ديفيد سيرز – 1935 إلى الوقت الحاضر

ديفيد أوه. سيرز (David O. Sears)

  • 1935 – حتى الآن
  • أمريكي
  • علم النفس السياسي / السلوكية المعرفية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 16 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 16 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • مفهوم العنصرية الرمزية (Symbolic Racism)
  • نظرية السياسات الرمزية (Symbolic Politics)
  • نموذج الاستمرارية في التنشئة السياسية (The Persistence Model)
  • تحليل أحداث شغب حي واتس 1965
  • تأسيس برامج علم النفس السياسي البينية

السيرة

يمثل البروفيسور ديفيد أوه. سيرز (David O. Sears)، المولود في عام 1935، إحدى القمم الفكرية الشامخة التي أعادت ترسيم الحدود المعرفية بين العلوم السياسية وعلم النفس الاجتماعي على مدار أكثر من ستة عقود من العطاء الأكاديمي الرصين. لقد استطاع سيرز، من خلال مشروعه العلمي الممتد في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، أن ينتشل دراسة السلوك السياسي من حمأة التفسيرات النفعية السطحية والنماذج الاقتصادية الضيقة للاختيار العقلاني، مؤسساً بديلاً نظرياً صلباً يستند إلى مركزية المشاعر الوجدانية العميقة، والتنشئة الاجتماعية الباكرة، والرموز الثقافية المتوارثة عبر الأجيال. إن قراءة سيرة سيرز ليست مجرد استعراض لمسيرة باحث مرموق، بل هي استكشاف نقدي لتطور الفكر السلوكي الأمريكي والعالمي في مواجهة أعقد معضلات العصر: من الانقسام العرقي الحاد إلى الاستقطاب الإيديولوجي المستعصي.

تكمن فرادة هذا العالم في قدرته الاستثنائية على الجمع بين النزول الميداني الجريء لدراسة الظواهر الاجتماعية في ذروة اشتعالها—كما تجلى في تحليلاته التاريخية الرائدة لأحداث شغب حي “واتس” في لوس أنجلوس عام 1965—وبين الصرامة الإحصائية والمنهجية الفائقة في تصميم المسوح الوطنية وبناء المقاييس السيكومترية المتقدمة. لقد كانت أعماله المبتكرة برفقة ثلة من كبار علماء الاجتماع والسياسة، مثل دونالد كيندر، الشرارة التي أطلقت مفاهيم حاسمة في المعجم الأكاديمي الحديث، وعلى رأسها “العنصرية الرمزية” (Symbolic Racism) ونظرية “السياسات الرمزية” (Symbolic Politics) ونموذج “الاستمرارية” (The Persistence Model) في التنشئة السياسية، وهي أدوات تحليلية لا تزال حتى اللحظة الراهنة تمثل الإطار الأكثر تفسيرية لصعود التيارات الشعبوية، وتصلب الهويات الحزبية، وتفاقم الاحتكاكات العرقية في الديمقراطيات الغربية المعاصرة.

يهدف هذا المقال الأكاديمي الموسع والشامل إلى تقديم دراسة معمقة وتفصيلية لمسيرة ديفيد سيرز الفكرية والمنهجية منذ ولادته عام 1935 وحتى الوقت الحاضر. يتتبع المقال منعرجات مساره البيوغرافي ومحطاته التأسيسية، ويفكك البنية المنطقية لنظرياته الجوهرية، ويحلل سجالاته الفكرية العاصفة مع منافسيه من أنصار النماذج العقلانية والمحافظة الأيديولوجية، مستعرضاً كذلك إسهاماته الإبستيمولوجية التي غيرت مجرى البحث السيكولوجي المقارن. إنها رحلة في عقل مفكر نذر حياته لسبر أغوار النفس البشرية في معتركها السياسي، مقدماً للبشرية فهماً أعمق لطبيعة التحيزات الكامنة والدوافع الخفية التي تصنع قرارات الإنسان وتحدد مصائر المجتمعات الإنسانية.

1. مدخل تعريفي إلى مسيرة ديفيد سيرز ومكانته في علم النفس المعاصر

1.1 الهوية الأكاديمية والريادة في تقاطع علم النفس والعلوم السياسية

يحتل ديفيد سيرز مكانة استثنائية بوصفه أحد الآباء المؤسسين لحقل علم النفس السياسي المعاصر؛ ذلك الفرع المعرفي البيني الذي انبثق لسد الهوة الإبستيمولوجية السحيقة بين علم النفس الاجتماعي بمختبراته التجريبية الصارمة والعلوم السياسية بمسوحها وتحليلاتها البنيوية الواسعة. قبل ظهور إسهامات سيرز الجوهرية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، كان السلوك الانتخابي والولاء السياسي يُقارب في الغالب الأعم عبر نموذجين سائدين: إما النموذج السوسيولوجي الكلاسيكي لمدرسة كولومبيا الذي يربط خيارات الفرد بموقعه الطبقي والديني والجغرافي المباشر، أو النموذج الاقتصادي المستند إلى عقلانية المنفعة الشخصية وحسابات الربح والخسارة المادية المباشرة، كما صاغه أنتوني داونز وغيره من رواد نظرية الخيار العقلاني. غير أن سيرز أدرك مبكراً عجز هذه النماذج الجافة عن تفسير التناقضات الصارخة في سلوك الجماهير، لاسيما عندما يصوت الأفراد ضد مصالحهم الاقتصادية البحتة نصرةً لمشاعر هوياتية غامضة أو رمزيّات مشحونة بالعداء والانتماء.

تجسدت ريادة سيرز في إرساء دمج منهجي وتكاملي فريد نقل النظريات السيكولوجية الدقيقة—مثل نظريات التعلم الشرطي، والتنافر المعرفي، وتشكيل الاتجاهات النفسية—إلى قلب المسرح السياسي التجريبي. لم يكتفِ بنقل المفاهيم النظرية فحسب، بل أعاد تطويعها لاختبار ديناميكيات الرأي العام الأمريكي من خلال تحليل استطلاعات الرأي القومية واسعة النطاق مثل الدراسات الوطنية للانتخابات الأمريكية (ANES). بفضل هذا النهج الرصين، نجح سيرز في إثبات أن القرارات السياسية الكبرى نادراً ما تنبع من حسابات دفترية باردة، بل هي تعبير خارجي عن منظومات قيمية مشحونة عاطفياً تم غرسها في أعماق البنية النفسية للأفراد خلال مراحل نموهم الباكرة. هذا التحول الإبستيمولوجي الجذري هو ما مهد الطريق لولادة السيكولوجيا السياسية كحقل مستقل يتمتع بأدواته المفاهيمية الخاصة ومناهجه الإمبيريقية المميزة.

وقد قوبلت هذه الرحلة الأكاديمية الطويلة باعتراف دولي واسع وتتويج مستحق من كبرى الجمعيات العلمية حول العالم. فقد نال سيرز أرفع الأوسمة والجوائز التقديرية، ومن بينها انتخابه زميلاً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، وعضواً في الجمعية الأمريكية لتقدم العلوم، بالإضافة إلى تقلده جائزة “هارولد لاسويل” العريقة الممنوحة من الجمعية الدولية لعلم النفس السياسي تكريماً لإسهاماته العلمية الفذة مدى الحياة في توضيح الأسس النفسية للسلوك الإنساني في الفضاء العام. وتظل أطروحاته وكتبه مراجع إجبارية في كبريات الجامعات العالمية لكل من يتصدى لدراسة ديناميكيات الانتخابات، ونشوء الاتجاهات العنصرية، وسيكولوجيا الجماهير الحاشدة في الديمقراطيات الليبرالية المعاصرة.

1.2 السياق التاريخي والفكري لظهور أبحاث سيرز منذ ستينيات القرن العشرين

لا يمكن فهم المشروع الفكري لديفيد سيرز بمعزل عن الزلازل الاجتماعية والسياسية العنيفة التي ضربت الولايات المتحدة الأمريكية في عقد الستينيات من القرن المنصرم. ففي تلك الحقبة المفصلية، كان المشهد الاجتماعي يموج بالتحولات التكتونية الناتجة عن تصاعد حركة الحقوق المدنية الأمريكية بقيادة مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس، وإقرار قانون الحقوق المدنية لعام 1964 وقانون حقوق التصويت لعام 1965، وما رافق ذلك من مقاومة بيضاء شرسة في الجنوب الأمريكي وتوترات عرقية مكتومة في المدن الصناعية الكبرى في الشمال والغرب. وجد سيرز نفسه، كباحث شاب التحق حديثاً بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس عام 1962، في قلب هذا البركان الاجتماعي المتفجر، لاسيما حين اندلعت أحداث شغب حي “واتس” الشهيرة عام 1965 على بعد أميال قليلة من حرم جامعته الهادئ في ويستوود.

أحدثت هذه الصدمة التاريخية زعزعة فكرية عميقة في يقينيات العلوم الاجتماعية السائدة آنذاك؛ إذ كيف لبلاد حققت أعلى مستويات الرخاء الاقتصادي والتوسع التعليمي في تاريخها أن تشهد مثل هذا الانفجار العنيف من الكراهية واليأس الجمعي؟ أدرك سيرز أن علم النفس الاجتماعي، الذي كان منكفئاً آنذاك على التجارب المعملية الصغرى حول مطابقة الجماعة والإدراك الاجتماعي المجرد، يعاني من انفصال مقلق عن الواقع الحارق للمجتمع. كان المشهد الفكري يشهد كذلك بزوغ مرحلة ما بعد الثورة السلوكية وبدايات الثورة المعرفية، مما أتاح لسيرز استثمار هذا التحول المعرفي لدراسة الكيفية التي يعالج بها المواطن العادي المعلومات السياسية المعقدة والمشحونة بالتحيزات والضغائن الإثنية التاريخية.

دفع هذا المناخ المشحون بالاستقطاب العرقي والسياسي ديفيد سيرز إلى صياغة أولى فرضياته الجريئة حول فشل التدابير القانونية والمؤسسية وحدها في استئصال شأفة التعصب المتجذر في النفوس. رأى سيرز أن تفكيك قوانين الفصل العنصري المؤسسي (Jim Crow laws) لم يفضِ إلى مجتمع متسامح كما تنبأت النظريات التفاؤلية للتحديث، بل أدى إلى انتقال التحيز من مستواه البيولوجي الوقح والمعلن إلى أشكال مستترة، رمزية، ومعقدة سيكولوجياً. وهكذا، ولد الإطار التحليلي لسيرز من رحم الأزمة الوطنية الأمريكية، ليكون بمثابة محاولة إمبيريقية جادة لفهم الجذور الدفينة للصراع البشري حول الموارد المعنوية والهوياتية وليس فقط الاقتصادية الملموسة.

1.3 الأهداف المنهجية العامة لأعماله وأثرها المستدام

تحددت الأهداف المنهجية العامة لأعمال ديفيد سيرز منذ بواكيرها في تفكيك “الصندوق الأسود” لسيكولوجيا المواطن والناخب العادي، والبحث فيما وراء الاستجابات اللفظية المعلنة للوصول إلى الدوافع الباطنية الكامنة المحركة للسلوك الحقيقي. كان سيرز يدرك بدقة متناهية أن الاستبيانات التقليدية واستطلاعات الرأي الساذجة تعاني من خلل منهجي قاتل يتمثل في ظاهرة “المرغوبية الاجتماعية” (Social Desirability)؛ حيث يميل المستجيبون إلى إخفاء مشاعرهم العدائية الحقيقية ومواءمة إجاباتهم مع المعايير الأخلاقية السائدة لتقديم صورة إيجابية عن أنفسهم. ومن هنا، تمحور هدفه المنهجي الأسمى حول بناء أدوات قياس سيكومترية بالغة الذكاء والدقة والتعقيد، تكون قادرة على استنطاق الاتجاهات الدفينة وغير المصرح بها علناً دون تنبيه دفاعات الأنا لدى المبحوثين.

ارتكز هذا الهدف المنهجي على فرضية محورية دافع عنها سيرز بضراوة عبر مئات الأوراق البحثية، وهي فرضية “الاستقرار النسبي للمواقف الإيديولوجية وتأثير التنشئة الباكرة” (Pre-adult Socialization). انتقد سيرز بشدة تلك النظريات التي تفترض أن الرأي العام أشبه بريشة في مهب رياح الحملات الانتخابية العابرة أو التغطيات الإعلامية اللحظية، مؤكداً في المقابل أن الإنسان يكوّن “نواة صلبة” من التوجهات الرمزية والانتماءات الحزبية والتحيزات الجماعية خلال سنوات الطفولة والمراهقة المبكرة، وتظل هذه النواة ثابتة ومستقرة بصورة مدهشة طوال مجرى الحياة، وتعمل كعدسة ترشيحية تفسر كل المستجدات السياسية اللاحقة. وقد تطلب إثبات هذا النموذج تطوير منهجيات المسوح التتبعية الطولية (Longitudinal Panel Studies) التي تتابع الأفراد لعقود ممتدة للتحقق من ثبات آرائهم.

أما الأثر المستدام لمشروعه المنهجي، فقد تجلى في إحداث ثورة في معايير البحث الإمبيريقي في العلوم الاجتماعية قاطبة. فقد رسخ سيرز معايير صارمة تتطلب التحقق المتعدد من الصدق البنائي والظاهري والإحصائي للأدوات، والمزج العبقري بين دقة التجارب المعملية وقوة التمثيل الإحصائي للمسوح الوطنية الشاملة. كما فتحت أبحاثه آفاقاً منهجية جديدة في دراسة آليات الدفاع النفسي الجمعي، والترميز السياسي، مما ألهم أجيالاً متعاقبة من الباحثين في قارات العالم المختلفة لتطبيق مقاييسه ونماذجه التحليلية على سياقات إثنية وصراعات قومية متباينة، مثبتين بذلك أن القواعد السيكولوجية التي كشف عنها سيرز تتجاوز حدود الجغرافيا الأمريكية لتلامس صلب الطبيعة البشرية المشتركة.

