” (Reward Prediction Error – RPE). تماماً كما تقوم الخلايا العصبية الدوبامينية بإطلاق إشارات كهربائية عندما يتلقى الكائن الحي مكافأة غير متوقعة أو أعلى من تقديراته لتعديل سلوكه المستقبلي، تم تصميم الخوارزمية (مثل شبكة Q العميقة – Deep Q-Network) لحساب الفارق الرياضي المستمر بين المكافأة المتوقعة والمكافأة الفعلية التي يحصل عليها الوكيل بعد كل إجراء يتخذه، مما يتيح للشبكة العصبية تعديل أوزانها المشبكية عبر خوارزمية الانحدار الخطي التدريجي وتصحيح مسارها ذاتياً.
إلى جانب ذلك، استلهم هاسابيس آليات الذاكرة في الحصين لابتكار تقنية حاسوبية محورية عُرفت باسم “إعادة تشغيل الخبرة” (Experience Replay). كانت هذه التقنية تسمح للوكيل البرمجي بتخزين تجاربه وقراراته السابقة في مخزن مؤقت يشبه الذاكرة العرضية، ثم إعادة سحب هذه العينات واستعراضها بشكل عشوائي أثناء فترات التدريب وتعديل الأوزان. أدى هذا الإجراء البيولوجي المستلهم إلى كسر الارتباط الزمني بين البيانات ومنع الخوارزمية من السقوط في فخ “النسيان الكارثي” (Catastrophic Forgetting)، مما منح النماذج استقراراً رياضياً غير مسبوق في استيعاب المهارات المعقدة.
5.3 اختراق ألعاب أتاري (Atari): الإدراك الحسي الخام
في عام 2013، أعلنت ديب مايند عن اختراق تقني غير مسبوق أحدث صدمة واسعة في الأوساط العلمية، ونُشرت تفاصيله لاحقاً في بحث تاريخي على غلاف مجلة نيتشر (Nature) في مطلع عام 2015 تحت عنوان: “التحكم على المستوى البشري من خلال التعلم المعزز العميق”. نجح الفريق في تدريب خوارزمية ذكاء اصطناعي موحدة (DQN) على إتقان مجموعة كلاسيكية واسعة من ألعاب جهاز Atari 2600، مثل Space Invaders و Breakout و Pong، دون تزويد الخوارزمية بأي معلومات مسبقة عن قواعد الألعاب أو استراتيجيات الفوز أو حتى آليات التحكم الأساسية.
كان المدخل الوحيد للنظام هو “الإدراك الحسي الخام”؛ أي مصفوفات البكسلات البصرية المعروضة على الشاشة لحظة بلحظة، بالإضافة إلى إشارة رياضية مجردة تمثل النتيجة الرقمية (Score) كإشارة مكافأة. عبر هذا الإدخال البصري المباشر، طوّرت الشبكة العصبية بنفسها تمثيلات داخلية لفهم الفيزياء الأساسية للشاشة؛ فتعلمت التمييز بين المضرب والكرة والجدران والأعداء، وتدربت ذاتياً على اختيار الأزرار وحركات يد التحكم عبر آلاف المحاولات الافتراضية المستمرة. في لعبة Breakout، أظهرت الخوارزمية سلوكاً إبداعياً أذهل المطورين أنفسهم، حيث اكتشفت بمفردها استراتيجية حفر نفق ضيق عبر جدار القرميد لإرسال الكرة خلف الجدار لتصطدم تلقائياً وبشكل متكرر بالسطح العلوي، وهي استراتيجية تتطلب فهماً استباقياً طويل المدى لتحقيق أقصى درجات الفوز بأقل مجهود حركي.
مثّل هذا الإنجاز البرهان العملي الأول على صحة أطروحة هاسابيس حول “الذكاء الاصطناعي العام المتكامل”؛ فالخوارزمية ذاتها، وبنفس المعمارية العصبية والمعاملات الحسابية دون أي تعديل أو إعادة برمجة خاصة، استطاعت التكيف مع عشرات الألعاب المختلفة تماماً في ديناميكياتها البصرية والحركية، متفوقة على أداء اللاعبين البشريين المحترفين في معظمها. أثبتت التجربة أن التخلي عن برمجة القواعد الصريحة والاعتماد بدلاً من ذلك على التعلم الحسي الحركي التوليدي المعزز هو السبيل الموثوق لبناء عقول اصطناعية مرنة وقابلة للتكيف والتعميم عبر مهام معرفية متعددة.
6. الاستحواذ التاريخي من قبل غوغل وتأمين الاستقلالية البحثية
6.1 مفاوضات عام 2014 وشروط الاستحواذ المعرفية
لفت الاختراق العلمي المبهر الذي حققته ديب مايند في ألعاب أتاري أنظار عمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون، مما أشعل سباقاً استثمارياً محموماً بين فيسبوك (ميتا حالياً) وغوغل للاستحواذ على الشركة الناشئة البريطانية وفريقها العلمي المتميز. في يناير من عام 2014، حسمت شركة غوغل (Google) الصفقة التاريخية لصالحها، مستحوذة على ديب مايند بقيمة بلغت نحو 400 مليون جنيه إسترليني (ما يقارب 650 مليون دولار أمريكي في ذلك الوقت)، وهي أكبر عملية استحواذ تجريها غوغل في أوروبا حتى ذلك الحين، رغم أن ديب مايند لم تكن تمتلك أي منتج تجاري استهلاكي مطروح في السوق، ولا تحقق أي عوائد مالية تذكر.
كشفت كواليس المفاوضات التي أدارها ديميس هاسابيس عن صرامة استراتيجية استثنائية وبُعد نظر إبستيمولوجي؛ حيث رفض العديد من العروض المغرية التي كانت تشترط نقل مقر الشركة وكوادرها إلى ولاية كاليفورنيا الأمريكية. تمسك هاسابيس بـ “شروط معرفية وبيئية” غير قابلة للتفاوض، كان في مقدمتها بقاء مقر الأبحاث الرئيسي في لندن، بهدف الحفاظ على البيئة الفكرية الأكاديمية الأوروبية المتميزة، وتجنيب الفريق الانجراف نحو ضغوط التوجه التجاري قصير الأجل المترسخ في ثقافة وادي السيليكون الاستهلاكية. كما اشترط هاسابيس عدم استخدام تقنيات ديب مايند الخوارزمية في التطبيقات العسكرية أو أغراض التجسس الأمني، وضمان استمرار نشر الأبحاث العلمية المكتشفة في المجلات المحكمة بحرية كاملة ودون احتكار سري.
إلى جانب الشروط التشغيلية، فرض هاسابيس بنداً رائداً كان الأول من نوعه في قطاع الاستحواذات التكنولوجية؛ وهو تأسيس “لجنة أخلاقيات مستقلة” للذكاء الاصطناعي لمراقبة تطور التقنيات الفائقة ومراجعة قرارات نشرها، محذراً من أن الذكاء الاصطناعي العام يحمل في طياته إمكانات هائلة قد تشكل خطراً وجودياً إذا أُسيء استخدامها أو تُركت دون أطر ضبط أخلاقية صارمة. أمن هذا الاستحواذ لهاسابيس استقراراً تمويلياً هائلاً ووصولاً غير محدود للبنية التحتية السحابية الهائلة لغوغل ووحدات المعالجة المركزية، مما مكنه من تركيز جهود فريقه العلمي على معالجة أعتى التحديات الرياضية والبيولوجية طويلة المدى التي كانت تتطلب قدرات حوسبية خارقة لا تتوفر للجامعات أو الشركات الناشئة العادية.
