السيرة
يمثل الفكر التربوي والاجتماعي المعاصر نقطة تحول جذرية مع بزوغ أطروحات المنظّر السويسري-الأمريكي إتيان فينغر (Étienne Wenger)، الذي أعاد صياغة فهمنا لجوهر التعلم الإنساني وتوليد المعرفة داخل المنظمات والمجتمعات. لعقود طويلة، هيمنت النظريات السلوكية والمعرفية الكلاسيكية على الفضاء الأكاديمي، مختزلة التعلم في عملية معالجة داخلية للمعلومات تجري في عزلة تامة داخل الدماغ البشري، أو بوصفها استجابة مشروطة لمثيرات خارجية. غير أن فينغر، متسلحاً بخلفية علمية فريدة جمعت بين علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي والأنثروبولوجيا الثقافية، قاد ثورة إبستمولوجية نقلت مركز الثقل من “العقل المنعزل” إلى “السياق الاجتماعي المعاش”.
تكمن فرادة مشروع فينغر الفكري في نحته لمفاهيم تأسيسية أصبحت مراجع لا غنى عنها في حقول التربية، وعلم الاجتماع، وإدارة المعرفة، والدراسات التنظيمية. ومن أبرز هذه المفاهيم: “التعلم الموقعي” (Situated Learning)، و”المشاركة المحيطية المشروعة” (Legitimate Peripheral Participation) بالاشتراك مع عالمة الأنثروبولوجيا جان لاف (Jean Lave)، والمفهوم الأشهر عالمياً: مجتمعات الممارسة (Communities of Practice). تتجاوز هذه الأطر التنظير المجرد لتقدم عدسة تحليلية كاشفة لكيفية انخراط البشر في نشاطات مشتركة تُبنى من خلالها الهويات، وتُنتج المعاني، وتتوارث الممارسات المهنية والإنسانية جيلاً بعد جيل.
يقدم هذا البحث الموسوعي استعراضاً شاملاً لمسيرة إتيان فينغر منذ ولادته عام 1952 وحتى الوقت الحاضر. نتتبع في هذه الدراسة رحلته الفكرية من مختبرات الذكاء الاصطناعي في جنيف وكاليفورنيا إلى أروقة معهد أبحاث التعلم في بالو ألتو، مفككين الأسس الفلسفية والبنائية لمنظوره المعرفي، ومحللين أركان نظرياته الكبرى وتطبيقاتها المعاصرة في التعليم والتكنولوجيا والمنظمات، فضلاً عن مناقشة السجالات النقدية التي دارت حول أفكاره وموقعه الراسخ في تشكيل نظرية المعرفة الحديثة في مطلع القرن الحادي والعشرين.
1. السيرة الذاتية والنشأة الأكاديمية لإتيان فينغر (1952 – الوقت الحاضر)
1.1 المراحل المبكرة وتكوينه المعرفي في سويسرا
ولد إتيان فينغر في سويسرا عام 1952، ونشأ في بيئة ثقافية وأكاديمية تميزت بالدقة والصرامة المنهجية. منذ مراحله المبكرة، أظهر شغفاً متقاطعاً بين التفكير الرياضي المنطقي والفضول الإنساني تجاه آليات الفهم والتواصل. كان التطور التكنولوجي المتسارع في منتصف القرن العشرين يلقي بظلاله على طموحات الجيل الجديد، مما دفع فينغر نحو دراسة علوم الحاسوب وتطبيقاتها التقنية الناشئة، حيث رأى في البرمجة والمنطق الرياضي أدوات واعدة لمحاكاة التفكير البشري وفهم تعقيداته.
التحق فينغر بجامعة جنيف، وهي المؤسسة العريقة التي كانت مهداً للفكر البنائي بفضل الإرث المتجذر لعالم النفس الشهير جان بياجيه. خلال دراسته لعلوم الحاسوب، تشرب فينغر المبادئ السيبرانيتية والنظريات المنطقية الصارمة، غير أنه بدأ يلحظ مبكراً محدودية الاختزال الخوارزمي في الإحاطة بالسلوك البشري الحي. لم تكن المسائل الحسابية قادرة وحدها على الإجابة عن أسئلة المعنى والدلالة التي تنشأ أثناء تفاعل البشر في العالم الواقعي، وهو التوتر الفكري الذي زرع بذور تحوله لاحقاً من الهندسة التقنية البحتة إلى الأسئلة الإبستمولوجية الأكثر عمقاً.
مع استكمال دراساته الأولية، اتخذ فينغر قراراً استراتيجياً بالهجرة الأكاديمية نحو الولايات المتحدة الأمريكية، مدفوعاً بالرغبة في الانخراط المباشر في ثورة العلوم الإدراكية وبحوث الذكاء الاصطناعي التي كانت تتصدر المشهد في الجامعات الأمريكية. حمل فينغر معه خلفيته الأوروبية الغنية بالفلسفة النقدية، ليبدأ مرحلة جديدة من التكوين المعرفي الهجين الذي سعى للجمع بين صلابة النمذجة الحاسوبية وحيوية العلوم الاجتماعية والإنسانية.
1.2 المحطة الأكاديمية في جامعة كاليفورنيا (إرفاين)
استقر فينغر في جامعة كاليفورنيا في إرفاين (UC Irvine)، ملتحقاً ببرنامج الدكتوراه في علوم الحاسوب ونظم المعلومات، مع تركيز خاص على الذكاء الاصطناعي والتعليم المدعوم بالحاسوب (Intelligent Tutoring Systems – ITS). كانت تلك الفترة تمثل العصر الذهبي للذكاء الاصطناعي الرمزي، حيث ساد الاعتقاد بإمكانية محاكاة عقل المعلم ونقل المعرفة إلى المتعلم عبر تمثيل البيانات في شبكات منطقية وقواعد خبيرة معقدة.
توجت هذه المرحلة بإنجازه لأطروحته للدكتوراه، والتي نُشرت لاحقاً في كتاب مرجعي بعنوان Artificial Intelligence and Tutoring Systems: Computational and Cognitive Approaches to the Communication of Knowledge عام 1987. غير أن هذا الإنجاز الأكاديمي، بدلاً من أن يكرس إيمانه بالنماذج الحاسوبية، شكل لحظة اكتشاف حرجة. رصد فينغر هوة سحيقة لا يمكن جسرها بين النماذج الحاسوبية الصارمة، التي تعامل المعرفة بوصفها شحنة معلوماتية جامدة تُنقل من مرسل إلى مستقبل، وبين الواقع الحي للتعلم البشري الفعلي الذي يتسم بالمرونة، والارتباك المثمر، والاعتماد الجذري على السياق الاجتماعي والثقافي للمتعلم.
أحدثت هذه الملاحظة العميقة تحولاً راديكالياً في مسار فينغر الفكري؛ إذ أدرك أن الإخفاق في بناء أنظمة تعليمية ذكية وفعالة لا يعود إلى نقص في القدرات الحسابية أو قصور في الخوارزميات، بل يرجع إلى خطأ إبستمولوجي تأسيسي في تعريف التعلم نفسه. كان هذا الإدراك بمثابة إعلان قطيعة مع النماذج الإدراكية الفردية، وتوجهاً حاسماً نحو استكشاف النظريات الاجتماعية-الثقافية التي ترى العقل جزءاً لا يتجزأ من الممارسة الإنسانية الجماعية في العالم المعاش.
1.3 فترة معهد أبحاث التعلم (IRL) في بالو ألتو
قاد هذا التحول المعرفي إتيان فينغر إلى الانضمام إلى معهد أبحاث التعلم (Institute for Research on Learning – IRL) في بالو ألتو بكاليفورنيا، وهو المعهد المستقل الذي تأسس أواخر الثمانينيات امتداداً للبيئة الفكرية الثورية التي رعاها مركز زيروكس بارك (Xerox PARC). كان المعهد ملاذاً فريداً متعدد التخصصات جمع علماء الحاسوب، وعلماء اللغة، والأنثروبولوجيين، وعلماء النفس التربوي، بهدف إعادة التفكير في طبيعة التعلم البشري وتصميم بيئات العمل والتعليم المعاصرة.
في هذا الفضاء الفكري الخصب، حدث اللقاء التاريخي بين إتيان فينغر وعالمة الأنثروبولوجيا المرموقة جان لاف. كان لاف تأثيراً مفصلياً في مسار فينغر؛ إذ جلبت معها منظوراً إثنوغرافياً راديكالياً يرفض النظريات المعرفية المعملية وينظر إلى النشاط البشري في سياقاته الطبيعية. تشارك الاثنان قناعة راسخة بأن التعلم ليس عملية استيعاب مجردة تجري داخل الرؤوس، بل هو شكل من أشكال الممارسة الاجتماعية والانخراط الفعلي في العالم.
انخرط فينغر ولاف في دراسات ميدانية إثنوغرافية مكثفة راقبت بيئات العمل الحرفية والصناعية والخدمية. درس الباحثان كيف يتعلم الحرفيون والعمال والمبتدئون مهاراتهم المعقدة في غياب شبه تام للتدريس المنهجي التقليدي أو الكتب التعليمية. أسفر هذا التفاعل الفكري الوثيق عن ولادة نظرية التعلم الموقعي، ووضع اللبنات الأولى لمفهوم “مجتمعات الممارسة”، مما شكل منعطفاً تاريخياً في سوسيولوجيا التربية ونظرية المنظمات على الصعيد العالمي.
2. الأسس النظرية والفلسفية لمنظور فينغر المعرفي
2.1 الجذور السوسيولوجية والبنائية في فكر فينغر
لا يمكن استيعاب مشروع إتيان فينغر بمعزل عن الجذور الفلسفية والسوسيولوجية العميقة التي نهل منها. تأثر فينغر بشكل جوهري بالمدرسة البنائية الاجتماعية، وبشكل خاص بأطروحات عالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي ونظرية النشاط التاريخي-الثقافي (Cultural-Historical Activity Theory). استعار فينغر من فيغوتسكي فكرة “الوساطة الاجتماعية” (Social Mediation)، ومفادها أن الوظائف العقلية العليا للإنسان لا تتطور عبر الاحتكاك البيولوجي المنفرد بالبيئة، بل تتشكل عبر الأدوات الثقافية والرموز واللغة التي ينتجها المجتمع تاريخياً ويتناقلها أفراده.