2. النشأة الأكاديمية والمسار المهني في جامعة كاليفورنيا (UCLA)

2.1 المراحل التعليمية المبكرة والتأطير النظري الأول

بدأت المسيرة الفكرية لديفيد سيرز في بيئة جامعية أمريكية كانت تشهد تحولات عاصفة في بنية العلوم الإنسانية. استهل دراسته الجامعية الأولى في جامعة ستانفورد المرموقة، حيث نال درجة البكالوريوس في علم النفس في أواخر خمسينيات القرن العشرين. تميزت فترة دراسته في ستانفورد بالانغماس العميق في المناهج التجريبية الصارمة، واكتساب أساس رصين في الإحصاء الرياضي وتصميم التجارب السلوكية المعملية. كانت تلك السنوات كافية لتغرس في وجدانه الشاب شغفاً لا ينطفئ بالسؤال السيكولوجي الأساسي: كيف تتشكل اتجاهات الإنسان، وما هي القوى الخفية التي تجعلها تستعصي على التغيير المنطقي أو تستجيب له تحت شروط محددة؟

عقب تخرجه بتفوق من ستانفورد، انتقل سيرز إلى الساحل الشرقي للالتحاق ببرنامج الدراسات العليا في واحدة من أعرق قلاع الأكاديميا العالمية، وهي جامعة ييل (Yale University)، للحصول على درجة الدكتوراه في علم النفس الاجتماعي. كانت ييل في تلك الحقبة تعيش عصرها الذهبي تحت قيادة العالم الأسطوري كارل هوفلاند (Carl Hovland) وبرنامجه الرائد في “التواصل وتغيير الاتجاهات” (Yale Communication Research Program). وجد سيرز نفسه في بؤرة بيئة علمية مشتعلة بالنقاشات العميقة حول آليات الإقناع، وتأثير مصداقية المصدر، وعوامل الخوف والاستمالات العاطفية في تحوير الرسائل الخطابية، والآليات الإدراكية التي يلجأ إليها المتلقي لتحصين معتقداته الراسخة من محاولات التفكيك والاختراق الخارجي.

كان لأجواء ييل وأساتذتها الكبار، الذين جمعوا بين الصرامة النظرية والاهتمام بتطبيقات الحرب الباردة والدعاية السياسية، أثر لا يمحى في صقل الرؤية التحليلية لسيرز؛ حيث تشبع بالمنظور السلوكي المعرفي وتدرب على تفكيك عناصر الاتصال الجماهيري المعقد. إلا أن سيرز لم يكن مقلداً لأطروحات ييل السائدة حول سهولة تغيير الاتجاهات تحت وطأة الإقناع؛ بل لاحظ، بحسه النقدي المبكر، أن الأفراد في المختبرات قد يغيرون آراءهم بسهولة حيال قضايا تافهة، لكنهم في العالم الحقيقي يظهرون مقاومة استثنائية وعنيدة حيال التخلي عن قناعاتهم السياسية والاجتماعية المركزية. شكل هذا التناقض المعرفي الشرارة الأولى التي دفعته لصياغة مشروعه الأكاديمي المستقل حول ثبات الاتجاهات المستندة إلى التنشئة المبكرة.

2.2 الانتقال إلى جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس (UCLA) والاستقرار المهني

في عام 1961، وبعد إتمام متطلبات درجة الدكتوراه في جامعة ييل، اتخذ ديفيد سيرز قراراً مصيرياً بالعودة إلى ولاية كاليفورنيا للانضمام إلى هيئة التدريس في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجلوس (UCLA). كان هذا الانتقال بمثابة البداية لارتباط أكاديمي ومؤسسي أسطوري استمر دون انقطاع لأكثر من نصف قرن. عُيّن سيرز في البداية كأستاذ مساعد مشترك بين قسم علم النفس وقسم العلوم السياسية، وهو تعيين مزدوج عكس منذ اللحظة الأولى هويته الأكاديمية العابرة للتخصصات، وسمح له بمد جسور التواصل المعرفي بين باحثي السلوك الفردي ومنظري النظم السياسية والمؤسسية.

في رحاب UCLA، قاد سيرز ثورة هادئة في المناهج التعليمية وبرامج الدراسات العليا. فقد كان القوة الدافعة والمؤسس الفعلي لبرامج الدكتوراه المشتركة في سيكولوجيا السياسة والمجتمع، مستقطباً ألمع العقول الطلابية من شتى بقاع الأرض، وموفراً لهم بيئة تدريبية فريدة تمزج بين الملاحظة الميدانية في شوارع لوس أنجلوس المتنوعة عرقياً وثقافياً والتحليل الإحصائي الرقمي المتقدم داخل المختبرات. تدرج سيرز في المراتب الأكاديمية بسلاسة بفضل غزارة إنتاجه العلمي المتميز، حتى نال أرفع رتبة جامعية وهي “أستاذ متميز” (Distinguished Professor) في علم النفس والعلوم السياسية، وهو لقب لا يُمنح إلا لصفوة العلماء الذين تركوا بصمات تاريخية لا تُمحى في حقولهم المعرفية.

ولم تقتصر مساهماته في UCLA على الجانب البحثي والتدريسي الخالص، بل تولى أدواراً قيادية وإدارية جسيمة أظهر فيها حنكة مؤسسية نادرة؛ حيث شغل منصب عميد كلية العلوم الاجتماعية (Dean of Social Sciences) بالجامعة لسنوات عديدة، وأشرف على إدارة مراكز البحوث الاجتماعية الرائدة مثل “معهد البحوث الاجتماعية” (Institute for Social Science Research). ومن هذه المواقع القيادية، دافع سيرز باستماتة عن ضرورة توجيه البحث الأكاديمي الرصين لمعالجة قضايا التمييز المؤسسي، وتحديث المناهج لتشمل التعددية الثقافية، وتأمين المنح التمويلية الكبرى للدراسات الميدانية المعقدة، جاعلاً من جامعة UCLA المعقل الأبرز والأكثر تأثيراً في أبحاث علم النفس السياسي على الصعيد العالمي.

2.3 المحطات الزمنية الكبرى في نشاطه العلمي منذ 1935 وحتى الوقت الحاضر

يمكن تقسيم المسيرة الفكرية الممتدة لديفيد سيرز، منذ ولادته في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين وحتى اللحظة المعاصرة، إلى ثلاث محطات زمنية إبستيمولوجية كبرى تعكس كل منها استجابة عبقرية لتحديات تاريخية واجتماعية فريدة. امتدت المحطة الأولى عبر عقدي الستينيات والسبعينيات، وهي المرحلة التي وسمت أبحاثه بالانشغال المكثف بقضايا العنف السياسي الحضري وشغب المدن والاضطرابات العرقية. ركز سيرز في هذه الحقبة على تفكيك المشاعر السيكولوجية للمجتمعات الإفريقية الأمريكية المهمشة في الغيتوهات الحضرية في أعقاب انتفاضة واتس 1965، وشرع بالتعاون مع باحثين كبار في نشر أبحاث رائدة حللت ظاهرة “تمرد السود الجدد” وجذور العنف السياسي كرد فعل على الظلم الاجتماعي البنيوي والإحباط التراكمي.

أما المحطة الزمنية الكبرى الثانية، فقد تجلت في عقدي الثمانينيات والتسعينيات؛ حيث بلغ نضجه النظري ذروته بتطوير وتعميق نظرية “العنصرية الرمزية” (Symbolic Racism) بالاشتراك مع رفيق دربه الفكري دونالد كيندر وعدد من زملائه، بالتوازي مع بلورة “نموذج الاستمرارية” في التنشئة السياسية وتفنيد نظريات المصلحة الذاتية. تميزت هذه المرحلة بإنتاج بحثي كثيف استهدف قضايا كبرى مثل معارضة البيض لدمج المدارس عبر نقل الطلاب بالحافلات (Busing)، ورفض برامج العمل الإيجابي (Affirmative Action)، والتصويت على خفض الضرائب العقارية في كاليفورنيا (Proposition 13). استطاع سيرز خلال هذه العقود أن يُسكت الكثير من معارضيه عبر سيل متدفق من البيانات الإمبيريقية المستمدة من المسوح الوطنية التي أكدت نبوءاته السيكولوجية.

ومع إشراقة الألفية الجديدة ودخوله خريف العمر دون أن يفقد توهجه الأكاديمي، تمثلت المحطة الثالثة في استكشاف قضايا التعددية الثقافية والهوية الوطنية في ظل الانفجار الديموغرافي الأمريكي وصعود الأقليات من أصول لاتينية وآسيوية. عكف سيرز في أبحاثه الحديثة على دراسة تداعيات انتخاب باراك أوباما كأول رئيس أسود للولايات المتحدة، متسائلاً عما إذا كانت أمريكا قد دخلت حقاً عصر “ما بعد العنصرية”، ومثبتاً بالأدلة الإحصائية القاطعة أن الانقسامات العرقية الرمزية لم تمت، بل تحورت لتغذي صعود اليمين الشعبوي، وحركات الاستقطاب الحزبي الفج، وردود الفعل العنيفة ضد الهجرة والتنوع الثقافي، مؤكداً استمرارية عطائه الفكري وراهنية نظرياته في قراءة واقع القرن الحادي والعشرين المعقد.

3. نظرية العنصرية الرمزية (Symbolic Racism): البناء المفاهيمي

3.1 جذور النظرية وسياق صياغتها بالتعاون مع دونالد كيندر

تعد نظرية “العنصرية الرمزية” (Symbolic Racism)، التي صاغها ديفيد سيرز بالتعاون الوثيق مع العالم البارز دونالد كيندر (Donald Kinder) في مطلع سبعينيات القرن العشرين، الاختراق النظري الأهم والأوسع تأثيراً في سوسيولوجيا وسيكولوجيا العلاقات العرقية في العصر الحديث. انبثقت بذور هذه النظرية من ملاحظة تجريبية بالغة الحرج والتناقض رصدها الباحثان إبان انتخابات بلدية مدينة لوس أنجلوس عام 1969؛ حين تنافس المرشح الإفريقي الأمريكي المعتدل توماس برادلي ضد عمدة المدينة الأبيض المحافظ سام يورتي. لاحظ سيرز وكيندر أن غالبية الناخبين البيض، الذين أعلنوا في استطلاعات الرأي التزامهم المجرد والمبدئي بالمساواة العرقية وحق الأقليات في المشاركة السياسية، انتهى بهم المطاف بالتصويت الكثيف ضد برادلي تحت وطأة مخاوف كامنة وتبريرات أخلاقية غامضة.

وجهت هذه الواقعة صدمة منهجية للنظريات الكلاسيكية السائدة التي كانت تفسر التحيز العرقي استناداً إلى نموذج “الصراع المادي الواقعي” (Realistic Group Conflict Theory)، والتي كانت تفترض أن العداء بين الجماعات ينشأ حصراً حين تتنافس على موارد اقتصادية شحيحة، أو وظائف ملموسة، أو مساحات سكنية محددة. أثبتت تحليلات سيرز الإمبيريقية للمقترعين البيض في لوس أنجلوس أن أولئك الذين أظهروا أشد درجات المعارضة لبرادلي لم يكونوا يواجهون أي تهديد مالي، أو وظيفي، أو جغرافي مباشر من صعود النخب السوداء؛ إذ كانوا يسكنون في ضواحٍ نائية ومعزولة تماماً ويتمتعون بدخول مرتفعة ومستقرة. ومن ثم، سقط التفسير الاقتصادي الخالص، وتجلى التناقض الصارخ بين القبول النظري للمساواة في الفضاء التجريدي وبين الرفض القاطع لأي تطبيق عملي يترجم هذه المساواة إلى واقع ملموس.

توج هذا الاكتشاف بصياغة المقال التأسيسي التاريخي المنشور في مطلع السبعينيات، والذي أعلن فيه سيرز وكيندر ولادة مفهوم “العنصرية الرمزية”. كان جوهر الأطروحة يؤكد أن التاريخ الأمريكي شهد تحولاً إبستيمولوجياً في طبيعة التعصب العرقي؛ فمع هزيمة الأيديولوجيات الفاشية بعد الحرب العالمية الثانية وانتصار حركة الحقوق المدنية، تلاشت تقريباً العنصرية البيولوجية الكلاسيكية الصريحة (Old-fashioned or Jim Crow Racism) القائمة على الاعتقاد بالدونية الجينية للسود والمطالبة بالفصل المؤسسي الصارم، لتحل محلها بنية عقلية جديدة، مركبة ومواربة، تمزج بين المشاعر العدائية التاريخية الدفينة وبين منظومات القيم الأخلاقية والرمزية التقليدية السائدة في الثقافة الأمريكية العامة.

3.2 المكونات الأساسية لنظرية العنصرية الرمزية والحديثة

تتأسس نظرية العنصرية الرمزية، وما تفرع عنها لاحقاً تحت مسمى “العنصرية الحديثة” (Modern Racism)، على بنية مفاهيمية محكمة تتكون من امتزاج جدلي بين عنصرين نفسيين رئيسيين: أولهما المشاعر السلبية الوجدانية المناهضة للسود (Anti-Black Affect) التي يكتسبها الأفراد البيض في طفولتهم المبكرة عبر آليات التنشئة والعدوى الاجتماعية التلقائية، وثانيهما منظومة القيم الأخلاقية الأمريكية التقليدية المحافظة، لاسيما قيم “أخلاقيات العمل البروتستانتية” (Protestant Work Ethic)، والنزعة الفردية الصارمة (Individualism)، والانضباط الذاتي، وطاعة القانون. هذا التزاوج ينتج أيديولوجيا هجينة لا يرى أصحابها أنفسهم كعنصريين على الإطلاق، بل كحماة شرفاء للقيم الأخلاقية العليا التي يُتهم السود بانتهاكها والتكاسل عن ممارستها.

وقد حدد ديفيد سيرز أربعة مكونات أساسية تشكل النواة الصلبة لمعتقدات العنصرية الرمزية في المجتمعات المعاصرة:

  • الاعتقاد بزوال التمييز الهيكلي: الإيمان الجازم بأن التمييز العنصري المؤسسي قد ولّى بلا رجعة في العصر الحالي، وأن السود والأقليات باتوا يحظون بفرص متكافئة تماماً مع البيض في كافة مناحي الحياة الاجتماعية والتعليمية والاقتصادية.
  • افتراض التكاسل وغياب الإرادة: الاقتناع بأن فشل السود في تحقيق مستويات التقدم والرفاهية الاقتصادية التي يحظى بها البيض لا يرجع إلى معوقات طبقية أو تاريخية أو هيكلية، بل يعود حصراً إلى افتقارهم للدافعية الفردية، وتفضيلهم الاعتماد على المعونات الحكومية، وعدم بذلهم الجهد الكافي الذي بذله المهاجرون الأوائل.
  • رفض المطالب الحقوقية المتزايدة: الشعور العميق بالحنق والاستياء إزاء ما يُنظر إليه على أنه “مطالب جشعة وغير منتهية” ترفعها قيادات الأقليات لنيل حقوق ومزايا استثنائية تفوق ما يستحقونه، والضغط المتواصل لفرض سياسات تفضيلية تعطل مبادئ المنافسة الحرة.
  • الامتعاض من المكاسب غير المستحقة: تولد مشاعر مرارة جمعية قوامها أن الأقليات باتت تتلقى تدليلاً مفرطاً من قبل الحكومات الفيدرالية والإعلام والجامعات، وتحصل على مكاسب وظيفية وأكاديمية ومادية بصورة سريعة وغير عادلة على حساب الغالبية البيضاء المجتهدة والمهدورة حقوقها.