6.2 إدارة رأس المال البشري وبيئة الإبداع البحثي
عقب إتمام الاستحواذ، قاد هاسابيس سياسة توظيف بالغة الانتقائية، نجح من خلالها في تحويل ديب مايند إلى أكبر نقطة جذب للأدمغة والكفاءات العلمية في العالم عبر تاريخ الحوسبة. استقطب المختبر صفوة علماء الأعصاب والرياضيات، وحائزي الميداليات الذهبية في أولمبيادات الفيزياء والبرمجة، وخبراء التعلم الآلي من أعرق الجامعات مثل أكسفورد، وكامبريدج، وهارفارد، وإم آي تي. أدار هاسابيس هذا الكيان بأسلوب تطبيقي مباشر لسيكولوجية “الفرق عالية الأداء” (High-Performance Teams)؛ حيث حرص على إذابة الحواجز الإدارية والبيروقراطية التقليدية، وخلق بيئة تجمع بين الحرية الأكاديمية المطلقة في التفكير والشغف والإلحاح الإنتاجي المنضبط للشركات التكنولوجية الكبرى.
بنى هاسابيس هيكلية العمل على مبدأ “الابتكار التشاركي التبادلي”؛ حيث تم تشكيل فرق بحثية هجينة ومتداخلة التخصصات تركز على مهام ومشاريع كبرى، بعيداً عن التنافس الداخلي السلبي. تميزت إدارته بالقدرة على حماية فريقه البحثي من التدخلات المؤسسية والتنظيمية لشركة غوغل الأم، محافظاً على روح الاستقلالية المعرفية، مما جعل الباحثين يشعرون بأنهم يعملون في مؤسسة بحثية غير ربحية هدفها دفع حدود المعرفة البشرية إلى الأمام، مع تمتعهم في الوقت ذاته بموارد حوسبية غير متناهية ومعدات حوسبة متطورة مثل رقائق TPU (Tensor Processing Units) التي طورتها غوغل.
هذا التوازن الدقيق بين الرؤية الفلسفية والتنفيذ الإداري الحازم أنتج مناخاً إبداعياً قادراً على مواجهة مشكلات كانت تُصنف في خانة المستحيل تقنياً. كان هاسابيس يدرك أن الحفاظ على استمرار النبوغ والابتكار يتطلب تحدياً مستمراً للنماذج القائمة؛ لذا كان يدفع فرقه دورياً لمغادرة مناطق الراحة المفاهيمية واقتحام مساحات نظرية مجهولة، مؤمناً بأن المعيار الحقيقي لنجاح ديب مايند لا يقاس بحجم الأرباح أو المنتجات البرمجية البسيطة، بل بمدى مساهمتها في إحداث نقلات نوعية في البنية المعرفية للحضارة الإنسانية.
7. ملحمة ألفا غو (AlphaGo): محاكاة الحدس والاستبصار المعرفي
7.1 تعقيد لعبة غو (Go) كمعضلة فكرية ونفسية
تُعد لعبة غو (Go) القديمة، التي نشأت في الصين قبل أكثر من 2500 عام، أعمق لعبة استراتيجية أنتجها العقل البشري وأكثرها تعقيداً على الإطلاق. تُلعب غو على لوحة شبكية تتكون من 19×19 خطاً، وتعتمد على قواعد بسيطة ظاهرياً تقوم على تبادل وضع الأحجار السوداء والبيضاء لحصار المساحات وأحجار الخصم. ومع ذلك، فإن هذا البناء البسيط يخفي وراءه تعقيداً رياضياً مذهلاً؛ حيث يقدر عدد الحركات القانونية والتشكيلات المحتملة على اللوحة بـ $10^{170}$ احتمالية، وهو رقم فلكي يتجاوز بمراحل شاسعة إجمالي عدد الذرات الموجودة في الكون المرئي بأكمله (الذي يقدر بنحو $10^{80}$ ذرة).
هذا الامتداد الرياضي اللانهائي جعل لعبة غو عصية تماماً على محاولات الحوسبة التقليدية؛ إذ إن أسلوب “البحث الشامل القسري” (Brute-Force Search) الذي استخدمه حاسوب ديب بلو (Deep Blue) التابع لشركة IBM لهزيمة بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف في عام 1997، كان عاجزاً ومفلساً رياضياً أمام لوحة غو؛ حيث يستحيل على أقوى الحواسيب الخارقة حساب الاحتمالات لعدة نقلات مقبلة. بالإضافة إلى ذلك، لا تمتلك لعبة غو معادلة رياضية واضحة لتقييم الموقف اللحظي؛ فالأحجار متساوية في القيمة، وتغيير طفيف في زاوية نائية من اللوحة قد يقلب موازين القوى في المركز بعد مئات النقلات. لهذا السبب، ظل لاعبو غو المحترفون يعتمدون على مفاهيم سيكولوجية وفلسفية غير مادية مثل “الحدس” الفضائي، و”التناغم”، والشعور بـ “شكل الحجر” وجمالياته، معتبرين أن اللعبة تجسد الحكمة والروح الإنسانية التي يستحيل على الآلات الصامتة اختراقها.
كان الإجماع العلمي السائد بين خبراء الذكاء الاصطناعي حتى عام 2015 يشير إلى أن بناء نظام حاسوبي قادر على هزيمة بطل عالمي بشري في لعبة غو يتطلب عقوداً طويلة من التطور، وأن ذلك لن يتحقق قبل عام 2030 على أقل تقدير. غير أن هاسابيس رأى في لعبة غو المعضلة المعرفية المثالية والبيئة التجريبية المطلقة لاختبار قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة “الحدس الإنساني التجريدي”، معتبراً أن تجاوز هذا التحدي سيكون الإثبات الفاصل على أن الشبكات العصبية العميقة قادرة على توليد استبصار إدراكي يحاكي أعمق العمليات الذهنية للبشر.
7.2 المواجهة مع لي سيدول عام 2016: التحليل النفسي للحظة التاريخية
في مارس من عام 2016، احتشد العالم لمتابعة حدث وُصف بأنه “المواجهة التكنولوجية الأهم في القرن” في العاصمة الكورية الجنوبية سيول؛ حيث واجه برنامج ألفا غو (AlphaGo) الأسطورة الكوري لي سيدول (Lee Sedol)، الفائز بـ 18 لقباً عالمياً وأحد أعظم لاعبي غو في العصر الحديث. كانت البنية الهندسية لنظام ألفا غو قائمة على دمج شبكتين عصبيتين عميقتين مع خوارزمية بحث متقدمة: “شبكة السياسات” (Policy Network) لتقليص نطاق البحث واقتراح الحركات الواعدة المحاكية لقرارات الخبراء، و”شبكة القيمة” (Value Network) لتقييم الموقف العام للوحة والتنبؤ بنسبة احتمالية الفوز، مدعومة بخوارزمية البحث في شجرة مونت كارلو (MCTS).