إلى جانب الإرث الفيغوتسكي، كان للتفاعل الرمزي (Symbolic Interactionism)، ولا سيما أفكار الفيلسوف وعالم الاجتماع الأمريكي جورج هربرت ميد، حضور قوي في تشكيل رؤية فينغر للعلاقة بين الذات والمجتمع. رأى فينغر، استناداً إلى ميد، أن الهوية والوعي الذاتي لا ينشآن من تأمل فردي مجرد، بل هما نتاج مستمر للتفاعل الرمزي والتفاوض اليومي على الأدوار والمواقع الاجتماعية. يتعلم الفرد من خلال إدراكه لنظرة الآخرين إليه ومشاركته في أفعال مشتركة ذات مغزى توافقي.
يقوم هذا المنظور على نقد جذري للفلسفة الديكارتية الثنائية التي فصلت فصلاً تعسفياً بين العقل (الجوهر المفكر) والجسد أو العالم الخارجي (الجوهر الممتد). يرفض فينغر التصور الديكارتي للعقل بوصفه مرآة داخلية تعكس عالماً خارجياً مستقلاً، ويتبنى بدلاً من ذلك أنطولوجيا الممارسة، متأثراً بفينومينولوجيا مارتن هايدغر وموريس ميرلو-بونتي وسوسيولوجيا بيير بورديو، حيث الإنسان كائن “موجود في العالم” ومغمور فيه، وتنبثق معرفته كأثر مباشر لتورطه العملي والجسدي في معطيات الحياة اليومية.
2.2 نقد النماذج الإدراكية الكلاسيكية للتعلم
شن إتيان فينغر هجوماً منهجياً صريحاً على ما أسماه “النموذج الإدراكي الكلاسيكي” أو النموذج التلقيني المستقر في المؤسسات التربوية. يقوم هذا النموذج التقليدي على افتراضات ميكانيكية تعتبر المعرفة مادة ثابتة وقابلة للتشييء والتعبئة، والتدريس عملية نقل خطي لهذه المادة من عقل المعلم أو بطون الكتب إلى وعي التلميذ، والتعلم تخزيناً واكتنازاً لمصفوفات البيانات في الذاكرة طويلة المدى لاسترجاعها عند الاختبار.
فكك فينغر هذه الرؤية معتبراً أنها تعاني من عيب بنيوي خطير: نزع السياق (Decontextualization). يرى فينغر أن اختزال التعلم في معالجة معلوماتية خوارزمية مجردة، بمعزل عن المواقف الحياتية والبيئات الثقافية التي تولدت فيها تلك المعرفة، يحول المعرفة إلى مجرد محفوظات معطلة وبلا معنى (Inert Knowledge). إن الطالب قد يحفظ القوانين الرياضية أو الفيزيائية داخل قاعة المحاضرات، لكنه يعجز عن استخدامها لحل مشكلة واقعية لأنه لم يتعلمها كأداة حية داخل ممارسة اجتماعية أصيلة.
تأسيساً على هذا النقد، انحاز فينغر إلى مفهوم “العقل الموزع” (Distributed Cognition). فالمعرفة والعقل ليسا ملكية خاصة محصورة داخل الجمجمة الفردية، بل هما ظاهرة موزعة اجتماعياً وتقنياً ومادياً؛ موزعة بين أدمغة الأفراد المتفاعلين، والأدوات التي يستخدمونها، واللغة التي يتداولونها، والتنظيم المكاني والمؤسسي الذي يتحركون داخله. وبالتالي، فإن الفعل الذكي هو إنجاز تركيبي للنظام الاجتماعي بأكمله وليس للذات المعزولة بمفردها.
2.3 البرادايم الاجتماعي للتعلم الإنساني
في مقابل البرادايم الإدراكي الفردي، صاغ فينغر برادايمه الاجتماعي البديل، مؤكداً أن التعلم ليس نشاطاً منفصلاً نخصصه لأوقات معينة في المدارس أو الجامعات، بل هو سمة جوهرية وملازمة للوجود الإنساني وطبيعته الاجتماعية ذاتها. نحن نتعلم باستمرار بحكم كوننا كائنات حية تتنفس وتتفاعل وتشارك في العالم الاجتماعي المعاش. التعلم ليس حدثاً عارضاً يطرأ على العقل، بل هو نمط حياتي لتطوير علاقتنا بالعالم وبمن حولنا.
أعاد هذا المنظور طرح السؤال الإبستمولوجي المحوري؛ فبدلاً من التساؤل المألوف: “ما هي العمليات الذهنية التي تجعل الفرد يعرف؟”، تحول السؤال في فكر فينغر إلى: “ما هي أشكال المشاركة الاجتماعية التي تمكن الفرد من أن يصبح فاعلاً ومتمكناً داخل مجتمعه؟”. تركز الرؤية هنا على التحولات في بنية المشاركة بدلاً من التحولات في البنى المعرفية الذهنية المجردة.
يتبلور هذا البرادايم الاجتماعي الشامل في نموذج تكاملي وضعه فينغر يقوم على أربعة أركان متداخلة وغير قابلة للتجزئة:
- المعنى (Meaning): وهو تجربة عيش العالم بوصفه مكاناً ذا دلالة، والقدرة المستمرة على التفاوض حول معاني أفعالنا وحياتنا الفردية والجماعية.
- الممارسة (Practice): وهي الموارد التاريخية والاجتماعية المشتركة، والأطر والأدوات واللغات ووجهات النظر التي تدعم العمل المتبادل في سياق محدد.
- المجتمع (Community): وهو التكوين الاجتماعي الذي نحدد فيه أفعالنا ونشارك من خلاله مع الآخرين ونشعر بالانتماء المتبادل نحو قضية أو اهتمام مشترك.
- الهوية (Identity): وهي صيرورة التعلم التي تغير نظرتنا لأنفسنا، وتصنع تاريخنا الشخصي في سياق تواريخ مجتمعاتنا، بحيث يكون التعلم تحولاً في الكينونة وليس مجرد تراكم للمعلومات.
3. نظرية التعلم الموقعي والمشاركة المحيطية المشروعة (1991)
3.1 سياق كتاب ‘التعلم الموقعي’ بالتعاون مع جان لاف
شهد عام 1991 نقطة تحول كبرى في الفكر التربوي والأنثروبولوجي العالمي مع صدور الكتاب التأسيسي المشترك بين جان لاف وإتيان فينغر: Situated Learning: Legitimate Peripheral Participation (التعلم الموقعي: المشاركة المحيطية المشروعة). نشأ هذا الكتاب استجابة لأزمة مستحكمة في فهم العلاقة بين ما يُدرّس في المؤسسات التعليمية النظامية وما يُمارس في الحياة الفعلية، وسعى إلى تقديم بديل نظري متماسك يفك الارتباط التقليدي بين مفهوم التعلم ومفهوم التدريس المدرسي.
اعتمد المؤلفان على منهج إثنوغرافي مقارن، متفحصين خمس دراسات حالة أنثروبولوجية غنية حول أنظمة التلمذة المهنية غير الرسمية: خياطو قبائل الفاي في ليبيريا، والقابلات التقليديات في شبه جزيرة يوكاتان في المكسيك، ومصلحو العدادات البحرية في الجيش الأمريكي، وقصابو اللحوم في المتاجر الكبرى، والمشاركون في مجموعات التعافي من الكحول. أظهرت هذه الحالات المتنوعة ظاهرة مذهلة: كان الأفراد في هذه المجتمعات يكتسبون كفاءات مهنية ومعرفية بالغة التعقيد والخطورة، دون وجود فصول دراسية، أو مناهج مكتوبة، أو معلمين يمارسون التلقين بالمعنى الوظيفي المؤسسي.
استخلص فينغر ولاف أن نقل الخبرة الحقيقية وتوليد المعرفة يتمان عبر الغمر الطبيعي في سياقات الأداء الفعلي. فالتعلم لا يحدث عبر الانعزال عن الممارسة استعداداً لخوضها في المستقبل، بل هو الممارسة ذاتها وهي تتكشف داخل بيئتها الثقافية والمادية الحية، وهو ما أطلق عليه المؤلفان مصطلح التعلم الموقعي (Situated Learning).
3.2 أركان المشاركة المحيطية المشروعة (LPP)
لشرح الكيفية التي يعمل بها التعلم الموقعي، صاغ الباحثان مفهوماً نظرياً مكثفاً ومحكماً وهو: “المشاركة المحيطية المشروعة” (Legitimate Peripheral Participation – LPP). يتألف هذا المصطلح المركب من ثلاثة أبعاد تأسيسية متضافرة تحدد مسار المتعلم داخل المجتمع المهني:
البعد الأول هو المشروعية (Legitimacy): وتعني الاعتراف المتبادل وقبول الوافد الجديد أو المبتدئ كعضو محتمل وكامل الحقوق داخل مجتمع الممارسة. إن غياب المشروعية يعني بقاء الفرد غريباً متلصصاً محروماً من الوصول إلى موارد الخبرة وأسرار المهنة. تمنح المشروعية المبتدئ حق التواجد، وحق الملاحظة، وحق ارتكاب الأخطاء التجريبية دون أن يتعرض للنبذ، مما يفتح أمامه فضاءات التجريب والتفاعل الحر مع الخبراء والزملاء.
البعد الثاني هو المحيطية (Peripherality): ويشير إلى تموضع المبتدئ في هوامش الممارسة الفعلية وليس في قلبها عالي المخاطر. لا يُطلب من التلميذ المبتدئ في مهنة الخياطة، مثلاً، أن يقص القماش الثمين للثوب في يومه الأول، بل يُكلف بمهام محيطية بسيطة مثل كيّ القطع الجاهزة، أو إحضار الأزرار، أو خياطة الحواف غير المرئية. ورغم بساطة هذه المهام وهامشيتها النسبية، إلا أنها مهام حقيقية وأصيلة تسهم في الإنتاج الفعلي للمجتمع، وتتيح للمبتدئ رؤية الصورة الكلية للعمل والشعور بقيمته المنتجة دون أن يتحمل عبء المسؤولية الكارثية في حال الخطأ.
البعد الثالث هو المشاركة (Participation): وهي الحركة الديناميكية المستمرة التي ينتقل بموجبها المتعلم عبر الزمن والتجربة من التخوم والمحيط إلى مركز الممارسة والتمكن التام. مع تراكم ساعات الاحتكاك، وتنامي الثقة، واكتساب مفردات المهنة وحركاتها الضمنية، تتحول مهام المبتدئ تدريجياً لتصبح أكثر تعقيداً ومركزية، حتى يغدو خبيراً ممارساً (Old-timer) يسلم بدوره شعلة المعرفة للأجيال الجديدة من الوافدين (Newcomers).