تتجلى عبقرية هذا البناء المفاهيمي في كونه يمنح الأفراد غطاءً أخلاقياً ونفسياً مريحاً للغاية؛ إذ يمكن للشخص الأبيض المعتنق للعنصرية الرمزية أن يعارض بشراسة كل القوانين الإصلاحية والسياسات التعويضية، مثل برامج التمييز الإيجابي والمساعدات السكنية والرعاية الصحية المجانية، دون أن يشعر بأي وخز ضمير أو يتهم نفسه بالعنصرية. فالمعارضة هنا لا تبرر بالدونية البيولوجية للآخر، بل تُبرر بمبادئ براقة تبدو في ظاهرها محايدة ومحترمة، مثل “الاستحقاق بناءً على الجدارة الفردية” وتكافؤ الفرص المجرد ورفض التدخل الحكومي القسري.

3.3 أدوات القياس السيكومترية للعنصرية الرمزية

حرص ديفيد سيرز طوال مسيرته على تحويل المفاهيم النظرية المجردة إلى أدوات إمبيريقية بالغة الدقة وقابلة للقياس الكمي الصارم في الميدان السيكولوجي. ولهذا الغرض، عكف بالتعاون مع زملائه، وخاصة بي. جيه. هنري (P. J. Henry)، على تطوير وتحديث “مقياس العنصرية الرمزية 2000” (Symbolic Racism 2000 Scale – SRMS)، وهو مقياس سيكومتري متعدد البنود مصمم خصيصاً ليحل محل المقاييس القديمة التي أصبحت عقيمة بعد أن كفّ الناس عن الإقرار الصريح بتبنيهم أفكاراً عنصرية وقحة خوفاً من الوصم الأخلاقي والقانوني.

خضعت بنود المقياس لسلسلة هائلة من اختبارات الصدق والثبات الإحصائي عبر تضمينها المتكرر في دراسات المسوح الوطنية للانتخابات الأمريكية (ANES) على مدى عقود متتالية. استخدم سيرز تقنيات التحليل العاملي التوكيدي (Confirmatory Factor Analysis) لإثبات أن بنود مقياس العنصرية الرمزية تقيس بالفعل بُعداً كامناً موحداً (Latent Construct) يختلف جذرياً عن الأبعاد الأخرى الشائعة في العلوم السياسية، مثل الأيديولوجيا المحافظة العامة، أو المصلحة الاقتصادية الشخصية، أو العداء الصريح للأقليات. تضمنت هذه البنود عبارات غير تصادمية مصمغة بذكاء لاستثارة الاستجابات الرمزية، كأن يُسأل المبحوث عن مدى موافقته على مقولات مثل: “لقد تغلبت جماعات إثنية أخرى كالإيرلنديين والإيطاليين على التحيز وعملت بجد لرفع شأنها، وحري بالسود أن يحذوا حذوهم دون طلب معاملة خاصة”.

من الناحية المنهجية، قدم المقياس حلاً عبقرياً لمعضلة “الاستجابة المرغوبة اجتماعياً” (Social Desirability Bias)؛ فعبر صياغة الأسئلة بلغة القيم التقليدية المستساغة ثقافياً، استطاع سيرز تحييد آليات الرقابة الذاتية الواعية لدى المبحوثين. وأظهرت المسوح الإحصائية قدرة تنبؤية خارقة لهذا المقياس؛ حيث تبين أن درجات العنصرية الرمزية تمثل المتغير الأكثر قوة وحسماً على الإطلاق في تفسير معارضة سياسات العدالة الاجتماعية، ومقاومة ترشح السياسيين المنتمين للأقليات، وتأييد العقوبات الجنائية القاسية، متفوقة بمراحل شاسعة على متغيرات الدخل الشخصي، والتعليم، والانتماء الطبقي، والجنس، مما رسخ مكانة هذا المقياس كمعيار ذهبي معتمد في مئات الدراسات النفسية والسياسية المقارنة عبر العالم.

4. التنشئة السياسية ونموذج الاستمرارية (The Persistence Model)

4.1 نقد النماذج الدورية ونماذج الانفتاح المستمر مدى الحياة

يمثل التساؤل الإبستيمولوجي حول مدى ثبات أو مرونة الشخصية الإنسانية عبر الزمن محوراً جوهرياً في فلسفة ديفيد سيرز النظرية. قبل أن يطرح سيرز نموذجه الثوري المعروف بـ “نموذج الاستمرارية” (The Persistence Model)، كانت الأدبيات السوسيولوجية والنفسية تعج بنظريات متنافسة تنكر في مجملها الاستقرار طويل المدى للمواقف السياسية. انتقد سيرز بشدة أطروحتين رئيسيتين سادتا لعقود: الأولى هي “نماذج دورة الحياة” (Life-Cycle Models)، التي تفترض أن اتجاهات الأفراد السياسية تتغير بشكل حتمي وآلي كلما تقدموا في العمر وتغيرت أدوارهم الوظيفية والاجتماعية (كأن يتحول الشباب الراديكاليون بالضرورة إلى محافظين حذرين بمجرد الزواج وشراء المنازل ودفع الضرائب الباهظة).

أما الأطروحة الثانية التي فندها سيرز بضراوة فهي “نموذج الانفتاح المستمر مدى الحياة” (Lifelong Openness Model) المستلهم من نظريات الاختيار العقلاني وعلم النفس السلوكي التكيفي. يزعم هذا النموذج أن الإنسان يظل طوال دورة حياته صفحة بيضاء قابلة لإعادة الكتابة المستمرة، يتأثر لحظياً بالمعلومات الجديدة التي يتعرض لها يومياً، ويعيد ضبط قناعاته السياسية والولائية بتغير مصلحته النفعية المباشرة أو تقلب الأحوال الاقتصادية الوطنية والوعود الانتخابية للمرشحين. رأى سيرز في هذه الرؤية سذاجة سيكولوجية تتجاهل الطبيعة المتحجرة للمعتقدات الإنسانية عندما تتصل بالهوية الوجدانية.

وضع سيرز خطاً فاصلاً قاطعاً بين فئتين من المعتقدات الذهنية: المواقف الهامشية العابرة (Non-attitudes or Peripheral Opinions) المتعلقة بقضايا فنية ظرفية لا تثير شجناً وجدانياً عميقاً (مثل تعديل نسبة فائدة بنكية أو تفاصيل لوائح تنظيم الاتصالات)، وبين “المعتقدات المركزية الجوهرية” (Core Predispositions) المتمثلة في الانتماء الحزبي العقائدي، والتحيزات العرقية والإثنية، والتوجهات الإيديولوجية الكلية، والقومية الشوفينية. برهن سيرز على أن الفئة الثانية تبدي صلابة استثنائية واستعصاءً خارقاً على التغيير، مجادلاً بأن النماذج الدورية والتكيفية خلطت خطأً بين التذبذب في الآراء السطحية وبين النواة النفسية العميقة التي تظل ثابتة ومحصنة عبر مسيرة العمر الإنساني برمتها.

4.2 سنوات التكوين المبكرة وترسيخ الولاءات الحزبية والأيديولوجية

في قلب “نموذج الاستمرارية” الذي شيده ديفيد سيرز، يكمن مفهوم حاسم يُعرف بـ “سنوات التكوين الباكرة” أو “سنوات القابلية القصوى للتأثر” (The Impressionable Years Hypothesis). يؤكد سيرز أن هناك نافذة تطورية ونمائية محددة بدقة في عمر الإنسان، تمتد تقريباً من أواخر مرحلة المراهقة (سن 14 تقريباً) وحتى مقتبل سن الرشد والاستقلال الذاتي (أوائل العشرينات)، تكون فيها البنية النفسية والمعرفية للفرد في أقصى درجات المرونة والانفتاح على امتصاص المؤثرات السياسية والثقافية وإدماجها في صلب بناء الأنا والهوية الشخصية.

خلال هذه المرحلة الحساسة، تعمل آليات التنشئة الاجتماعية قبل الرشد (Pre-adult Socialization) بأقصى طاقتها من خلال القنوات الأولية الحاضنة، كالعائلة، والمدرسة، ومجموعات الرفاق، والبيئة الثقافية المحيطة. يمتص اليافعون مشاعر آبائهم وانتماءاتهم الحزبية والتحيزات الضمنية ضد الجماعات الخارجية عبر عمليات الاقتران الشرطي البسيط والتقليد التلقائي غير الواعي، دون الحاجة إلى مداولات فكرية معقدة. إن الولاء للحزب أو الشعور بالاستياء العرقي يكتسب في هذه السن المبكرة بنفس الكيفية الوجدانية التي يكتسب بها الطفل حبه لفريقه الرياضي المفضل أو اعتزازه بدينه الموروث؛ حيث تتشكل الرابطة كاستجابة انفعالية مشحونة بالهوية وليست كاستنتاج منطقي خالص.

علاوة على ذلك، شدد سيرز على الأثر التأسيسي الدائم للأحداث التاريخية التكتونية والصادمة التي يشهدها الفرد خلال هذه النافذة العمرية الذهبية؛ مثل معايشة أهوال حرب فيتنام، أو اغتيال القادة السياسيين العظام، أو الانهيارات الاقتصادية الكبرى، أو انتفاضات الحقوق المدنية. إن هذه الصدمات لا تمر مرور الكرام، بل تترك ندوباً وانطباعات وجدانية غائرة تُسهم في “بلورة” (Crystallization) التوجهات السياسية للفوج الجيلي بأكمله. وبمجرد عبور الفرد سن الخامسة والعشرين ودخوله معترك المسؤوليات الحياتية الراسخة، تغلق هذه النافذة النمائية تدريجياً، وتتصلب تلك المعتقدات وتتكلس لتشكل إطاراً مرجعياً صلباً يستعصي على الاختراق، ويفسر بمفرده لغز ثبات الهويات السياسية لجمهور المواطنين على مدار عقود طويلة من حياتهم اللاحقة.

4.3 الدراسات الطولية لإثبات نموذج الاستمرارية

لم يكتفِ ديفيد سيرز بالتنظير التجريدي لنموذج الاستمرارية، بل خاض معارك تجريبية مضنية لتقديم البراهين الإحصائية الدامغة على صحة أطروحته من خلال تصميم واستغلال المسوح التتبعية الطولية واسعة النطاق. تعد الأبحاث الطولية أصعب المناهج البحثية في العلوم الاجتماعية وأكثرها كلفة، إذ تتطلب إعادة تتبع نفس العينات التمثيلية من الأفراد واستجوابهم بنفس المقاييس الدقيقة عبر فترات زمنية متباعدة تفصل بينها سنوات وربما عقود طويلة من الزمن، لعزل التأثيرات العمرية ومراقبة مدى استقرار المواقف النفسية.

من أبرز الإنجازات التي استند إليها سيرز وساهم في تحليلها، توظيف دراسات التتبع الطولية الشهيرة لجيل الستينيات، وأعمال لوحة المتابعة للانتخابات الأمريكية، بالإضافة إلى إعادة تقييم دراسة كلية “بينينغتون” (Bennington College Study) التاريخية التي بدأها ثيودور نيوكومب وتولاها سيرز وزملاؤه لاحقاً بالمتابعة حتى شيخوخة المبحوثات. أظهرت نتائج هذه الدراسات الممتدة على مدى أربعين وخمسين عاماً درجة مذهلة من الاستقرار الإحصائي في الانتماءات الحزبية والاتجاهات العرقية؛ حيث بلغت معاملات الارتباط الذاتي (Test-retest reliability) عبر الزمن مستويات قياسية تثبت أن الموقف الوجداني الذي بلوره الفرد في سن العشرين حيال السود أو الحزب الديمقراطي ظل هو نفسه المحرك لسلوكه التصويتي في سن السبعين، رغم تبدل الرؤساء، وتغير البرامج الحزبية، ومرور البلاد بأزمات اقتصادية وحروب عالمية متلاحقة.

قدم هذا العمل الإمبيريقي الخارق الأساس العلمي الرصين لفهم ظاهرة الاستقطاب السياسي المعاصر المستعصي؛ إذ برهن سيرز على أن الحوارات السياسية العقلانية ومحاولات الإقناع الإعلامي بالحجج والبراهين محكوم عليها بالفشل الذريع في الغالب الأعم، لأنها تصطدم ببنى اعتقادية تم تبلورها وترسيخها وجدانياً في بواكير العمر، وأصبحت تشكل جزءاً لا يتجزأ من الكينونة النفسية للأفراد. إن الاستقطاب الحزبي والعرقي الحاد ليس وليد اللحظة الراهنة وليس نتاج خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي وحدها، بل هو انعكاس لاستيقاظ وتصلب تلك النواة الصلبة من الاتجاهات الموروثة التي أكد سيرز دوماً أنها تتحكم في سلوك الإنسان وتحدد ولاءاته النهائية في معترك الحياة العامة.

5. المصلحة الذاتية ضد الرمزية السياسية: تفنيد نموذج الاختيار العقلاني

5.1 المصلحة الذاتية الملموسة ومحدودية تأثيرها في السلوك السياسي

تصدى ديفيد سيرز في واحدة من أجرأ معاركه المعرفية لتفكيك الهيمنة الطاغية لنظرية “الاختيار العقلاني” (Rational Choice Theory) التي اجتاحت حقول الاقتصاد والعلوم السياسية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. انطلقت هذه النظرية الكلاسيكية من فرضية أن الإنسان كائن نفعي يسعى دوماً لتعظيم مكاسبه المادية وتقليص خسائره المالية الملموسة، وأن مواقفه من السياسات العامة وقراراته التصويتية ليست سوى انعكاس مباشر لحسابات المصلحة الشخصية القصيرة المدى (Self-interest)، وتحديداً ما يصيب جيبه الخاص أو أسرته المباشرة من نفع أو ضرر مادي ملموس.

أخضع سيرز وزملاؤه هذه الفرضية لاختبارات إمبيريقية بالغة الصرامة؛ حيث عرّف “المصلحة الذاتية” تعريفاً إجرائياً ضيقاً ودقيقاً باعتبارها: التهديد أو النفع المادي الشخصي المباشر، القريب، والملموس لرفاهية الفرد أو أسرته النووية. ومن ثم، قام بفحص مجموعة واسعة من القضايا الوطنية والسياسات العامة الساخنة التي كان يُفترض أن تحركها المصلحة الذاتية بأجلى صورها. فحص سيرز مواقف المواطنين من قضية إلغاء الفصل العنصري الإجباري في المدارس العامة عبر تسيير الحافلات لنقل الطلاب (Busing)، وقارن بين مواقف الآباء البيض الذين لديهم أطفال يدرسون في المدارس المعنية وسيتأثرون مباشرة بالقرار، وبين مواقف المواطنين البيض الآخرين الذين لا يملكون أطفالاً في سن الدراسة أو يرسلون أبناءهم لمدارس خاصة نائية.

جاءت النتائج الإحصائية بمثابة نسف كامل لنموذج المصلحة الذاتية؛ إذ أثبتت الدراسات المتكررة أن الآباء المتضررين مباشرة من نقل أطفالهم بالحافلات لم يكونوا أكثر معارضة لتلك السياسة من غيرهم من البيض غير المتأثرين على الإطلاق. تكررت هذه النتيجة الصادمة في قضايا الحرب والسلام (كالموقف من حرب فيتنام بين من لديهم أقارب مجندون ومن ليس لديهم)، وفي السياسات الضريبية المحلية؛ حيث تبين بشكل حاسم أن الارتباط الإحصائي بين التهديد المالي أو الجغرافي الشخصي المباشر وبين الموقف السياسي العام يقترب من الصفر في أغلب الأحيان، مما أكد محدودية وهشاشة نموذج المنفعة الاقتصادية في تفسير ديناميكيات الرأي العام الجمعي.

5.2 سياسات الرموز (Symbolic Politics) وتفسير اتجاهات الجماهير

في مقابل سقوط نموذج الاختيار العقلاني، شيد ديفيد سيرز نظريته البديلة ذات الصدى الواسع والمعروفة باسم “نظرية السياسات الرمزية” (Symbolic Politics Theory). تنص الفرضية المركزية لهذه النظرية على أن المواقف السياسية للغالبية الساحقة من الجماهير لا تتشكل استناداً إلى الحسابات العقلانية للربح والخسارة، بل تتحدد عبر استجابات عاطفية مشروطة (Conditioned Affective Responses) تُثار تلقائياً فور مواجهة رموز سياسية معينة في الفضاء العام. هذه الرموز—سواء كانت كلمات مشحونة، أو شعارات حزبية، أو أقليات إثنية، أو رايات قومية—تعمل كمثيرات تستدعي تلقائياً مشاعر الحب، أو النفور، أو الخوف، أو الغضب التي تم غرسها بعمق في النفس خلال فترات التنشئة الباكرة.

يرى سيرز أن العملية السياسية في جوهرها ليست صراعاً حول توزيع الموارد المادية بقدر ما هي مسرح للتنازع حول المعاني والرموز الهوياتية. فعندما يسمع المواطن شعاراً انتخابياً، أو يرى عَلَماً يرفرف، أو يستمع إلى خطاب يتناول قضايا الهجرة أو الرعاية الاجتماعية، لا ينخرط دماغه في مراجعة كشوفات حساباته المصرفية ليرى ما إذا كانت هذه السياسة ستزيد دخله الشهري أم لا؛ بل تنشط في عقله منظومة من الميول الرمزية الدفينة (Symbolic Predispositions) التي تشكلت عبر الزمن. هذه المنظومة الرمزية تمنح الموقف السياسي ثباتاً مدهشاً وتجعله منيعاً ضد التغيير المبني على الحقائق الرقمية أو الحجج المنطقية الصرفة.

تكتسب الرموز السياسية هذه القوة السحرية لأنها ترتبط بالتعريف الوجودي للذات والانتماء للجماعة المتخيلة. وعليه، فإن الناخب يمارس السياسة ليس كتاجر يقايض في السوق، بل ككائن رمزي طقوسي يبحث عن تعزيز هويته الأخلاقية وحماية مكانة جماعته الثقافية. هذا التفضيل الحاسم للاستجابات الرمزية العاطفية على الحسابات النفعية هو المفتاح التفسيري الذي قدمه سيرز لفهم ظواهر تبدو “غير عقلانية” في ظاهرها؛ مثل تصويت الفقراء لصالح خفض الضرائب عن أصحاب المليارات، أو رفض العاطلين عن العمل لبرامج الدعم الحكومي لمجرد أنها مشحونة برمزيات تتعارض مع قيم الفردية والاعتماد على النفس التي نشأوا على تقديسها.

5.3 دراسات مقارنة في قضايا الرعاية الصحية والسياسات الضريبية

عزز ديفيد سيرز مقاربته النظرية عبر دراسات ميدانية مقارنة تناولت أعقد السياسات الداخلية الأمريكية التي لطالما اعتبرت معاقل حصرية لحسابات المصلحة الاقتصادية، وعلى رأسها مواقف الجماهير من ثورة الضرائب في كاليفورنيا ومنظومة الرعاية الصحية الوطنية. ففي أواخر السبعينيات، هزت ولاية كاليفورنيا حركة احتجاجية عارمة أدت إلى إقرار “المقترح 13” (Proposition 13) الذي فرض قيوداً صارمة وخفضاً هائلاً على ضرائب الأملاك العقارية، في حدث فُسر شعبياً وإعلامياً آنذاك كانتفاضة دافعي الضرائب المحاصرين بالضغوط التضخمية الساعين لإنقاذ أموالهم الخاصة.

أجرى سيرز تحليلاً إمبيريقياً دقيقاً ومستفيضاً لسلوك الناخبين حيال المقترح 13؛ ففصل بدقة بين المتغيرات المصلحية الذاتية (مثل: هل يمتلك الناخب منزلاً خاضعاً لتلك الضريبة؟ وما هو العبء المالي الحقيقي للضريبة على دخله الشخصي؟ وهل يستفيد هو أو أحد أفراد أسرته من الخدمات العامة المحلية التي ستقطع بسبب خفض الضرائب؟) وبين المتغيرات الرمزية الإيديولوجية (مثل: موقفه من كفاءة الحكومة، ومشاعره حيال الأقليات التي يُعتقد أنها المستفيد الأكبر من أموال الضرائب، وميوله الفلسفية نحو الرأسمالية الفردية). أظهرت البيانات بوضوح مذهل أن التهديد الضريبي الشخصي فشل تماماً في التنبؤ بالتصويت، في حين كانت المشاعر الرمزية تجاه متلقي الإعانات الحكومية وعدم الثقة الوجدانية في الدولة هي القوة الحاسمة الدافعة لتأييد خفض الضرائب، حتى بين المستأجرين الذين لم يستفيدوا سنتاً واحداً من خفض ضرائب العقارات بل تضرروا من تقليص الخدمات العامة.

امتد هذا النمط التحليلي ليشمل قضايا الرعاية الصحية والتأمين الطبي الشامل؛ حيث وثق سيرز في أبحاثه المقارنة أن معارضة الأمريكيين للرعاية الصحية الحكومية الموحدة لا تنطلق من قلق حقيقي على جودة الرعاية الشخصية أو حسابات التكلفة المالية الفردية، بل تتغذى من مخاوف رمزية مجردة ترى في التأمين الصحي الحكومي “خطوة نحو الاشتراكية” وانتهاكاً للحرية الفردية وتوزيعاً غير مستحق للموارد على فئات يُنظر إليها بدونية أخلاقية. وتلخصت النتيجة المعرفية الصاعقة التي خرج بها سيرز في مقولته التاريخية: إن السلوك السياسي للإنسان ليس محكوماً بالمصلحة المادية المجردة للجيب الشخصي، بل هو أسير للمشاعر والرموز العاطفية التي استقرت في قاع الوجدان الإنساني منذ مطلع الصبا.

6. سيكولوجيا النزاعات العرقية والعلاقات بين الجماعات في أمريكا

6.1 تداعيات أحداث شغب واتس (Watts Riots 1965) على أبحاثه

مثلت أحداث شغب حي “واتس” (Watts Riots) التي اندلعت في أغسطس من عام 1965 نقطة تحول زلزالية في المسار العلمي لديفيد سيرز. ففي غضون ستة أيام دامية من الاضطرابات المدنية في الحي الإفريقي الأمريكي بلوس أنجلوس، تحولت الشوارع إلى ساحات حرب حقيقية أسفرت عن مقتل 34 شخصاً، وإصابة أكثر من ألف جريح، وتدمير مئات المباني والمحال التجارية، مما استدعى نزول قوات الحرس الوطني واستخدام الرصاص الحي لقمع التمرد. وفي الوقت الذي سارعت فيه المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام إلى وصم المنتفضين بأنهم مجرد “حثالة مارقة وعصابات إجرامية عاطلة عن العمل”، قرر سيرز، كأستاذ شاب في UCLA، كسر العزلة الأكاديمية والنزول مباشرة إلى مسرح الأحداث الملتهب.

انخرط سيرز بالتعاون مع لجنة “ماكون” (McCone Commission) ومجموعة من الباحثين في أكبر مسح ميداني سيكولوجي واجتماعي أُجري في تاريخ الأزمات الحضرية الأمريكية. قاد عمليات استجواب مكثفة وواسعة النطاق لمئات المواطنين السود المقيمين في حي واتس من مختلف الفئات والطبقات، مستكشفاً دوافعهم النفسية والوجدانية الكامنة وراء الانفجار السلوكي. كشفت أبحاث سيرز الميدانية عن حقيقة مذهلة فندت السردية الرسمية السطحية؛ إذ أثبت أن المشاركة في الاحتجاجات والتعاطف معها لم يكونوا مقتصرين على المنحرفين أو الفئات المهمشة اقتصادياً، بل حظيا بدعم واسع النطاق من مختلف فئات الطبقة الوسطى والمتعلمين داخل المجتمع الإفريقي الأمريكي في الحي.

نشر سيرز نتائج هذه الملحمة الميدانية في أوراق بحثية تأسيسية توجت لاحقاً بكتابه التاريخي “سياسات العنف” (The Politics of Violence: The New Urban Blacks and the Watts Riot)، حيث وثق أن دوافع التمرد لم تكن شحنات غضب فوضوية عابرة، بل كانت تعبيراً سيكولوجياً جماعياً عن مشاعر الاغتراب السياسي العميق، وفقدان الثقة المطلق في أجهزة الشرطة المتهمة بالوحشية الممنهجة، واليأس من المعاملة المؤسسية المهينة. لقد أثبت سيرز أن العنف الحضري كان في جوهره “فعلاً سياسياً رمزياً” ورسالة احتجاجية يائسة وجهها جيل جديد من السود الحضريين لكسر جدار الصمت وإجبار النظام المهيمن على الاعتراف بكرامتهم وإنسانيتهم المهدورة.

6.2 نظرية الهوية الاجتماعية وديناميكيات الداخل والخارج (In-group vs. Out-group)

في تحليله للاحتقانات العرقية المعقدة، كان ديفيد سيرز من أوائل الباحثين الأمريكيين الذين وظفوا ببراعة أطر “نظرية الهوية الاجتماعية” (Social Identity Theory) التي أرساها العالم البريطاني هنري تيدجفيل وزميله جون تيرنر، لفك شفرات العلاقات المتوترة بين الجماعات البيضاء وجماعات الأقليات. أدرك سيرز أن الانقسام بين “جماعة الداخل” (In-group) و”جماعة الخارج” (Out-group) لا يتطلب بالضرورة وجود تاريخ مديد من العداء الملموس، بل يمكن استثارته وتفعيله بالحد الأدنى من التمايز الهوياتي، مما يولد ميلاً تلقائياً للتحيز للأنا الجمعية وبخس مكانة الآخرين والتشكيك في نزاهتهم الأخلاقية.

ركز سيرز أبحاثه على سيكولوجيا “التهديد المتصور للهوية البيضاء المهيمنة” (Perceived Threat to Dominance). جادل بأن الجماعة العرقية المهيمنة تاريخياً في المجتمع الأمريكي (الأغلبية البيضاء) لا تنظر إلى حقوق الأقليات بوصفها مجرد مكاسب مادية مستقلة، بل تفسرها كتهديد وجودي مباشر للمكانة الرمزية والمكانية المتفوقة لجماعة الداخل. فكل تقدم تحرزه جماعات الخارج يُعالج في اللاوعي الجمعي للجماعة المهيمنة كخسارة مقابلة في المكانة والهيبة، وهو ما يطلق آليات دفاع نفسي جمعية تتجلى في تعزيز التماسك والتعاطف الصارم بين أفراد جماعة الداخل البيضاء، وتبرير التمييز والإقصاء ضد جماعات الخارج باعتباره دفاعاً مشروعاً عن النفس والحضارة والقانون.

كما حلل سيرز بدقة نادرة التقاطعات المعقدة بين العرق والانتماء القومي في تشكيل الوعي الجمعي الأمريكي؛ حيث كشفت مسوحه أن شرائح واسعة من الأغلبية تميل لاشعورياً إلى مطابقة مفهوم “الأمريكي الحقيقي” مع السمات الثقافية والعرقية للجماعة البيضاء المهيمنة، وتعتبر الأقليات الإفريقية واللاتينية مواطنين بدرجة أدنى أو عناصر هامشية مشكوك في ولائها التام للأمة. هذا الدمج الخبيث بين الهوية القومية الفضفاضة والهوية العرقية الضيقة هو ما يجعل الصراعات السياسية حول الرموز الوطنية—كالنشيد الوطني أو التماثيل التاريخية—تتحول إلى نزاعات صفرية ملتهبة تعطل أي إمكانية للحوار العقلاني بين الجماعات المختلفة داخل الفضاء الديمقراطي المشترك.

6.3 التحولات الديموغرافية ومستقبل الهيمنة الثقافية

مع تسارع التغيرات السكانية والتحولات الديموغرافية الهائلة في الولايات المتحدة عموماً، وفي ولاية كاليفورنيا على وجه الخصوص خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، انصب اهتمام ديفيد سيرز على دراسة الاستجابات السيكولوجية للأغلبية البيضاء أمام احتمالية تحولها إلى “أقلية عددية” في مواجهة تزايد التدفقات السكانية من ذوي الأصول اللاتينية والآسيوية. كانت كاليفورنيا بمثابة المختبر الديموغرافي الاستباقي لبقية الولايات المتحدة، حيث فقدت الأغلبية البيضاء تفوقها العددي المطلق في مطلع الألفية، مما أتاح لسيرز مراقبة الديناميكيات النفسية للتحول الثقافي في مهدها الحي.

طور سيرز، استناداً إلى بيانات هذه المعايشة، تحليلاً متقدماً لمفهوم “رد الفعل العنيف للأغلبية البيضاء” (White Backlash) وآلياته الدفاعية النفسية في مواجهة التهديد الديموغرافي الوشيك. بينت دراساته أن مشاعر التهديد الثقافي وفقدان الامتياز التاريخي لدى البيض لا تترجم إلى عزلة سلبية، بل تتفجر في صورة سياسات انتخابية هجومية تمثلت بوضوح في موجة المبادرات الشعبية التي اجتاحت كاليفورنيا في التسعينيات؛ مثل المبادرة 187 لحرمان المهاجرين غير النظاميين من الخدمات العامة، والمبادرة 209 لإلغاء برامج التمييز الإيجابي بالكامل، والمبادرة 227 لإلغاء التعليم ثنائي اللغة في المدارس. أثبت سيرز أن هذه المبادرات التشريعية كانت انعكاساً سيكولوجياً واضحاً لمحاولة يائسة قامت بها الأغلبية المنحسرة عددياً لإعادة فرض هيمنتها الرمزية وتثبيت تفوق لغتها وثقافتها المؤسسية بقوة القانون.

وفي تناوله لمستقبل بناء الائتلافات السياسية المتعددة الأعراق، قدم سيرز رؤية نقدية شديدة الرصانة حذرت من التفاؤل الساذج الذي يروج لإمكانية توحد كافة الأقليات العرقية تلقائياً في جبهة سياسية تقدمية واحدة ضد الهيمنة البيضاء. أوضح سيرز عبر دراساته الميدانية المقارنة أن هناك فجوات سيكولوجية عميقة وتنافسات رمزية حادة تفصل بين المجتمعات الإفريقية الأمريكية والمجتمعات اللاتينية والآسيوية، وأن مشاعر التحيز المتبادل والمسافات الاجتماعية بين هذه الأقليات قد تكون في بعض الأحيان أشد قسوة من علاقتها مع الأغلبية البيضاء نفسها، مؤكداً أن الاستقرار الديمقراطي في المجتمعات التعددية يتطلب فهماً شجاعاً لهذه التصدعات النفسية التحتية وتجاوز الخطابات التبسيطية التي تختزل الصراع في ثنائية الأبيض وغير الأبيض.

7. الرأي العام ووسائل الإعلام: آليات الإقناع والتأثير النفسي

7.1 كتاب ‘علم النفس الاجتماعي’ ومفهوم الاتصال الجماهيري

لم تنحصر بصمات ديفيد سيرز في الدوائر البحثية المغلقة للمتخصصين، بل امتدت لتشكل المرجعية المعرفية الأساسية لأجيال من الدارسين الجامعيين في مختلف أرجاء المعمورة عبر تأليفه المشترك لكتابه التعليمي التاريخي “علم النفس الاجتماعي” (Social Psychology) بالتعاون مع جون فريدمان وجاي ميريل كارلسميث وآن بيلوف لاحقاً. صدر الكتاب في طبعات متتالية وترجم إلى لغات حية عديدة، وظل لعقود طويلة النص التأسيسي الأكثر رواجاً واعتماداً في تدريس الظواهر السلوكية للطلبة والباحثين، نظراً لما تميز به من صياغة تجمع بين البساطة البيداغوجية والعمق الفكري المبهر.

في هذا العمل الموسوعي، قدم سيرز مقاربة ثورية لتفكيك مفهوم الاتصال السياسي الجماهيري والبروباغندا، مستنداً إلى تراث مدرسة ييل الكلاسيكية ولكن بنظرة نقدية متجاوزة. فكك سيرز عملية الاتصال إلى أركانها الثلاثية المترابطة: “المصدر” (The Source) وما يرتبط به من سمات الجاذبية والهيبة والمصداقية والشرعية المتصورة؛ و”الرسالة” (The Message) بأساليب بنائها اللغوي والاستمالات الوجدانية المشحونة بالخوف أو الأمل أو التهديد الأخلاقي؛ و”المتلقي” (The Audience) باستعداداته النفسية وميوله الفكرية المسبقة ودرجة انخراطه المعرفي في القضية. غير أن سيرز حرص دوماً على تبديد الأوهام الشائعة حول القدرة المطلقة لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيري على غسيل أدمغة الشعوب والتحكم في إرادتها كيفما تشاء.

أكد سيرز في طروحاته أن وسائل الإعلام—رغم قوتها الجبارة—تصطدم بجدران منيعة ودفاعات نفسية مسبقة الصنع لدى الجمهور المتلقي؛ فالإنسان ليس مستقبلاً سلبياً محايداً للموجات الإعلامية، بل هو معالج معلومات نشط ومنحاز (Active Biased Processor). وبين سيرز أن قدرة الرسائل الإعلامية والسياسية على تعديل الاتجاهات الراسخة تكون محدودة للغاية وشبه منعدمة إذا حاولت الاصطدام المباشر بالقيم المركزية للفرد أو تحدي هويته الحزبية والرمزية الصلبة. وبذلك، وضع سيرز حدوداً علمية دقيقة لما يمكن لوسائل الإعلام تحقيقه، مبرزاً أن التأثير الحقيقي للاتصال يكمن في تنشيط وتحريك الكوامن الوجدانية القائمة بالفعل وليس في خلق قناعات جديدة من العدم.

7.2 التعرض الانتقائي (Selective Exposure) والمعالجة المنحازة للمعلومات

يعد ديفيد سيرز من أبرز الرواد الذين كشفوا النقاب عن الآليات المعرفية والدفاعية التي يحمي بها الإنسان منظومته العقائدية من التشويش الخارجي، وتحديداً من خلال تطويره واختباره لفرضية “التعرض الانتقائي” (Selective Exposure) بالاشتراك مع جوناثان فريدمان في ستينيات القرن العشرين. دحضت أبحاث سيرز في هذا الصدد التفاؤل الليبرالي الكلاسيكي الذي افترض أن إتاحة تدفق المعلومات وتنوع الآراء في المجتمع ستقود الأفراد تلقائياً للجلوس في “سوق الأفكار الحرة” وتفنيد الحجج لاختيار الحقيقة العقلانية المتوازنة.

أثبت سيرز عبر سلسلة من التجارب السلوكية الدقيقة أن الأفراد يبدون ميلاً غريزياً للبحث النشط عن المعلومات والأخبار والتحليلات التي تتطابق مع قناعاتهم وتؤكد تحيزاتهم السابقة، في مقابل الهروب الممنهج والتجاهل المتعمد—أو ما أسماه “التجنب الانتقائي” (Selective Avoidance)—للرسائل والمعلومات التي تتناقض مع توجهاتهم أو تسبب لهم توتراً إدراكياً وتنافراً معرفياً. وإذا ما وجد الفرد نفسه مجبراً على مواجهة حقائق ومعلومات معارضة لا سبيل لتجاهلها، تنشط لديه آليات “المعالجة المنحازة” (Biased Processing) المتمثلة في التدقيق المتطرف والتشكيك في مصداقية المصدر واختلاق المبررات لإسقاط الدليل، بينما يقبل نفس الفرد الأدلة الداعمة لوجهة نظره بترحيب سطحي وبلا أدنى تمحيص نقدي.

تنبأت هذه الأطروحات السيكولوجية الرائدة لسيرز قبل عقود طويلة بما يعيشه العالم الرقمي المعاصر اليوم في عصر الإنترنت وشبكات التواصل؛ حيث برهن على أن الإنسان مسكون برغبة جامحة في الاستهلاك الإعلامي الموجه الذي يعزز تحيزاته ويداعب مشاعره النرجسية. ومن خلال تفكيك آليات التعرض الانتقائي، وضع سيرز الأساس المعرفي لفهم الكيفية التي ينغلق بها الأفراد داخل فقاعاتهم الإيديولوجية المحكمة، وكيف تفشل الوقائع الموضوعية والحقائق العلمية المؤكدة في اختراق العقول المشبعة بالرمزية السياسية المستقرة والمستعصية على التشكيك.

7.3 التأطير الإعلامي وتفعيل الاتجاهات الكامنة (Framing and Priming)

إلى جانب أبحاث التعرض الانتقائي، قدم ديفيد سيرز إسهامات مفصلية بالغة العمق في تحليل ظاهرتي “التأطير الإعلامي” (Framing) و”التفعيل أو التهيئة النفسية” (Priming) في تشكيل الرأي العام وتوجيه سلوك الناخبين إبان الحملات الانتخابية الحاسمة. رأى سيرز أن قوة وسائل الإعلام لا تتجسد في إخبار الناس “بماذا يفكرون” بقدر ما تكمن في تحديد “في ماذا يفكرون” وكيفية تنظيم السياق المعرفي الذي يزنون به الخيارات والقرارات المصيرية المطروحة أمامهم.

أوضح سيرز أن التغطيات الإعلامية تمتلك قدرة سحرية على “تهيئة” العقل الجمعي عبر تسليط الضوء المركز على قضايا معينة دون غيرها؛ مما يجعل تلك القضايا المفعّلة المعيار الوحيد الذي يقيم به المواطن أداء السياسيين. وتزداد هذه القوة خطورة عندما تلجأ وسائل الإعلام والحملات السياسية إلى “التأطير المشحون بالرموز العرقية المبطنة”؛ حيث حلل سيرز في دراسات تطبيقية رائدة الأثر المدمر للإعلانات السياسية التي تستخدم رموزاً مجازية لاستثارة مشاعر العنصرية الرمزية الكامنة دون التصريح بها صراحة. وقد تجلى ذلك في تحليله للإعلان الانتخابي الشهير “ويلي هورتون” (Willie Horton) في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1988، وكيف استطاع الإعلان تفعيل الرعب العرقي لدى الناخبين البيض عبر تأطير قضية العدالة الجنائية في صورة مجرم أسود يرتكب جرائم اغتصاب، مما وجه سلوكهم التصويتي بصورة جارفة.

برهن سيرز على أن هذا التأطير الرمزي الموارب ينشط الاتجاهات السلبية الكامنة في اللاوعي بصورة تفوق بكثير تأثير الخطابات الصريحة؛ فالخطاب الفج يثير الحرج ويستفز المعايير الأخلاقية الواعية ضد التعصب، بينما التأطير الرمزي المشفر (Dog-whistle politics) يتجاوز تلك الدفاعات بسهولة ليربط قضية الجريمة أو الرعاية الاجتماعية في أذهان الناس بالسمات السلبية النمطية للأقليات. وأثبتت مسوحاته الإحصائية أن مجرد تغيير “إطار” صياغة السؤال السياسي في وسائل الإعلام (كالحديث عن المساعدات بوصفها “حقوقاً دستورية” أو وصفها بأنها “أموال دافعي الضرائب المهدرة على الكسالى”) يحدث انقلاباً دراماتيكياً في مواقف الرأي العام، مؤكداً أن الساحة السياسية هي ساحة صراع لغوي ونفسي شرس للهيمنة على تأطير العقول والمشاعر الجمعية.

8. الإسهامات المنهجية والابتكارات البحثية لديفيد سيرز

8.1 نقد الاعتماد المفرط على عينات طلاب الجامعات

في عام 1986، هز ديفيد سيرز أركان المؤسسة الأكاديمية لعلم النفس بنشره مقالاً إبستيمولوجياً تاريخياً وصاعقاً في كبرى الدوريات العلمية مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (JPSP)، حمل عنواناً غدا أيقونة في تاريخ المنهجية العلمية: “طلاب الجامعات في المختبر: تأثير قاعدة البيانات الضيقة على فهم علم النفس الاجتماعي للبشرية” (College Sophomores in the Laboratory: Influences of a Narrow Data Base on Social Psychology’s View of Human Nature). انتقد سيرز في هذا المقال الجريء الكسل المنهجي المتفشي بين علماء النفس الاجتماعي الذين بنوا نظرياتهم الكبرى حول السلوك الإنساني بالاعتماد شبه الحصري على تجارب معملية أجريت على عينات سهلة ومريحة من طلاب السنوات الأولى في كليات علم النفس بالجامعات النخبوية.

قام سيرز بتفكيك العواقب المعرفية الكارثية لهذا الاعتماد المفرط، مبيناً بالأدلة الإحصائية أن طلاب الجامعات في سن الثامنة عشرة والتاسعة عشرة يمتلكون خصائص نفسية وتطورية واجتماعية فريدة وشاذة تجعلهم أسوأ نموذج يمكن تعميمه على البشرية جمعاء؛ فهم يتمتعون بقدرات معرفية حادة وغير مكتملة النضج الاجتماعي، ولديهم هويات ذاتية وسياسية هشة وغائمة لم تتبلور بعد، وتغلب عليهم النزعة للامتثال السريع للسلطة الأكاديمية والحرص على إرضاء الباحثين، فضلاً عن تقلب آرائهم وضعف استقرار منظومتهم القيمية مقارنة بالبالغين الأكبر سناً. ورأى سيرز أن هذا الاعتماد المعيب قاد علم النفس الاجتماعي لتبني رؤية مضللة ترى الإنسان كائناً مرناً للغاية، يسهل التلاعب بآرائه وإقناعه وتغيير قناعاته في جلسة معملية مدتها نصف ساعة.

أطلق سيرز في مقاله صرخة مدوية هزت الأوساط البحثية، داعياً إلى ثورة منهجية تعيد الميدان إلى الواجهة وتفرض استخدام “عينات تمثيلية قومية” (Nationally Representative Samples) تعكس التنوع الديموغرافي، والعمري، والطبقي، والإثني الحقيقي للمجتمعات الإنسانية. كان لهذا النقد الجريء أثر زلزالي مستدام؛ حيث اضطرت كبرى الدوريات العلمية والمؤسسات المانحة لتشديد معايير النشر وقبول الأبحاث، وتأسس بفضله اتجاه عالمي جديد يرفض تعميم النتائج المختبرية الضيقة، ويفرض اختبار الظواهر السيكولوجية في فضاءات الحياة الواقعية عبر مسوح واسعة النطاق تشمل مختلف المراحل العمرية للإنسان.

8.2 تكامل المناهج: الجمع بين التجريب المعملي والمسوح الميدانية الكبرى

تميزت العبقرية المنهجية لديفيد سيرز بقدرته الاستثنائية على كسر الاصطفاف المنهجي التقليدي الذي قسّم العلوم الاجتماعية لعقود بين معسكرين متناحرين: معسكر علماء النفس التجريبيين المتمسكين بالمختبرات للحفاظ على “الصدق الداخلي” (Internal Validity) وضبط المتغيرات الصارم وتحديد العلاقات السببية بدقة، ومعسكر علماء السياسة والاجتماع المعتمدين على المسوح والاستطلاعات الميدانية لتحقيق “الصدق الخارجي” (External Validity) وضمان شمولية التمثيل الإحصائي للمجتمع الحقيقي ولكن على حساب الدقة السببية.