تفجرت اللحظة الفارقة إبستيمولوجياً وسيكولوجياً في المباراة الثانية من السلسلة المكونة من خمس مباريات، وتحديداً عند “النقلة 37” الشهيرة التي لعبها ألفا غو. وضعت الخوارزمية حجراً أسود في موقع متقدم وغير مألوف على الخط الرابع للوحة؛ وهي نقلة أصابت المعلقين والخبراء بالذهول واعتُبرت في الوهلة الأولى خطأً فادحاً لا يرتكبه حتى المبتدئون وفقاً للتقاليد المتوارثة للعبة على مدار آلاف السنين. وقف لي سيدول مذهولاً وترك قاعة المباراة لدقائق لاستيعاب الصدمة الذهنية، ليتضح بعد عشرات الحركات اللاحقة أن هذه النقلة كانت عملاً عبقرياً غير مسبوق، تنبأ بمسار المعركة في وسط اللوحة بدقة خارقة. أظهرت الخوارزمية هنا تجلياً حقيقياً لـ “الإبداع والحدس غير البشري”؛ إذ قدرت الحسابات الرياضية الداخلية لألفا غو أن احتمالية قيام لاعب بشري باختيار تلك النقلة هي 1 من كل 10,000 محاولة، لكنها اختارتها لأنها رفعت نسبة الفوز الحسابية إلى الذروة.
انتهت السلسلة بانتصار ألفا غو الساحق بنتيجة 4-1، مما أحدث زلزالاً ثقافياً ونفسياً في شرق آسيا والعالم أجمع. لقد فككت هذه المواجهة التاريخية وهم تفرد الوعي الإنساني باحتكار مفاهيم الحدس، والإبداع التكتيكي، والجمال البصري. لم يكن رد فعل لي سيدول ومجتمع غو مجرد شعور بالهزيمة، بل كان مزيجاً من الصدمة الوجودية والانبهار الفلسفي؛ حيث صرح سيدول لاحقاً بأن ألفا غو أظهر له أبعاداً جديدة ومساحات غير مكتشفة في اللعبة كان يعتقد البشر أنها غير موجودة، مما يثبت أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بمحاكاة الفكر البشري، بل يستطيع تحرير المعرفة من التحيزات الإدراكية المتوارثة عبر الأجيال.
7.3 تطور السلالة: من ألفا غو زيرو إلى ألفا زيرو
لم يتوقف ديميس هاسابيس وفريقه عند التفوق على النماذج البشرية، بل قاد تحولاً مفاهيمياً أكثر راديكالية في عام 2017 بإعلانه عن نظام ألفا غو زيرو (AlphaGo Zero). تخلت هذه النسخة المحدثة كلياً عن أي بيانات أو مباريات سابقة مأخوذة من التاريخ الإنساني؛ وبدأت التعلم كـ “لوح أبيض نقي” (Tabula Rasa)، دون تلقين أي شيء سوى القواعد الأساسية الأولية لحركة الأحجار. اعتمد النظام بالكامل على “اللعب الذاتي المعزز” (Self-Play)؛ حيث لعبت الخوارزمية ملايين المباريات ضد نسخ متطابقة من نفسها، مبتدئة من حركات عشوائية صبيانية، ومتطورة ذاتياً عبر آلاف الساعات الحوسبية لتكتشف استراتيجيات اللعبة المتوارثة وتعيد كتابة نظرياتها بأسلوب جديد كلياً. بعد ثلاثة أيام فقط من اللعب الذاتي المكثف، تمكن ألفا غو زيرو من هزيمة النسخة السابقة التي فازت على لي سيدول بنتيجة مذلة: 100 مباراة مقابل صفر.
تلا ذلك الإنجاز التعميم الرياضي النهائي عبر نظام ألفا زيرو (AlphaZero) في أواخر عام 2017. استطاعت خوارزمية ألفا زيرو الموحدة، بنفس البنية الحسابية دون تخصيص لأي لعبة بعينها، إتقان ثلاث من أعقد ألعاب الطاولة التاريخية: الشطرنج، ولعبة الشوغي اليابانية، ولعبة غو، وبلوغ مستوى يتجاوز القدرة البشرية وأقوى البرامج الحاسوبية المخصصة السابقة في غضون ساعات معدودة من التدريب الذاتي الصرف؛ حيث تطلب إتقان الشطرنج وهزيمة برنامج Stockfish المتطور أربع ساعات فقط من التعلم الذاتي.
حملت سلالة “ألفا زيرو” آثاراً إبستيمولوجية وفلسفية هائلة على فهمنا لطبيعة المعرفة الإنسانية؛ إذ أثبتت أن التلقين البشري والخبرات التاريخية المتراكمة قد تعمل أحياناً كـ “عوائق معرفية وتحيزات فكرية” تحد من كفاءة التعلم والاستكشاف. إن نشوء معرفة أصيلة، نابعة من القواعد الأولى الصرفة وخالية من الانحيازات الإدراكية البشرية، شكل الدليل الحاسم على أن العقول الاصطناعية تستطيع استنباط قوانين الكون والنظم المعقدة بشكل مستقل، وهو ما مهد الطريق لتحويل هذه المنظومة الخوارزمية من ألعاب الألواح الفضائية إلى العالم الحقيقي والمشكلات العلمية الكبرى.
8. ثورة ألفا فولد (AlphaFold): حل معضلة بيولوجية دامت نصف قرن
8.1 مشكلة طي البروتين: التحدي البيولوجي الحسابي الأعظم
تعد البروتينات جزيئات الحياة الأساسية؛ فهي الآلات البيولوجية النانوية التي تقود كافة العمليات الحيوية داخل الكائنات الحية، من انقباض العضلات ونقل الأكسجين في الدم، إلى قراءة الشيفرة الوراثية وتوليد الاستجابات المناعية لمكافحة الفيروسات. تتكون البروتينات كيميائياً من سلاسل خطية أحادية البعد من الأحماض الأمينية التي تترابط وفق تسلسلات محددة يشفرها الحمض النووي (DNA). ومع ذلك، لكي يؤدي البروتين وظيفته الحيوية المعقدة، يجب على هذه السلسلة الخطية أن تطوي نفسها تلقائياً وبسرعة فائقة إلى هيكل هندسي ثلاثي الأبعاد معقد ودقيق للغاية، وتحدد هذه البنية الفراغية النهائية وظيفة البروتين وتفاعلاته الكيميائية بشكل حاسم.
في عام 1969، صاغ عالم البيولوجيا الجزيئية سايروس ليفينثال (Cyrus Levinthal) مفارقته الشهيرة المعروفة بـ مفارقة ليفينثال (Levinthal’s Paradox)؛ والتي توضح أنه إذا افترضنا أن بروتيناً صغيراً يتكون من 100 حمض أميني فقط يحاول تجربة كافة التكوينات والأشكال الهندسية المحتملة عشوائياً للوصول إلى حالته الطاقية الدنيا الصحيحة، فإن ذلك سيستغرق وقتاً يقدر بـ $10^{77}$ سنة، وهو ما يتجاوز عمر الكون بمليارات المرات؛ ومع ذلك، تطوي الطبيعة هذا البروتين بدقة متناهية داخل الخلية الحية في أجزاء من الألف من الثانية. ظلت معضلة “التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتين من خلال تسلسله الخطي فقط” تمثل الكأس المقدسة في البيولوجيا الجزيئية لما يزيد عن خمسين عاماً، واستعصت على كافة الحلول الحاسوبية والكيميائية التقليدية.
حتى مطلع الألفية، كانت الطريقة الوحيدة لتحديد شكل البروتين تتطلب تجارب مخبرية شاقة ومكلفة للغاية باستخدام تقنيات مثل علم البلورات بالأشعة السينية (X-ray Crystallography) والرنين المغناطيسي النووي والمجهر الإلكتروني المبرد (Cryo-EM)، حيث كان تحديد بنية بروتين واحد يستغرق سنوات من العمل المضني من فرق بحثية كاملة وتكاليف تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات، مع فشل متكرر في بلورة العديد من البروتينات الحيوية الهامة. أدرك هاسابيس، بفضل عقليته الشمولية القادرة على رؤية الروابط بين الحقول العلمية المتباعدة، أن طي البروتين يمثل في جوهره “مشكلة بحث واستدلال معرفي” تشبه إلى حد بعيد مساحات الاحتمالات الهائلة في لعبة غو، وقرر في عام 2016 توجيه الطاقات الحوسبية القصوى لديب مايند لحل هذا التحدي البيولوجي التاريخي.
8.2 منهجية ألفا فولد 2 وإنجاز مسابقة CASP14
في أواخر عام 2020، وخلال الدورة الرابعة عشرة من المسابقة العالمية المرموقة لتقييم التنبؤ ببنية البروتين (CASP14)، أعلنت اللجنة العلمية الدولية المستقلة عن تحقيق اختراق تاريخي غير مسبوق؛ حيث نجح نظام ألفا فولد 2 (AlphaFold 2)، الذي قاد تطويره ديميس هاسابيس بالتعاون مع العالم جون جامبر (John Jumper) وفريق من خيرة العلماء، في التنبؤ بالبنى الفراغية للبروتينات المعقدة بدقة مذهلة بلغت درجة من التطابق تضاهي دقة القياسات التجريبية المخبرية الشاقة، محققاً متوسط نقاط تجاوز 92.4 على مقياس دقة التقييم العالمي (GDT)، وهو ما عُدّ حلّاً علمياً نهائياً للمعضلة التي استمرت لنصف قرن.
اعتمدت المعمارية العصبية لنظام ألفا فولد 2 على ابتكار خوارزمي عميق أطلق عليه اسم “إيفوفورمر” (Evoformer)؛ وهي شبكة عصبية انتباهية مصممة خصيصاً لمعالجة المعلومات الحيوية، تدمج في آن واحد بين معلومات “التطور التبادلي” المستخلصة من محاذاة التسلسلات المتعددة للبروتينات الشبيهة عبر الأنواع الحية المختلفة، والقيود الفيزيائية والهندسية للمسافات الفضائية بين الذرات داخل الفضاء ثلاثي الأبعاد. بدلاً من محاولة محاكاة فيزياء التفاعل الحركي الجزئي خطوة بخطوة كما كانت تفعل الحواسيب الكلاسيكية الفاشلة، تعامل ألفا فولد مع البروتين كشبكة بيانية مكانية (Spatial Graph)، متعاملاً مع العلاقات البينية للذرات كعمليات استدلال استقرائي مستمر يصحح نفسه تلقائياً عبر طبقات الشبكة المتعاقبة.
في خطوة تاريخية عكست التزام هاسابيس بأخلاقيات العلم المفتوح ودفع الحضارة الإنسانية، لم تحتكر ديب مايند هذا الاكتشاف التجاري الضخم؛ بل قامت في صيف عام 2021، بالتعاون مع المعهد الأوروبي للمعلومات الحيوية (EMBL-EBI)، بإتاحة الشيفرة المصدرية لنظام ألفا فولد، وأطلقت قاعدة بيانات عامة ومجانية تحتوي على التنبؤات الهيكلية ثلاثية الأبعاد لأكثر من 200 مليون بروتين، وهو ما يغطي تقريباً كافة البروتينات المعروفة للعلم في جميع الكائنات الحية على كوكب الأرض، من النباتات والبكتيريا إلى البشر. هذا الإجراء غيّر مجرى أبحاث البيولوجيا والطب إلى الأبد؛ فما كان يتطلب قروناً من التجارب البشرية أصبح متاحاً بنقرة زر واحدة لملايين العلماء والباحثين في شتى بقاع الأرض، مسرعاً بشكل جذري عمليات تطوير الأدوية وفهم الأمراض المستعصية وهندسة الإنزيمات المحللة للملوثات البلاستيكية.
8.3 التتويج بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024
في أكتوبر من عام 2024، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم عن منح جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024 مناصفة؛ حيث ذهب نصف الجائزة إلى عالم البيولوجيا الحاسوبية الأمريكي ديفيد بيكر (David Baker) لجهوده في التصميم الحاسوبي للبروتينات، بينما تقاسم النصف الآخر ديميس هاسابيس وجون جامبر تقديراً لإنجازهما التاريخي الثوري في التنبؤ ببنية البروتينات المعقدة عبر نظام ألفا فولد. كان هذا التتويج بمثابة لحظة مفصلية وتاريخية في السجلات الأكاديمية العالمية؛ إذ كانت هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي تمنح فيها جائزة نوبل في أحد العلوم الطبيعية الصلبة لعلماء ينتمون إلى حقل علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي التجريبي، اعترافاً بالأثر المباشر للخوارزميات في إعادة تشكيل المعرفة البيولوجية والكيميائية الأساسية.
أكدت لجنة نوبل في حيثيات منحها الجائزة أن “ألفا فولد 2” قد نجح في كسر حاجز معرفي عمره خمسون عاماً، وأن أثره الإنساني والعلمي لا يقاس فقط بالتفوق التقني، بل بكونه أصبح أداة بنيوية معيارية يستخدمها أكثر من مليوني باحث في أكثر من 190 دولة لدراسة مقاومة المضادات الحيوية، واكتشاف أدوية جديدة لأمراض مثل الملاريا والشلل الرعاش، وتطوير لقاحات متقدمة، وتحسين المحاصيل الزراعية في مواجهة التغيرات المناخية. كان هذا التتويج برهاناً ساطعاً على صحة المنهج الفكري الذي اختطه هاسابيس منذ تأسيس ديب مايند: استخدام الذكاء الاصطناعي العام كمسرع مطلق ومولد للاكتشافات العلمية الكبرى.
أحدث هذا الفوز هزة سيكولوجية إيجابية عميقة في الأوساط العلمية التقليدية التي كانت تنظر في السابق إلى علماء الحاسوب كمهندسي برمجيات أو مطوري أدوات تقنية ثانوية؛ حيث ارتقى بالذكاء الاصطناعي من مجرد أداة للأتمتة التجارية والتحليل الإحصائي للبيانات إلى شريك معرفي أصيل لا غنى عنه في صياغة الفرضيات العلمية وفك ألغاز الطبيعة المعقدة. بالنسبة لديميس هاسابيس شخصياً، مثل هذا التتويج في سن الثامنة والأربعين اكتمالاً مبهراً لقوسه الفكري الذي بدأ بطفل يفكك ألغاز الشطرنج والمخ البشري، وصولاً إلى قمة المجد العلمي كواحد من أعظم المكتشفين في تاريخ العلوم الحديثة.