3.3 الأبعاد النفسية والتربوية للمفهوم
يحمل نموذج المشاركة المحيطية المشروعة ثورات نفسية وتربوية عميقة تعيد تعريف علاقة المتعلم بذاته وبالمعرفة. على الصعيد النفسي، يعمل هذا النموذج على خفض مستويات “قلق الأداء” ورهاب الفشل؛ فالمبتدئ لا يُلقى به في مواقف تقييمية مصطنعة ومرعبة كالامتحانات التقليدية، بل يتحرك داخل شبكة أمان اجتماعية توفرها الرقابة الصامتة والمساعدة الودودة من الخبراء والأقران الأكثر تقدماً، مما يحافظ على استقراره الانفعالي ورغبته في الاستكشاف.
وعلى صعيد الدافعية، يقدم النموذج حلاً جذرياً لأزمة انعدام الدافعية التي تعاني منها المدارس الكلاسيكية. في المنظومة التقليدية، يسأل التلميذ غالباً: “لماذا يجب أن أتعلم هذه المعادلة؟”، وتكون الإجابة المجردة: “لتنجح في الامتحان” أو “لتستفيد منها مستقبلاً في حياتك بعد عشر سنوات”. أما في المشاركة المحيطية المشروعة، فإن الدافعية تتولد ذاتياً ولحظياً؛ لأن المبتدئ يرى بأم عينيه كيف يسهم جهده الهامشي المباشر في إنجاز منتج حقيقي يراه زبائن حقيقيون أو يستهلكه مجتمعه، مما يمنحه إحساساً فورياً بالجدوى والكرامة المهنية والفاعلية الذاتية.
ينقل هذا التصور معايير التقييم والتحصيل من خانة القياس المعياري المجرد إلى خانة الكفاءة الإنجازية في العالم الفعلي. لم يعد التقييم ورقة تُمنح عليها درجات رقمية، بل أصبح حكماً تداولياً تشاركياً على قدرة الشخص على إنتاج عمل يستوفي معايير الجودة التي ارتضاها مجتمع الممارسة عبر تاريخه التراكمي.
4. تأسيس نظرية مجتمعات الممارسة: كتاب 1998
4.1 الخلفية الإثنوغرافية لدراسة شركة التأمين
في عام 1998، أصدر إتيان فينغر كتابه الفردي الأبرز والذي يُعد التحفة الكلاسيكية في هذا الحقل: Communities of Practice: Learning, Meaning, and Identity. جاء هذا العمل ليعمق المفاهيم التي صاغها مع لاف، مستنداً هذه المرة إلى دراسة إثنوغرافية ميدانية استمرت لشهور طويلة داخل إحدى الشركات الأمريكية الكبرى للتأمين الطبي، وتحديداً من خلال مراقبة حياة موظفي وموظفات معالجة مطالبات التأمين (Claims Processors).
كانت تلك البيئة المكتبية تمثل النموذج الصارخ للبيروقراطية التايلورية الحديثة: إجراءات تشغيل قياسية صارمة، كتيبات تعليمات تضم آلاف القواعد التفصيلية، شاشات حاسوب ترصد عدد المطالبات المنجزة في الدقيقة، وتقسيم دقيق للعمل يهدف إلى تحويل الموظف إلى مجرد ترس ميكانيكي ينفذ التعليمات المكتوبة دون إعمال للفكر. غير أن الملاحظة الإثنوغرافية الدقيقة التي أجراها فينغر كشفت عن عالم موازٍ ومدهش ينبض تحت السطح الهادئ للوائح الرسمية.
اكتشف فينغر وجود بون شاسع وفجوة معرفية هائلة بين “العمل كما تنص عليه الإجراءات الرسمية المكتوبة” (Work as Prescribed) وبين “العمل كما يتم إنجازه فعلياً على أرض الواقع” (Work as Practiced). لقد كانت المطالبات الطبية الواردة مليئة بالغموض، وتناقضات الفواتير، والأخطاء الإملائية، والطلبات الاستثنائية التي تعجز كتيبات الشركة عن الإحاطة بها. ولو اعتمد الموظفون فقط على التعليمات الرسمية المشروحة لتوقفت الشركة عن العمل تماماً ولشلت مكاتبها خلال ساعات.
لحل هذه المعضلات المستمرة، لم يعد الموظفون إلى رؤسائهم البيروقراطيين، بل شكلوا فيما بينهم مجتمعات تضامنية غير رسمية عبر الفواصل الزمنية المقتطعة: حول آلات إعداد القهوة، وأثناء فترات الغداء، وعبر الهمسات السريعة بين المكاتب المتجاورة. في هذه المساحات غير المهيكلة، تبادل المعالجون الحيل الذكية، وفسروا نصوص اللوائح الغامضة، وشرحوا لزملائهم الجدد كيفية التعامل مع البرمجيات المعطوبة ومطالبات الأطباء غير المفهومة. لقد أدرك فينغر أن العمل الفعلي تم إنجازه بفضل نشوء هذه “المجتمعات الممارسة” الحية وليس بفضل المخططات الهيكلية المجردة للإدارة.
4.2 التعريف الدقيق لمجتمعات الممارسة (Communities of Practice)
انطلاقاً من هذا الكشف الميداني، صاغ فينغر تعريفه النظري الدقيق لما بات يعرف عالمياً بـ “مجتمعات الممارسة” (Communities of Practice – CoPs). يعرف فينغر هذه التكوينات بأنها: “مجموعات من الأشخاص الذين يتشاركون اهتماماً مشتركاً، أو مجموعة من المشكلات، أو شغفاً عميقاً تجاه مجال معين، ويعمقون معرفتهم وخبراتهم في هذا المجال من خلال التفاعل المستمر والمتبادل فيما بينهم”.
حرص فينغر على توضيح الفروق الإبستمولوجية والتنظيمية الحاسمة بين مجتمعات الممارسة وبقية الأشكال المؤسسية التقليدية المعروفة في بيئات العمل، ويمكن تفصيل هذه التمايزات وفق ما يلي:
- مقارنة مع فرق العمل (Task Forces / Teams): يتم تشكيل فرق العمل بقرار إداري فوقي ومفروض، وتُحدد أهدافها مسبقاً وتُمنح جدولاً زمنياً صارماً وموازنة محددة، وتنتهي قانونياً بمجرد تسليم المشروع المكلفة به. أما مجتمع الممارسة فينشأ عضوياً وتلقائياً مدفوعاً بالحاجة المشتركة للمعرفة والتعلم، وتكون حدوده مرنة ومفتوحة، وتستمر حياته ما دام أعضاؤه يشعرون بقيمة التفاعل والتشارك.
- مقارنة مع اللجان الإدارية (Committees): تُنشأ اللجان لتنفيذ سلطة إدارية رسمية وإصدار قرارات والبت في سياسات، وتسودها علاقات التمثيل الرسمي الهرمي. في المقابل، فإن مجتمعات الممارسة لا تهدف إلى ممارسة السلطة أو الرقابة، بل هدفها هو التعلم المتبادل، وتطوير الكفاءة وتداول الأساليب العملية المثلى.
- مقارنة مع الشبكات الاجتماعية العادية (Informal Networks): الشبكة الاجتماعية هي مجرد خيوط اتصال وتبادل علاقات عامة بين أفراد؛ في حين أن مجتمع الممارسة يتطلب التزاماً معرفياً نحو “ممارسة” متخصصة وهوية مهنية محددة تجمع المنتمين إليه وتلزمهم بقواعد إتقان متطورة.
4.3 مستويات الانتماء والروابط الاجتماعية
يتحدد تماسك مجتمعات الممارسة من خلال طبيعة الروابط البينية التي تنشأ بين الأعضاء؛ وهي روابط لا تقوم على العقود القانونية أو التبعية الإدارية، بل تتغذى على ركائز سوسيولوجية ونفسية عميقة. أولى هذه الروابط هي الرابط المعرفي، المتأتي من الفهم المشترك للتحديات المهنية اليومية؛ إذ يشعر الممارس بأن زميله في المجتمع هو الوحيد القادر على إدراك مرارة الإحباطات التي يواجهها والتعقيدات غير المرئية التي تتضمنها مهنته، مما يخلق تعاطفاً إبستمولوجياً فريداً.
يقود هذا التعاطف بالضرورة إلى بناء رأس مال اجتماعي (Social Capital) كثيف وشبكات من الثقة المتبادلة. تصبح المعرفة في هذه المجتمعات “هدية متبادلة” (Gift Economy) وليس سلعة تجارية تباع وتشترى؛ فالخبير يمنح معرفته للمبتدئ أو الزميل بدافع الرغبة في رؤية الممارسة تزدهر، واستناداً إلى ثقته في أن المجتمع سيرد له هذا التضامن عندما يواجه هو نفسه مأزقاً استعصى عليه فهمه.
مع مرور الوقت، تفرز هذه العلاقات ما يُطلق عليه فينغر “المعايير غير المكتوبة” (Implicit Norms). إنها منظومة أخلاقية وثقافية مضمرة ترسم حدود ما هو مقبول وما هو مرفوض، وتحدد مستويات الجودة الحقيقية للمنتج أو الفكرة خارج إطار المؤشرات السطحية للإدارة، وتخلق مناخاً من التضامن الإنساني الذي يحمي الأفراد من التآكل النفسي والاغتراب المؤسسي داخل المنظمات الحديثة المتوحشة.
5. المكونات البنيوية الثلاثية لمجتمعات الممارسة
5.1 المجال (The Domain): الهوية المشتركة للمجتمع
لكي يكون أي تجمع بشري مجتمع ممارسة حقيقي، حدد إتيان فينغر ثلاثة أركان بنيوية متضافرة تشكل معاً الثالوث الجوهري الذي لا يمكن للاستدامة المعرفية أن تتحقق بدونه. الركن الأول هو المجال (The Domain). المجال ليس مجرد عنوان عام لموضوع أو تصنيف مكتبي، بل هو النطاق المشترك للاهتمام والالتزام المعرفي الذي يجمع هؤلاء الممارسين ويشكل هويتهم الجمعية.