قاد سيرز حركة تكامل منهجي خلاقة أثمرت عما يُعرف اليوم بتقنية “التجارب المدمجة ضمن المسوح” (Survey Experiments) أو أسلوب “الاستبيان المقسم” (Split-Ballot Experiments). تتلخص هذه التقنية المبتكرة في دمج التصاميم التجريبية الصارمة داخل الاستطلاعات الهاتفية والميدانية الموجهة لعينات عشوائية تمثيلية واسعة تتألف من آلاف المواطنين عبر أرجاء البلاد. يتم عبر هذا الأسلوب توزيع المستجيبين عشوائياً لتلقي نسخ متطابقة من الاستبيان تختلف فقط في كلمة واحدة أو رمز واحد مشحون (كأن يُسأل نصف المستجيبين عن موقفهم من زيادة المساعدات لـ “الفقراء”، بينما يُسأل النصف الآخر عن الموقف ذاته تجاه “السود الفقراء”)، مما يسمح بقياس الأثر السببي الصافي للمثيرات الرمزية والعرقية على مستوى المجتمع بأكمله وبأعلى درجات الضبط والتمثيل الإحصائي.

سمح هذا المزج المنهجي الفذ لسيرز باختبار أدق الفرضيات السيكومترية حول الاتجاهات الدفينة ذات الحساسية السياسية والأخلاقية البالغة. فبفضل الجمع بين عينات المسوح القومية الشاملة للانتخابات الأمريكية ودقة الضبط التجريبي، استطاع سيرز تتبع المسارات الدقيقة التي تؤثر بها الرموز والمشاعر الباطنية على القرارات التصويتية الحقيقية للمواطنين، مقدماً نموذجاً إبستيمولوجياً متكاملاً ألهم مجتمعات البحث العلمي الحديثة في دراسة الرأي العام، وأسس لمرحلة جديدة تتجاوز فقر المختبرات الضيقة وسطحية الاستطلاعات الساذجة معاً.

8.3 التحليل الإحصائي المتقدم في دراسات الاتجاهات السياسية

واكبت المسيرة البحثية لديفيد سيرز التطورات المتسارعة في علوم الإحصاء التطبيقي وبرمجيات الحاسوب، وكان سيرز من أوائل العلماء الذين طوعوا أدوات التحليل الرياضي والإحصائي فائق التقدم لمعالجة معضلات العلوم الاجتماعية المعقدة. تجلت ريادته في التوظيف المبكر لتقنيات “النمذجة بالمعادلات البنائية” (Structural Equation Modeling – SEM) ونماذج المسار السببي (Path Analysis) التي تمكن الباحثين من فحص شبكات العلاقات المتشابكة والتأثيرات المباشرة وغير المباشرة بين المتغيرات الكامنة المتعددة في وقت واحد.

سمحت هذه النماذج الإحصائية المتقدمة لسيرز بتحقيق إنجاز منهجي استثنائي تمثل في معالجة إشكالية “خطأ القياس” (Measurement Error) المتأصلة في الاستبيانات والبيانات المسحية النفسية؛ فالأخطاء العشوائية الناتجة عن سوء فهم الأسئلة أو تقلبات أمزجة المستجيبين كانت تؤدي تقليدياً إلى خفض معاملات الارتباط الإحصائي بصورة مصطنعة ومضللة، مما كان يدفع بعض الباحثين للادعاء خطأً بأن آراء الجماهير متقلبة وغير مستقرة. وباستخدام تقنيات SEM والتحليل العاملي التوكيدي، استطاع سيرز فصل الأخطاء العشوائية عن “المتغيرات الصافية الكامنة”، ليثبت بالأرقام القاطعة أن الاتجاهات الإيديولوجية والرمزية تتمتع بدرجة استقرار وثبات أعمق وأعلى بكثير مما كانت توحي به الطرق الإحصائية البسيطة والبدائية.

علاوة على ذلك، خاض سيرز التحدي الإحصائي الأكثر تعقيداً في دراسة الرأي العام، وهو معضلة الفصل بين ثلاثة تأثيرات متزامنة ومتداخلة تشوش تحليل المسوح عبر الزمن، والمعروفة إحصائياً بـ “تأثيرات العمر، والفترة الزمنية، والأفواج الجيلية” (Age, Period, and Cohort Effects). طوّر سيرز تصاميم تحليلية دقيقة تتبعت مجموعات جيلية متعددة ولدت في أزمنة متباعدة عبر مراحل عمرية متطابقة، مستخدماً نماذج الانحدار متعدد المستويات (Multilevel Regression)، مما مكنه من البرهنة بشكل قاطع على أن الاستقرار في الاتجاهات يعود بالفعل إلى رسوخ ثقافة التنشئة التي تلقتها تلك الأفواج في صباها (تأثير الفوج)، وليس لمجرد تقدمهم الفسيولوجي في السن (تأثير العمر) أو معايشتهم لأحداث عابرة في سنة إجراء المسح (تأثير الفترة)، مسجلاً بذلك قفزة إحصائية ومنهجية كبرى في علوم السلوك البشري.

9. أبرز المؤلفات والكتب التأسيسية وتأثيرها المعرفي

9.1 كتاب ‘العنصرية الرمزية’ والمؤلفات المشتركة حول المسألة العرقية

خلّف ديفيد سيرز تركة فكرية مطبوعة زاخرة بالأعمال المرجعية التي أعادت تشكيل الوعي الأكاديمي العالمي بالمسألة العرقية. ومن أبرز تلك الأعمال المشتركة التي حظيت بحفاوة نقدية هائلة يأتي كتاب “السياسات المتعرقة: المسألة العرقية في أمريكا المعاصرة” (Racialized Politics: The Values of Public Opinion in a Cross-Racial Age)، الذي حرره بالاشتراك مع جيم سيديناس ولورانس بوبو في مطلع الألفية الحالية. جمع هذا الكتاب صفوة علماء الاجتماع والسياسة في أمريكا لتقديم تشريح سوسيولوجي ونفسي معاصر للانقسامات العرقية، متناولاً الآليات المعقدة التي تتسلل بها العنصرية الرمزية لتسميم النقاشات الدستورية حول تكافؤ الفرص وبرامج العمل الإيجابي في التعليم العالي والتوظيف الحكومي.

كما يبرز في سجله العلمي كتابه التاريخي الأول “سياسات العنف: السود الجدد في المناطق الحضرية وتمرد واتس” (The Politics of Violence: The New Urban Blacks and the Watts Riot)، الذي ألفه بالشراكة مع جون ماكوناهي في سبعينيات القرن العشرين. يُعد هذا الكتاب حتى يومنا هذا النص الميداني الأعمق والأشمل الذي وثق سيكولوجيا الغضب الحضري الإفريقي الأمريكي إبان عقد الستينيات المتفجر، حيث قدّم تحليلاً إثنوغرافياً وإحصائياً نادراً استشرف فيه الكاتبان أزمات المدن الأمريكية قبل وقوعها بعقود، موضحين أن الاستقرار الاجتماعي هش للغاية ما لم تتفكك المنظومة الرمزية والمادية للتمييز المؤسسي التي تطحن كرامة الأقليات المستضعفة.

وقد شكلت هذه المؤلفات، بجانب عشرات الفصول المحررة في كتب أكاديمية عالمية، حجر الزاوية في تدشين حقل أبحاث التناقض الوجداني للناخب الأمريكي؛ حيث وثقت تلك الكتب بالتفصيل كيف يعيش العقل الجمعي للأغلبية صراعاً نفسياً مضنياً بين المبادئ الديمقراطية المجردة التي يفتخر بها دستورياً، وبين الرفض العنيد والمبطن لكل برنامج تنفيذي يسعى لتحقيق تلك المبادئ على أرض الواقع. وقد فتحت هذه الأعمال الأبواب مشرعة أمام تدشين مئات الرسائل الجامعية والمشاريع البحثية حول العالم التي انطلقت من أطروحات سيرز لإعادة قراءة الصراعات الهوياتية في مجتمعات متنوعة.

9.2 مرجع ‘علم النفس السياسي’ (Oxford Handbook of Political Psychology)

في مطلع القرن الحادي والعشرين، قاد ديفيد سيرز جهداً أكاديمياً ومؤسسياً جباراً تكلل بظهور المرجع المعرفي الأهم والأشمل في هذا التخصص قاطبة، وهو “دليل أكسفورد لعلم النفس السياسي” (The Oxford Handbook of Political Psychology)، الذي شارك في تحريره والإشراف الكامل على محاوره بالاشتراك مع العالمة الرائدة ليوني هودي (Leonie Huddy) والمفكر السياسي الكبير روبرت جيرفيس (Robert Jervis). صدر المرجع عن دار نشر جامعة أكسفورد في طبعات متتالية موسعة، واعتُبر فور صدوره بمثابة “المانيفستو التأسيسي” والإنجيل المعرفي غير المنازع لهذا الحقل الناشئ.

استطاع سيرز وزملاؤه من خلال هذا العمل الموسوعي الضخم تنظيم فروع ومحاور علم النفس السياسي التي كانت مبعثرة ومتناثرة في شتى التخصصات، ورسم خارطة إبستيمولوجية واضحة المعالم والأولويات للأجيال القادمة من الباحثين. شمل المجلد فصولاً مرجعية كتبها كبار رواد الفكر السلوكي غطت موضوعات بالغة التنوع والحساسية؛ بدأت من الأسس العصبية والبيولوجية للإدراك السياسي، مروراً بنظريات الشخصية والقيادة وصنع القرار في الأزمات الدبلوماسية، وصولاً إلى سيكولوجيا الإرهاب، والتعصب الجماعي، والقومية المتطرفة، وحل النزاعات الدولية المسلحة.

تضمن الكتاب فصولاً تأسيسية صاغها سيرز بنفسه راجع فيها ببراعة فلسفية التطور التاريخي للعلاقة الشائكة بين السلوك البشري والمؤسسات الديمقراطية. استعرض سيرز في تلك الفصول المآلات المعرفية لعلم النفس السياسي، مؤكداً أن الحقل بلغ مرحلة الرشد والاعتراف الأكاديمي المستقل، ومشدداً على أن التحليل السلوكي المعمق لم يعد ترفاً فكرياً أو فرعاً هامشياً للعلوم السياسية التقليدية، بل غدا الأداة الحيوية والوحيدة التي تمكن صانعي القرار والعلماء من فهم الأزمات الوجودية التي تهدد المجتمعات الديمقراطية في مواجهة صعود الغرائز الشعبوية والاستقطابات الوجدانية العاصفة.

9.3 المقالات المفصلية في الدوريات المحكمة الرائدة

تحظى أبحاث ومقالات ديفيد سيرز المنشورة في أمهات الدوريات العلمية المحكمة ذات معامل التأثير الفائق بسجل اقتباس تاريخي قلّ أن ينافسه فيه باحث آخر في العلوم الإنسانية؛ إذ تتجاوز أرقام الاقتباسات الأكاديمية لأعماله عشرات الآلاف في كبرى المنصات البحثية الرصينة. وتأتي أوراقه العلمية المنشورة في “مجلة العلوم السياسية الأمريكية” (American Political Science Review – APSR)، والدورية العالمية الرائدة “مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي” (JPSP)، ومجلة “استطلاعات الرأي العام الفصلية” (Public Opinion Quarterly)، كشواهد حية على بصمته الإبستيمولوجية الخالدة.

من بين أوراقه الأكثر تأثيراً وشهرة، يبرز مقاله الكلاسيكي المكتوب مع دونالد كيندر عام 1981 بعنوان “التحيز ضد المصلحة الذاتية في سياسات الرموز”، والذي وجه ضربة قاصمة لنماذج المنفعة الشخصية في السلوك الانتخابي، ومقاله المفصلي المنشور في دورية “المراجعة السنوية لعلم النفس” (Annual Review of Psychology) حول التنشئة السياسية ودورة الحياة، والذي يعد حتى اللحظة الإطار النظري الأكمل لمراجعة أدبيات التنشئة والتغير الاتجاهي عبر مجرى العمر. ولا يمكن إغفال مقاله النقدي الاستثنائي لعام 1986 حول عينات طلاب الجامعات، الذي لا يزال يُدرس إلزامياً في برامج مناهج البحث المتقدمة حول العالم لتدريب الباحثين على أصول النزاهة الإحصائية وتجنب مغالطات التعميم المتسرع.

لقد شكلت هذه الأوراق البحثية، التي اتسمت ببراعة لغوية رصينة وصرامة إحصائية استثنائية وبناء منطقي محكم، مراجع إجبارية لا غنى عنها في المقررات المتقدمة لطلاب الماجستير والدكتوراه في أرقى أقسام العلوم السياسية وعلم النفس عبر القارات الخمس. وتكمن القوة الباقية لتلك المقالات في كونها لم تكتفِ بتفسير اللحظات التاريخية التي كُتبت فيها، بل قدمت أدوات وقوانين سيكولوجية عامة صمدت أمام اختبار الزمن، وظلت قادرة على تفسير الظواهر السياسية الجديدة التي تفجرت بعد عقود من نشر تلك الأبحاث لأول مرة.

10. المناظرات الفكرية والنقد الأكاديمي الموجه لنظريات سيرز

10.1 الجدل حول نظرية العنصرية الرمزية ونقاد الاتجاه الأيديولوجي المبدئي

لم تمر مسيرة ديفيد سيرز ونظريته الجريئة حول العنصرية الرمزية دون إثارة عواصف أكاديمية وسجالات فكرية ملتهبة تعد من أشرس المناظرات وأكثرها ثراءً في تاريخ علم النفس السياسي المعاصر. قاد جبهة النقد والمناوأة الشرسة لنظرية سيرز ثلة من كبار علماء السياسة والاجتماع الأمريكيين، وعلى رأسهم البروفيسور بول سنيدرمان (Paul Sniderman) وفيليب تيتلوك (Philip Tetlock) وإدوارد كارمينز، الذين شنوا هجوماً مفاهيمياً ومنهجياً عنيفاً على البناء النظري للعنصرية الرمزية من خلال أطروحتهم المنافسة المعروفة باسم “أطروحة المحافظة المبدئية” (Principled Conservatism Hypothesis).