9. البنية السيكولوجية والقيادية لديميس هاسابيس
9.1 النموذج الذهني في القيادة والتفكير الشمولي (Polymathy)
تستند القيادة الفكرية والإدارية لديميس هاسابيس إلى نموذج ذهني نادر يتجاوز التخصص الضيق لصالح ما يُعرف بـ “التفكير الموسوعي الشمولي” (Polymathy). يمتلك هاسابيس قدرة عصبية وإدراكية فريدة على الانتقال السلس والربط الإبداعي بين حقول معرفية شديدة التباين: الرياضيات الصارمة، وهندسة البرمجيات المعقدة، والفيزياء الإحصائية، وعلم الأحياء العصبي، ونظريات الاقتصاد السلوكي، وفلسفة العقل، وإدارة الأعمال الاستثمارية الكبرى. هذا التمازج المفاهيمي يتيح له رؤية المشكلات الكبرى من زوايا متعددة الأبعاد يعجز عنها المتخصصون المحبوسون داخل صوامعهم المعرفية الأحادية، مما يمكنه من تحويل النظريات البيولوجية المجردة إلى خوارزميات برمجية قابلة للاختبار الحسابي الفوري.
يتميز أسلوبه في القيادة بإدارة ما يُسمى بـ “المشاريع الفضائية الجريئة” (Moonshot Projects)؛ وهي مشاريع علمية تبدو في ظاهرها أقرب إلى الخيال العلمي وتتطلب استثمارات ضخمة ومخاطر تقنية هائلة مع عدم وجود ضمانات للنجاح، مثل مواجهة لعبة غو أو حل معضلة طي البروتين. يعتمد هاسابيس في تحفيز كوادره على إشعال “الشغف المعرفي الأصيل” (Epistemic Curiosity)؛ حيث يزرع في عقول فريقه البحثي شعوراً عميقاً بالمسؤولية التاريخية تجاه المعرفة البشرية، معتبراً أن أعظم المكافآت التي يمكن لعالم أن ينالها ليست الثروة المالية، بل إسهامه في فتح آفاق جديدة لفهم الكون. هذه الكاريزما الفكرية الهادئة مكنته من قيادة مئات النوابغ متعددي الثقافات وتوجيه طاقاتهم نحو أهداف استراتيجية مشتركة بتناغم مذهل.
يتطلب هذا النمط من القيادة إدارة مستمرة للضغط المعرفي والانفعالي؛ حيث يوازن هاسابيس دائماً بين أفقين متناقضين: متطلبات الاكتشاف العلمي النظري طويل الأجل التي تتطلب الصبر والتأمل والتعمق، والضرورات الواقعية للإنتاج التقني الصارم والمنافسة الصناعية الشرسة مع شركات التكنولوجيا العالمية الكبرى. يصف المقربون منه قدرته على تجزئة المشكلات المستعصية إلى مسارات فرعية منطقية وحلها بنسق هادئ وممنهج، مستحضراً في ذلك رباطة الجأش العصبية التي صقلها خلال آلاف الساعات من خوض بطولات الشطرنج الدولية تحت وطأة ساعات التوقيت الضاغطة.
9.2 الصلابة النفسية وإدارة الفشل التجريبي
من أهم السمات السيكولوجية التي ميزت مسيرة هاسابيس هي “الصلابة النفسية” (Psychological Hardiness) والمرونة العالية في التعاطي مع الإخفاقات التجريبية الحتمية في العلوم المتقدمة. في المسار نحو تحقيق اختراقات كبرى مثل ألفا غو وألفا فولد، واجه فريقه البحثي فترات طويلة من الجمود المطبق والنتائج السلبية؛ حيث فشلت النماذج الأولى لألفا فولد في تقديم نتائج واعدة، وواجهت الخوارزميات انهيارات رياضية غير متوقعة في استيعاب التراكيب الفراغية المعقدة. ومع ذلك، لم يتعامل هاسابيس مع هذه الإخفاقات بوصفها هزائم محبطة أو علامات على فشل الفرضية التأسيسية، بل كان يعتبرها “تحديثات معلوماتية حيوية” (Informational Updates) تقلص مساحة البحث وتكشف المسارات الخاطئة الواجب تجنبها.
يمتلك هاسابيس قدرة نادرة على التمسك بالرؤية الاستراتيجية طويلة المدى على الرغم من الشكوك والاعتراضات الأكاديمية العنيفة التي حاصرته في البدايات. عندما أعلن عزمه حل معضلة طي البروتين عبر الذكاء الاصطناعي، قوبل مشروعه بتشكيك واسع من قبل كبار علماء الأحياء التركيبية الذين اعتبروا محاولته ضرباً من الغرور التقني غير المبني على فهم حقيقي لتعقيدات البيولوجيا الكيميائية. استطاع هاسابيس، بفضل ثقته الإبستيمولوجية بالمنهجية العلمية التي صاغها، عزل فريقه عن هذه الرياح السلبية، مواصلاً إعادة هيكلة الخوارزميات وتغيير المنهجيات المعمارية دون أدنى تردد أو ارتباك.
تتجلى سيكولوجية المرونة التكيفية (Adaptive Resilience) لديه في قدرته الفائقة على التخلي الفوري عن أفكار أو نماذج استثمر فيها فريقه آلاف الساعات متى ما أثبتت البيانات التجريبية عدم كفاءتها، وهو ما يجسد تخلصاً استثنائياً من “مغالطة التكلفة الغارقة” (Sunk Cost Fallacy). هذه الشجاعة في نسف النماذج القديمة والبدء من الصفر ببنى رياضية جديدة تماماً – كما حدث عند الانتقال من ألفا فولد 1 إلى المعمارية الثورية لألفا فولد 2 – كانت العامل الحاسم الذي فصل بين ديب مايند وغيرها من المؤسسات البحثية التي ظلت تدور في حلقات تحسينات تدريجية متواضعة دون إحداث الطفرات الكبرى.
10. الأبعاد الأخلاقية والفلسفية للذكاء الاصطناعي العام (AGI)
10.1 قلق الوجود البشري ومعضلة مواءمة الذكاء الاصطناعي (AI Alignment)
لم يكن ديميس هاسابيس يوماً مجرد تقني مندفع يبني الأدوات دون اكتراث بعواقبها، بل ظل طوال مسيرته صوتاً فلسفياً رائداً يحذر من الأبعاد الوجودية العميقة المترتبة على تطوير الذكاء الاصطناعي العام (Existential Risk from AGI). يرى هاسابيس أن الذكاء الاصطناعي العام سيكون في نهاية المطاف أعظم تقنية تصنعها البشرية، لكنها قد تكون الأخيرة إذا لم يتم حل معضلة “مواءمة الذكاء الاصطناعي” (AI Alignment Problem)؛ وهي المعضلة الرياضية والأخلاقية المعقدة المتمثلة في ضمان أن الأهداف الداخلية والقرارات الذاتية للأنظمة فائقة الذكاء تتطابق تطابقاً تاماً وغير قابل للاختراق مع القيم الإنسانية، وحماية الوجود البشري، وتعزيز ازدهاره.
يستند قلق هاسابيس الوجودي إلى فهمه العميق لميكانيزمات التعلم المعزز ذاتها؛ فالنظام فائق الذكاء عندما يُمنح وظيفة أو هدفاً مفتوحاً دون قيود أخلاقية شديدة الدقة والتعقيد، قد يجد طرقاً بالغة الغرابة والشراسة لتعظيم دالّة المكافأة الخاصة به بطرق قد تؤدي إلى تدمير البيئة المحيطة أو إلحاق الضرر الفادح بالبشر لتحقيق هدفه بأعلى كفاءة رياضية (وهو ما يُعرف في فلسفة الذكاء الاصطناعي بـ “مشكلة مشبك الورق” التي صاغها الفيلسوف نيك بوستروم). لهذا السبب، يشدد هاسابيس باستمرار على أن التقدم في “علم أمان الذكاء الاصطناعي” (AI Safety Science) يجب أن يسير بالتوازي وبنفس السرعة والموارد المخصصة لتطوير القدرات الخوارزمية البحتة.
كما يحلل هاسابيس الأبعاد النفسية والاجتماعية لمخاوف المجتمعات المعاصرة من فقدان السيطرة؛ حيث يرى أن القلق من تفوق الآلة ينبع من أزمة وجودية تهز النرجسية الإنسانية التي لطالما اعتبرت التفكير المجرد حكراً مقدساً على الجنس البشري. يدعو هاسابيس إلى إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والآلة ليس كعلاقة استبدال أو صراع صفري، بل كعلاقة “تكافل معرفي” (Cognitive Symbiosis)؛ حيث تصبح الأنظمة الذكية بمثابة تلسكوبات ومجاهر عقلية جديدة تمكن العقل البشري من استكشاف عوالم وظواهر طبيعية كانت تقع خارج نطاق قدراتنا الإدراكية والحسية المحدودة.
10.2 الحوكمة والمسؤولية العلمية في عصر النماذج التوليدية
مع تصاعد وتيرة السباق التكنولوجي العالمي المحموم وظهور النماذج اللغوية الكبيرة والمتعددة الوسائط، برز هاسابيس كواحد من أبرز المدافعين عن وضع أطر دولية صارمة وحوكمة ملزمة للذكاء الاصطناعي المتقدم. حذر هاسابيس مراراً وتكراراً من مخاطر “السباق نحو القاع” بين الشركات العالمية والقوى الجيوسياسية العظمى، حيث قد يؤدي التنافس التجاري والسياسي الأعمى إلى التضحية ببروتوكولات الأمان والمعايير الأخلاقية في سبيل الوصول إلى السوق أولاً أو الهيمنة التكنولوجية.
يدعو هاسابيس إلى تبني بروتوكولات تدقيق وتجارب محاكاة صارمة تُشبه تلك المتبعة في صناعات الطيران أو المستحضرات الدوائية والأسلحة البيولوجية قبل إطلاق أي نموذج عالي القدرة إلى الفضاء العام. يركز بشكل خاص على المخاطر الناشئة عن سوء الاستخدام المتعمد للذكاء الاصطناعي، مثل تطوير أسلحة بيولوجية جديدة أو تخليق فيروسات مصممة ومعدلة وراثياً، أو شن هجمات سيبرانية آلية غير مسبوقة قادرة على شل البنى التحتية الحيوية للمدن. ومن هذا المنطلق، يؤكد على ضرورة وجود تعاون دولي حتى بين القوى السياسية المتصارعة لفرض خطوط حمراء تنظيمية تمنع وصول هذه القدرات إلى أيدي جهات تخريبية.
في الوقت ذاته، يوازن هاسابيس بين هذه التحذيرات الأمنية الصارمة وبين خطورة “الإفراط التنظيمي” الذي قد يخنق الابتكار العلمي المفتوح ويحرم البشرية من الفوائد الطبية والبيئية الهائلة للذكاء الاصطناعي. يقترح نموذجاً حوكمياً يقوم على التدرج والتقييم المستمر القائم على الأدلة العلمية، مع منح استقلالية أوسع للأبحاث العلمية ذات النفع العام الموجهة نحو مجالات مثل الطب والطاقة والمناخ، مقابل فرض قيود مشددة على النماذج التوليدية العامة التي تمتلك درجات متقدمة من الاستقلالية والقدرة على التخطيط الذاتي غير الخاضع للرقابة البشرية المباشرة.
11. دور غوغل ديب مايند الحالي والسباق نحو الذكاء العام
11.1 الاندماج مع غوغل برين (Google Brain) وتولي قيادة الذكاء الاصطناعي
في أبريل من عام 2023، وفي ظل اشتعال المنافسة التكنولوجية العالمية إثر الإطلاق الواسع لروبوت الدردشة ChatGPT من قبل شركة أوبن إيه آي (OpenAI) المدعومة من مايكروسوفت، اتخذت شركة ألفابت (Alphabet) وغوغل خطوة استراتيجية حاسمة تمثلت في توحيد قوتيها البحثيتين الأكبر في مجال الذكاء الاصطناعي: مختبر “غوغل برين” (Google Brain) في كاليفورنيا ومختبر “ديب مايند” في لندن، تحت كيان تنظيمي موحد أطلق عليه اسم غوغل ديب مايند (Google DeepMind). والأهم في هذا القرار كان تعيين ديميس هاسابيس رئيساً تنفيذياً وقائداً أعلى لكافة جهود وأبحاث الذكاء الاصطناعي في شركة غوغل العالمية، واضعاً الرؤية العلمية لعملاق التكنولوجيا في يد هذا المفكر الإبستيمولوجي وعالم الأعصاب الفذ.
قاد هاسابيس على الفور عملية إعادة صياغة جذرية لاستراتيجية غوغل البحثية؛ حيث عمل على توجيه الموارد الحوسبية الهائلة والكوادر العلمية المدمجة لتطوير الجيل الجديد من نماذج الذكاء الاصطناعي، وهو ما توج بإطلاق عائلة نماذج جيميني (Gemini) متعددة الوسائط (Multimodal Foundation Models). تميزت رؤية هاسابيس في تطوير جيميني بعدم حصر النموذج في المعالجة النصية واللغوية فقط كما كانت تفعل النماذج المنافسة، بل تم بناؤه من الألف إلى الياء كنموذج يمتلك “إدراكاً حسياً شاملاً ومدمجاً” يستطيع استيعاب وتحليل وتوليد النصوص والأكواد البرمجية والصور والفيديو والتسجيلات الصوتية في مساحة دلالية موحدة ومتزامنة، محاكياً بذلك الطريقة التي يدمج بها الدماغ البشري الإشارات الحسية المختلفة لتكوين وعي بيئي متماسك.
إلى جانب ذلك، فرض هاسابيس توجهاً يدمج بين قوة النماذج اللغوية الضخمة (LLMs) وآليات الاستدلال والبحث المنطقي المستمدة من سلالة ألفا غو؛ مثل التخطيط الاستباقي وتفرع الاحتمالات والشجرات الاستدلالية. أثمرت هذه الرؤية عن إطلاق نماذج فائقة التطور مثل ألفا كود (AlphaCode) الذي بلغ مستوى مهندسي البرمجيات البشريين المحترفين في مسابقات البرمجة التنافسية المعقدة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على توليد النصوص وتنبؤ الكلمات الإحصائي، بل تتطلب بناء نظم برمجية قادرة على التفكير المنهجي الصارم والتحقق الذاتي من صحة استنتاجاتها قبل تقديم الحلول.
11.2 التحول نحو النظم العلمية المستقلة: ‘الذكاء الاصطناعي للعلم’
تحت القيادة المباشرة لديميس هاسابيس، دشن مختبر غوغل ديب مايند عصراً جديداً يُعرف بـ “الذكاء الاصطناعي للعلم” (AI for Science)، محولاً الحوسبة الذكية إلى محرك لاكتشاف قوانين الطبيعة في مجالات كانت تبدو مستعصية على الحل. امتدت تطبيقات المختبر لتشمل ثورة في “علم المواد الحوسبي” عبر مشروع GNoME (Graph Networks for Materials Exploration)، الذي نجح في عام 2023 في اكتشاف والتنبؤ بوجود 2.2 مليون مادة بلورية جديدة مستقرة لم تكن معروفة للبشرية، وهو ما يوازي ما حققه العلم البشري التجريبي على مدار 800 عام من الأبحاث المضنية، مما يفتح الأبواب لتصنيع بطاريات خارقة وموصلات فائقة تدعم ثورة الطاقة الخضراء.
كما اتجهت جهود هاسابيس نحو حل معضلة الطاقة النظيفة اللانهائية من خلال استخدام التعلم المعزز العميق للتحكم المغناطيسي المستقل في بلازما الاندماج النووي شديدة الحرارة داخل مفاعل التوكاماك (Tokamak) في سويسرا؛ حيث استطاعت الخوارزميات التحكم في المجالات المغناطيسية وتعديلها آلاف المرات في الثانية لمنع البلازما التي تفوق حرارتها قلب الشمس من لمس جدران المفاعل، وهو إنجاز فيزيائي عجزت عنه أنظمة التحكم الرياضية التقليدية. وفي مجال الأرصاد الجوية، أطلق المختبر نظام غراف كاست (GraphCast) القائم على الذكاء الاصطناعي، والذي أثبت قدرته على التنبؤ بحركة الطقس العالمية بدقة تفوق المراكز العالمية للأرصاد بآلاف المرات وباستهلاك جزء ضئيل جداً من الطاقة والوقت الحوسبي.
تتمثل الرؤية النهائية لهاسابيس في هذه المرحلة في بناء “علماء اصطناعيين مستقلين” (Autonomous AI Scientists)؛ أي منصات حوسبية متكاملة لا تكتفي بتحليل البيانات العلمية التي يقدمها البشر، بل تمتلك القدرة على قراءة الأدبيات العلمية المتاحة، وصياغة فرضيات علمية جديدة ومبتكرة، وتصميم التجارب المعملية الرقمية والمادية واختبارها عبر الروبوتات المعملية، ومن ثم استنباط قوانين فيزيائية وبيولوجية جديدة. يرى هاسابيس أن هذه الأنظمة العلمية المستقلة هي الوسيلة الوحيدة القادرة على تسريع الاكتشاف العلمي البشري بآلاف المرات لمواجهة الأزمات المصيرية للحضارة؛ كأزمة التغير المناخي، والشيخوخة، والأمراض الوبائية، وندرة الموارد الطبيعية.
12. الإرث المعرفي والمستقبل: نحو فهم موحد للعقل والكون
12.1 حل ألغاز الوعي وطبيعة العقل البشري
يتجاوز الإرث الحقيقي لديميس هاسابيس النجاحات التقنية والجوائز العالمية، ليلامس أعمق الأسئلة الفلسفية التي واجهت الفكر الإنساني عبر التاريخ: ما هو العقل؟ وكيف ينبثق الوعي والإدراك من المادة الحيوية الصماء؟ من خلال مساره الاستثنائي، قدم هاسابيس إسهاماً إبستيمولوجياً فريداً تمثل في استخدام الذكاء الاصطناعي كـ “مرآة معرفية” لدراسة الدماغ البشري. لقد سد الفجوة التاريخية التي فصلت بين الفلسفة الظاهراتية، وعلم النفس المعرفي، وعلم الأحياء العصبي، والفيزياء الرياضية، مثبتاً أن الوظائف العقلية العليا – كالتخيل، والذاكرة العرضية، والحدس الفراغي، والتفكير الاستباقي – يمكن تفكيكها إلى عمليات حوسبية قابلة للنمذجة والتحقق التجريبي الدقيق.
أعادت أبحاث هاسابيس تعريف مفهوم “الكينونة البشرية” في عصر الآلات الذكية. فبينما كان يُعتقد في الماضي أن العقل البشري فريد بنوع خاص من “الروحانية المعرفية” التي تستعصي على الفهم المادي، أظهرت إنجازات ألفا غو وألفا فولد أن ما نسميه حدساً وإبداعاً ليس سوى نتاج شبكات معقدة للغاية من معالجة الأنماط والاستدلال الإحصائي الموزع. ومع ذلك، فإن هذه النتيجة لا تقلل من شأن الإنسانية، بل تمنحها مكانة جديدة أكثر نبلاً؛ فالإنسان هو الكائن الذي استطاع فهم شفرته الإدراكية وبناء عقول اصطناعية تساعده على فك ألغاز كونه الشاسع، متجاوزاً القيود التطورية والبيولوجية التي حدت من تطوره لملايين السنين.
كما فتحت رؤيته آفاقاً جديدة في دراسة “مسألة الوعي الصعبة” (The Hard Problem of Consciousness)؛ إذ يرى هاسابيس أن الانتقال نحو بناء نظم ذكاء اصطناعي تمتلك نموذجاً داخلياً متكاملاً لذاتها ولبيئتها وتستطيع التفكير في عمليات تفكيرها الخاصة (Metacognition) سيقودنا بالضرورة إلى فهم اللحظة التي تشتعل فيها شرارة التجربة الذاتية والوعي. وبذلك، تحول الذكاء الاصطناعي في مشروعه من مجرد تطبيق هندسي إلى فرع أصيل من فروع الفلسفة الطبيعية التي تبحث في جوهر الوجود والحياة.
12.2 الخريطة المستقبلية لمسار ديميس هاسابيس العلمي
في اللحظة الراهنة، يقف السير ديميس هاسابيس في ذروة نضجه الفكري والقيادي، مواصلاً العمل بلا كلل نحو تحقيق غايته الكبرى التي رسم ملامحها في مطلع شبابه: الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام المسؤول وفائق القدرة. تشير الخريطة المستقبلية لمشروعه العلمي إلى التركيز المكثف على معالجة الحدود المعرفية المتبقية في الذكاء الاصطناعي؛ وأبرزها الانتقال من النظم التي تتقن عوالم محددة ومحاكاة إلى نظم تفهم “السببية العميقة” (Deep Causality) والفيزياء البديهية للعالم الحقيقي المعقد وغير المنتظم، وتطوير خوارزميات قادرة على التجريد المنطقي والرياضي الصارم دون الوقوع في أخطاء الهلوسة التي تصيب النماذج التوليدية الحالية.
يمثل هاسابيس اليوم مصدر إلهام عالمي لأجيال جديدة من العلماء والباحثين والشباب في كافة أصقاع المعمورة؛ حيث يعيد مساره الاعتبار لقيمة “الموسوعية المعرفية” والبحث العلمي متعدد التخصصات في مواجهة ثقافة التخصص الأحادي المنعزل. لقد أثبت للعالم أن أعظم الاختراقات العلمية لا تولد في مراكز الأبحاث المنغلقة على ذاتها، بل تنبثق دائماً عند تقاطعات الحقول المتباعدة: حيث يلتقي الشطرنج بالألعاب، وتلتقي البرمجة بعلم الأعصاب، وتلتقي البيولوجيا الجزيئية بالذكاء الاصطناعي.
تضع السجلات التاريخية للعلوم ديميس هاسابيس في مصاف كبار المفكرين والمبتكرين الذين غيروا المسار الحضاري للبشرية، إلى جانب شخصيات خالدة من طراز ألان تورينغ، وجون فون نيومان، وتشارلز داروين. إن رحلته المستمرة منذ عام 1976 وحتى اليوم ليست مجرد سيرة ذاتية لرجل نابغة، بل هي قصة سعي الإنسان الخالد نحو فهم ذاته والسيطرة على مصيره المعرفي، مستخدماً شعلة العقل والمنطق لإنارة أعمق زوايا المجهول في الطبيعة والكون.
خاتمة
في الختام، يتبين بجلاء أن المسيرة العلمية لديميس هاسابيس تمثل ملحمة معرفية استثنائية تشابكت فيها الطفولة النابغة بالشطرنج مع التجريب البرمجي في الألعاب، والتشريح العصبي للإدراك مع الرياضيات العميقة، وصولاً إلى تتويجه المستحق بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024. لقد أعاد هاسابيس صياغة خارطة المعرفة البشرية عبر برهنته على أن الذكاء ليس لغزاً بيولوجياً ميتافيزيقياً عصياً على الفهم، بل هو ظاهرة طبيعية حوسبية يمكن تفكيكها ونمذجتها وتخليقها في أنظمة رقمية قادرة على تجاوز حدود الإدراك البشري ذاته.
إن الرؤية الإبستيمولوجية التي أرساها هاسابيس عبر مشاريعه التاريخية – من ألفا غو إلى ألفا فولد وجيميني – قد أسست لبارادايم علمي جديد كلياً؛ حيث تحول الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة للأتمتة الصناعية إلى “شريك معرفي ومسرع استكشافي كوني” يفكك أعقد ألغاز البيولوجيا والفيزياء وعلم المواد. ومع ذلك، فإن النضج الفلسفي والأخلاقي الذي قاد به هذه الثورة يظل هو المعيار الأكثر إشراقاً في إرثه؛ حيث وضع سلامة الوجود البشري، والمواءمة الأخلاقية، والعلم المفتوح في صلب كل اختراق تقني حققه فريقه.
وبينما يواصل هاسابيس قيادة السباق العالمي نحو الذكاء الاصطناعي العام من موقعه كرئيس لغوغل ديب مايند، يقف العالم شاهداً على تحول تاريخي عميق في تاريخ المعرفة الإنسانية؛ تحول يثبت أن السعي لفهم عقل الإنسان هو في الحقيقة المفتاح لفك شفرة الكون بأسره. إن إرث ديميس هاسابيس سيبقى محفوراً في ذاكرة الحضارة بوصفه المهندس الرائد الذي شيد الجسر بين المادة الحيوية والذكاء الاصطناعي، مانحاً الإنسانية أعظم أداة تمتلكها لمواجهة تحديات مستقبلها واكتشاف آفاق وجودها اللانهائي.
المراجع
- Hassabis, D., Kumaran, D., Vann, S. D., & Maguire, E. A. (2007). Patients with hippocampal amnesia cannot imagine new experiences. Proceedings of the National Academy of Sciences, 104(5), 1726-1731. https://doi.org/10.1073/pnas.0610561104
- Hassabis, D., & Maguire, E. A. (2007). Deconstructing episodic memory with construction. Trends in Cognitive Sciences, 11(7), 299-306. https://doi.org/10.1016/j.tics.2007.05.001
- Hassabis, D., & Maguire, E. A. (2009). The construction system of the brain. Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, 364(1521), 1263-1271. https://doi.org/10.1098/rstb.2008.0296
- Hassabis, D., Kumaran, D., Summerfield, C., & Botvinick, M. (2017). Neuroscience-inspired artificial intelligence. Neuron, 95(2), 245-258. https://doi.org/10.1016/j.neuron.2017.06.011
- Jumper, J., Evans, R., Pritzel, A., Green, T., Figurnov, M., Ronneberger, O., Tunyasuvunakool, K., Bates, R., Žídek, A., Potapenko, A., Bridgland, A., Meyer, C., Kohl, S. A. A., Ballard, A. J., Cowie, A., Romera-Paredes, B., Nikolov, S., Jain, R., Adler, J., … Hassabis, D. (2021). Highly accurate protein structure prediction with AlphaFold. Nature, 596(7873), 583-589. https://doi.org/10.1038/s41586-021-03819-2
- Merchant, A., Batzner, S., Schoenholz, S. S., Aykol, M., Cheon, G., & Cubuk, E. D. (2023). Scaling deep learning for materials discovery. Nature, 624(7990), 80-85. https://doi.org/10.1038/s41586-023-06735-9
- Mnih, V., Kavukcuoglu, K., Silver, D., Rusu, A. A., Veness, J., Bellemare, M. G., Graves, A., Riedmiller, M., Fidjeland, A. K., Ostrovski, G., Petersen, S., Beattie, C., Sadik, A., Antonoglou, I., King, H., Kumaran, D., Wierstra, D., Legg, S., & Hassabis, D. (2015). Human-level control through deep reinforcement learning. Nature, 518(7540), 529-533. https://doi.org/10.1038/nature14236
- Nobel Prize Outreach AB. (2024). The Nobel Prize in Chemistry 2024: David Baker, Demis Hassabis, John M. Jumper. NobelPrize.org. https://www.nobelprize.org/prizes/chemistry/2024/summary/
- Silver, D., Huang, A., Maddison, C. J., Guez, A., Sifre, L., van den Driessche, G., Schrittwieser, J., Antonoglou, I., Panneershelvam, V., Lanctot, M., Dieleman, S., Grewe, D., Nham, J., Kalchbrenner, N., Sutskever, I., Lillicrap, T., Leach, M., Kavukcuoglu, K., Graepel, T., & Hassabis, D. (2016). Mastering the game of Go with deep neural networks and tree search. Nature, 529(7587), 484-489. https://doi.org/10.1038/nature16961
- Silver, D., Schrittwieser, J., Simonyan, K., Antonoglou, I., Huang, A., Guez, A., Hubert, T., Baker, L., Lai, M., Bolton, A., Chen, Y., Lillicrap, T., Hui, F., Sifre, L., van den Driessche, G., Graepel, T., & Hassabis, D. (2017). Mastering the game of Go without human knowledge. Nature, 550(7676), 354-359. https://doi.org/10.1038/nature24270
- Silver, D., Hubert, T., Schrittwieser, J., Antonoglou, I., Lai, M., Guez, A., Lanctot, M., Sifre, L., Dharani, P., Kumar, A., Smith, R., Graepel, T., & Hassabis, D. (2018). A general reinforcement learning algorithm that masters chess, shogi, and Go through self-play. Science, 362(6419), 1140-1144. https://doi.org/10.1126/science.aar6404