يمنح المجال المجتمع بوصلته وهدفه الوجودي. إنه المساحة التي يتفق فيها الأعضاء على ما هو مهم وما هو هامشي، وما هي القضايا الجديرة بالبحث والتطوير. يفرض المجال نوعاً من المسؤولية الإبستمولوجية؛ فالانتماء إلى مجتمع ممارسة في تخصص جراحة الأعصاب، أو تعليم اللغات، أو إدارة أمن البرمجيات، يتطلب التزاماً بالمعايير الفكرية والأخلاقية التي تحكم هذا الحقل المحدد، مما يميز الأعضاء تمييزاً واضحاً عن الهواة أو الأشخاص الخارجيين غير الملتزمين بقضايا هذا النطاق.
يتسم المجال بالحيوية والتطور المستمر؛ فهو ليس قالباً جامداً أُغلق بابه، بل يتمدد وينثني وفقاً للتغيرات الطارئة في البيئة التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية. يعيد الممارسون باستمرار تعريف حدود مجالهم كلما طرأت مشكلات وتحديات جديدة تستدعي إعادة مساءلة المسلمات القديمة، مما يضمن بقاء المجتمع مواكباً لروح العصر وأسئلته الراهنة.
5.2 المجتمع (The Community): النسيج الاجتماعي والعلاقات
الركن البنيوي الثاني هو المجتمع (The Community). لا تكفي الرغبة المشتركة في موضوع ما (المجال) لتأسيس مجتمع ممارسة؛ إذ قد يهتم آلاف الأشخاص حول العالم بعلم الفلك ويقرؤون عنه في غرفهم المنعزلة دون أن يشكلوا مجتمع ممارسة. لكي يتحقق ذلك، لا بد من قيام نسيج اجتماعي تفاعلي متواصل، ينخرط فيه هؤلاء الأفراد في أنشطة ومناقشات مشتركة، ويساعدون بعضهم بعضاً، ويتبادلون الرؤى والمعلومات.
المجتمع هو الحاضنة الإنسانية التي تُبنى من خلالها العلاقات القائمة على الثقة والاعتراف المتبادل. ومن خلال هذا التفاعل المنتظم، يتعلم الأعضاء كيف يختلفون دون أن يتخاصموا، وكيف يديرون صراعاتهم الإبستمولوجية والمنهجية بطرق خلاقة ومثمرة. يرى فينغر أن المجتمع الحي ليس مجتمعاً تطابقياً يفتقر إلى النزاع، بل هو فضاء يتسع للتعددية وتباين وجهات النظر وتصادم التجارب، حيث يشكل التوتر الإيجابي المحرك الرئيس للنمو والتطور الفكري لدى الجميع.
يعمل المجتمع كشبكة أمان للتعلم الجماعي؛ حيث تزول الحواجز النفسية التي تدفع الفرد في السياقات التقليدية إلى إخفاء جهله أو التظاهر بالمعرفة خوفاً من العقاب أو الانتقاص الوظيفي. في فضاء المجتمع الحقيقي، يصبح الاعتراف بالجهل والتعثر في فهم مسألة ما خطوة أولى مشروعة ومطلوبة لتحفيز التفكير التضامني واستدعاء خبرات المجموعة لفك شفرة التعقيد المشترك.
5.3 الممارسة (The Practice): المستودع المشترك للأدوات والخبرات
الركن البنيوي الثالث والأخير هو الممارسة (The Practice). بينما يمثل المجال هوية الاهتمام، ويمثل المجتمع شبكة العلاقات، فإن الممارسة تمثل الأساس المادي والأدائي الملموس الذي يمارسه الأعضاء بوصفهم فاعلين مختصين. الممارسة هي مجموعة الأطر، والأفكار، والأدوات، والمعلومات، والأساليب، واللغات، والقصص، والوثائق التي يطورها أعضاء المجتمع ويشتركون فيها عبر تاريخهم المشترك.
ينتج مجتمع الممارسة عبر مسيرته ما يسميه فينغر “المستودع المشترك” (Shared Repertoire). يتضمن هذا المستودع موارد متنوعة، تبدأ من المصطلحات والمفاهيم التقنية المخصوصة (التي قد تبدو طلاسم لشخص غريب عن المجال)، وتمتد لتشمل الإجراءات العملية، والقصص والأمثال المهنية المتداولة حول إخفاقات ونجاحات سابقة، والنماذج والأدوات البرمجية أو المادية التي تسهل إنجاز العمل بأعلى كفاءة ممكنة.
تكمن الأهمية القصوى للممارسة في قدرتها الفذة على التقاط المعرفة الضمنية (Tacit Knowledge) – تلك المعرفة اللزجة الكامنة في أطراف الأصابع وحدس الممارسين والتي يستحيل تلخيصها في كتيبات التعليمات – وتحويلها عبر التفاعل المستمر والمحاكاة إلى أساليب عمل قابلة للتداول والتوارث بين الأجيال. تحقق الممارسة توازناً دقيقاً وديناميكياً بين توارث التقاليد المهنية المستقرة والتمرد الابتكاري الذي يعيد ابتكار الأدوات لتستجيب لمتطلبات الواقع المتجدد.
6. جدلية المشاركة والتجسيد المادي في بناء المعنى
6.1 مفهوم المشاركة (Participation) وأبعاده الوجودية
يؤسس إتيان فينغر لنظرية المعنى من خلال جدلية إبستمولوجية بالغة العمق والتعقيد تجمع بين مفهومين متكاملين ومتعارضين ظاهرياً: المشاركة والتجسيد المادي. المفهوم الأول هو المشاركة (Participation)، ولا يقصد به فينغر مجرد الحضور الجسدي السلبي في حدث ما، أو الاشتراك الآلي في نشاط معين، بل يعطيه بعداً وجودياً (أنطولوجياً) وسياسياً رحباً.
المشاركة عند فينغر هي عملية الانخراط التام للذات الإنسانية في العالم الاجتماعي؛ إنها التفاعل الحواري والجسدي والانفعالي مع الآخرين في خضم الممارسة. المشاركة تعني أن نكون جزءاً فاعلاً في صياغة المعنى وتوجيهه، وليست مجرد خضوع لتوجيهات سابقة الإعداد. إنها التجربة المعاشة لكوننا مؤثرين ومتأثرين بما يجري حولنا في الفضاء العام، وقادرين على التفاوض المستمر حول ما تعنيه كلماتنا وأفعالنا وأهدافنا المشتركة.
يحذر فينغر من المخاطر النفسية والوجودية الخطيرة التي تترتب على غياب المشاركة أو إعاقتها مؤسسياً. فعندما يُحرم الفرد من فضاء المشاركة الأصيلة، يتحول إلى كائن مغترب وتابع لا يملك أي سلطة للتفاوض على المعنى، ويسقط في حالة من العزلة واللامبالاة المؤسسية، حيث تصبح أفعاله داخل العمل أو المجتمع بلا روح وبلا قيمة شخصية ملموسة، مما يدمر قدرته على التعلم وتطوير ذاته.
6.2 مفهوم التجسيد المادي (Reification) وصناعة الأدوات
في الطرف المقابل لجدلية المعنى، يضع فينغر المفهوم التأسيسي الثاني: التجسيد المادي (Reification). ينحدر هذا المصطلح فلسفياً من التراث الماركسي وهيغل، غير أن فينغر يعيد توظيفه معرفياً ليعني: عملية تحويل التجارب الحية، والمعاني المجردة، والتدفقات التفاعلية الزائلة إلى “أشياء” مادية، أو رموز ثابتة، أو أدوات، أو وثائق، أو قوانين مكتوبة تحظى بوجود عيني ومستقل.
يُعد التجسيد المادي أداة حضارية فائقة الأهمية ولا غنى عنها لاستمرار المجتمعات الإنسانية؛ إذ لولاه لتلاشت المعرفة بمجرد انتهاء المحادثات التي ولدتها. بفضل التجسيد المادي، يستطيع الأطباء كتابة البروتوكولات العلاجية، والمهندسون رسم المخططات البنائية، والمجتمعات صياغة الدساتير وقوانين المرور. التجسيد يثبت المعنى ويمنحه وزناً مادياً يسمح بتداوله عبر آلاف الأميال، ونقله للأجيال اللاحقة التي لم تشهد اللحظة الأولى لتوليد تلك المعرفة.
غير أن التجسيد المادي يحمل في طياته خطراً داهماً يسميه فينغر “خطر التجسيد المفرط” أو المتيبس. يحدث هذا عندما تُفصل الأدوات، والوثائق، والأنظمة عن سياق الممارسة الحية التي أفرزتها، وتتحول إلى أصنام بيروقراطية ميتة. تصبح القواعد واللوائح غايات بحد ذاتها، وتُفرض على الأفراد بقوة القانون الجامد، فتخنق الإبداع وتتحول إلى أغلال تقيد التفكير المبدع للممارسين بدلاً من أن تدعم حركتهم الحرة.
6.3 التوازن الجدلي بين المشاركة والتجسيد المادي
يؤكد فينغر بحزم أن صناعة المعنى الإنساني لا يمكن أن تنفرد بها المشاركة وحدها ولا التجسيد المادي بمفرده، بل هي ثمرة التفاعل الجدلي المستمر والتوازن الدقيق بين هذين القطبين. المشاركة والتجسيد هما وجهان لعملة واحدة؛ يتكاملان، ويعوض أحدهما نواقص الآخر في حركة لولبية لا تتوقف أبداً.
يوضح فينغر اختلالات هذا التوازن عبر سيناريوهين شائعين في المنظمات والمؤسسات التعليمية:
- الإفراط في التجسيد مع ضمور المشاركة: يؤدي إلى استبداد البيروقراطية؛ حيث تمتلئ المنظمة بأكوام من الكتيبات، والإجراءات القياسية، والنماذج الصارمة، دون أن يمتلك الموظفون أو الطلاب مساحة للحوار حول معانيها أو تكييفها مع الواقع المتغير، فتغدو المعرفة طقوساً ميتة تفقد المؤسسة مرونتها وقدرتها على البقاء.
- الإفراط في المشاركة مع غياب التجسيد: يؤدي إلى الهشاشة والسيولة المفرطة؛ حيث يقضي الأفراد أوقاتاً طويلة في نقاشات وحوارات حماسية شفوية، دون أن يوثقوا مخرجاتهم في أدوات، أو مفاهيم واضحة، أو نماذج عمل ملموسة، فتبدأ المحادثات من الصفر في كل مرة، وتتبدد طاقات المجتمع ويصعب نقل خبراته إلى الخارج أو استدامتها للمستقبل.
إن الممارسة الحية والناضجة هي تلك التي تستخدم التجسيد (الوثائق والأدوات) كنقاط انطلاق وإشارات مرشدة تُحييها وتفسرها المشاركة الحوارية المستمرة. النصوص واللوائح لا تفسر نفسها بنفسها؛ بل تحتاج دوماً إلى تفاوض حي يقوم به بشر ممارسون يعيدون ضخ الدماء في عروق المفردات الجامدة لتستجيب لتعقيدات كل حالة جديدة ومباغتة تفرزها الحياة.
7. الهوية في الممارسة: الأبعاد النفسية والاجتماعية للذات المتعلمة
7.1 تشكل الهوية كمسار تطوري ومتحرك (Trajectory)
في الفكر الفينغري، لا ينفصل التعلم بحال من الأحوال عن تشكل الهوية؛ فالتعلم ليس مجرد اكتساب خارجي لمهارات تقنية جديدة، بل هو تحول جوهري يمس أعماق الكينونة الإنسانية وصيرورة مستمرة لإعادة تعريف “من نكون”. يرفض فينغر التصورات الجوهرانية والستاتيكية التي تتعامل مع الهوية كقالب جامد يُولد به المرء أو بطاقة تعريفية ثابتة المعالم، ويطرح بدلاً من ذلك مفهوم الهوية بوصفها “مساراً تطورياً ومتحركاً” (Trajectory) يتشكل ويتفاوض عليه يومياً في خضم الممارسة الاجتماعية.
يقترح فينغر وجود أنماط متعددة من مسارات الهوية التي يسلكها الأفراد داخل وخارج مجتمعات الممارسة:
- المسار الداخلي (Inbound Trajectory): مسار الوافدين الجدد الذين يدخلون المجتمع بعزم كامل على التحرك نحو مركزه والاندماج التام في هويته ليصبحوا ممارسين متمكنين في المستقبل.
- المسار المحيطي (Peripheral Trajectory): مسار الممارسين الذين يفضلون البقاء على تخوم المجتمع دون الرغبة أو القدرة على الوصول إلى المركز؛ ورغم هامشية موقعهم، إلا أن هذا التموضع يمنحهم هوية تتيح لهم الوصول الكافي للمعلومات دون تحمل تكاليف الالتزام الكلي.
- المسار العابر للحدود (Boundary Trajectory): مسار الأفراد الذين يربطون بين مجتمعات ممارسة متعددة، وتتشكل هويتهم ليس من الانغماس في مجتمع واحد، بل من القدرة على التنقل والتجسير والترجمة بين عوالم مهنية متباينة.
- المسار الاستشرافي أو الخارجي (Outbound Trajectory): مسار الاستعداد لمغادرة المجتمع نحو فضاءات ومجتمعات جديدة، حيث تصبح الممارسة الحالية مرحلة تمهيدية تصوغ الهوية القادمة للفرد وتحدد آفاقه المستقبلية.
يرتبط مسار الهوية ارتباطاً وثيقاً بتقدير الذات المهني والصحة النفسية؛ فالنجاحات الصغيرة والإخفاقات العابرة التي يواجهها الفرد داخل المجتمع لا تُقاس فقط بأثرها التقني على إنجاز المهمة، بل بمقدار ما تضيفه أو تسلبه من احترامه لذاته ومشروعية مكانته بين أقرانه وممارسي حرفته.
7.2 أنماط الانتماء المعرفي: الارتباط، والتخيل، والمحاذاة
لكي نفهم كيف ترتبط الذات الفردية بالعوالم الاجتماعية الأوسع، حدد إتيان فينغر ثلاثة أنماط متميزة ومتداخلة من الانتماء المعرفي والاجتماعي تسهم مجتمعة في نسج الهوية الإنسانية داخل سياق التعلم: الارتباط، والتخيل، والمحاذاة.
النمط الأول هو الارتباط (Engagement): وهو التفاعل اليومي، والجسدي، والمباشر في الأنشطة المشتركة؛ إنه الانخراط الفعلي في محادثات حية، واستخدام أدوات مشتركة، والعمل جنباً إلى جنب مع الآخرين لحل المشكلات اللحظية. الارتباط هو المكون الأكثر عينية وحميمية في تجربة الانتماء، ومن خلاله يتشكل الإحساس الواقعي بالعضوية والزمالة المباشرة.
النمط الثاني هو التخيل (Imagination): ولا يقصد به فينغر الهروب من الواقع أو أحلام اليقظة الزائفة، بل القدرة الإبداعية على بناء صور ذهنية للموقع الشخصي للذات ضمن سياق كوني وتاريخي أوسع يتجاوز حدود الحضور الفيزيائي المباشر. بالتخيل، يدرك عالم الآثار الشاب أن تنقيبه المتعب في حفرة ترابية نائية هو جزء من سعي البشرية الممتد لقرون لفهم أصولها الأولى، وبالتخيل يشعر الطبيب في مستوصف قروي بصلته بجهود منظمة الصحة العالمية لمكافحة الأوبئة. التخيل يوسع أفق الهوية ويمنح الفعل الموضعي معنى متعالياً.
النمط الثالث هو المحاذاة (Alignment): وتعني ضبط الطاقات الفردية، وتنسيق الأفعال، وتوجيه الممارسات لتتناغم وتتسق مع معايير، وهياكل، وغايات ومشاريع أوسع نطاقاً تتجاوز المجتمع المحلي. المحاذاة تتطلب الامتثال لقوانين عامة، أو الالتزام ببروتوكولات صناعية دولية، لضمان أن ما ينتجه المجتمع الصغير يتكامل بسلاسة مع العالم الخارجي؛ إنها الجسر التنظيمي الذي يربط الفعل المحلي بالنظام الشامل.
7.3 صراعات الهوية والانتماء المتعدد
في التعقيد المتزايد للحياة الحديثة، لا ينتمي الإنسان المعاصر إلى مجتمع ممارسة وحيد ومنعزل، بل يتوزع وجوده بالضرورة بين مجتمعات ممارسة متعددة ومتداخلة: فهو عضو في مجتمع مهني، وفي مجتمع أسري، وفي مجتمع ديني، وفي مجتمعات اهتمامات وهوايات رياضية أو فكرية مختلفة. يفرز هذا الواقع ما يسميه فينغر إشكالية “الانتماء المتعدد” (Multi-membership).
تكمن المعضلة النفسية الكبرى في أن هذه المجتمعات المختلفة تفرض غالباً مطالب متضاربة ومنظومات قيمية متناقضة على كاهل الفرد ذاته. فالطبيب الممارس قد يجد نفسه مشدوداً بين أخلاقيات مجتمع الطب الإنساني الذي يطالبه بتقديم الرعاية القصوى للمريض بغض النظر عن التكلفة، وبين معايير مجتمع إدارة المستشفيات الاستثمارية الذي يطالبه بخفض النفقات ومراعاة المعايير المالية الصارمة. يخلق هذا التوتر صراعات هوية عنيفة واغتراباً مزمناً يستنزف الطاقة النفسية للفرد.
يصبح التعلم الإنساني في هذا السياق نضالاً داخلياً مستمراً لـ “المصالحة المعرفية والتوفيقية” (Reconciliation)؛ أي السعي الدؤوب لصياغة هوية شخصية متماسكة قادرة على احتواء تلك التناقضات والعيش معها دون تفكك نفسي. يؤكد فينغر أن الصحة العقلية للممارس ترتبط جوهرياً بمدى نيله “الاعتراف الاجتماعي” (Social Recognition) داخل مجتمعاته؛ فعندما يُقابل جهده بالتهميش، أو يُحرم من التوفيق بين هوياته المتباينة، يفقد حافزه للتعلم ويتحول إلى الاغتراب والتصلب الدفاعي.
8. مساحات الممارسة وتجاوز الحدود المعرفية
8.1 مفهوم مساحات الممارسة (Landscapes of Practice)
في العقدين الأخيرين، ولا سيما مع صدور كتاب Learning in Landscapes of Practice عام 2014، طور إتيان فينغر وفريقه البحثي نقلة مفاهيمية رائدة تجاوزت دراسة مجتمع الممارسة بوصفه كياناً مستقلاً أو جزيرة منعزلة، نحو استكشاف التضاريس المعرفية الشاملة والمعقدة التي تضم شبكات متكاملة من المجتمعات المتجاورة، وهو ما اصطلح على تسميته بـ مساحات الممارسة (Landscapes of Practice).
تمثل “مساحة الممارسة” التشكيل التضاريسي الكلي لحقل مهني أو اجتماعي واسع. فالحقل الطبي، على سبيل المثال، ليس مجتمع ممارسة واحداً، بل هو مشهد متكامل يتألف من مجتمعات الجراحين، وأطباء التخدير، والممرضين، وفنيي الأشعة، والصيادلة، وإداريي المشافي، والمرضى أنفسهم ومجموعات الدعم. تتميز هذه المساحة بتنوع لا حصر له من المعارف المتمايزة، والخبرات المتنافسة، والأنظمة الإبستمولوجية التي قد تتصادم وتتنافر في قراءتها للظاهرة الواحدة.
طرح فينغر في هذا السياق مفهوماً محورياً هو “المعرفة المسؤولة” (Accountability to regimes of competence). ففي كل مجتمع ممارسة داخل المساحة العامة، يسود “نظام كفاءة” يحدد ما يُعتبر معرفة صالحة ومتقنة. وتتمثل كفاءة الممارس المعاصر ليس فقط في إتقان معايير مجتمعه الخاص، بل في قدرته على فهم كيف تتناغم كفاءته مع “أنظمة الكفاءة” للمجتمعات الأخرى الشريكة في نفس المساحة التضاريسية، وتحمل المسؤولية الأخلاقية والمهنية المشتركة تجاه الأهداف العامة للحقل.
8.2 الحدود (Boundaries) كفضاءات للتعلم والابتكار
انتقلت بؤرة الاهتمام النظري عند فينغر من “مركز الممارسة” إلى “حدودها” (Boundaries). يُعرف فينغر الحدود بأنها ليست مجرد نهايات جغرافية أو فواصل سلبية تفصل بين المجموعات، بل هي “مناطق التقاء وتماس واحتكاك خصبة بين عوالم معرفية متباينة”. الحدود هي الأماكن التي يلتقي فيها ما نعرفه بما لا نعرفه، وحيث تنكشف افتراضاتنا المسلم بها أمام تساؤلات الآخرين المشروعة.
يرى فينغر أن الانغلاق التام داخل قوقعة التخصص ومجتمع الممارسة الواحد، رغم أهميته في بناء الكفاءة التأسيسية للمبتدئين، يحمل بذور الموت البطيء للإبداع والجمود المعرفي (Core Rigidities). إن المجتمعات التي تكتفي بالتحاور مع ذاتها وتكرار لغتها الخاصة تسقط سريعاً في فخ التعصب الإبستمولوجي والعمى عن رؤية التحولات الخارجية التي قد تعصف بمهنتها برمتها.
من هنا، تصبح “الحدود” هي المحرك الأعظم للابتكار الجذري في العصر الحديث؛ فالابتكارات الكبرى نادراً ما تنبثق اليوم من عمق تخصص كلاسيكي منفرد، بل تتفجر عند نقاط التماس والتوتر الإبستمولوجي بين تخصصات مختلفة: مثل تقاطع الطب مع الذكاء الاصطناعي، أو التقاء علم الأحياء بالهندسة الدقيقة، أو تلاقح علم الاجتماع مع علوم البيئة وتغير المناخ. الحدود تخلق ارتباكاً مثمراً يجبر الممارسين على إعادة التفكير وتوليد حلول هجينة وغير مسبوقة.
8.3 عابرو الحدود (Brokers) والأشياء الحدية (Boundary Objects)
لكي تؤدي الحدود وظيفتها الابتكارية دون أن تتحول إلى متاريس للنزاع والقطيعة، حدد فينغر آليتين جوهريتين للتجسير المعرفي: الفاعلون البشريون عابرو الحدود، والأشياء والوسائط الحدية المادية.
يطلق فينغر على الفاعلين البشريين مصطلح عابرو الحدود (Brokers)؛ وهم أولئك الأفراد الاستثنائيون الذين يمتلكون عضوية ومصداقية كافية في أكثر من مجتمع ممارسة في آن واحد. يقوم الوسيط المعرفي بعملية “ترجمة” بالغة التعقيد، حيث ينقل المفاهيم والممارسات والأفكار من مجتمع إلى آخر، متحدثاً لغة الطرفين ومفسراً مقاصدهما ومزيللاً لسوء الفهم المحتمل. غير أن فينغر يضيء على المعاناة النفسية والوجودية العميقة التي يعيشها عابرو الحدود؛ فهم مهددون دائماً بعدم الانتماء الكامل لأي طرف، ويُنظر إليهم أحياناً بعين الشك والريبة من المجتمعات التقليدية بوصفهم “غرباء” أو غير مخلصين تماماً لتقاليد التخصص الصارمة.
أما الآلية الثانية فهي الأشياء الحدية (Boundary Objects)، وهو المفهوم الذي استعاره وطوره فينغر من عالمتي الاجتماع سوزان لي ستار وجيمس غريسمير. الأشياء الحدية هي كيانات مادية أو رقمية أو مفاهيمية (مثل: نماذج العمل، الوثائق التنسيقية، قواعد البيانات، المخططات المعمارية، أو حتى قصص الحالات) تتسم بالمرونة الكافية لتتكيف مع الاحتياجات والمعاني المتباينة للمجتمعات المختلفة التي تستخدمها، وفي الوقت نفسه تتسم بالصلابة الكافية للحفاظ على هوية مشتركة عبر المواقع المتعددة. تتيح الأشياء الحدية للمجتمعات المتباينة أن تنسق أعمالها المشتركة وتتعاون بفعالية دون الحاجة إلى التوصل إلى توافق تام أو تطابق إبستمولوجي كامل في كل التفاصيل.
9. النظم الاجتماعية للتعلم وتطوير المنظمات
9.1 إدارة المعرفة في بيئات الأعمال الحديثة (Cultivating CoPs)
مع مطلع الألفية الجديدة، وتحديداً مع صدور كتابه المشترك مع ريتشارد ماكديرموت ووليام سنايدر بعنوان Cultivating Communities of Practice: A Guide to Managing Knowledge عام 2002، انتقل فكر إتيان فينغر ليلهم قطاع إدارة الأعمال وتطوير المنظمات العالمية. قاد فينغر ثورة ناعمة ضد البرادايم التكنولوجي السائد في إدارة المعرفة، والذي أنفقت فيه الشركات مليارات الدولارات على بناء مستودعات وقواعد بيانات حاسوبية ضخمة سرعان ما تحولت إلى “مقابر رقمية” مهجورة لم يزرها أحد.
أعاد فينغر تذكير قادة الأعمال بأن “المعرفة تسكن في البشر وليس في الحواسيب”، وأن المعرفة الضمنية الحيوية لا يمكن استخلاصها قسرياً لتخزينها في خوادم صماء، بل يجب حثها على النمو من خلال رعاية واستنبات المجتمعات الحية التي تمتلكها. من هنا صاغ فينغر مفهوم “الاستنبات” (Cultivation) كبديل لمفهوم “الإدارة والتحكم” (Management)؛ فالمجتمعات كائنات حية وعضوية مثل النباتات في الحديقة: لا يمكنك إجبار النبتة على النمو بالشد إلى أعلى، لكن يمكنك تسميد التربة، وتوفير الماء والضوء، وحمايتها من الرياح العاتية لتزدهر بطبيعتها التلقائية.
وضع فينغر وزملاؤه سبعة مبادئ تأسيسية لتصميم ورعاية مجتمعات الممارسة في المنظمات، تقوم على:
- التصميم من أجل التطور التلقائي بدلاً من الفرض القسري.
- فتح حوار دائم بين وجهات النظر الداخلية للمجتمع والمنظورات الخارجية للمنظمة.
- تشجيع مستويات المشاركة المختلفة والمتنوعة (اللب النشط، الأعضاء المتفاعلون، والمحيطيون).
- تطوير مساحات للمجتمع تتداخل فيها اللقاءات العامة الرسمية مع المحادثات الخاصة غير الرسمية.
- التركيز المستمر على توليد القيمة الملموسة للأعضاء وللمنظمة معاً.
- الجمع المتقن بين الألفة والاستقرار وبين خوض التجارب الجديدة والمثيرة.
- إيقاع المجتمع الحيوي المتوازن، بالمحافظة على نبض مستمر من اللقاءات دون إرهاق المشاركين.
9.2 القدرة الاستيعابية للتعلم في المؤسسات المعاصرة
يرى إتيان فينغر أن الميزة التنافسية الوحيدة المستدامة للمؤسسات في عصر الاقتصاد المعرفي المعقد لا تكمن في أصولها المادية أو بنيتها التحتية، بل في “قدرتها الاستيعابية على التعلم الجماعي” (Organizational Learning Capability). لا يمكن بناء هذه القدرة من خلال تدريب الأفراد المنفصلين في ورش عمل معزولة يعودون بعدها إلى هياكلهم البيروقراطية القديمة، بل تتطلب تفكيك “صوامع العزلة” (Silos) والأسوار الإدارية الصارمة التي تمزق أوصال المنظمة.
تسهم مجتمعات الممارسة في تسهيل تدفق الخبرات والمعارف الحية بين الأجيال المهنية داخل المؤسسة؛ مما يمنع النزيف المعرفي الكارثي الذي يحدث عند تقاعد الخبراء أو استقالتهم. فمن خلال المشاركة المحيطية المستمرة، تتشرب الكوادر الشابة الأنماط التفكيرية، والحلول غير المكتوبة، والحكمة العملية للمؤسسة بطريقة انسيابية تضمن الاستمرارية وتطور الكفاءات التراكمية.
كما تعيد المنظمات الحاضنة لمجتمعات الممارسة صياغة مفهوم “الخطأ المهني”. في البيئات العقابية التقليدية، يميل الأفراد إلى التستر على الأخطاء وإخفائها خوفاً من اللوم وفقدان الامتيازات، مما يؤدي إلى تكرار الكوارث. أما في سياق مجتمعات الممارسة، فيُعاد تدوير الأخطاء المؤسسية والفردية بوصفها “فرصاً استثنائية للتعلم الجماعي”؛ حيث يُفتح باب التشريح الحواري الشفاف للمأزق دون توجيه اتهامات شخصية، بهدف تحديث الممارسة وتطوير أدوات المجتمع المشتركة لتفادي تكراره مستقبلاً.
9.3 القيادة الأفقية والشبكية في فكر فينغر
أحدثت أطروحات فينغر زلزالاً مفاهيمياً في نظريات القيادة والتنظيم الإداري؛ إذ أعلنت عن أفول عصر “القائد البطل الفردي” والقيادات الهرمية العمودية (Top-Down Leadership) التي تدعي احتكار الرؤية وتوزيع التعليمات من أبراجها العاجية. في عالم معقد وسريع التغير، تصبح تلك الهرميات عبئاً يعيق الاستجابة ويفصل القيادة عن نبض الميدان المتغير.
طرح فينغر بديلاً يتمثل في “القيادة الأفقية الموزعة” وقيادة الشبكات. في هذا البرادايم الجديد، تبرز شخصية “ميسر المجتمع” أو راعي المعرفة (Community Steward). هذا النمط من القادة لا يستمد نفوذه ومشروعيته من اللقب الوظيفي أو التفويض الإداري الصارم، بل من عمق كفاءته في الممارسة، وقدرته على الاستماع، وتسهيل الحوار، وجسر الهوات بين الأعضاء، وتوفير الموارد، وحماية المساحات التلقائية للمجتمع من التدخلات البيروقراطية الفوقية.
تتحول القيادة هنا من كونها ممارسة للسلطة والسيطرة، إلى وظيفة خدمية ووساطية تهدف إلى تمكين الآخرين وتنشيط طاقاتهم التعلمية. إنها قيادة تعترف بأن أعظم الأفكار والابتكارات الرائدة تخرج من هوامش الممارسة الميدانية والتفاعل العفوي بين الممارسين، وليس من المكاتب المغلقة لمجالس الإدارات التنفيذية.
10. التطبيقات المعاصرة في التعليم والتكنولوجيا والرعاية الصحية
10.1 إصلاح المنظومة التعليمية وتصميم البيئات المدرسية
تركت نظريات إتيان فينغر بصمة تاريخية خالدة في حركات إصلاح التعليم المدرسي والجامعي حول العالم، حيث قدمت الأساس النظري لتفكيك ما وصفه النقاد بـ “التعليم المصنعي” القائم على التحفيظ وتوزيع المقاعد في صفوف عسكرية تفصل الطلاب عن بعضهم وتمنعهم من التعاون. استلهم التربويون فكر فينغر لإعادة تصميم المدارس لتتحول من معسكرات للتلقين إلى “مجتمعات تعلم وممارسة نشطة” (Communities of Learners).
في هذا النموذج الإصلاحي، أعيدت صياغة دور المعلم بالكامل؛ فالمعلم لم يعد “المصدر الوحيد للحقيقة” أو الملقن المحتكر للمعلومة، بل تحول إلى ممارس خبير وميسر للممارسة التعلمية داخل الصف. يقوم المعلم بتصميم تحديات ومشاريع واقعية يغوص فيها الطلاب، مقدماً لهم الدعم من خلال المشاركة المحيطية المشروعة، ومساعداً إياهم على اكتساب الهوية العلمية والبحثية كعلماء صغار أو مؤرخين واعدين منذ مراحلهم الأولى.
علاوة على ذلك، نجحت هذه الرؤية في جسر الهوة بين المناهج النظرية المجردة والمشكلات الحية في المجتمع المحيط بالمدرسة. لم يعد الطلاب يحلون تمارين كتابية خيالية لا صلة لها بالحياة، بل يربطون دراستهم بالتحقيق في مشكلات بيئية في أحيائهم السكنية، أو توثيق التاريخ الشفوي لكبار السن في مدنهم، مما يمنح التعلم معنى وجودياً ويجعل المدرسة جزءاً عضوياً متصلاً بنسيج المجتمع وثقافته الحية.
10.2 المجتمعات الافتراضية والتعلم عبر الوسائط الرقمية
مع التفجر الهائل لشبكة الإنترنت والمنصات الرقمية، أثبتت نظرية مجتمعات الممارسة مرونة إبستمولوجية خارقة في استيعاب هذه التحولات؛ إذ كانت المنطلق النظري الأقوى لدراسة مجتمعات الممارسة الافتراضية (Virtual Communities of Practice – VCoPs). أتاحت التكنولوجيا الرقمية للممارسين في مختلف بقاع الأرض، من مهندسي برمجيات ومعلمين وباحثين، تجاوز القيود الجغرافية والزمنية لبناء مجتمعات ممارسة عابرة للقارات تتشارك وتتطور على مدار الساعة.
غير أن نقل أفكار فينغر إلى البيئة الافتراضية فتح نقاشات معمقة حول تحديات جديدة بالغة الدقة؛ فكيف يمكن بناء “الثقة المتبادلة” وتشكيل “الهوية المهنية” في بيئات رقمية غير متزامنة تغيب عنها لغة الجسد والتفاعل المكاني الحميم؟ أكد فينغر وباحثو هذا الحقل أن المجتمعات الافتراضية الناجحة ليست تلك التي تكتفي بالبرمجيات المتطورة، بل تلك التي تبتكر طقوساً رقمية جديدة للمشاركة والتفاعل الإنساني، وتوازن بدقة بين منصات المحادثة السريعة والمستودعات الرقمية الموثقة.
تتجلى أبهى صور مجتمعات الممارسة الرقمية المعاصرة في حركة المصادر المفتوحة والبرمجيات الحرة (Open Source Communities) مثل مطوري نظام لينكس (Linux) أو محرري موسوعة ويكيبيديا، ومجتمعات غيت هاب (GitHub). هنا نجد ملايين المتطوعين من ثقافات وخلفيات متباينة يلتفون حول مجال مشترك، وينخرطون في مشاركة محيطية مشروعة تبدأ بالتعليق على الأكواد وإصلاح الأخطاء الطفيفة وتنتهي بتطوير البنى البرمجية الحساسة، مجسدين أعظم نموذج للتعلم التشاركي والتضامني في التاريخ الرقمي الحديث.
10.3 التطبيقات في القطاع الصحي والعمل الإنساني
وجد القطاع الصحي والرعاية الطبية في أطروحات فينغر ترياقاً شافياً لأزمات التعقيد الطبي والتشتت المعرفي؛ حيث أصبحت مجتمعات الممارسة السريرية (Clinical CoPs) ركناً أساسياً في تطوير المستشفيات الحديثة وتحسين جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى. تشكل اللقاءات السريرية وتبادل الخبرات حول الحالات المرضية النادرة والمستعصية نموذجاً حياً للممارسة التي لا يمكن للكتب الطبية وحدها أن تقدم إجابات قاطعة عنها.
أسهم هذا المنظور في الحد الجذري من الأخطاء الطبية القاتلة عبر محاربة ثقافة “الصمت الهرمي” التقليدية التي كانت تمنع الممرضين والمقيمين الجدد من تنبيه كبار الجراحين والاستشاريين إلى الأخطاء الإجرائية المحتملة. ومن خلال تحويل الفرق الطبية إلى مجتمعات ممارسة متضامنة يُعترف فيها بمشروعية كل عضو ويُشجع فيها التقييم الجماعي المستمر للمخاطر والمراجعة البناءة للوفيات والحوادث السريرية (Morbidity and Mortality Conferences)، نشأت ثقافة سلامة تشاركية تضع حماية حياة المرضى فوق كل الاعتبارات المؤسسية البرستيجية.
أما في قطاع العمل الإنساني والإغاثي الدولي، فقد أثبتت شبكات الممارسة جدواها القصوى في مواجهة الأزمات والكوارث والنزاعات الطارئة. تستخدم منظمات مثل الصليب الأحمر وهيئات الأمم المتحدة أطر فينغر لبناء شبكات ممارسة مرنة تربط العاملين الميدانيين في مناطق النزاع والزلازل بالخبراء الاستراتيجيين حول العالم، مما يسمح بالتدفق الفوري لأفضل الممارسات الإغاثية وتكييفها محلياً تحت وطأة الظروف الميدانية القاسية التي تعجز الخطط المركزية المعدة سلفاً عن مواجهتها بمفردها.
11. القراءات النقدية والمناقشات الأكاديمية حول فكر فينغر
11.1 علاقات القوة والهيمنة داخل المجتمعات
رغم الانتشار الواسع والنجاح الهائل لنظريات إتيان فينغر، إلا أنها لم تسلم من سهام النقد الأكاديمي الرصين؛ حيث تصدرت مسألة علاقات القوة والهيمنة أبرز مآخذ علماء الاجتماع النقدي، ولا سيما المتأثرين بأطروحات بيير بورديو وميشيل فوكو. رأى هؤلاء النقاد أن فينغر، في أعماله الأولى، رسم صورة رومانسية وإيديولوجية لمجتمعات الممارسة، مبرزاً إياها كفضاءات متناغمة يسودها التعاون والتضامن والترحاب السلس بالمبتدئين، ومتجاهلاً الصراعات الطبقية والتفاوت الصارخ في موازين القوة ورأس المال الرمزي داخل أي تجمع بشري.
أوضح النقاد أن المجتمعات ليست دائماً بيئات آمنة وحاضنة، بل يمكن أن تتحول بسهولة إلى بيئات استبدادية وإقصائية تقمع الوافدين الجدد وتفرض عليهم الامتثال المهين. تميل النخب المستقرة والخبراء القدامى في كثير من الأحيان إلى ممارسة الهيمنة واحتكار المعرفة الحساسة خوفاً من منافسة المبتدئين الأذكياء، مما يحول “المشاركة المحيطية المشروعة” إلى “تهميش دائم واستغلال وظيفي” يُجبر فيه الوافد على أداء الأعمال الشاقة والوضيعة دون أن يُتاح له النفاذ الحقيقي إلى جوهر الصنعة وأسرارها التمكينية.
استجاب فينغر جزئياً لهذه الانتقادات في طروحاته اللاحقة، معترفاً بأن موازين القوة هي بُعد ملازم للتفاوض على المعنى، وأن مجتمعات الممارسة قد تصبح مكاناً لممارسة القهر كما يمكن أن تكون مكاناً للتحرر، مشدداً على ضرورة الوعي السياسي والنقدي بتلك التوازنات لضمان استدامة العدالة المعرفية داخل الفضاءات التنظيمية.
11.2 إشكالية التكيف والامتثال مقابل النقد الجذري
أثار الفكر التربوي الراديكالي، المستند إلى إرث باولو فريري ونظريات البيداغوجيا النقدية، إشكالية جوهرية أخرى تتعلق بـ “النزعة التوافقية والامتثالية” (Conformity) الكامنة في نظرية التعلم الموقعي. جادل النقاد بأن النظرية تركز تركيزاً كلياً على كيفية تأهيل المبتدئ وتطبيعه ليتكيف مع الممارسات والتقاليد القائمة بالفعل داخل المجتمع، مما يجعلها أداة فعالة لإعادة إنتاج الوضع الراهن بدلاً من تفكيكه أو نقده جذرياً.
وفقاً لهذا النقد، تنطوي مجتمعات الممارسة على خطر توليد ما يُسمى بـ “ثقافة القطيع المعرفي” (Groupthink) والانغلاق الفكري؛ حيث يتعلم الفرد أن “الطريقة التي نفعل بها الأشياء هنا” هي الطريقة الوحيدة الصحيحة والمقدسة. هذا النوع من التنشئة الصارمة قد يقضي على الحس النقدي والنزعة التمردية الخالدة التي تقود الثورات العلمية الحقيقية؛ فالوافد الذي يشرب تقاليد المجتمع حتى النخاع قد يفقد القدرة على رؤية العيوب البنيوية لتلك التقاليد أو التساؤل عن شرعية الأهداف التي يخدمها هذا المجتمع في الفضاء الإنساني الأوسع.
دافع فينغر عن منظوره موضحاً أن الممارسة ليست تكراراً أعمى للماضي، بل هي تفاوض مستمر يتضمن دائماً إمكانية التغيير والابتكار من الداخل. ورأى أن التوتر بين “نظام الكفاءة المستقر” للأعضاء القدامى و”الخبرة الحية والمباغتة” التي يجلبها الوافدون الجدد يمثل شرارة التغيير التلقائي التي تمنع المجتمع من التحجر، مؤكداً أن الممارس الحقيقي هو من يتقن القواعد أولاً ليمتلك لاحقاً حق تعديلها وابتكار غيرها في حوار حي مع زملائه.
11.3 صعوبات القياس والتقييم الكمي للأثر المعرفي
في عصر الحوكمة النيوليبرالية والولع المحموم بمؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) والعائد المالي المباشر على الاستثمار (ROI)، واجه تطبيق نموذج مجتمعات الممارسة في المنظمات والمؤسسات الحكومية تحديات كبرى في إثبات جدواه الاقتصادية والكمية. تشتكي الإدارات المالية والتنفيذية باستمرار من صعوبة رصد وقياس الأثر المعرفي والتحولات النوعية العميقة التي تحدث داخل تلك المجتمعات غير المهيكلة وفق مقاييس مادية محددة سلفاً.
تعتبر الطرق المحاسبية الكلاسيكية عاجزة بالكامل عن تثمين قيم مثل: “تنامي الثقة بين الزملاء”، أو “تطور الهوية المهنية”، أو “منع حدوث كارثة محتملة عبر نصيحة شفوية عابرة عند مبرد المياه”. هذا القصور في القياس جعل مجتمعات الممارسة عرضة لقطع التمويل والإلغاء من قبل الإدارات المتعجلة في أوقات الأزمات الاقتصادية، لصالح برامج تدريبية تقليدية تقدم أرقاماً خادعة وشهادات سطحية دون أن تحدث أي أثر تعلمي فعلي ومستدام.
دفع هذا التحدي العملي إتيان فينغر إلى تكريس سنوات من جهده المتأخر لتطوير أدوات جديدة؛ حيث نشر بالتعاون مع بيفرلي فينغر-تراينر أطراً بديلة تُعرف بـ “إطار توليد القيمة” (Value Creation Framework). يهدف هذا الإطار إلى تجاوز الأرقام المالية السطحية عبر رصد القيمة في خمس دورات متصاعدة: من القيمة الفورية للتفاعل، إلى القيمة المحتملة (المعرفة والأدوات)، والقيمة المطبقة (تغيير الممارسة الميدانية)، والقيمة المحققة (النتائج الملموسة)، وصولاً إلى القيمة التحويلية (تغيير الأهداف والهياكل)، مستنداً إلى منهج “التعلم السردي” وحكايات الأثر الواقعية كبديل للقياسات الكمية الباردة.
12. إرث إتيان فينغر وتطور أفكاره في القرن الحادي والعشرين
12.1 الأعمال الحديثة ومفهوم ‘التعلم من أجل الكوكب’
في القرن الحادي والعشرين، واصل إتيان فينغر (الذي يحمل اليوم اسم فينغر-تراينر Wenger-Trayner بعد زواجه الأكاديمي والإنساني من الباحثة بيفرلي فينغر-تراينر) توسيع الآفاق النظرية والتطبيقية لمشروعه المعرفي. ركز الثنائي على تطوير أطر ومفاهيم جديدة تستجيب للتحديات المعقدة والشبكية التي تجتاح عالمنا المعاصر، مثل كتابهما التأسيسي Learning to Make a Difference: A Framework for Value Creation in Social Learning Spaces الصادر عام 2020.
نقل فينغر-تراينر بوصلة التنظير من البيئات المؤسسية المغلقة إلى الفضاءات المجتمعية والكونية الأرحب، طارحين أطروحة جريئة حول “التعلم من أجل الكوكب”. يؤكد فينغر أن التحديات الوجودية الكبرى التي تهدد البشرية اليوم – مثل التغير المناخي الكارثي، والأوبئة العالمية، وتنامي التفاوت الاجتماعي، والنزاعات الجيوسياسية – لا يمكن حلها بواسطة حكومات منفردة أو لجان علمية معزولة تطبق حلولاً تقنية فوقية، بل تتطلب شبكات تعلم اجتماعي كوكبية وعابرة للحدود تتقاطع فيها معارف العلماء، مع حكمة الشعوب الأصلية، وخبرات المنظمات المدنية والنشطاء الميدانيين.
تتبلور هذه المرحلة المتأخرة من فكره في مفهوم “فضاءات التعلم الاجتماعي” (Social Learning Spaces)؛ وهي مساحات حوارية حرة ومرنة تتيح للبشر من شتى المشارب الجمع بين “الاهتمام العميق بقضية مصيرية” و”الاستعداد التام للتعلم المشترك وتغيير السلوك الفردي والجماعي”، مما يعيد تأكيد الإيمان الراسخ لفينغر بأن التعلم هو أداتنا الإنسانية الكبرى للنجاة وإعادة بناء العالم ليصبح مكاناً أكثر عدلاً واستدامة.
12.2 التقاطع مع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي
في مفارقة تاريخية آسرة تكتمل بها الدائرة، وجد إتيان فينغر نفسه في قلب النقاشات الراهنة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) والنماذج اللغوية الضخمة (LLMs). بعد عقود من مغادرته أبحاث الذكاء الاصطناعي المبكرة، يعود هذا الحقل ليتقاطع بشكل مثير مع نظرياته حول جدلية المشاركة والتجسيد المادي ومساحات الممارسة الإنسانية.
يقدم منظور فينغر إطاراً نقدياً استثنائياً لفهم طبيعة ما يفعله الذكاء الاصطناعي اليوم؛ فالنماذج اللغوية الكبرى ليست “عقولاً متعلمة” بالمعنى الاجتماعي الوجودي، بل هي أرقى وأعقد أدوات “التجسيد المادي” (Reification) التي أنتجتها الحضارة البشرية على الإطلاق. لقد قامت هذه الخوارزميات بجمع مليارات النصوص والرموز والأكواد التي جسدت عبرها الإنسانية معارفها، وأعادت خوارزميات الذكاء الاصطناعي تركيبها وتنسيقها لتصبح “أشياء حدية فائقة التطور” (Advanced Boundary Objects) قادرة على محاكاة الاستجابة الإنسانية.
غير أن فينغر يشدد بحزم على أن هذه الأدوات الرقمية الصماء، مهما بلغت براعتها في توليد النصوص والصور، تفتقر افتقاراً مطلقاً إلى “المشاركة الحية” (Participation)؛ فهي لا تمتلك جسداً، ولا تعيش هماً أخلاقياً، ولا تخوض صراعاً وجودياً لتشكيل هوية، ولا تنتمي إلى مجتمع ممارسة تتفاوض فيه على المعنى في مواجهة الموت والكرامة والأمل. إن الآلات تجسد الرموز، لكن البشر وحدهم هم من يمنحونها “المعنى” عبر ممارستهم الاجتماعية الحية. يظل البعد الاجتماعي الإنساني فريداً وغير قابل للأتمتة الخوارزمية؛ مما يعيد إثبات نبوءة فينغر الأولى بأن التعلم الحقيقي هو صيرورة إنسانية تتجاوز كل الآلات.
12.3 الخلاصة المعرفية: الإنسان ككائن يتعلم بالانتماء
تتمثل الخلاصة الكبرى والمساهمة الخالدة لإتيان فينغر في تاريخ العلوم الإنسانية في صياغة أنطولوجيا جديدة للإنسان: “الإنسان ككائن يتعلم بالانتماء”. لقد أحدث فينغر قطيعة معرفية نهائية مع الميثولوجيا الفردانية الغربية التي مجدت “المفكر المنعزل” وصورت الإنجاز العلمي والإبداعي كشرارة غامضة تنفجر في خلوة العباقرة المعزولين عن بيئتهم الاجتماعية ومجتمعاتهم التاريخية.
أعاد فينغر الاعتبار للمجتمعات الحية، والتعاون اليومي الصامت، والمهام الصغيرة التي يؤديها المبتدئون على التخوم، بوصفها الوقود الحقيقي لكل إنجاز فكري وتطوري شهدته الحضارة. لقد نقل بوصلة علم النفس والتربية من التركيز على قاعات الامتحانات وأوراق الاختبارات والدرجات الصماء، لتركز بدلاً من ذلك على توفير فضاءات حقيقية للمشاركة، وبناء الثقة، وترقية الهويات الإنسانية التي تصنع فرقاً حقيقياً في عالمنا.
يقف إتيان فينغر اليوم كواحد من أعظم رواد الفكر المعرفي والاجتماعي المعاصر؛ فكر تجاوز حدود التخصصات الأكاديمية الضيقة ليمنحنا لغة جديدة ومفردات ملهمة تمكننا من فهم كيفية تعلمنا المشترك، وكيف نصبح من نحن، وكيف يمكن للبشر، حين يلتقون ويتعلمون معاً بحب وشغف ومسؤولية، أن يغيروا وجه الحياة إلى الأبد.
في الختام، يبرهن المسار الفكري لإتيان فينغر، الممتد لأكثر من خمسة عقود، على أن التعلم ليس استهلاكاً سلبياً لحقائق سابقة التجهيز، بل هو فعل حر من أفعال التحرر والمشاركة وصناعة الوجود. إن نظريته حول مجتمعات الممارسة لم تكن مجرد إطار أكاديمي بارد لتنظيم العمل، بل هي في عمقها نداء إنساني وفلسفي متجدد يدعونا لإعادة إحياء الروابط الحية بين البشر، وتجسير الهوات بين التخصصات المعزولة، وبناء مؤسسات ومدارس ومدن تتسع لطاقات الجميع للتعلم والازدهار والانتماء.
المراجع
- Lave, J., & Wenger, E. (1991). Situated Learning: Legitimate Peripheral Participation. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511815355
- Wenger, E. (1987). Artificial Intelligence and Tutoring Systems: Computational and Cognitive Approaches to the Communication of Knowledge. Morgan Kaufmann Publishers.
- Wenger, E. (1998). Communities of Practice: Learning, Meaning, and Identity. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511803932
- Wenger, E., McDermott, R. A., & Snyder, W. (2002). Cultivating Communities of Practice: A Guide to Managing Knowledge. Harvard Business School Press.
- Wenger-Trayner, E., Fenton-O’Creevy, M., Hutchinson, S., Kubiak, C., & Wenger-Trayner, B. (Eds.). (2014). Learning in Landscapes of Practice: Boundaries, identity, and knowledgeability in practice-based learning. Routledge. https://doi.org/10.4324/9781315777122
- Wenger-Trayner, E., & Wenger-Trayner, B. (2020). Learning to Make a Difference: A Framework for Value Creation in Social Learning Spaces. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/9781108677462
- Star, S. L., & Griesemer, J. R. (1989). Institutional Ecology, `Translations’ and Boundary Objects: Amateurs and Professionals in Berkeley’s Museum of Vertebrate Zoology, 1907-39. Social Studies of Science, 19(3), 387–420. https://doi.org/10.1177/030631289019003001
- Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press.
- Bourdieu, P. (1977). Outline of a Theory of Practice. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511812507
- Hutchins, E. (1995). Cognition in the Wild. MIT Press.