تركز النقد الأساسي لسنيدرمان ورفاقه على اتهام سيرز بارتكاب “مغالطة الخلط المفاهيمي القاتل”؛ حيث جادل النقاد بأن مقياس العنصرية الرمزية يخلط عمداً وبطريقة مضللة بين التحيز العرقي الحقيقي وبين المبادئ السياسية والفلسفية المشروعة للمحافظين التقليديين. تساءل النقاد بحنق: كيف يُعتبر المواطن الذي يعارض التمييز الإيجابي أو يرفض التوسع في المساعدات الحكومية “عنصرياً رمزياً”، في حين أن موقفه هذا قد ينبع بكل بساطة وبراءة من إيمان فلسفي ومبدئي عميق بمبادئ الرأسمالية الكلاسيكية، وتكافؤ الفرص الفردي، والحد من تغول الدولة المركزية، واحترام نصوص الدستور؟ واعتبر سنيدرمان أن نموذج سيرز يمارس نوعاً من “الإرهاب الفكري” ويوجه اتهاماً باطلاً بالتعصب لكل من يتبنى فكراً محافظاً في الساحة الأمريكية.

تصدى ديفيد سيرز بصلابة نادرة لهذه الانتقادات عبر سلسلة من الأبحاث الرديفة والتحليلات الإحصائية الإمبيريقية المعقدة لتفنيد حجة “المحافظة المبدئية”. أثبت سيرز أن المبادئ المحافظة المجردة تفقد فجأة بريقها وصلابتها لدى أولئك المستجيبين عندما يتعلق الأمر بسياسات تفيد الجماعات البيضاء حصراً (مثل الإعانات الزراعية الضخمة، أو القروض الحكومية للمحاربين القدامى ومعظمهم من البيض، أو الإعفاءات الضريبية لمالكي العقارات)؛ حيث تتبخر فجأة معارضتهم لتدخل الدولة وتغيب غيرتهم المزعومة على حرية السوق! وبرهن سيرز عبر نماذج المعادلات الهيكلية على أن شحنة الرفض ليست مبادئ مجردة باردة، بل هي مشاعر عاطفية متحيزة ومستترة ترتدي عباءة الفلسفة السياسية للهروب من الوصم الأخلاقي، مما جعل هذا السجال أحد أخصب المناظرات التي طورت أدوات قياس الإيديولوجيا والتحيز في العلوم الإنسانية برمتها.

10.2 النقاشات حول شمولية نموذج الاستمرارية مقابل مرونة السلوك الإنساني

امتدت المناظرات الفكرية الساخنة لتطال “نموذج الاستمرارية” (The Persistence Model) في التنشئة السياسية الذي نافح عنه سيرز لعقود. واجه هذا النموذج تحديات نظرية وإمبيريقية قوية من جانب أنصار “المرونة السلوكية والتكيف المستمر” (Lifelong Plasticity)، وعلماء الاجتماع الذين ركزوا على ظاهرة “إعادة المحاذاة الانتخابية” (Electoral Realignment) والتحولات المفاجئة في ولاءات الجماهير. احتج النقاد بأن نموذج سيرز بالغ في تصوير الشخصية الإنسانية ككيان متحجر ومغلق بصورة نهائية فور تجاوز سن العشرين، متجاهلاً القدرة الهائلة للأحداث التاريخية الاستثنائية والتحولات الهيكلية الكبرى على هز قناعات البالغين وإعادة تشكيل هوياتهم السياسية في مراحل متقدمة من أعمارهم.

استشهد المعارضون بوقائع تاريخية مفصلية؛ مثل الانقلاب الانتخابي الكاسح الذي أحدثه “الاتفاق الجديد” (New Deal) بقيادة فرانكلين روزفلت في ثلاثينيات القرن العشرين، والذي حول ملايين الناخبين البالغين من الحزب الجمهوري إلى الحزب الديمقراطي بين عشية وضحاها، أو التحول اللاحق للبيض المحافظين في الجنوب الأمريكي نحو الحزب الجمهوري في أعقاب حركة الحقوق المدنية. كما أشار النقاد المعاصرون إلى أن الثورة التكنولوجية والتحولات الاقتصادية الرقمية السريعة في القرن الحادي والعشرين خلقت سيولة هوياتية جديدة لا تستقيم مع نموذج التكلس الباكر للاتجاهات السياسية.

رد سيرز على هذه التحديات بتوضيح جوهري وعميق لمغزى نموذجه؛ إذ أوضح أنه لم ينفِ قط إمكانية حدوث التغير السياسي لدى البالغين، بل أكد أن هذا التغير يظل استثناءً نادراً يتطلب زلازل تاريخية وجودية حتى يتحقق، بينما تظل “القاعدة العامة المهيمنة” على السلوك البشري هي الاستمرارية والاستقرار. وقدم سيرز براهين إحصائية جديدة من دراسات تتبعية أظهرت أن حتى تلك التحولات التاريخية الكبرى كالاتفاق الجديد لم تكن في الواقع تحويلاً واسعاً لقناعات كبار السن، بل كانت نتاج تدفق جيل جديد بالكامل من الشباب الداخلين إلى معترك الانتخابات لأول مرة بهويات تبلورت في ظل أزمة الكساد العظيم. وبذلك، برهن سيرز على صلابة النواة المركزية للاتجاهات، مؤكداً أن الإنسان يميل غريزياً للمحافظة على توازنه النفسي عبر تطويع المتغيرات الجديدة لتلائم قوالبه القديمة الراسخة بدلاً من هدم تلك القوالب وإعادة بنائها من الصفر.

10.3 التحيزات الثقافية وإمكانية تطبيق النماذج خارج السياق الأمريكي

من بين أعمق الانتقادات الإبستيمولوجية التي وُجهت لمشروع ديفيد سيرز، يبرز التساؤل الجوهري حول مدى الصلاحية الكونية لنظرياته، وإمكانية تطبيق مقاييسه خارج البيئة الحاضنة التي ولدت فيها، ألا وهي المجتمع الأمريكي بخصوصيته التاريخية المتفردة القائمة على إرث العبودية وتاريخ الفصل العنصري الصارم. جادل باحثون من مدارس علم النفس الاجتماعي ما بعد الاستعماري وعلم النفس الثقافي بأن نظريات سيرز تعاني من متلازمة مجتمعات “WEIRD” (الغربية، المتعلمة، الصناعية، الثرية، الديمقراطية)، متسائلين عما إذا كانت مفاهيم مثل “العنصرية الرمزية” صالحة للتفسير في مجتمعات لا تعاني من ثنائية الأبيض والأسود أو تنعدم فيها ثقافة أخلاقيات العمل البروتستانتية الفردية.

طرح النقاد تساؤلات ملحة: هل يمكن استخدام نموذج العنصرية الرمزية لتحليل التمييز ضد الغجر في شرق أوروبا، أو العداء للمهاجرين المغاربيين والأتراك في فرنسا وألمانيا، أو فهم الصراعات الطائفية والعشائرية المتجذرة في الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا؟ أشار هؤلاء إلى أن استيراد أدوات قياس مصممة للمجتمع الأمريكي وإسقاطها قسراً على سياقات ثقافية ذات هياكل جمعية وتمفصلات تاريخية متباينة قد يفضي إلى تشويه الظواهر المدروسة وعجز المقاييس عن التقاط الديناميكيات المحلية المعقدة للتعصب والنزاع.

تفاعل ديفيد سيرز وطلابه ومتبعو منهجه بإيجابية بالغة مع هذه الانتقادات الإبستيمولوجية الواعية؛ حيث شرعوا في إطلاق وتوجيه دراسات ميدانية عبر-ثقافية (Cross-Cultural Studies) بالتعاون مع باحثين محليين في مختلف قارات العالم. أثبتت هذه المحاولات التكيفية الرائدة أن “البنية النفسية الجوهرية” للعنصرية الرمزية والسياسات الرمزية—والمتمثلة في مزج المشاعر الوجدانية السلبية المكتسبة باكرة بقيم أخلاقية ومعايير ثقافية سائدة لتبرير التمييز—هي آلية دفاعية بشرية عامة تتجاوز الخصوصية الأمريكية. فقد نجح باحثون أوروبيون، بتطويع مقاييس سيرز، في قياس ظواهر التمييز المستتر ضد المهاجرين في أوروبا عبر ربطه بانتهاك “القيم العلمانية” في فرنسا أو تقاليد “دولة الرفاه” في الدول الإسكندنافية، مما أكد مرونة النظرية وقدرتها على التوطن في سياقات جغرافية وثقافية متنوعة بمجرد إعادة ضبط متغيراتها الرمزية المحلية.

11. دوره في بناء المجتمع العلمي وإرثه في التدريس والإشراف

11.1 تأسيس الجمعية الدولية لعلم النفس السياسي (ISPP) ونشاطه فيها

لم يكن ديفيد سيرز مجرد باحث عاكف في محرابه العلمي أو أستاذ يلقي محاضراته على مدارج الجامعة، بل كان قوة دافعة وبناءً مؤسسياً مركزياً لعب دوراً لا يقدّر بثمن في مأسسة حقل علم النفس السياسي على المستوى الدولي. تجسدت هذه الريادة التنظيمية في مساهمته المحورية والتأسيسية في إطلاق الجمعية الدولية لعلم النفس السياسي (International Society of Political Psychology – ISPP) في أواخر سبعينيات القرن العشرين، وهي المؤسسة الأم التي جمعت تحت مظلتها الأكاديمية آلاف العلماء والباحثين وصناع القرار من مختلف أصقاع الأرض لتبادل الرؤى وتطوير أبحاث هذا الحقل الوليد.

توج هذا النشاط المؤسسي الاستثنائي بانتخابه رئيساً للجمعية الدولية لعلم النفس السياسي (President of ISPP)، حيث قاد سفينتها الأكاديمية بحنكة وتجرد نادرين. كرس سيرز فترة رئاسته لتعزيز الطابع الدولي العابر للقارات للمؤتمرات السنوية للمنظمة، ونقل فعالياتها خارج الحدود التقليدية لأمريكا الشمالية، وتشجيع مشاركة الباحثين الشباب والعلماء القادمين من دول العالم النامي ومجتمعات ما بعد النزاعات، وتأمين المنح البحثية لهم. كما كان له دور حاسم في تطوير الدورية الرسمية للجمعية مجلة علم النفس السياسي (Political Psychology) ورفع مكانتها وتصنيفها العلمي لتغدو واحدة من أرفع الدوريات المحكمة تأثيراً في العلوم الاجتماعية المقارنة.

وتقديراً لهذا الإخلاص المؤسسي والعطاء العلمي الذي لم ينقطع، منحت الجمعية الدولية لعلم النفس السياسي ديفيد سيرز أرفع وسام أكاديمي تمنحه للمفكرين في تاريخها، وهو “جائزة هارولد لاسويل” (Harold Lasswell Award) المرموقة، المخصصة لتكريم العلماء الذين قدموا مساهمات تأسيسية لا نظير لها على مدار مسيرتهم الحياتية في ترسيخ الفهم السيكولوجي للظواهر السياسية العالمية. مثلت هذه الجائزة اعترافاً جماعياً من أقرانه وتلاميذه حول العالم بأنه لم يكن فقط باحثاً لامعاً أثرى المكتبة الإنسانية، بل كان بمثابة البوصلة الأخلاقية والمهنية التي قادت مسيرة الجمعية ورسخت تقاليدها العلمية الرصينة لأكثر من أربعة عقود متتالية.

11.2 الإشراف الأكاديمي وتخريج أجيال من الباحثين البارزين

يعد الإرث التدريسي والتأطيري لديفيد سيرز أحد أروع فصول مسيرته الأكاديمية وأعمقها أثراً على الإطلاق؛ إذ تميز بمنهج تربوي فريد في الإشراف على رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA). كان سيرز يتعامل مع تلاميذه وباحثيه الشباب ليس كمساعدين هامشيين أو منفذين لتعليماته، بل كشركاء كاملين في المغامرة الفكرية والإنتاج العلمي، وكان يحرص على إشراكهم في تأليف الأوراق البحثية الكبرى ونشر أسمائهم إلى جوار اسمه في أرقى المجلات العالمية، مما غرس في نفوسهم ثقة علمية لا تتزعزع وشغفاً بالصرامة المنهجية والأمانة الفكرية.

وقد أثمرت مدرسة سيرز الفكرية عن تخريج كوكبة لامعة من كبار علماء الاجتماع والسياسة وعلم النفس الذين يتبوأون اليوم أرفع المناصب الأكاديمية ويشغلون كراسي الأستاذية المرموقة في أعرق الجامعات الأمريكية والعالمية. ومن بين هؤلاء الأعلام الذين تتلمذوا على يديه وتأثروا بمنهجه:

  • بي. جيه. هنري (P. J. Henry): الذي شارك سيرز في تطوير “مقياس العنصرية الرمزية 2000″، وأضحى لاحقاً من كبار رواد أبحاث علم النفس الاجتماعي التجريبي في دراسات وصمة العار والعدالة الاجتماعية وسيكولوجيا الشرف.
  • نيكولاس فالنتينو (Nicholas Valentino): أستاذ العلوم السياسية البارز في جامعة ميشيغان، وأحد ألمع المنظرين العالميين في مجال الاتصال السياسي والتأطير العرقي والإعلامي في الحملات الانتخابية.
  • كريستوفر فيديريكو (Christopher M. Federico): أستاذ العلوم السياسية وعلم النفس في جامعة مينيسوتا، ورئيس تحرير سابق لمجلة علم النفس السياسي، وصاحب الأبحاث الرائدة في تفكيك البنية الإدراكية للخبرة السياسية والاستقطاب الإيديولوجي.
  • جاكلين ماتيس، وماثيو باريتو: وغيرهم الكثير من العلماء والباحثين المرموقين الذين واصلوا تطبيق وتطوير نماذج سيرز النظرية في دراسات الهوية الإثنية، والسياسات اللاتينية، وديناميكيات الرأي العام.

تجاوز تأثير سيرز حدود أروقة UCLA؛ إذ شكل مجتمعاً معرفياً مترابطاً عبر الأجيال يُعرف في الأوساط الأكاديمية بـ “شجرة تلاميذ سيرز” (Sears’ Academic Tree). رسخ في نفوس هذا المجتمع العلمي روح الانفتاح التخصصي والجرأة في الجمع بين المسوح الميدانية والتجارب السيكومترية، جاعلاً من طلبته كتيبة علمية قادت قاطرة التجديد في العلوم الإنسانية لعقود طويلة ولا تزال تواصل حمل شعلته التنويرية حتى اليوم.

11.3 التقاليد البحثية وأخلاقيات العمل الأكاديمي التي أرساها

اقترن اسم ديفيد سيرز في المجتمع العلمي العالمي بأسمى معايير الاستقامة الأخلاقية والدقة المنهجية التي غدت تقاليد راسخة تقتدي بها الأجيال. كان سيرز يرفض رفضاً قاطعاً التهاون في معالجة البيانات الإحصائية، أو الانزلاق نحو التلفيق المنهجي (P-hacking)، أو انتقاء النتائج التي تتوافق فقط مع أهواء الباحث ورغباته الإيديولوجية. كان شعاره الدائم أن العالم الحقيقي هو من يمتلك الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بفشل فرضياته إذا نطقت البيانات الإمبيريقية بخلاف ذلك، وأن النزاهة العلمية تتفوق بآلاف المرات على بريق الشهرة الأكاديمية الزائفة.

كما تميز سيرز بتقليد حضاري رفيع تجلى في انفتاحه الاستثنائي على أشد منافسيه ونقاده ومشاركته النشطة في مناظرات عامة وسجالات علنية تتسم بأعلى درجات الرقي الفكري والتحضر الإنساني. لم يكن يحول الخلافات الأكاديمية إلى عداوات شخصية قط؛ بل كان يرحب باستضافة منتقديه في مؤتمراته وندواته، ويشجع طلابه على قراءة كتب الخصوم وتفكيك حججهم بأدب جم وصرامة برهانية خالصة. كان يرى في السجال العلمي الجاد المحرك الأوحد لتقدم المعرفة الإنسانية وتطهيرها من الأوهام والتحيزات الذاتية المستترة.

وفوق كل ذلك، جسد سيرز نموذج “الأكاديمي الملتزم بقضايا مجتمعه” (The Engaged Scholar). كان يؤمن بعمق أن علم النفس السياسي ليس رياضة ذهنية مجردة يمارسها النخبويون في أبراجهم العاجية المنعزلة، بل هو رسالة أخلاقية وأداة مدنية تهدف إلى تفكيك مظالم العالم الحقيقي ومحاربة التمييز المؤسسي وخدمة قضايا العدالة المجتمعية. ظل في أبحاثه مخلصاً للدفاع عن الديمقراطية، وحماية حقوق الأقليات، وفضح أساليب التلاعب السياسي الخبيث، مقدماً درساً بليغاً في الكيفية التي يمكن بها للعلم الرصين أن يكون حليفاً مخلصاً للحرية والكرامة الإنسانية.

12. راهنية فكر ديفيد سيرز في القرن الحادي والعشرين وقراءته لواقع اليوم

12.1 تفسير تصاعد الشعبوية والاستقطاب الحزبي الحاد في العالم المعاصر

مع دخول العالم العقد الثالث من الألفية الثالثة، تتجلى راهنية فكر ديفيد سيرز بأكثر مما كانت عليه إبان ذروة نشاطه الأكاديمي في القرن الماضي. فالانفجارات السياسية العاصفة التي يشهدها العالم الديمقراطي المعاصر—من صعود التيارات اليمينية الشعبوية في أوروبا وأمريكا، إلى التصويت الصادم لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (Brexit)، والانتخاب المفاجئ لدونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة في عام 2016 وما تلاه من هزات عنيفة لنظام الحكم—تجد تفسيرها السيكولوجي الأعمق والأدق في أحضان نظرية “السياسات الرمزية” و”نموذج الاستمرارية” التي صاغها سيرز قبل عقود.

تثبت التحليلات السلوكية الحديثة أن صعود القادة الشعبويين في الغرب والشرق لا يمكن فهمه مطلقاً عبر أطروحة “القلق الاقتصادي” (Economic Anxiety) السطحية المستمدة من نماذج الخيار العقلاني الكلاسيكية؛ إذ أظهرت المسوح الانتخابية الكبرى أن المصوتين لهؤلاء القادة لم يكونوا بالضرورة الأكثر فقراً أو تضرراً مالياً من العولمة، بل كانوا مدفوعين بـ “قلق هوياتي رمزي” عميق ومهيض الجناح. تجاوبت الجماهير مع الخطابات الشعبوية ليس طمعاً في خطط تنمية اقتصادية مدروسة، بل استجابة للمشاعر الرمزية المشروطة التي دغدغتها شعارات استعادة العظمة القومية، وحماية الهوية الثقافية المهددة من الغرباء والمهاجرين، والعداء المستحكم للنخب الليبرالية الحاكمة؛ وهي كلها آليات سيكولوجية خالصة تنبأت بها نظرية سيرز بالمسطرة والقلم.

علاوة على ذلك، يفسر نموذج التنشئة الباكرة لسيرز ظاهرة “الاستقطاب الوجداني الحاد” (Affective Polarization) المستعصي الذي يشل العمل المؤسسي اليوم؛ حيث أصبحت الأحزاب السياسية تعامل بعضها بعضاً ليس كمنافسين ديمقراطيين بل كأعداء وجوديين وجماعات خارج شريرة وخارجة عن الملة الوطنية. وقد جاءت البيئة الرقمية وغرف الصدى المغلقة في منصات التواصل الاجتماعي (Echo Chambers) لتضاعف من قوة آليات “التعرض الانتقائي” و”المعالجة المنحازة” التي كشف عنها سيرز؛ حيث بات الأفراد يستحمون يومياً في محتويات رقمية تفصل خصيصاً لتأكيد قناعاتهم المكتسبة في صباهم وتأجيج كراهيتهم الرمزية للآخر، مما يؤكد أن العالم لا يعيش أزمة تكنولوجيا أو ديمقراطية فحسب، بل يعيش بالأحرى تجلياً متطرفاً لأمراض النفس البشرية في فضائها السياسي التي فككها سيرز طوال حياته.

12.2 أهمية أبحاثه لفهم الحركات الحقوقية المعاصرة (مثل Black Lives Matter)

قدمت التوترات العرقية والاجتماعية الملتهبة التي تفجرت في الولايات المتحدة والعالم إبان العقد الأخير—ولاسيما في أعقاب مقتل جورج فلويد عام 2020 وتصاعد حركة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter – BLM)—اختباراً ميدانياً مذهلاً أكد الصدق التنبؤي الخارق لنظرية “العنصرية الرمزية” لديفيد سيرز. ففي مواجهة تلك الأحداث المأساوية، انقسم الرأي العام الأمريكي بشكل عميق ومطابق تماماً لتنبؤات معادلات سيرز السيكومترية التي صاغها قبل نصف قرن.

ففي الوقت الذي أقر فيه غالبية المواطنين البيض نظرياً وتجريدياً بقسوة ما حدث لفلويد وحرمة القتل خارج القانون، سرعان ما ارتدت شرائح واسعة منهم إلى معارضة شرسة وعنيدة لحركة Black Lives Matter ومطالب إصلاح جهاز الشرطة ومنظومة العدالة الجنائية. وجرى تبرير هذا الرفض مجدداً عبر ترسانة الحجج الأخلاقية المستمدة من العنصرية الرمزية؛ فاتهم المتظاهرون بأنهم “فوضويون يكرهون القانون والنظام”، وبأن قيادات الأقليات “تطلب امتيازات غير مستحقة”، وبأن أمريكا “ليست دولة عنصرية مؤسسياً ويجب التوقف عن الحديث في المسألة العرقية”. تجلت الفجوة التاريخية التي كشفها سيرز بين القبول المبدئي للمساواة والرفض القاطع لكل ممارسة واقعية تترجمها على الساحة بأوضح صورها، متخذة شكل شعارات دفاعية مضادة مثل “حياة الزرق مهمة” (Blue Lives Matter) نصرةً للشرطة.

كما بينت أبحاث المستلهمين لنهج سيرز أن الجدل المحتدم حول “النظرية العرقية النقدية” (Critical Race Theory) في المدارس وتطهير المناهج التعليمية من دروس تاريخ العبودية وحظر بعض الكتب التاريخية وإسقاط تماثيل القادة الكونفدراليين، ليست سوى معارك طقوسية على الرموز الثقافية والهيمنة المعنوية. إنها صراع حول الرواية الرمزية للأمة: هل هي أمة بيضاء استثنائية وبراقة، أم مجتمع تعددي مثقل بالخطايا التاريخية التي يجب الاعتراف بها ومعالجتها بشجاعة؟ ومن ثم، تظل أدوات سيرز التحليلية هي المجهر المعرفي الوحيد القادر على فضح المعاني الخفية وراء هذه الحروب الثقافية الملتهبة، مبينة كيف يستمر العقل الجمعي في تدوير مشاعره العدائية القديمة عبر أقنعة لغوية وتشريعية جديدة ومواكبة لكل عصر.

12.3 خلاصة الإرث العلمي: نحو فهم أعمق للنفس الإنسانية في الساحة السياسية

تتلخص البصيرة المعرفية الجوهرية التي أهداها ديفيد سيرز للفكر الإنساني في حقيقة ناصعة وبسيطة لكنها ذات أبعاد فلسفية مدوية: إن الإنسان في معتركه السياسي ليس كائناً اقتصادياً عقلانياً كما توهمت الليبرالية الكلاسيكية، بل هو كائن عاطفي، رمزي، وطقوسي بامتياز. تتشكل قناعاته وتتحدد تصرفاته في خضم مشاعر الانتماء الأولي والولاءات الباكرة التي تسكن وجدانه، وتظل بوصلته الحقيقية هي الدفاع عن كرامة هويته الجمعية ورعاية الرموز الأخلاقية التي نشأ على تقديسها، حتى لو تعارض ذلك تعارضاً صارخاً مع مصالحه الاقتصادية وسلامته المادية الفردية.

تضع هذه الخلاصة الفكرية العميقة مسؤولية تاريخية وأخلاقية جسيمة على عاتق صانعي السياسات، والمصلحين الاجتماعيين، وقادة الرأي في العالم المعاصر. فالدرس المستفاد من عقود سيرز الستة من البحث الإمبيريقي هو أن مخاطبة الجماهير بالأرقام الصماء والبيانات المحايدة ومحاولة إقناعهم عبر الحجج المنطقية الباردة هي ممارسة عقيمة ومحكوم عليها بالإخفاق؛ إذ لا يمكن تفكيك الاستقطاب السياسي أو مداواة جراح التعصب العرقي والاجتماعي إلا عبر النفاذ المباشر إلى البنية الرمزية والوجدانية للشعوب، وبناء سرديات وطنية وإنسانية بديلة وجامعة تشعر كافة الجماعات، لاسيما الأكثر خوفاً وتهميشاً، بالأمان النفسي والاعتراف الوجودي بكرامتها وقيمتها الأخلاقية في الفضاء العام المشترك.

إن الآفاق المستقبلية للبحث العلمي في علم النفس السياسي ستظل، لسنوات طويلة قادمة، تنهل من المعين الخصب للأسس النظرية والمنهجية التي وضعها ديفيد سيرز. وسيبقى مشروعه الأكاديمي، الممتد منذ عام 1935 وحتى اللحظة الحاضرة، نبراساً شامخاً ومنارة هادية لكل باحث يتصدى لشرف سبر أغوار النفس البشرية في لحظات خوفها وتطرفها وعنفوانها، وشاهداً حياً على قدرة العلم الرصين والنزاهة الفكرية على إنارة الدروب المظلمة وقيادة البشرية نحو فهم أعمق وأشمل لذاتها ولإمكانات تعايشها السلمي على هذا الكوكب المشترك.

وهكذا، تتكامل حلقات هذا البناء الأكاديمي الشامخ الذي شيده ديفيد سيرز، حيث استطاعت نظرياته في العنصرية الرمزية والسياسات الرمزية ونموذج الاستمرارية أن تبرهن على أن السلوك السياسي البشري لا تحكمه الحسابات الرقمية الآنية بقدر ما تحكمه الاستجابات العاطفية المشروطة المغروسة في وجدان الأفراد منذ سنوات تكوينهم المبكرة. وبفضل هذه الرؤية الثورية، تحولت دراسة الرأي العام والانتخابات من مجرد تحليل وصفي للنتائج إلى سبر سيكولوجي عميق لطبقات النفس وتجلياتها الجمعية، تاركاً للأجيال القادمة صرحاً معرفياً ومنهجياً لا غنى عنه لفهم تحديات الديمقراطية في عالم يزداد استقطاباً وتعقيداً يوماً بعد يوم.

المراجع

Kinder, D. R., & Sears, D. O. (1981). Prejudice and politics: Symbolic racism versus racial threats to the good life. Journal of Personality and Social Psychology, 40(3), 414–431. https://doi.org/10.1037/0022-3514.40.3.414

Sears, D. O. (1983). The persistence of early political predispositions: The roles of attitude object and life stage. In L. Wheeler & P. Shaver (Eds.), Review of Personality and Social Psychology (Vol. 4, pp. 79–116). SAGE Publications.

Sears, D. O. (1986). College sophomores in the laboratory: Influences of a narrow data base on social psychology’s view of human nature. Journal of Personality and Social Psychology, 51(3), 515–530. https://doi.org/10.1037/0022-3514.51.3.515

Sears, D. O., & Funk, C. L. (1991). The role of self-interest in social and political attitudes. In M. P. Zanna (Ed.), Advances in Experimental Social Psychology (Vol. 24, pp. 1–91). Academic Press. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60327-5

Sears, D. O., & Henry, P. J. (2003). The origins of symbolic racism. Journal of Personality and Social Psychology, 85(2), 259–275. https://doi.org/10.1037/0022-3514.85.2.259

Sears, D. O., & McConahay, J. B. (1973). The politics of violence: The new urban blacks and the Watts riot. Houghton Mifflin.

Sears, D. O., Sidanius, J., & Bobo, L. (Eds.). (2000). Racialized politics: The values of public opinion in a cross-racial age. University of Chicago Press. https://press.uchicago.edu/ucp/books/book/chicago/R/bo3644074.html

Huddy, L., Sears, D. O., & Levy, J. S. (Eds.). (2013). The Oxford handbook of political psychology (2nd ed.). Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780199760107.001.0001

Freedman, J. L., & Sears, D. O. (1965). Selective exposure. In L. Berkowitz (Ed.), Advances in Experimental Social Psychology (Vol. 2, pp. 57–97). Academic Press. https://doi.org/10.1016/S0065-2601(08)60103-3

Henry, P. J., & Sears, D. O. (2002). The Symbolic Racism 2000 Scale. Political Psychology, 23(2), 253–283. https://doi.org/10.1111/0162-895X.00281

Sniderman, P. M., & Tetlock, P. E. (1986). Symbolic racism: Problems of motive attribution in political analysis. Journal of Social Issues, 42(2), 129–150. https://doi.org/10.1111/j.1540-4560.1986.tb00229.x

Tarman, C., & Sears, D. O. (2005). The conceptualization and measurement of symbolic racism. The Journal of Politics, 67(3), 731–761. https://doi.org/10.1111/j.1468-2508.2005.00337.x

★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات