فرانس دي فال – 1948 2024

فرانس دي فال (Frans de Waal)

  • 29 أكتوبر 1948، فالفايك، هولندا – 14 مارس 2024
  • هولندي-أمريكي
  • الإيثولوجيا المعرفية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 8 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 8 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • مفهوم التجسيم النقدي
  • تفكيك ظاهرة رهاب التجسيم
  • دراسة التعاطف والمصالحة والحس بالإنصاف لدى الرئيسيات
  • تحليل ديناميات السلطة والتحالفات السياسية لدى الشمبانزي
  • نقد السلوكية الراديكالية وإثبات الاستمرارية التطورية للعمليات المعرفية والأخلاقية

السيرة

شكّل رحيل عالم الرئيسيات والإيثولوجيا الهولندي-الأمريكي فرانس دي فال (Frans de Waal) في الرابع عشر من مارس عام 2024 علامة فارقة في تاريخ العلوم السلوكية والمعرفية الحديثة. فعلى مدى أكثر من خمسة عقود من البحث الميداني والمختبري الرائد، استطاع دي فال أن يقود ثورة إبستمولوجية هادئة ولكنها جذرية، زحزحت أركان النظرة المركزية البشرية التي هيمنت على الفلسفة الغربية وعلم النفس التقليدي لقرون متطاولة. لم يكن دي فال مجرد باحث يرصد سلوك القردة العليا في أقفاصها أو في بيئاتها الطبيعية، بل كان فيلسوفاً تجريبياً ومفكراً تطورياً أعاد وصل ما قطعه ديكارت، وأعاد الاعتبار لمشاعر الكائنات الحية، مبيناً بما لا يدع مجالاً للشك أن الجذور العميقة للعدالة، والأخلاق، والسياسة، والتعاطف ليست ابتكارات ثقافية حصرية للإنسان العاقل، بل هي امتدادات تطورية أصيلة تشترك فيها ثدييات كوكب الأرض بدرجات متفاوتة.

في عالم أكاديمي كان يرزح تحت وطأة السلوكية الراديكالية (Behaviorism) التي اختزلت الكائنات الحية في آلات بيولوجية صماء تستجيب للمثيرات الخارجية دون أدنى حياة واعية، تجرأ فرانس دي فال على الحديث عن “مشاعر الحيوان”، و”التصالح”، و”المواساة”، و”الحس بالإنصاف”. واجه دي فال في بداياته موجات عاتية من الشكوك والاتهامات بما كان يُعرف بـ”التجسيم غير العلمي”، إلا أن منهجيته الدقيقة وملاحظاته التجريبية غير القابلة للترويض قلبت الموازين، وأرست دعائم علم جديد هو الإيثولوجيا المعرفية (Cognitive Ethology) المعاصرة. لقد برهن من خلال مؤلفاته الكلاسيكية، التي تُرجمت إلى عشرات اللغات، أن فهم الطبيعة البشرية يظل مبتوراً وعاجزاً ما لم ندرك أصولنا التطورية وننظر في مرآة أقرب أقربائنا جينياً: الشمبانزي والبونوبو.

يقف هذا المقال التوثيقي الموسع وقفة تأملية واستقصائية شاملة أمام مسيرة فرانس دي فال الفكرية والحياتية، مستعرضاً محطاته التأسيسية من هولندا إلى الولايات المتحدة، وتحليله المعمق لآليات السلطة والمصالحة، وتفكيكه لـ”نظرية القشرة” الأخلاقية، واستكشافه المدهش لعوالم البونوبو والتعاطف المشترك. إننا نستحضر هنا تراث رجل لم يكتفِ بإعادة كتابة علم سلوك الحيوان، بل أعاد صياغة فهمنا لذواتنا، مانحاً الإنسانية درساً بليغاً في التواضع البيولوجي والاندماج داخل نسيج الحياة الفسيح والمتشابك.

1. المسار الحياتي والفكري: التكوين العلمي لفرانس دي فال (1948–2024)

1.1 النشأة الهولندية والبدايات الأكاديمية في علم سلوك الحيوان

ولد فرانس دي فال في مدينة فالفايك (Waalwijk) بمقاطعة شمال برابنت الهولندية في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1948. نشأ دي فال في بيئة غنية بالطبيعة والممرات المائية، حيث كان لولعه الطفولي بمراقبة الحيوانات الأليفة، والبرمائيات، والأسماك في القنوات المائية المحيطة بمنزله أثر بالغ في تشكيل فضوله المعرفي المبكر. لم تكن مراقبته لتلك الكائنات مجرد هواية عابرة، بل كانت تمريناً بصرياً وذهنياً مبكراً على الصبر الميداني وتتبع أدق التفاصيل السلوكية دون التدخل في مجرياتها الطبيعية. هذا الاتصال الوثيق بالطبيعة غرس في نفسه قناعة مبكرة بأن الكائنات الحية تمتلك شخصيات متمايزة ودوافع داخلية لا يمكن اختزالها في النماذج الميكانيكية البحتة التي كانت تروج لها المدارس التعليمية آنذاك.

التحق دي فال بالتعليم العالي ليدرس علم الأحياء في جامعة خرونينغن (University of Groningen)، ثم واصل دراساته العليا في جامعة أوترخت (Utrecht University)، وهما من أبرز الصروح الأكاديمية التي احتضنت تقاليد علم الإيثولوجيا (Ethology) الأوروبي الكلاسيكي. تأثر دي فال تأثراً عميقاً بمدرسة رواد السلوك الحيواني مثل نيكو تينبرغن (Nikolaas Tinbergen) وكونراد لورنتس (Konrad Lorenz)، وحصل على درجة الدكتوراه عام 1977 تحت إشراف البروفيسور يان فان هوف (Jan van Hooff)، الخبير المرموق في تعبيرات الوجه والتواصل الاجتماعي لدى الرئيسيات. خلال هذه المرحلة الأكاديمية الصارمة، بدأ دي فال يشعر بضيق النماذج المختبرية الضيقة التي كانت تحبس الحيوانات في بيئات اصطناعية وتختزل سلوكها في مجرد ردود أفعال شرطية، وقرر التحول نحو دراسة السلوك في بيئات حقلية وشبه طبيعية تسمح للكائنات بالتعبير عن مرونتها الاجتماعية والعلائقية بكامل تعقيدها.

1.2 محطة حديقة حيوان أرنهم: التأسيس لملاحظات تاريخية

شهدت حديقة حيوان بورخرز (Burgers’ Zoo) في مدينة أرنهم الهولندية المنعطف الحاسم والأساسي في مسيرة فرانس دي فال العلمية. ففي منتصف سبعينيات القرن العشرين، أتاحت الحديقة للباحثين فرصة فريدة لدراسة أكبر مستعمرة شبه طليقة لشمبانزي في العالم آنذاك، مقامة على مساحة جزيرة عشبية مفتوحة تمتد على هكتار كامل. هذه البيئة الغنية مكّنت مجموعة الشمبانزي، التي ضمت عشرات الأفراد متعددي الأعمار والجنس، من تشكيل نظام اجتماعي حر ومعقد يحاكي إلى حد كبير ظروف الحياة البرية، بعيداً عن القمع السلوكي الذي تفرضه الأقفاص الضيقة والمنعزلة.

أمضى دي فال آلاف الساعات متسمراً على جسر المراقبة في أرنهم، مدوناً بدقة بالغة كل لفتة، وتحديق، وصراخ، وتحالف، واستمالة جسدية بين أفراد القطيع. وسرعان ما أدرك أن النماذج التفسيرية التقليدية القائمة على فكرة “الغريزة العمياء” أو التنافس العدواني البسيط عاجزة تماماً عن تفسير ما كان يشهده يومياً. لقد رصد أفراداً ينسجون تحالفات سرية، وآخرين يستخدمون الخداع التكتيكي، وإناثاً يمارسن ضغوطاً سياسية لترجيح كفة هذا الذكر أو ذاك. فتحت محطة أرنهم عينيه على الحقيقة المذهلة: مجتمع الشمبانزي يدير شبكة علاقات دبلوماسية معقدة، وتوازنات قوى ديناميكية، وتوزيعاً متقناً للمكانة لا تحكمه القوة العضلية المجردة بل الذكاء الاجتماعي، وهو ما شكل اللبنة الأولى لمشروعه العلمي الذي غير وجه البيولوجيا المعاصرة.

1.3 الهجرة إلى الولايات المتحدة وأستاذية جامعة إيموري

في عام 1981، وعلى إثر الصدى العالمي الواسع الذي أحدثته أبحاثه الرائدة في أرنهم، قرر فرانس دي فال الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة أبحاثه على نطاق أوسع. بدأ مسيرته الأمريكية في مركز ويسكونسن الإقليمي لأبحاث الرئيسيات، قبل أن ينتقل في عام 1991 إلى أتلانتا بولاية جورجيا، ليتولى منصب أستاذ كرسي كاندلر (C. H. Candler Professor) في قسم علم النفس بـجامعة إيموري (Emory University)، ويصبح مديراً لـ”مركز الرابطة المعيشية” (Living Links Center) في مركز يركس الوطني لأبحاث الرئيسيات (Yerkes National Primate Research Center).

في جامعة إيموري، أنشأ دي فال واحدة من أقوى المدارس البحثية في تاريخ دراسة سلوك الحيوان، حيث نجح ببراعة نادرة في تجسير الهوة بين علم النفس المعرفي، والأنثروبولوجيا الحيوية، والإيثولوجيا المقارنة، والعلوم العصبية. لم يكتفِ بإجراء التجارب المختبرية المحكمة على الشمبانزي وقردة الكابوشين والبونوبو، بل درّب أجيالاً متتابعة من الباحثين الذين يحملون اليوم لواء منهجه في مختلف جامعات العالم. توالت التكريمات الدولية على دي فال، حيث انتُخب عضواً في الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم (NAS) والأكاديمية الملكية الهولندية للفنون والعلوم (KNAW)، وصنفته مجلة “تايم” (Time) عام 2007 كواحد من أكثر 100 شخصية تأثيراً في العالم، وحصل على جائزة تايلر للإنجاز البيئي، تقديراً لخدماته الجليلة في تعميق الفهم البشري لعالم الحيوان حتى وافته المنية في مارس 2024.

2. الثورة الإبستمولوجية: تجاوز المركزية البشرية في علم النفس

2.1 مفهوم التجسيم البيولوجي مقابل إنكار المشاعر الحيوانية

لعقود طويلة من القرن العشرين، عاشت العلوم السلوكية في رعب منهجي أطلق عليه فرانس دي فال مصطلح رهاب التجسيم (Anthropodenial)؛ وهو الرفض الأعمى والقبلي للاعتراف بأي تشابه معرفي أو عاطفي بين الإنسان والحيوانات الأخرى. كان الباحث الذي يجرؤ على وصف تصرف قرد بأنه “حزين”، أو “غيور”، أو “متعاطف”، يُتهم فوراً بفقدان النزاهة العلمية والسقوط في فخ التجسيم الساذج (Anthropomorphism). تصدى دي فال لهذه النزعة الاستعلائية بشجاعة معرفية فذة، مبيناً أن إنكار المشاعر الحيوانية ليس موقفاً علمياً محايداً، بل هو تحيز إيديولوجي يعود إلى الجذور اللاهوتية والديكارتية التي وضعت الإنسان خارج الطبيعة وفوق قوانينها التطورية.

في مقابل هذا التصلب، صاغ دي فال مفهوماً إبستمولوجياً جديداً عُرف بـ“التجسيم النقدي” (Critical Anthropomorphism). ينص هذا المنهج على استخدام الخبرة الإنسانية واللغة المعرفية البشرية كفرضيات عمل أولية قابلة للاختبار العلمي الدقيق عند دراسة الحيوانات ذات القرب التطوري الوثيق منا. فإذا كان هناك كائنان يشتركان في 98.8% من مادتهما الجينية، ويمتلكان هياكل دماغية وجهازاً حوفياً متطابقاً، ويفرزان الهرمونات والناقلات العصبية نفسها (مثل الأوكسيتوسين والكورتيزول)، ويظهران تعبيرات جسدية وانفعالية متماثلة في مواقف الفقد أو التهديد، فإن التفسير العلمي الأكثر بساطة وتماسكاً واقتصاداً (وفق شفرة أوكام) هو افتراض وجود حالة عاطفية داخلية متماثلة، بدلاً من ابتكار مصطلحات ميكانيكية ملتوية لنفي الوعي عن الكائن غير البشري.

2.2 نقد السلوكية الراديكالية والنموذج الآلي للحيوان

شن فرانس دي فال في مختلف كتاباته نقداً لاذعاً للأطروحات السلوكية الراديكالية التي قادها علماء أمثال ب. ف. سكينر (B. F. Skinner)، والتي حولت دراسة الكائنات الحية إلى ما يشبه هندسة “الصندوق الأسود” (Black Box). في ذلك النموذج الاختزالي، كان الحيوان يُعامل كمجرد مستجيب ميكانيكي آلي للمحفزات، تحركه المكافآت الغذائية المادية وتلجمه الصدمات العقابية، دون أي اعتبار للعمليات الذهنية التوسطية أو الدوافع الاجتماعية الجوهرية. رأى دي فال أن هذا التجريد الإمبيريقي لم يكن فقط قاصراً عن تفسير سلوك الحيوانات المعقدة، بل كان تشويهاً ممنهجاً للواقع البيولوجي؛ إذ جرّد الحيوانات من عالمها الذاتي الداخلي وألغى عفويتها الطبيعية.

قدم دي فال أدلة تجريبية قاطعة دحضت خرافة السلوك القائم حصرياً على المكافأة الفورية. فقد أظهرت تجاربه المستفيضة أن القردة تتصرف مدفوعة بفضول معرفي خالص، وتظهر إيثاراً وتضامناً اجتماعياً مع رفاقها حتى في غياب أي مكافأة غذائية، بل وأحياناً على حساب شبعها الخاص. لم تكن تصرفات الشمبانزي في مختبراته ناتجة عن اشتراط إجرائي مكرر، بل عن فهم عميق للنيات والغايات الاجتماعية، وقدرة مذهلة على توقع سلوكيات الآخرين، واسترجاع الخبرات التاريخية التراكمية مع كل فرد داخل المجموعة، مما أسقط فرضية الحيوان الآلي إلى غير رجعة وفتح الباب واسعاً أمام الاعتراف بالعقل الحيواني المستقل.

2.3 الاستمرارية التطورية الداروينية كإطار لفهم العقل

انطلق المشروع الإبستمولوجي لفرانس دي فال من إعادة الاعتبار الجذري للمبدأ المحوري الذي صاغه تشارلز داروين (Charles Darwin) في كتابه الشهير “أصل الإنسان” (The Descent of Man)، والذي يؤكد أن الفارق بين عقل الإنسان والحيوانات العليا هو “فارق في الدرجة وليس في النوع” (A difference of degree, not of kind). رأى دي فال أن العلوم السلوكية في القرن العشرين ارتكبت خيانة معرفية لداروين عندما قبلت التطور المورفولوجي والتشريحي لأجساد الكائنات الحية، لكنها توقفت بجبن عند حدود الجمجمة، مصرة على أن العقل، والوعي، والأخلاق قفزات معجزية مفاجئة ظهرت فجأة عند الإنسان دون أي تمهيد تطوري في المملكة الحيوانية.

عمل دي فال طوال مسيرته على إسقاط هذه الثنائية الديكارتية الزائفة التي قسمت الكون إلى فكر إنساني وجسد حيواني. ومن خلال أبحاثه المقارنة، برهن على أن العمليات المعرفية والانفعالية تتدرج بشكل انسيابي عبر شجرة الحياة، تماماً مثل تطور الأعضاء التشريحية. لا يمكن لعاطفة مركبة مثل التعاطف أو لنظام سلوكي كالعدالة أن يخرجا من العدم؛ بل هما نتاج ملايين السنين من الانتقاء الطبيعي الذي صقل آليات الترابط والعيش الجماعي لدى الثدييات الاجتماعية القديمة. وبذلك، نجح دي فال في إعادة دمج علم النفس المعرفي داخل البيولوجيا التطورية، مؤكداً أننا لن نفهم العقل البشري المعقد ما لم نقبل أولاً حقيقة أننا نحمل في أدمغتنا وجيناتنا رواسب وإرث أسلافنا من الرئيسيات.

3. سياسات الشمبانزي: سيكولوجيا السلطة والتنظيم الاجتماعي

3.1 كتاب ‘سياسة الشمبانزي’: تفكيك البراغماتية السياسية الفطرية

في عام 1982، نشر فرانس دي فال كتابه الأيقوني الخالد “سياسة الشمبانزي: السلطة والجنس بين القردة العليا” (Chimpanzee Politics)، وهو الكتاب الذي أحدث هزة معرفية تجاوزت حدود علم الأحياء لتصل إلى أروقة العلوم السياسية وإدارة الأعمال وفلسفة الاجتماع. قدم دي فال في هذا العمل توثيقاً دراماتيكياً مذهلاً للصراع على السلطة في مستعمرة أرنهم، مركزاً على ملحمة الصعود والسقوط للذكر المهيمن المسن “ييرون” (Yeroen)، وتحديه من قبل الذكر الشاب المندفع “لويت” (Luit)، ثم بزوغ القوة الثالثة الصاعدة المتمثلة في الذكر “نيكي” (Nikkie). أثبت هذا التحليل أن الصراع على الزعامة في عالم الشمبانزي ليس نزالاً جسدياً غاشماً، بل هو لعبة شطرنج استراتيجية تتطلب بناء التحالفات، وعقد الصفقات التكتيكية، وممارسة الخداع المحسوب.

قارن دي فال بجرأة غير مسبوقة بين سلوك ذكور الشمبانزي وبين أطروحات الفيلسوف الإيطالي نيكولو ميكيافيلي (Niccolò Machiavelli) في كتابه “الأمير”. فالوصول إلى القمة والبقاء فيها يستلزمان مهارات سياسية عالية؛ فالشمبانزي المهيمن يحتاج إلى استمالة الأتباع عبر تقاسم لحوم الصيد، وتوزيع الامتيازات، وتنظيف الفراء، وتهدئة المنافسين المحتملين. والأهم من ذلك، كشف دي فال عن الدور غير الرسمي ولكن الحاسم لإناث الشمبانزي، وعلى رأسهن الأنثى الأسطورية “ماما” (Mama). فالإناث يمتلكن “فيتو” غير معلن على قيادة الذكور، ويشكلن جبهات تضامنية قادرة على الإطاحة بأي قائد مستبد يفشل في توفير الاستقرار للمجموعة، مما كسر التصور الساذج بأن مجتمعات الرئيسيات تحكمها بطريركية ذكورية استبدادية مطلقة.

3.2 إدارة المكانة الاجتماعية وتكاليف الهيمنة النفسية

لم تتوقف رؤية دي فال لسيكولوجيا السلطة عند آليات حيازتها، بل تعمقت في تفكيك العبء النفسي والفسيولوجي الذي تتطلبه إدارة المكانة العليا (Dominance Hierarchy). أظهرت الدراسات التي قادها أن الذكر المهيمن (Alpha Male) لا يعيش في رفاهية واسترخاء كما توحي الصورة النمطية، بل يدفع ثمناً باهظاً من توازنه الهرموني وصحته العصبية. فالقائد يعيش في حالة يقظة دائمة، ويفرز مستويات مرتفعة من هرمونات الإجهاد مثل الكورتيزول (Cortisol)، نظراً للحاجة المستمرة إلى مراقبة التحالفات المنافسة تحت السطح وردع أي بوادر تمرد محتملة بين الذكور الطامحين.

في مقابل ذلك، حلل دي فال منظومة “طقوس الخضوع والتواضع” التي تحافظ على تماسك القطيع وتقلل من وتيرة النزاعات الدموية. فحين يقترب فرد أدنى رتبة من الذكر المهيمن، فإنه يصدر سلسلة من لفتات التذلل الصوتي والحركي، مثل “النباح الخاضع” والانحناء الجسدي السريع، ليرد القائد بحركات طمأنة واستمالة تمسح التوتر. هذه المناسك السلوكية تؤكد التسلسل الهرمي دون الحاجة إلى اللجوء للعنف المستمر. وبذلك أثبت دي فال أن استقرار البنية الاجتماعية يعتمد أساساً على “الذكاء الاجتماعي” وضبط الانفعالات، وأن القادة الذين يعتمدون حصرياً على الترهيب العضلي سرعان ما تسقط هيبتهم وينتهي بهم المطاف إلى الإطاحة العنيفة أو النبذ المجتمعي المأساوي.

3.3 القيادة الخادمة والاستقرار المجتمعي

من أهم الاكتشافات السوسيولوجية التي قدمها دي فال في دراساته للشمبانزي هو ما يُعرف بـ“وظيفة التحكم المحايد” (The Control Role)، وهي السمة التي تجعل من الزعامة نوعاً مبكراً من “القيادة الخادمة” (Servant Leadership). فالقائد الحقيقي والناجح في قطيع الشمبانزي لا يسخر نفوذه لصالحه الشخصي فحسب، بل يكرس قدراً كبيراً من طاقته لحفظ السلم الأهلي وفض النزاعات الداخلية. فعندما يندلع شجار عنيف بين أنثيين أو بين يافعين، يتدخل الذكر المهيمن بصرامة وحيادية، واضعاً جسده فاصلاً بين المتشاجرين وناشراً أطرافه لفرض الهدوء، وغالباً ما ينتصر للطرف الأضعف لردع المعتدي واستعادة توازن الجماعة.

تتضمن استراتيجيات القائد الناجح أيضاً مشاركة الموارد النادرة، وحماية اليتامى، وإظهار قدر غير مشروط من التسامح تجاه أخطاء الصغار، لترسيخ شرعيته الاجتماعية وبناء رصيد من الولاء الشعبي لدى الإناث والذكور على حد سواء. كشفت هذه الملاحظات أن جذور الدبلوماسية، والوساطة القضائية، والتفاوض السياسي لم تكن نتاجاً متأخراً للعقد الاجتماعي أو الفلسفات السياسية الحديثة في عصر التنوير، بل هي آليات سلوكية وتكيفية تطورت في بيئات الرئيسيات العليا لحفظ تماسك الجماعة، وضمان بقائها ضد المخاطر الخارجية، وحماية السلم الاجتماعي من التفكك الداخلي.

4. سيكولوجيا صنع السلام: اكتشاف آليات المصالحة وفض النزاعات

4.1 دراسات المصالحة السلوكية بعد العدوان

حتى أواخر سبعينيات القرن الماضي، كانت أدبيات علم السلوك تتبنى فرضية جامدة تعتبر أن العدوان يقود حتماً إلى تشتت الأفراد وتباعدهم لتقليل كلفة النزاع. غير أن ملاحظات فرانس دي فال الدقيقة في حديقة أرنهم أسفرت عن كشف علمي ثوري عام 1979 سمي بـ“المصالحة السلوكية” (Reconciliation). صمم دي فال منهجاً تجريبياً صارماً اعتمد فيه على المراقبة المزدوجة المقارنة: مراقبة سلوك الخصوم مباشرة بعد وقوع النزاع (Post-Conflict observations)، ومقارنة ذلك بسلوكهم في ظروف محايدة متطابقة زمنياً (Matched-Control observations)، ليثبت إحصائياً أن احتمالية تقارب الخصمين تزداد بشكل هائل عقب انتهاء المعركة بدلاً من تباعدهما.

وثق دي فال أن الشمبانزي بعد معركة ضارية ينخرط في تبادل إشارات جسدية حميمية بالغة التعبير؛ مثل العناق الطويل، والقبلات الفموية العميقة، ولمس الأيدي، ولعق الجروح، وتقديم استمالات تنظيف الفراء المتبادلة. ولإثبات أن هذه التصرفات ليست مجرد مصادفات ميكانيكية، قام دي فال وزملاؤه بقياس المؤشرات الفسيولوجية المصاحبة لتلك اللحظات، فوجدوا أن معدلات ضربات القلب المرتفعة ومستويات هرمونات التوتر في اللعاب تنخفض بشكل حاد وفوري بمجرد إتمام طقس المصالحة. أكد هذا الكشف أن المصالحة آلية علاجية واستتبابية داخلية (Homeostatic mechanism) مصممة بيولوجياً لإعادة التوازن العاطفي والنفسي للأفراد، وتضميد الصدوع التي يخلفها العنف في النسيج الاجتماعي.

4.2 العلاقات ذات القيمة العالية وفرضية إصلاح الشراكة

لتفسير التباين في وتيرة المصالحة بين أفراد الجماعة، صاغ فرانس دي فال ما يعرف بـ“فرضية العلاقة ذات القيمة” (The Valuable Relationship Hypothesis). تؤكد هذه النظرية أن الحيوانات لا تتصالح عشوائياً وبلا حساب، بل تقيس غريزياً أهمية العلاقة التي تضررت جراء العدوان. فالأفراد الذين يرتبطون بعلاقات تعاون حيوية—مثل الشركاء في الصيد، أو الحلفاء في المعارك السياسية، أو الأمهات وذريتهن، أو الأصدقاء الذين يتبادلون تقاسم الغذاء—يكونون أكثر ميلاً بكثير للمسارعة إلى المصالحة وتقديم التنازلات عقب أي صدام، مقارنة بالأفراد الذين لا تربطهم مصالح تكافلية مشتركة.

أحدثت هذه الفرضية صدى واسعاً في علم النفس الاجتماعي وإدارة النزاعات البشرية؛ إذ بيّنت أن الدافع إلى تجاوز مشاعر الغضب والخوف والضغينة ليس فضيلة تجريدية معزولة، بل هو استجابة وظيفية لحاجة الفرد إلى الحفاظ على شبكة الأمان والتعاون التي تضمن بقاءه ورفاهيته. تجعل الشراكة الحيوية كلفة القطيعة باهظة وغير قابلة للاحتمال، مما يحفز الآليات العاطفية لإعادة فتح قنوات التواصل والتسامح. أثبت دي فال بذلك أن المنطق البراغماتي للترابط الاجتماعي هو المحرك الجوهري لفض النزاعات وتطوير استراتيجيات التفاوض السلمي لدى الثدييات الاجتماعية وصولاً إلى المجتمعات الإنسانية الحديثة.

4.3 التهدئة المسبقة واستراتيجيات منع الصراع

لم يكتفِ دي فال برصد ما يحدث بعد العدوان، بل مد بصره إلى اللحظات الحرجة التي تسبق اندلاع العنف المفتوح، مكتشفاً ترسانة متكاملة من سلوكيات التهدئة المسبقة (Preventive Pacification). لاحظ أن الرئيسيات تمتلك حساسية فائقة لرصد التوتر المتصاعد في الأجواء الجماعية؛ فعندما تضيق المساحات أو يتنافس الأفراد على مورد غذائي محدود ومثير للشهية، تزداد وتيرة سلوكيات الاستمالة (Grooming) المسبقة، وتبادل النظرات المهدئة، والمداعبات الخفيفة كوسيلة لتفريغ الشحنات العصبية الزائدة وخفض الاستثارة الفسيولوجية لدى الخصوم المحتملين قبل أن تتحول إلى مواجهة دامية.

كما رصد دي فال دوراً رائداً لما أسماه “الوساطة من طرف ثالث” (Third-Party Mediation) لمنع الصدام. في كثير من الأحيان، عندما يقف ذكران في مواجهة تصعيدية متوترة تسبق العراك، تتدخل أنثى حكيمة أو قائد مجرب بالاقتراب من أحدهما بهدوء، ثم الانتقال للآخر وملامسته، وجذبهما تدريجياً نحو بعضهما البعض حتى يزول التوتر ويتحول الاستقطاب إلى عناق ثلاثي أو جلسة تنظيف فراء مشتركة. هذا السلوك الدبلوماسي الاستباقي برهن على أن الرئيسيات لا تكتفي بردود الفعل السلبية، بل تمتلك تخطيطاً عاطفياً ومعرفياً استباقياً يستهدف صيانة الاستقرار العام ومنع انفراط عقد الجماعة قبل فوات الأوان.

5. الجذور التطورية للتعاطف: نموذج ‘الدمية الروسية’ المعرفي

5.1 بنية التعاطف متعدد الطبقات عند فرانس دي فال

يعد نموذج “الدمية الروسية” (Russian Doll Model) الذي وضعه فرانس دي فال في مطلع الألفية الجديدة أحد أعظم مساهماته في علم النفس التطوري والعصبي. انتقد دي فال المحاولات الفلسفية والسيكولوجية التي تتعامل مع التعاطف (Empathy) ككتلة واحدة مصمتة أو كإنجاز إدراكي خالص يعتمد على اللغة المجردة. بدلاً من ذلك، اقترح أن التعاطف مركب تطوري متداخل البنية يتكون من طبقات متراكبة تشبه الدمى الروسية؛ حيث تحتضن الطبقات الأقدم والأعمق الطبقات الأحدث والأكثر تعقيداً دون أن تلغيها.

تتوزع بنية التعاطف لدى دي فال عبر ثلاثة مستويات متصاعدة:

  • النواة الأساسية (العدوى العاطفية والمطابقة الحركية – Emotional Contagion): وهي أقدم طبقة تشترك فيها كافة الثدييات، وتعتمد على الاتصال المباشر بين الأجساد؛ حيث يؤدي إدراك ألم الآخر أو فزعه إلى استثارة تلقائية في الجهاز العصبي للمراقب عبر شبكات الخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons)، كأن يبكي رضيع لمجرد سماع بكاء رضيع آخر.
  • الطبقة المتوسطة (المواساة والاهتمام التعاطفي – Sympathetic Concern): وتتضمن تمايزاً بين الذات والآخر؛ حيث يشعر المراقب بالقلق حيال ضيق الكائن الآخر ويسعى للتقرب منه لتهدئته وتقديم الدعم العاطفي.
  • الطبقة الخارجية المتقدمة (تبني المنظور والمساعدة الموجهة – Perspective-Taking): وهي أرقى المستويات، وتوجد لدى القردة العليا، والفيلة، والدلافين، والإنسان؛ وفيها يستطيع الكائن تقييم مشهد الضيق من منظور الآخر المعرفي، وفهم احتياجاته الخاصة وتقديم مساعدة مفصلة بدقة لحل أزمته المحددة.

5.2 المواساة والمساعدة الإيثارية لدى غير البشر

قدم فرانس دي فال من خلال تجاربه الميدانية والمخبرية ذخيرة هائلة من التوثيقات العلمية الدامغة حول المواساة (Consolation) والمساعدة الإيثارية (Altruistic Helping) لدى الكائنات غير البشرية. كانت المواساة تُعرَّف بدقة إجرائية: مبادرة فرد محايد لم يكن طرفاً في النزاع بالاقتراب من الضحية المهزومة، واحتضانها، والمسح على رأسها وتهدئتها. أثبتت الدراسات أن هذا السلوك يخفض فورياً علامات الضيق الفسيولوجي لدى الضحية، مؤكدة أن الدافع المحرك ليس المنفعة المادية الفورية، بل الاستجابة الوجدانية الصادقة لمعاناة الرفيق.

تجاوزت تجارب دي فال سلوك المواساة لتصل إلى إثبات تقديم “المساعدة الموجهة” المعتمدة على الفهم الإدراكي لحاجة الآخر. ففي تجارب شهيرة في مركز يركس، كان الشمبانزي يختار مساعدة رفيقه في الحصول على الطعام من خلال سحب الرافعة المخصصة له حتى لو لم يكن الفاعل سيحصل على أي طعام مقابل ذلك. كما استجاب الأفراد مراراً لنداءات الاستغاثة الصادرة عن الرفاق العالقين أو المحاصرين، مبدين تضحيات جسدية حقيقية لإنقاذهم. نسفت هذه النتائج القاطعة فرضيات الأنانية البيولوجية المطلقة، مبرهنة على أن بذور الإيثار والمشاركة الوجدانية مغروسة عميقاً في التكوين النفسي للثدييات الاجتماعية.

5.3 تأثير النموذج على علم النفس العصبي والمعرفي المعاصر

أحدث نموذج الدمية الروسية زلزالاً إيجابياً في حقول علم النفس العصبي (Neuropsychology) وعلم النفس المرضي التنموي. فقد سمح للعلماء بربط الظواهر السلوكية المعقدة بالآليات العصبية والفسيولوجية في الدماغ الثديي، مثل إفراز هرمون الأوكسيتوسين (Oxytocin) ونشاط الفص الجزيري (Insula) والقشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex)، مبيناً أن استجابة الدماغ لمعاناة الآخرين ليست فكرة ميتافيزيقية بل تفاعل كيميائي وعصبي محسوس.

علاوة على ذلك، أتاح نموذج دي فال إطاراً تفسيرياً جديداً لفهم الاضطرابات السيكولوجية المعقدة لدى الإنسان؛ مثل اضطرابات طيف التوحد (Autism Spectrum Disorders) والاعتلال النفسي المضاد للمجتمع (Psychopathy). ففي حالة السيكوباتية، تظل الطبقة الإدراكية الخارجية (تبني المنظور) سليمة أو شديدة الذكاء والتلاعب، بينما تتعطل النواة العاطفية الغريزية للعدوى الشعورية فلا يبالي الفاعل بآلام الضحية. وفي التوحد، قد تكون النواة العاطفية شديدة الحساسية والاستثارة إلى حد الإغراق الحسي، مع صعوبة في ضبط طبقة تبني المنظور الإدراكي. وبذلك أسقط دي فال الرؤية الكلاسيكية التي صورت التعاطف كإنجاز ثقافي إنساني بحت ابتكره الفلاسفة، معيداً ترسيخه كبنية تطورية متجذرة في تشريح الدماغ البشري وما قبل البشري.

6. أصول الأخلاق ونقد ‘نظرية القشرة’: تفكيك الهوبزية الجديدة

6.1 إسقاط فرضية القشرة الأخلاقية والشر الفطري

خاض فرانس دي فال معركة فلسفية وإبستمولوجية ضارية ضد ما أطلق عليه بسخرية مصطلح “نظرية القشرة” (Veneer Theory) للأخلاق. تعود جذور هذه النظرية إلى الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز (Thomas Hobbes)، والتي تبناها في العصر الحديث علماء بيولوجيا بارزون مثل توماس هنري هكسلي (Thomas Henry Huxley) ومناصرو الطرح الراديكالي لـ”الجين الأناني” مثل ريتشارد دوكينز (Richard Dawkins). ترى هذه الفرضية أن الطبيعة الحيوانية للإنسان شريرة وأنانية ووحشية في جوهرها، وأن الأخلاق ليست سوى “قشرة رقيقة” وهشة ومصطنعة يكسو بها المجتمع الثقافي ذلك الوحش البيولوجي الكامن تحته لحمايته من الإفناء المتبادل.

رفض دي فال هذه الهوبزية الجديدة جملة وتفصيلاً، واصفاً إياها بالتهافت البيولوجي والجهل المطبق بقوانين التطور. تساءل دي فال: كيف يمكن لكائن مشحون بالأنانية المطلقة والعدوانية الفطرية أن يبتكر فجأة أخلاقاً قائمة على المحبة والتعاطف والعدالة من فراغ؟ الحقيقة التطورية، كما أكدها دي فال، هي أن اللبنات الأساسية للأخلاق الإنسانية—مثل التعاطف، والاهتمام بالآخرين، والتصالح، والشعور بالإنصاف، ومراعاة القواعد الاجتماعية—هي سمات تكيفية تشكلت عبر ملايين السنين داخل مجتمعات الرئيسيات قبل ظهور الإنسان بمئات آلاف السنين. الأخلاق ليست انتصاراً ثقافياً “ضد” الطبيعة كما توهم هكسلي، بل هي ثمرة مباشرة ونضج تطوري للطبيعة ذاتها.

6.2 الإنصاف والنفور من اللامساواة: تجربة قردة الكابوشين الشهيرة

في عام 2003، أجرى فرانس دي فال بالاشتراك مع تلميذته وباحثته سارة بروسنان (Sarah Brosnan) واحدة من أشهر التجارب في تاريخ العلوم السلوكية المعاصرة، والتي أثبتت وجود حس فطري بالإنصاف ونفور غريزي من اللامساواة (Inequity Aversion) لدى قردة الكابوشين البنية (Brown Capuchin Monkeys). وضع الباحثان قردين متجاورين في قفصين يفصل بينهما حاجز شبكي يتيح لكل منهما رؤية الآخر وسماع صوته، وطُلب من كل قرد أداء مهمة بسيطة تتمثل في التقاط حصاة صغيرة وتسليمها للباحث مقابل مكافأة غذائية.

كانت التجربة تبدأ بتقديم شريحة من الخيار لكل قرد مقابل الحصاة، وهو ما كان يُقبل بارتياح ورضا تام من الطرفين. ولكن عندما بدأ الباحثون بممارسة “التمييز المجحف”—بمنح القرد الأول حبة عنب لذيذة (وهي طعام شديد القيمة والجاذبية لدى القردة) مقابل الحصاة، بينما استمروا في منح القرد الثاني قطعة خيار زهيدة للمهمة ذاتها—حدث انفجار عاطفي مذهل. رفض القرد المظلوم استلام الخيار، وقام في مقاطع فيديو أصبحت وثيقة علمية كلاسيكية بقذف شريحة الخيار في وجه الباحث وهز أقفاصه بقوة وضرب الأرض بغضب واحتجاج صريح. لم تكن المسألة قيمة الطعام الذاتية (فالخيار كان مقبولاً في الظروف العادية)، بل المقارنة الاجتماعية والشعور بعدم العدالة وتوزيع المكافآت المجحف، مما كشف الجذور التطورية العميقة للنفور من الظلم والمطالبة بالمساواة الاقتصادية والاجتماعية.

6.3 المعايير الاجتماعية والعقاب الإيثاري في الجماعات الطبيعية

أثبت دي فال أن مجتمعات الرئيسيات لا تعيش في فوضى غرائزية عشوائية، بل يحكمها نظام دقيق من “المعايير الاجتماعية الضمنية” (Implicit Social Norms) والتوقعات السلوكية المتبادلة. فالأفراد يدركون ما هو مسموح وما هو ممنوع داخل الجماعة؛ مثل تقاسم لحوم الصيد وفق تراتبية معينة، وتجنب العنف غير المبرر ضد الصغار، واحترام إشارات الهدنة. ومن يخترق هذه المعايير يواجه عواقب اجتماعية سريعة تشمل التوبيخ الجماعي، أو العزل، أو العقاب الجسدي المنظم.

كما رصد دي فال ما يُعرف في علم النفس التطوري بـ“العقاب الإيثاري” (Altruistic Punishment)؛ حيث تتدخل أطراف قوية أو متضامنة لمعاقبة الفرد المعتدي أو المخترق للنظام، حتى وإن لم يكن المعتدى عليه من أقربائهم جينياً، وحتى لو تطلب هذا التدخل بذل طاقة جسدية ومخاطرة شخصية من جانب المعاقب. يخدم هذا السلوك غاية تطورية واضحة: صيانة البيئة الاجتماعية المستقرة وحماية الملكية العامة للسلام داخل القطيع. إن هذه القواعد والعقوبات تشكل “النظام الأخلاقي الأولي” (Proto-morality) الذي اعتبره دي فال الأساس البيولوجي المتين الذي تأسست عليه لاحقاً الشرائع، والقوانين، والمنظومات الحقوقية الإنسانية الأكثر تعقيداً.

7. مجتمع البونوبو: النموذج الأمثل للأمومية والتسامح والارتباط

7.1 اكتشاف البونوبو وإعادة صياغة شجرة التطور البشري

حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين، كانت النظرة العلمية للتطور البشري تدور في فلك “نموذج الشمبانزي الشائع” (Pan troglodytes)؛ الكائن العدواني، الهرمي، الذي تسيطر عليه الذكور ويشن حروباً مميتة على المجموعات المجاورة، مما عزز فرضية أن الإنسان محكوم ببيولوجيا العنف الفطري. غير أن فرانس دي فال لعب دوراً حاسماً في كسر هذا الاحتكار المفهومي من خلال تسليط الضوء على القرد المنسي والشقيق الجيني الآخر للإنسان: قرد البونوبو (Pan paniscus)، المعروف سابقاً بالشمبانزي القزم، والذي يعيش حصرياً في الغابات المطيرة المعزولة جنوب نهر الكونغو.

أكد دي فال على حقيقة تشريحية وجينية غاية في الأهمية: يشترك الإنسان الحديث وراثياً مع البونوبو بنفس النسبة تماماً التي يشترك بها مع الشمبانزي الشائع (نحو 98.8% من الحمض النووي). وبالتالي، فإن اتخاذ الشمبانزي العنيف وحده نموذجاً وحيداً لإعادة بناء السلف المشترك وسلوك الإنسان المبكر هو تحيز منهجي وتضليل علمي غير مبرر. يمثل البونوبو وجهاً تطورياً بديلاً بالكامل؛ فهو مجتمع يسوده التسامح، والتعاطف الفائق، وتصفية النزاعات سلمياً، مما يعني أن طبيعتنا البشرية تمتلك تراثاً تطورياً مزدوجاً: فنحن نحمل نزعة الشمبانزي نحو القوة والتنافس، ونحمل في الوقت ذاته إرث البونوبو نحو السلام والترابط الاجتماعي الحميم.

7.2 الهيمنة الأنثوية وتفكيك المركزية الذكورية في البيولوجيا

قدم دي فال من خلال كتابه المرجعي الرائع “قردنا العاري: مسالمون وقتلة” (Our Inner Ape) تفكيكاً عميقاً لهيكل السلطة في مجتمعات البونوبو، مبيناً أنها تمثل حالة نادرة ومذهلة لـ“الأمومية الاجتماعية” (Matriarchy) والهيمنة الأنثوية المستقرة في عالم الثدييات العليا. فعلى الرغم من أن ذكور البونوبو أكبر حجماً وأقوى بنية عضلية من الإناث بشكل عام، إلا أن الإناث هن اللواتي يقودن المجتمع، ويتحكمن في توزيع الغذاء، ويحددن تحركات القطيع دون منازع.

كشف دي فال عن السر البيولوجي والاجتماعي لهذه الهيمنة المدهشة: تكمن القوة في التحالفات التضامنية الوثيقة بين الإناث غير القريبات جينياً. فعندما يحاول ذكر إظهار أي سلوك عدواني أو ممارسة العنف ضد أنثى، تتداعى جميع الإناث في صرخة مشتركة ويشنن هجوماً جماعياً رادعاً وسريعاً يجبر الذكر على التراجع والخضوع التام. تستمد القيادة والجاه الاجتماعي للذكور في مجتمع البونوبو من مكانة أمهاتهم؛ فالذكر الذي يحظى بأم نافذة وذات تحالفات قوية هو الذي يرتفع في السلم المجتمعي. نسف هذا الاكتشاف الأطروحة الداروينية التقليدية القائلة بأن الهيمنة الذكورية والعنف الأبوي قدر حتمي مسجل في الطبيعة الحيوية، موضحاً أن التضامن الأنثوي قادر على إعادة تشكيل موازين القوى البيولوجية برمتها.

7.3 الجنس كوسيلة اجتماعية لنزع فتيل الصراع والتواصل

تعد دراسة السلوك الجنسي لدى البونوبو واحدة من أجرأ وأبرز محطات دي فال البحثية؛ حيث أظهر أن هذه الكائنات طورت استراتيجية تطورية فريدة تلخصها عبارته الشهيرة: “الشمبانزي يحل النزاعات الجنسية بالسلطة، بينما البونوبو يحل نزاعات السلطة بالجنس” (Chimpanzees resolve sexual issues with power; bonobos resolve power issues with sex). فصل مجتمع البونوبو بشكل بيولوجي حاسم بين الوظيفة التناسلية للجنس وبين وظيفته الاجتماعية والتواصلية.

تستخدم قردة البونوبو التعبير الجنسي بمختلف أشكاله—سواء بين الجنسين أو بين أفراد الجنس الواحد (مثل فرك الأعضاء التناسلية بين الإناث لتعزيز التحالفات، وتلامس الذكور لتهدئة التوتر)—كنوع من “التحية الاجتماعية”، وأداة سحرية لتبديد الاحتقان، ونزع فتيل الصراع عند التنافس على الطعام، وتجديد روابط التسامح بعد النزاعات الطارئة. في مجتمع البونوبو، لا يؤدي التوتر الاجتماعي إلى انفجار العنف الدامي كما هو الحال لدى أنواع أخرى، بل يتحول فوراً إلى طاقة اتصال جسدي إيجابية تسقط العداوة وتغمر الجماعة بمشاعر الطمأنينة. قدمت هذه الملاحظات للإيثولوجيا ولعلم النفس البشري منظوراً متحرراً يرى في الرغبة الجسدية قوة ربط مدنية وأداة لبناء السلام الاجتماعي.

8. الذكاء العاطفي والمعرفي: حدود الإدراك لدى الحيوانات العليا

8.1 كتاب ‘هل نحن أذكياء بما يكفي لنعرف كم هي ذكية؟’

في عام 2016، توج فرانس دي فال أبحاثه المعرفية بإصدار كتابه ذائع الصيت “هل نحن أذكياء بما يكفي لنعرف كم هي الحيوانات ذكية؟” (Are We Smart Enough to Know How Smart Animals Are?). كان الكتاب بياناً إبستمولوجياً نقدياً وجهه دي فال ضد التحيز البشري الممنهج في تصميم اختبارات الذكاء المقارن عبر التاريخ العلمي. طرح دي فال تساؤلاً جوهرياً: كيف نحكم على ذكاء كائن ما إذا كنا نختبره وفق معايير بشرية محضة لا تتناسب مع واقعه الحسي وبيئته التكيفية؟

استعرض دي فال أمثلة تاريخية مخجلة لقصور الفهم البشري؛ كتلك التجارب القديمة التي كانت تضع الفيلة في اختبارات تمييز بصري لأدوات دقيقة تتطلب استخدام الأصابع، متجاهلة حاسة الشم الفائقة ومرونة الخرطوم، ليخرج الباحثون باستنتاج غبي يدعي غباء الفيلة! عندما عُدلت الاختبارات لتلائم الجسد والبيئة الإدراكية لكل حيوان (ما أسماه جاكوب فون أوكسكول بـالـ Umwelt)، انفجرت البراهين المعرفية؛ فتجلت قدرة الغربان على حل ألغاز فيزيائية متعددة الخطوات، وبراعة الدلافين في التخطيط المستقبلي، وصناعة الشمبانزي لأدوات صيد مركبة ومعدلة بدقة متناهية، مما أثبت أن الذكاء ليس هرماً يتربع الإنسان على قمته، بل هو شجرة متعددة الفروع والمسارات التكيفية البديعة.

8.2 الوعي الذاتي، نظرية العقل، واختبار المرآة

خاض دي فال معارك ضارية لإثبات وجود الوعي الذاتي و“نظرية العقل” (Theory of Mind) لدى الرئيسيات والكائنات العليا؛ أي القدرة على فهم الحالات العقلية والمعرفية للآخرين، وإدراك ما يرونه وما يجهلونه. دعم دي فال تطوير اختبار التعرف على الذات في المرآة (Mirror Self-Recognition Test) الذي ابتكره غوردون غالوب، وأشرف في مختبراته على توثيق قدرة الشمبانزي، وإناث البونوبو، وحتى الفيلة الآسيوية على استخدام المرآة لفحص بقع لونية وضعت على وجوهها في أماكن لا يمكن رؤيتها إلا بالانعكاس، مما يثبت امتلاكها لمفهوم الذات المتمايزة (Self-concept).

تجاوزت تجارب دي فال اختبارات المرآة لتوثق الخداع التكتيكي والتضليل الإدراكي؛ حيث يتعمد الشمبانزي إخفاء تعبيرات وجهه الحماسية (ابتسامة الخوف أو البهجة) عندما يقترب من طعام مخفي حتى لا ينتبه المنافسون الأقوياء لمكانه، أو ينتظر حتى يدير الذكر المهيمن ظهره ليغازل إحدى الإناث في الخفاء. يبرهن هذا السلوك على أن القرد لا يتفاعل مع حركات الخصم الفيزيائية فحسب، بل يقرأ بدقة ما يراه الخصم وما يعتقده ويفكر فيه، وهي القدرة الإدراكية الجوهرية التي اعتبرها فلاسفة العقل طويلاً حكراً مطلقاً على النفس الإنسانية الناطقة.

8.3 التعبير العاطفي: الفرح، الحزن، والحداد بين الحيوانات

في كتابه المؤثر “آخر عناق لماما” (Mama’s Last Hug) الصادر عام 2019، تعمق دي فال في استكشاف المشاعر الحيوية لدى الحيوانات، مقدماً تفنيداً حاسماً للادعاء القائل بأن المشاعر الإنسانية فريدة من نوعها كيميائياً أو عصبياً. وثق دي فال لحظات الوداع التاريخية المؤثرة بين أستاذه يان فان هوف والأنثى القائدة العجوز “ماما” وهي على فراش الموت في حديقة أرنهم؛ حيث تهلل وجهها بالبهجة، واحتضنت العالم بيدها ومسحت على شعره في لفتة تتفيض بالامتنان والوعي بالرحيل الوشيك.

كما رصد دي فال طقوس الحزن العميق والحداد (Grief and Mourning) لدى أمهات الشمبانزي والبونوبو؛ اللواتي يحملن أطفالهن الموتى لأسابيع متواصلة في صمت مؤلم، مع رفض تناول الطعام وتراجع التفاعل الاجتماعي، في سلوك يطابق سريرياً أعراض الاكتئاب الفقداني الحاد لدى البشر. في المقابل، درس دي فال الضحك الحيواني والمشاعر الإيجابية؛ مبيناً أن الشمبانزي يضحك بصوت لاهث ومميز أثناء اللعب والمداعبة، وأن للضحك الحيواني نفس الوظيفة العصبية والاجتماعية في إفراز الإندورفينات وتعزيز الروابط التكافلية المشتركة، مؤكداً أن كيمياء الفرح والحزن واحدة عبر التاريخ الطبيعي للثدييات.

9. بونوبو والملحد: دور البيولوجيا في نشأة الدين والمعايير الروحية

9.1 أسبقية النزعة الأخلاقية على الأديان المنظمة

في عام 2013، أطلق فرانس دي فال أطروحته الفلسفية الأكثر إثارة للجدل في كتابه “البونوبو والملحد: البحث عن الإنسانية بين الرئيسيات” (The Bonobo and the Atheist). واجه دي فال في هذا العمل الطرح اللاهوتي والفلسفي التقليدي الذي يربط الأخلاق بظهور الأديان المنظمة والإلزام العقائدي الإلهي؛ ذلك الطرح الذي يجسده التساؤل المنسوب لدوستويفسكي في رواية الإخوة كارامازوف: “إذا لم يكن الله موجوداً، فهل كل شيء مباح؟”.

أجاب دي فال على هذا التساؤل بـ”لا” حاسمة ومسنودة بالبيولوجيا التطورية. فالتعاطف، والعدالة، والمواساة، وحماية الضعيف، ونبذ القسوة كانت قائمة ومستقرة في مجتمعات أسلافنا المشتركة قبل ملايين السنين من نزول الكتب المقدسة وظهور المعابد والأنبياء. لم يخترع الدين الأخلاق من الصفر، بل جاء كـ“طبقة ثقافية مقننة” نظمت وعززت دوافع بيولوجية وفطرية كانت مغروسة مسبقاً في جيناتنا وسلوكنا الاجتماعي. إن الدين يعزز الأخلاق ويوفر لها سردية كبرى وطقوساً تضامنية، لكنه ليس منبعها الأول؛ فالإنسان كان كائناً أخلاقياً لأنه حيوان اجتماعي بحاجة للبقاء المشترك، قبل أن يكون كائناً متديناً يؤمن بالحساب الأخروي.

9.2 التوافق بين الإيثولوجيا والعلمانية التسامحية

على الرغم من إرجاعه الأخلاق إلى أصول بيولوجية بحتة، اتخذ فرانس دي فال موقفاً متمايزاً وفريداً أخرجه من عباءة ما عُرف بـ”الإلحاد الجديد” (New Atheism) الصاخب الذي قاده ريتشارد دوكينز، وكريستوفر هيتشنز، وسام هاريس. انتقد دي فال النبرة العدائية والاستعلائية التي تبناها هؤلاء المفكرون تجاه الظاهرة الدينية، واصفاً إياها بالسطحية السوسيولوجية والجهل بآليات التطور الثقافي.

أكد دي فال من منظور إيثولوجي عميق أن الدين ليس مجرد خطأ معرفي أو وهم خرافي يمكن إزالته بجرة قلم عقلانية، بل هو مؤسسة اجتماعية تطورية أدت وظائف حيوية هائلة في تاريخ الإنسانية؛ إذ وفرت الأديان شبكات تضامن واسعة تخطت حدود القبيلة والدم، ومنحت البشر عزاءً نفسياً أمام فواجع الموت والمرض، وأقامت طقوساً دورية تجمع المجتمعات وتصهرها في بوتقة شعورية واحدة. دعا دي فال إلى “علمانية إنسانية وتسامحية” لا تشهر الحرب على التقاليد الدينية، بل تتفهم جذورها البيولوجية والاجتماعية، وتؤسس لمنظومة قيم كوكبية تستند إلى الإرث التطوري المشترك للتعاطف والمصير الإنساني الواحد.

9.3 لوحة ‘حديقة المباهج الأرضية’ ومجازية الطبيعة البشرية

استحضر دي فال في تحليله الفلسفي للطبيعة البشرية اللوحة الثلاثية الشهيرة للرسام الهولندي هيرونيموس بوش (Hieronymus Bosch) المعروفة بـ“حديقة المباهج الأرضية” (The Garden of Earthly Delights). رأى دي فال في هذه التحفة الفنية المعقدة، التي رسمت في القرن الخامس عشر وتتراوح بين الفردوس الأرضي، والشهوات الحسية، والجحيم المروع، تمثيلاً مجازياً فذاً للتناقضات الصارخة والخصبة التي تميز الطبيعة البشرية وإرثها التطوري.

رفض دي فال المفهوم اللاهوتي المتشائم لـ”الخطيئة الأصلية” وسقوط الإنسان من الطهارة إلى الدنس، واستبدله برؤية تطورية ترى الطبيعة البشرية كمركب ديناميكي تتجاور فيه الدوافع الغريزية الحسية مع النزعات الروحية والأخلاقية السامية. نحن لسنا ملائكة سقطوا من السماء، ولا وحوشاً كاسرة تم ترويضها بالقوة؛ بل نحن رئيسيات راقية تحمل في تكوينها متعة الحياة، ونزق الرغبة، وحرارة التعاطف، وجمال التعاون. إن قراءة بوش من منظور الإيثولوجيا هي دعوة للاحتفاء بتعقيدنا الحيوي، وقبول جذورنا الترابية دون خجل، والتأمل في بهاء شبكة الحياة التي نحمل ألوانها في أعمق طبقات وعينا.

10. الجندر، الجنسانية، والتنشئة: الأبعاد السيكولوجية للهوية

10.1 كتاب ‘مختلفون: الجندر بعيون رئيسياتي’ (Different)

في عام 2022، وقبل عامين من رحيله، خاض فرانس دي فال واحدة من أكثر القضايا المعاصرة اشتعالاً وحساسية في كتابه العميق “مختلفون: الجندر بعيون رئيسياتي” (Different: Gender Through the Eyes of a Primatologist). دخل دي فال حقل الدراسات الجندرية بصفته عالماً ميدانياً محايداً، محاولاً تفكيك الاستقطاب الإيديولوجي الحاد بين المدارس المحافظة التي تختزل الهوية الإنسانية في حتمية بيولوجية صلبة، وبين التيارات البنائية الراديكالية التي تدعي أن الفروق بين الجنسين محض اختراع ثقافي زائف لا أساس له في الطبيعة.

ميز دي فال بدقة علمية بين الجنس البيولوجي (Sex) القائم على الكروموسومات، والجينات، والهرمونات، والأعضاء التناسلية، وبين الجندر (Gender) بوصفه التعبير الثقافي والاجتماعي عن تلك الفروق البيولوجية وتجلياتها السلوكية. ومن خلال دراسته للشمبانزي والبونوبو، أثبت أن الفروق السلوكية بين الذكور والإناث ليست مقصورة على البشر، بل تتجلى بوضوح في الطبيعة؛ فالإناث يملن فطرياً إلى رعاية الصغار وتفضيل ألعاب التنشئة، بينما يميل الذكور إلى التنافس الفيزيائي وألعاب القوة الخشنة، مما يؤكد الأساس التطوري لهذه الأنماط، محذراً في الوقت ذاته من استغلال هذه الحقائق البيولوجية لتبرير التمييز السياسي أو تقييد الحريات الإنسانية.

10.2 التفاعل المعقد بين الفطرة والتعلم الاجتماعي

ألقى دي فال الضوء على الآليات التفاعلية الدقيقة التي تمتزج فيها “الفطرة البيولوجية بالتعلم الاجتماعي” في تشكيل الهوية والسلوك. ففي تجارب وملاحظات وثقها في مراكز الأبحاث، لوحظ أن صغار الشمبانزي من الإناث يقبلن بشغف على حمل العصي والأخشاب الصغيرة ووضعها على بطونهن كما تحمل الأمهات أطفالهن الرضع (في محاكاة لغريزة الأمومة)، بينما يفضل الذكور الصغار اللعب بالعصي كأسلحة للمبارزة والتهديد.

غير أن دي فال أثبت أن هذه الميول الفطرية تظل خامة غير مكتملة دون التأهيل الاجتماعي والتعلم بالمحاكاة. فالأنثى التي تنشأ منعزلة عن أمها وقريناتها البالغات تفشل غالباً في رعاية وليدها الأول وقد ترفضه لجهلها بكيفية احتضانه، مما يثبت أن البيولوجيا تمنح الكائن الاستعداد الغريزي، بينما تصقل الجماعة هذا الاستعداد بالخبرة والتدريب الثقافي. إن ثنائية “الفطرة ضد التنشئة” (Nature vs. Nurture) هي ثنائية زائفة وسقيمة من منظور دي فال؛ فالطبيعة والتنشئة ترقصان معاً رقصة تطورية مستمرة لا يمكن فيها فصل النغمة عن الحركة.

10.3 المجتمعات التعددية والتسامح مع الاختلاف

من أروع الأبعاد الإنسانية في كتاب “مختلفون” هو رصد دي فال للتنوع والتسامح داخل الجماعات الحيوانية ذاتها مع الأفراد ذوي السلوكيات غير النمطية. فقد وثق حالات إناث شمبانزي وبونوبو يمتلكن ميولاً سلوكية “ذكورية”؛ كأن يرفضن رعاية الصغار، وينخرطن في معارك الذكور ويصلن إلى مواقع نفوذ سياسي بارزة، دون أن تواجههن المجموعة بالإقصاء أو النبذ المجتمعي.

كما رصد أفراداً من الذكور يتصفون بالوداعة التامة والابتعاد عن التنافس، متفرغين لمجالسة الصغار وتنظيف الإناث، ويتم احتواؤهم بانسجام كامل داخل النسيج المجتمعي. وجه دي فال رسالة نقدية لاذعة للمجتمعات البشرية التي تستخدم “قوانين الطبيعة” كذريعة واهية لقمع الاختلاف وتبرير اضطهاد الأقليات الجنسية أو التنميط الجندري القسري؛ مؤكداً أن الطبيعة الحيوية ليست مصنعاً لإنتاج نسخ متطابقة، بل هي محيط فسيح من التنوع والتعددية والتكيف المرن، وأن التسامح مع الاختلاف هو أرقى إنجازات الذكاء الاجتماعي لدى الثدييات الراقية.

11. المناظرات الفكرية والمعارك المنهجية في مسيرة دي فال

11.1 الصراع مع تيار الجين الأناني وعلم الأحياء الاجتماعي

دخل فرانس دي فال في صدامات فكرية حادة ومستمرة مع أتباع علم الأحياء الاجتماعي (Sociobiology) وتيار “الجين الأناني” بقيادة إدوارد ويلسون وريتشارد دوكينز. تركز الخلاف الجوهري حول مسألة “تفسير الإيثار”؛ حيث أصر تيار الجين الأناني على أن أي سلوك تعاوني في الطبيعة يجب أن يُختزل في الحسابات الرياضية الباردة لـالانتقاء القرابي (Kin Selection) وصيغة هاملتون، أو إلى “الإيثار المتبادل” المقايض؛ معتبرين أن الإيثار الحقيقي لا وجود له، وأن الحيوانات مجرد مركبات آلية مبرمجة لخدمة جيناتها الأنانية فقط.

تصدى دي فال لهذا الاختزال الرياضي الصارم، مبيناً الخلط الفادح الذي وقع فيه هذا التيار بين “المستوى النهائي للتطور” (Ultimate Cause) و“المستوى المباشر للسلوك” (Proximate Cause). فإذا كان التطور من الناحية الوراثية والميتا-تاريخية يفضل الجينات التي تعزز بقاءها، فإن هذا لا يعني على الإطلاق أن الكائن الحي في لحظة الفعل تحركه دوافع أنانية! فالأم التي تقفز في النهر لإنقاذ طفلها، أو الشمبانزي الذي يواسي رفيقه المتألم، لا يجريان حسابات تفاضل وتكامل وراثية في رؤوسهما، بل ينطلقان من دافع وجداني أصيل وشعور مباشر بالتعاطف الصادق. نجح دي فال في تخليص علم السلوك من مخالب الأنانية الشاملة، معيداً الاعتبار للأصالة السيكولوجية للمشاعر الإيثارية.

11.2 الجدال مع فلاسفة الأخلاق الكانطيين والتحليليين

شهدت مسيرة فرانس دي فال حوارات ومناظرات فلسفية عميقة مع كبار فلاسفة الأخلاق المعاصرين، مثل فيليب كيتشر (Philip Kitcher)، وكريستين كورسغارد (Christine Korsgaard)، وبيتر سينغر (Peter Singer)، في منصات كبرى كان أبرزها محاضرات تانر حول القيم الإنسانية في جامعة برنستون، والتي جُمعت في كتاب “الرئيسيات والفلاسفة: كيف تطورت الأخلاق؟” (Primates and Philosophers).

هاجم دي فال التقليد الأخلاقي الكانطي المنبثق عن إيمانويل كانط (Immanuel Kant)، والذي يقصر الفعل الأخلاقي على العقلانية التجريدية الصرفة، والاستدلال المنطقي الواعي، والواجب المكتوب. دافع دي فال في المقابل عن المقاربة الأخلاقية العاطفية التي أسسها الفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم (David Hume)، والتي ترى أن “العقل خادم للمشاعر والانفعالات وليس العكس”. أثبت دي فال للفلاسفة أن الأخلاق ليست اختراعاً نظرياً شيده المفكرون في غرفهم المغلقة، بل هي ثمرة المشاعر الحيوية والحدوس الوجدانية المتجذرة في جسدنا الثديي، وأن العقلانية الأخلاقية ما هي إلا تأطير وتبرير لاحق لتلك الدوافع البيولوجية الأكثر عمقاً ورسوخاً.

11.3 الانتقادات المنهجية من علماء السلوك الصارمين والرد عليها

واجه دي فال طوال حياته اتهامات منهجية متكررة من بعض علماء السلوك المختبري الصارمين، الذين اتهموا أبحاثه بالاعتماد على الملاحظات الوصفية الاستطرادية (Anecdotal observations)، واستخدام لغة أدبية مجازية ومؤنسنة، والوقوع في شرك “الانحياز التأكيدي” (Confirmation Bias) لإثبات تشابه القردة مع البشر. رأى هؤلاء النقاد أن وصف لفتات القردة بـ”المصالحة” أو “الإنصاف” يضفي على الحيوان مفاهيم إنسانية لا يمكن قياسها تجريبياً بدقة رياضية.

رد دي فال على هذه الانتقادات بأقوى سلاح معرفي ممكن: التصميم التجريبي المحكم والبيانات الكمية الإحصائية الصارمة. طور دي فال نماذج تجريبية مزدوجة التعمية، واعتمد على تسجيلات فيديو دقيقة حللتها فرق بحثية مستقلة ثانية لا تعرف فرضيات البحث لتفادي أي تحيز شخصي. ونشر نتائجه في كبريات المجلات العلمية المحكمة عالمياً مثل Science وNature وPNAS. أظهر دي فال أن الصرامة المنهجية لا تقتضي حرمان الحيوان من كينونته المعرفية، بل تتطلب تطوير أدوات قياس ذكية تجمع بين دقة المختبر وغنى المشاهدات الحقلية في البيئات شبه الطبيعية، مؤسساً لمعايير إبستمولوجية جديدة يُقتدى بها اليوم في كافة مختبرات السلوك في العالم.

12. الإرث العلمي والآفاق المستقبلية: ما بعد فرانس دي فال (1948–2024)

12.1 الرحيل في 2024 وصدى الخسارة في الأوساط العلمية

في الرابع عشر من مارس عام 2024، ودع العالم فرانس دي فال عن عمر ناهز الخامسة والسبعين إثر صراع مع سرطان المعدة، تاركاً خلفه فراغاً أكاديمياً وفكرياً هائلاً. نعت دي فال كبريات المؤسسات العلمية والجامعات والجمعيات الفلسفية عبر القارات الخمس، مشيدة بالرجل الذي بدد أوهام الاستعلاء البشري وبنى جسوراً لا تنفصم بين علوم الأحياء والإنسانيات. وصفته صحيفة نيويورك تايمز بالعالم الذي أعاد للحيوانات أرواحها، بينما اعتبرته مجلة Nature مجدداً تاريخياً غيّر للأبد نظرة الإنسان إلى شجرة التطور الحيوي.

تواصل المختبرات والمراكز التي أسسها دي فال، وخاصة “مركز الرابطة المعيشية” في جامعة إيموري ومستعمرة أرنهم في هولندا، نشاطها البحثي المكثف تحت إدارة نخبة من تلاميذه الذين نهلوا من منهجيته؛ لمواصلة التحقيق في قضايا الوعي، والذكاء التواصلي، والثقافة الحيوانية، مما يضمن أن شعلة دي فال المعرفية ستظل متقدة وملهمة للأجيال القادمة من الباحثين في سلوك الكائنات الحية وفلسفة العقل.

12.2 التحول النموذجي في علم النفس التطوري والمعرفي

رسخ فرانس دي فال تحولاً نموذجياً (Paradigm Shift) كاملاً في تاريخ العلوم المعرفية؛ إذ أسس لميلاد “علم نفس الرئيسيات” (Primate Psychology) كركيزة لا غنى عنها لفهم العقل البشري المعاصر. أعادت مؤلفاته صياغة المقررات الجامعية في علم النفس، والأنثروبولوجيا، وعلم الأعصاب؛ حيث باتت موضوعات مثل مشاعر الحيوان، وحسه بالعدالة، وأصول التعاطف الفطرية تُدرس كحقائق تجريبية مثبتة بعد أن كانت تُعامل كهرطقات غير علمية.

امتد هذا التحول ليشمل الفلسفة الأخلاقية والقانونية وحركات الدفاع عن حقوق الحيوان والرفق بالكائنات الحية والسياسات البيئية؛ حيث ساهمت أبحاث دي فال في تقويض الأسس الفلسفية التي كانت تبرر استغلال الحيوانات في المعامل كأدوات صماء مجردة من المشاعر. أصبح العالم اليوم ينظر إلى القردة العليا، والفيلة، والحيتانيات ككائنات ذات عوالم داخلية وشخصيات مستقلة تستحق الحماية القانونية والرعاية الأخلاقية، وهو تحول تاريخي يرجع الفضل الأكبر فيه إلى الملاحظات الشجاعة التي دونها دي فال عبر عقود مسيرته.

12.3 الأسئلة المفتوحة والآفاق البحثية للجيل القادم

على الرغم من المسيرة الحافلة بالإنجازات، ترك فرانس دي فال وراءه أفقاً واسعاً من الأسئلة المفتوحة التي تنتظر إجابات الجيل القادم من الباحثين. تتركز هذه الآفاق حول دمج التقنيات الحديثة—مثل تسلسل الجينوم، وعلم الجينوم فوق الجيني (Epigenetics)، وتقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي العصبي (fMRI)—لفهم أدق للترابط بين الثقافة الحيوانية والجينات، وكيف تنتقل التقاليد السلوكية واستخدام الأدوات عبر الأجيال في مجتمعات الرئيسيات دون تدخل وراثي صلب.

كما تفتح تطبيقات الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) وتحليل البيانات الضخمة اليوم آفاقاً مذهلة لفك شيفرات التواصل الصوتي، والإيماءات الجسدية، وتعابير الوجه لدى الرئيسيات، مما يقربنا من بناء “معاجم تواصل بين الأنواع”. يظل النداء الختامي الذي خلده فرانس دي فال وصية أخلاقية ومعرفية خالدة لكل باحث وإنسان: التواضع العلمي في مواجهة شبكة الحياة؛ فالإنسان ليس تاج الخليقة المنفصل عن الكائنات، بل هو غصن جميل ومسؤول بين آلاف الأغصان الحية التي تتنفس وتتألم وتتعاطف على هذا الكوكب المشترك.

خاتمة: استعادة المكان الطبيعي للإنسان في شجرة الحياة

إن التأمل في سيرة فرانس دي فال وفكره يضعنا أمام تجربة فكرية استثنائية أعادت تعريف المعنى الجوهري لـ”الإنسانية”. لقد أثبت دي فال، عبر ملاحظاته الدقيقة في أرنهم ويركس وأبحاثه المرجعية، أن أرقى ما نعتز به كبشر—من قدرة على الصفح، وحس بالعدالة، وشوق للسلام، وتضامن مع الضعيف والمكلوم—ليس قطيعة مع عالم الحيوان، بل هو أعمق تجليات هذا العالم وأصدق تعبيراته التطورية. إن الأخلاق ليست ترويضاً مصطنعاً لطبيعتنا، بل هي الإزهار الأبهى لجذورنا البيولوجية الأولى.

برحيل دي فال، فقدت الساحة العلمية عالماً فذاً تميز بالدقة التجريبية الصارمة، والشجاعة الفكرية النادرة، والأدب الرفيع الذي صاغ به أعقد المفاهيم الفلسفية في لغة آسرة تخاطب العقل والوجدان معاً. غير أن أثره باقٍ لا يزول؛ فكلما نظرنا في عيني شمبانزي ورأينا وميض الفهم، وكلما تأملنا مجتمع بونوبو وشهدنا معجزة السلم والتسامح، وكلما شعرنا بنبض التعاطف يربطنا بكائن حي آخر، فإننا نستحضر روح فرانس دي فال الذي كسر المرآة النرجسية للإنسان، وأعادنا بكل محبة وتواضع إلى بيتنا الحقيقي: رحاب شجرة الحياة المشتركة.

المراجع

  • Brosnan, S. F., & de Waal, F. B. M. (2003). Monkeys reject unequal pay. Nature, 425(6955), 297–299. https://doi.org/10.1038/nature01963
  • Darwin, C. (1871). The Descent of Man, and Selection in Relation to Sex. John Murray.
  • de Waal, F. B. M. (1982). Chimpanzee Politics: Power and Sex among Apes. Jonathan Cape.
  • de Waal, F. B. M. (1989). Peacemaking among Primates. Harvard University Press.
  • de Waal, F. B. M. (1996). Good Natured: The Origins of Right and Wrong in Humans and Other Animals. Harvard University Press.
  • de Waal, F. B. M. (1997). Bonobo: The Forgotten Ape (with photographs by F. Lanting). University of California Press.
  • de Waal, F. B. M. (2005). Our Inner Ape: A Leading Primatologist Explains Why We Are Who We Are. Riverhead Books.
  • de Waal, F. B. M. (2006). Primates and Philosophers: How Morality Evolved (R. Macedo & J. Ober, Eds.). Princeton University Press. https://doi.org/10.1515/9781400830336
  • de Waal, F. B. M. (2008). Putting the altruism back into altruism: The evolution of empathy. Annual Review of Psychology, 59, 279–300. https://doi.org/10.1146/annurev.psych.59.103006.093625
  • de Waal, F. B. M. (2009). The Age of Empathy: Nature’s Lessons for a Kinder Society. Harmony Books.
  • de Waal, F. B. M. (2013). The Bonobo and the Atheist: In Search of Humanism Among the Primates. W. W. Norton & Company.
  • de Waal, F. B. M. (2016). Are We Smart Enough to Know How Smart Animals Are?. W. W. Norton & Company.
  • de Waal, F. B. M. (2019). Mama’s Last Hug: Animal Emotions and What They Tell Us about Ourselves. W. W. Norton & Company.
  • de Waal, F. B. M. (2022). Different: Gender Through the Eyes of a Primatologist. W. W. Norton & Company.
  • de Waal, F. B. M., & van Roosmalen, A. (1979). Reconciliation and consolation among chimpanzees. Behavioral Ecology and Sociobiology, 5(1), 55–66. https://doi.org/10.1007/BF00302695
  • Preston, S. D., & de Waal, F. B. M. (2002). Empathy: Its ultimate and proximate bases. Behavioral and Brain Sciences, 25(1), 1–20. https://doi.org/10.1017/s0140525x02000018
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات