السيرة
يحتل عالم النفس التنظيمي الكندي-الأمريكي البروفيسور غاري لاثام (Gary Latham) مكانة استثنائية في تاريخ العلوم السلوكية والإدارية المعاصرة؛ إذ يُعد أحد أبرز رواد علم النفس الصناعي والتنظيمي (Industrial-Organizational Psychology) الذين استطاعوا ببراعة ردم الهوة المزمنة بين التنظير الأكاديمي الصارم والممارسة الميدانية العملية. منذ ولادته في عام 1945 وحتى الوقت الحاضر، كرّس لاثام مسيرته العلمية والمهنية للإجابة عن سؤال جوهري ظل يؤرق علماء الإدارة والمشرفين على حد سواء: كيف يمكن استنهاض الدافعية البشرية وتحسين كفاءة الأداء الوظيفي بطرق منهجية وقابلة للقياس، دون المساس بكرامة العامل أو إرهاقه النفسي؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل لم تكن مجرد تنظيرات حبيسة المختبرات الجامعية، بل صيغت في خضم البيئات الصناعية القاسية، من غابات الأخشاب الكندية والأمريكية وصولاً إلى غرف اجتماعات مجالس الإدارات لأكبر الشركات العالمية المتعددة الجنسيات.
تتجاوز شهرة غاري لاثام كونه شريكاً مؤسساً لـ نظرية وضع الأهداف (Goal-Setting Theory) بالتعاون مع رفيق دربه الفكري إدوين لوك (Edwin Locke)؛ لتشمل حزمة متكاملة من الابتكارات المنهجية التي أعادت تشكيل ممارسات إدارة الموارد البشرية لعقود طويلة. لقد ابتكر لاثام المقابلات الموقفية (The Situational Interview) التي حطمت التحيزات الشخصية في التوظيف، وأرسى دعائم مقاييس الملاحظة السلوكية (Behavioral Observation Scales – BOS) كأداة موضوعية لتقييم الأداء، وقاد في السنوات الأخيرة أبحاثاً رائدة كشفت النقاب عن أثر المثيرات الضمنية والأهداف اللاواعية في بيئات العمل. ويمثل عمله تجسيداً حياً لنموذج “العالم-الممارس” (Scientist-Practitioner Model)؛ حيث تختبر النظرية في الميدان، وتتحول الملاحظة الواقعية إلى فرضيات علمية دقيقة خاضعة للتجريب الإحصائي المحكم.
تهدف هذه المعالجة الموسوعية الشاملة إلى تتبع المسار الفكري والمهني لغاري لاثام منذ بواكير نشأته وحتى إسهاماته المعاصرة. وسنستعرض في هذا الطرح المعمق الأسس الفلسفية والنظرية لأبحاثه، والآليات السيكولوجية الدقيقة لنظرية وضع الأهداف، والتطبيقات الميدانية الرائدة في قطاع الغابات، فضلاً عن أدوات التقييم والاختيار التي صاغها، والأبعاد الجدلية والنقدية التي رافقت مسيرته. كما نسلط الضوء على قيادته الأكاديمية والمؤسسية وإرثه المستدام الذي يواصل توجيه المؤسسات في عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، مقدماً نموذجاً متفرداً في كيفية تطويع علم النفس لخدمة الإنسان والمنظمة في آن معاً.
1. النشأة والخلفية الأكاديمية والمهنية لغاري لاثام
1.1 السنوات المبكرة والتعليم التأسيسي
ولد غاري لاثام في عام 1945 في أمريكا الشمالية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهي فترة اتسمت بنمو صناعي متسارع وتحولات كبرى في أنماط الإنتاج والتنظيم الإداري. نشأ لاثام في بيئة مجتمعية صقلت لديه ملاحظة مبكرة لقيمة العمل اليدوي والجهد الإنساني المبذول في القطاعات التشغيلية. ومنذ مراحل دراسته الأولى، أظهر فضولاً معرفياً عميقاً تجاه العوامل التي تجعل بعض الأفراد يعملون بتفانٍ وحماس منقطع النظير، بينما يكتفي آخرون بالحد الأدنى من الأداء أو يستسلمون للإحباط واللامبالاة، مما ولد لديه شغفاً مستداماً باستكشاف آليات السلوك البشري ومحدداته النفسية.
قاده هذا الشغف المبكر إلى دراسة علم النفس في مرحلته الجامعية الأولى؛ حيث التحق ببرنامج البكالوريوس في علم النفس في جامعة دالهوزي (Dalhousie University) في كندا، وتخرج منها عام 1967. خلال دراسته الجامعية، تشبع لاثام بالأسس التجريبية لعلم النفس العام، مستكشفاً النظريات السلوكية والمعرفية التي كانت سائدة آنذاك. وسرعان ما أدرك أن اهتمامه لا ينصب على الجوانب الإكلينيكية أو العلاجية للاضطرابات النفسية، بل يتركز بوضوح على “السلوك السوي” في سياق الأداء والإنجاز، وهو ما وجه دفة اهتماماته نحو الحقل الناشئ لعلم النفس الصناعي والتنظيمي.
تأثر لاثام في تلك الحقبة بالدعوات المنهجية التي طالبت بتطبيق المنهج العلمي التجريبي لحل المشكلات الإنسانية في مواقع العمل. وقد شكل هذا التوجه الفكري نقطة تحول حاسمة في حياته؛ إذ وجد في علم النفس الصناعي جسراً يربط بين الصرامة الأكاديمية والتأثير المباشر في واقع الأفراد اليومي. هذا الوعي المبكر دفعه لرفض الانكفاء داخل قاعات المحاضرات النظرية، والبحث عن مسارات أكاديمية متقدمة تتيح له النزول إلى الميدان واختبار الفرضيات السيكولوجية في بيئات الإنتاج الحقيقية.
1.2 المسار الأكاديمي المتقدم والحصول على الدكتوراه
لمواصلة طموحه العلمي، واصل لاثام دراسته للحصول على درجة الماجستير في معهد جورجيا التقني (Georgia Institute of Technology) عام 1969، حيث تتلمذ على يد نخبة من رواد القياس النفسي وبحوث العمليات. وفرت له هذه المرحلة تدريباً مكثفاً في الإحصاء التطبيقي وتصميم التجارب، مما عمق قناعته بأن الظواهر السلوكية، مهما بدت مجردة أو غير ملموسة، يمكن إخضاعها للقياس الدقيق متى ما تم تعريفها إجرائياً بصورة صحيحة.
بعد ذلك، انتقل إلى جامعة أكرون (University of Akron) لنيل درجة الدكتوراه في علم النفس الصناعي والتنظيمي، والتي حصل عليها بنجاح في عام 1974. تميزت جامعة أكرون آنذاك بكونها معقلاً فكرياً رائداً يجمع بين التميز الأكاديمي والاتصال الوثيق بالمؤسسات الصناعية الكبرى. وخلال هذه السنوات التكوينية الحاسمة، تأثر لاثام بأساتذة متميزين وجهوه نحو تفكيك القضايا المعقدة المتعلقة بتقييم أداء العاملين، والدافعية، وتصميم نظم الاختيار المهني المبنية على الكفاءة والعدالة.
تمحورت أطروحة الدكتوراه التي قدمها لاثام حول القياس الموضوعي للأداء والآليات التي يمكن من خلالها تحفيز السلوك التنظيمي الفعال. لم تكن الأطروحة مجرد تمرين أكاديمي روتيني، بل جسدت نموذجاً متقدماً لدمج النظرية النفسية بالتطبيق العملي في المنظمات. وضع هذا العمل الأساس لمنهجه العلمي اللاحق، ومكنه من الانتقال بسلاسة وثقة إلى العمل الأكاديمي والتدريس والبحث في كبرى الجامعات، مثل جامعة واشنطن ثم لاحقاً جامعة تورنتو؛ حيث بنى سمعة دولية كباحث يجمع بين عمق الفكرة وقوة البرهان الميداني.
1.3 الخبرات الميدانية الأولى في قطاع الصناعة
قبل انخراطه الكامل في السلك الأكاديمي الجامعي، خاض غاري لاثام تجربة مهنية حاسمة شكلت العمود الفقري لمسيرته البحثية، وذلك عندما عمل كعالم نفس وباحث ميداني لدى جمعية اللب والخشب الأمريكية (American Pulpwood Association – APA) في جنوب الولايات المتحدة. كان هذا القطاع يعاني من تحديات إنتاجية وإنسانية جمة؛ إذ تميزت بيئة العمل بالقسوة، والخطورة العالية، والاعتماد على عمالة يدوية غير منتظمة في الغابات النائية، مما جعل تطبيق النظريات الأكاديمية التقليدية أمراً محفوفاً بالصعوبات البالغة.
اصطدم لاثام بالواقع المرير لعلاقات العمل في الغابات؛ حيث كانت الإدارة تشكو من تدني الإنتاجية وارتفاع معدلات التغيب، في حين كان العمال ينظرون بعين الريبة والشك إلى أي تدخل إداري أو أكاديمي. واجه لاثام هذا التحدي بالنزول الشخصي إلى مواقع التحطيب، وارتداء ملابس العمل الميدانية، ومرافقة العمال وسائقي الشاحنات في نوبات عملهم الشاقة. أتاح له هذا الانغماس الميداني فهم العوامل النفسية والاجتماعية التي تحكم سلوك هؤلاء العمال بعيداً عن التصورات النظرية المسبقة.
أدرك لاثام سريعاً أن المختبرات الجامعية المفرغة لا تعكس تعقيدات السلوك الإنساني تحت وطأة الضغوط الحقيقية، فقرر تأسيس قواعد البحث التجريبي في مواقع العمل الفعلية. استطاع عبر النزاهة والشفافية بناء جسور قوية من الثقة بين الإدارة والعمال؛ حيث أكد للعمال أن أبحاثه لا تهدف إلى استغلالهم أو زيادة أعبائهم، بل تسعى لتحسين بيئة العمل وتحقيق العدالة في التقييم. شكلت هذه البيئة الصناعية الوعاء الحقيقي الذي نضجت فيه أولى تجاربه الميدانية حول وضع الأهداف، محولة الغابات إلى مختبر تجريبي مفتوح أسفر عن نتائج علمية غيرت مسار علم النفس التنظيمي لعقود لاحقة.
2. الأسس النظرية لعلم النفس الصناعي والتنظيمي عند لاثام
2.1 فلسفة لاثام المنهجية: سد الفجوة بين النظرية والممارسة
تقوم الفلسفة المنهجية لغاري لاثام على الإيمان الراسخ بضرورة سد الفجوة المصطنعة بين النظرية الأكاديمية والممارسة المهنية، وهو ما يُعرف في الأدبيات السلوكية بنموذج “العالم-الممارس” (Scientist-Practitioner Model). يرى لاثام أن النظرية التي لا تجد لها تطبيقاً ينعكس إيجابياً على الأفراد والمؤسسات هي نظرية عقيمة تفتقر إلى الجدوى، وفي المقابل، فإن الممارسة الإدارية التي لا تستند إلى أسس نظرية تجريبية رصينة ما هي إلا عشوائية محفوفة بالمخاطر تقود إلى إهدار الموارد وإحباط الطاقات البشرية.
انتقد لاثام بشدة عزل الباحثين لأنفسهم داخل المختبرات الأكاديمية المصطنعة وتعميم نتائجهم على بيئات العمل المعقدة دون اختبار ميداني. وفي الوقت ذاته، رفض استسلام الممارسين في إدارات الموارد البشرية لـ “الموضات الإدارية” السريعة التي تفتقر للدليل العلمي. واعتمد في مشروعه المعرفي على الملاحظة التجريبية كأداة لا غنى عنها للتحقق من الفرضيات؛ مؤكداً أن الميدان هو المحك الفعلي لصدق المفاهيم السيكولوجية وقدرتها على البقاء.
يتجلى تميز منهجية لاثام في إصراره على القياس الكمي الصارم للظواهر النفسية المعقدة في المؤسسات. فهو لا يكتفي بالانطباعات العامة أو الاستبيانات الاسترجاعية المعرضة للتحيز، بل يحرص دائماً على تصميم تجارب ميدانية مضبوطة تتضمن مجموعات تجريبية وأخرى ضابطة، مع قياس دقيق للمخرجات الموضوعية مثل أطنان الأخشاب المنقولة، ومعدلات الأخطاء التشغيلية، ومستويات الحوادث والتغيب. هذا التزاوج الفريد بين صرامة المنهج العلمي وواقعية التطبيق جعل من أطروحاته مرجعاً موثوقاً للإداريين والأكاديميين معاً.
2.2 التفاعل بين الدافعية الذاتية والبيئة التنظيمية
قدم غاري لاثام قراءة نقدية معمقة للنماذج الكلاسيكية في الدافعية، ولا سيما الإدارية التايلورية والنظريات السلوكية المبسطة التي اختزلت الدافع البشري في منظومة الحوافز المادية والمكافآت الخارجية المباشرة. جادل لاثام بأن الإنسان كائن معرفي معقد يمتلك إرادة وإدراكاً، وأن السلوك في المنظمات لا يتشكل عبر ردود أفعال آلية للمثيرات المادية، بل يتم توجيهه عبر أهداف واعية، وقيم شخصية، وعمليات تفكير ذاتية معقدة تتعلق بتقييم الفرد لقدراته وطبيعة المهمة الموكلة إليه.
ركز لاثام على تحليل الدور المعرفي للإدراك الفردي في توجيه السلوك المهني؛ حيث أثبت أن طريقة تفسير الموظف لبيئته وتحديات عمله هي التي تحدد مستوى الجهد المبذول والمثابرة في مواجهة الصعوبات. ومع ذلك، لم يقع لاثام في فخ الفردانية المفرطة؛ بل شدد باستمرار على أن الدافعية لا تعمل في فراغ، بل تتفاعل ديناميكياً مع المناخ التنظيمي والثقافة المؤسسية السائدة. فالمناخ الذي يتسم بالثقة، والتواصل المفتوح، وتوفير الموارد يدعم تبني الأهداف الطموحة، في حين أن بيئات العمل القمعية أو المشوبة بعدم اليقين تقمع المبادرة وتعيق توجيه الطاقات نحو الإنجاز.
علاوة على ذلك، أولى لاثام أهمية قصوى لـ العدالة التنظيمية (Organizational Justice) بمختلف أبعادها — التوزيعية، والإجرائية، والتعاملية — واعتبرها متغيراً وسيطاً وحاسماً في تحفيز العاملين. فبدون إدراك العمال لعدالة معايير التقييم، وتوزيع المكافآت، وشفافية المعاملة الإدارية، فإن أكثر استراتيجيات التحفيز ووضع الأهداف تطوراً ستفقد فاعليتها وتتحول إلى مصدر للاغتراب الوظيفي والاحتراق النفسي.
3. الشراكة الفكرية مع إدوين لوك وتأسيس نظرية وضع الأهداف
3.1 بدايات التعاون وتلاقي الرؤى الأكاديمية
تُعد الشراكة العلمية بين غاري لاثام وإدوين لوك (Edwin A. Locke) واحدة من أكثر الشراكات إثماراً وتأثيراً في تاريخ العلوم الإنسانية. بدأت هذه العلاقة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن العشرين، عندما كان إدوين لوك يجري تجاربه المختبرية الرائدة في جامعة ميريلاند حول تأثير الأهداف الواعية على الأداء البسيط للطلاب، في حين كان غاري لاثام يختبر بشكل مستقل الفرضيات ذاتها في البيئات الميدانية القاسية لصناعة الأخشاب.
حدث التلاقي الفكري عندما لاحظ الباحثان التطابق المدهش في النتائج التي توصلا إليها؛ فالأهداف المحددة والصعبة كانت تؤدي بثبات إلى أداء أعلى من الأهداف العامة أو غياب الأهداف، سواء كان ذلك في مهام حسابية داخل مختبر جامعي معقم أو في تحميل شاحنات الأخشاب الضخمة في أعماق الغابات. شكل هذا التطابق تكاملاً منهجياً نادراً: وفر لوك التحكم التجريبي العالي والصدق الداخلي الصارم للأبحاث المختبرية، بينما وفر لاثام الصدق الخارجي والتطبيقي في الواقع الصناعي المعقد.
أثمر هذا التحالف عن نشر سلسلة متتابعة من الأوراق البحثية المشتركة التي شكلت اللبنات الأولى لنظرية وضع الأهداف. لم تكن هذه النظرية مجرد بناء استنباطي تم فرضه من أعلى إلى أسفل، بل كانت نظرية استقرائية (Inductive Theory) صيغت بنيتها حجر الأساس تلو الآخر بناءً على الملاحظات والبيانات التجريبية المتراكمة. وقد أثبتت المقارنات المنهجية التي قاما بها خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات أن المبادئ السلوكية لوضع الأهداف تتمتع بمتانة استثنائية وقابلية للتعميم عبر مختلف أنواع المهام والمؤسسات.
3.2 نشر العمل المرجعي لعام 1990: نظرية وضع الأهداف ومهمة الأداء
بلغت الشراكة بين لوك ولاثام ذروتها المعرفية في عام 1990 بصدور كتابهما المرجعي التأسيسي: “A Theory of Goal Setting & Task Performance” (نظرية وضع الأهداف ومهمة الأداء). مثل صدور هذا الكتاب حدثاً مفصلياً في تاريخ علم النفس التنظيمي؛ إذ لم يكتفِ المؤلفان بتقديم ملخص لأفكارهما، بل قاما بتجميع وتحليل تلوي (Meta-analysis) لنتائج أكثر من أربعمائة دراسة تجريبية مستقلة أجريت على مدار أكثر من ربع قرن، شملت ما يزيد عن أربعين ألف مشارك في مهام تنوعت بين المختبر والميدان.
استعرض الكتاب تصنيفاً شاملاً ومتكاملاً للمبادئ التوجيهية للفاعلية التنظيمية المعتمدة على الأهداف؛ موضحاً العلاقات السببية بين خصائص الأهداف ومستويات الأداء، وكاشفاً عن الآليات المعرفية والفسيولوجية الوسيطة، إضافة إلى المتغيرات المعدلة التي تضبط هذه العلاقة. وتميز العمل بقدرته الفريدة على الإجابة عن كافة التساؤلات والاعتراضات المنهجية التي أثيرت ضد الدافعية الهادفة، مما رسخ النظرية كأحد أقوى النماذج التفسيرية للسلوك الإنساني داخل المنظمات.
حقق الكتاب أثراً أكاديمياً دولياً هائلاً؛ حيث أصبح المرجع الإلزامي والأساسي في أدبيات الإدارة والسلوك التنظيمي وعلم النفس التطبيقي في شتى بقاع العالم. ولم يتوقف تأثيره عند الدوائر الأكاديمية، بل تبنته كبرى الشركات العالمية والمؤسسات العسكرية والتعليمية كإطار استراتيجي لتطوير أنظمة إدارة الأداء؛ مما أكد صحة رؤية لاثام في قدرة البحث العلمي الدقيق على تغيير وجه الواقع العملي.
3.3 تطوير النظرية وتحديثاتها المعاصرة في مطلع الألفية
لم تتجمد نظرية وضع الأهداف عند حدود إنجاز عام 1990، بل واصل لاثام ولوك تحديثها وتطويرها استجابة للتطورات المتسارعة في العلوم المعرفية وعلم النفس الإيجابي. وجاءت المحطة الكبرى في هذا التطوير عبر ورقتهما البحثية المفصلية المنشورة عام 2002 في دورية American Psychologist المرموقة، والتي حملت عنوان “Building a Practically Useful Theory of Goal Setting and Task Motivation: A 35-Year Odyssey”.
تضمنت هذه المراجعة المعاصرة توسعاً بنيوياً في النموذج التفسيري للنظرية؛ حيث تم إدخال متغيرات معدلة ووسيطة أكثر تعقيداً ودقة. وركزت الأبحاث الجديدة على دراسة التفاعل الديناميكي بين سمات الشخصية المستقرة (مثل الضمير الحي، ومركز الضبط، وعصابية الشخصية) ومستويات الالتزام بالأهداف تحت ظروف الإحباط التنظيمي والضغوط المهنية المتزايدة.
كما واكبت التحديثات الاكتشافات الجديدة في مجالات التنظيم الذاتي (Self-Regulation) والعبء المعرفي؛ حيث استجاب لاثام للتحديات التي تفرضها بيئات العمل المعاصرة سريعة التغير والمعتمدة على المعرفة والابتكار. وأسفر هذا الجهد التحديثي المستمر عن توسيع آفاق النظرية لتشمل مجالات جديدة مثل التمييز بين أهداف التعلم وأهداف الأداء، وأثر الأهداف الجمعية في فرق العمل، مما حافظ على حيوية النظرية وهيمنتها التجريبية في مطلع الألفية الثالثة.
4. المبادئ والآليات النفسية لنظرية وضع الأهداف (Goal-Setting Theory)
4.1 الخصائص الأساسية للأهداف الفعالة
تنص نظرية وضع الأهداف في جوهرها على أن الأداء الوظيفي هو دالة مباشرة لخصائص الأهداف التي يتبناها الفرد. وقد صاغ غاري لاثام وإدوين لوك هذه الخصائص ضمن مبادئ محددة تحظى بأقوى دعم تجريبي في تاريخ العلوم السلوكية. وفيما يلي تفصيل لهذه الخصائص الأساسية:
- تحديد الهدف بدقة (Goal Specificity): أثبتت الدراسات المتكررة للاثام أن إصدار توجيهات عامة ومبهمة من قبيل “ابذل قصارى جهدك” (Do your best) يؤدي باستمرار إلى أداء أدنى بكثير مقارنة بصياغة أهداف رقمية وسلوكية محددة وواضحة (مثل: “زيادة حجم التحميل إلى 94% من السعة القصوى”). تعود العلة السيكولوجية في ذلك إلى أن عبارة “ابذل جهدك” تتسم بالمرونة الذاتية وتسمح للفرد بتبني معايير متساهلة لتقييم جهده الخاص، في حين يضع الهدف المحدد معياراً واضحاً لا لبس فيه للنجاح يوجه الطاقة المعرفية بشكل حاسم.
- صعوبة الهدف والتحدي الممتد (Goal Difficulty): هناك علاقة خطية موجبة ومباشرة بين صعوبة الهدف ومستوى الأداء، شريطة أن يمتلك الفرد القدرات الأساسية وأن يقبل الهدف. فالأهداف الصعبة التي تتطلب جهداً استثنائياً وتحدياً ممتداً تدفع الأفراد إلى استنفار طاقاتهم الكامنة وتوليد مستويات أعلى بكثير من التركيز والإنتاجية مقارنة بالأهداف السهلة أو المتوسطة التي لا تثير حس التحدي والإنجاز.
- التغذية الراجعة الفورية (Feedback): لا يكفي وجود هدف محدد وصعب لتحقيق الأداء الأمثل؛ بل لا بد من اقترانه بتغذية راجعة موضوعية ودورية ومستمرة. تعمل التغذية الراجعة كبوصلة ملاحة معرفية تتيح للأفراد مراقبة مسار تقدمهم نحو الهدف بدقة، ومعرفة حجم الفجوة بين الوضع الراهن والمعيار المطلوب، مما يمكنهم من تعديل استراتيجياتهم وسرعة أدائهم قبل فوات الأوان. وبدون التغذية الراجعة، يفقد الهدف فاعليته التوجيهية ويتحول إلى مجرد أمنية مجردة.
- الالتزام بالهدف (Goal Commitment): تنهار العلاقة بين صعوبة الهدف والأداء إذا غاب الالتزام النفسي بالهدف. ويعرف الالتزام بأنه درجة تصميم الفرد وعزمه على تحقيق غايته حتى في مواجهة العقبات الشديدة. ويتعزز هذا الالتزام بعاملين رئيسيين: الأهمية المدركة للهدف (سواء كانت نابعة من قيم شخصية، أو اعتراف اجتماعي، أو حوافز ملائمة) وقناعة الفرد بإمكانية تحقيق الهدف بنجاح.
4.2 الآليات النفسية الموجهة للأداء
لكي تفسر النظرية كيفية تحول الفكرة الذهنية المجردة (الهدف) إلى مخرجات فيزيائية وسلوكية ملموسة، حدد لاثام أربع آليات سيكولوجية وسيطة توجه سلوك الأفراد وتتحكم في طاقتهم الحركية والذهنية:
- توجيه الانتباه والتركيز المعرفي (Directive Function): يعمل الهدف كمرشح معرفي انتقائي يوجه انتباه الفرد وجهده حصرياً نحو الأنشطة والمهام ذات الصلة المباشرة بتحقيق الغاية، مع تجاهل المشتتات والأنشطة الهامشية التي لا تخدم الغرض. فعلى سبيل المثال، عندما يركز العامل على هدف تحسين الدقة، ينصب تركيزه البصري والحركي على معايير الجودة متجاهلاً الرغبة في التسرع غير المنضبط.
- تعبئة الطاقات والجهود (Energizing Function): تتناسب درجة الاستنفار الفسيولوجي والنفسي طردياً مع مستوى صعوبة الهدف المعين. فالأهداف المتطلبة تحفز إفراز الطاقة الجسدية وترفع وتيرة العمل والاستعداد العصبي، في حين تؤدي الأهداف البسيطة إلى استرخاء معرفي وخمول تشغيلي ينعكس سلباً على وتيرة الإنتاجية العامة.
- زيادة الإصرار والمثابرة الزمنية (Persistence): يؤثر الهدف بشكل مباشر في المدة الزمنية التي يخصصها الفرد للمهمة. فالأفراد الذين يلتزمون بأهداف محددة وصعبة يستمرون في العمل لفترات أطول ويثابرون في مواجهة الإرهاق والملل والعقبات غير المتوقعة مقارنة بأولئك الذين يفتقرون إلى غايات واضحة، والذين يميلون للاستسلام بمجرد ظهور أولى علامات الصعوبة.
- تحفيز الاستراتيجيات المعرفية وحل المشكلات (Strategy Development): لا يقتصر تأثير الأهداف على الجهد البدني فحسب، بل يدفع الأفراد إلى استخدام مهارات التفكير العليا وابتكار خطط عمل إدراكية جديدة، وتطوير تكتيكات ذكية لإنجاز المهام عندما تصبح الأساليب الروتينية القديمة غير كافية لتحقيق التحدي المطلوب. فالهدف الصعب يستفز العقل لابتكار وسائل مبتكرة وفعالة لإدارة الموارد المتاحة.
4.3 العوامل المعدلة لتأثير الأهداف على المخرجات
أكد غاري لاثام مراراً أن العلاقة بين الأهداف والأداء ليست علاقة آلية مطلقة، بل تحكمها مجموعة من المتغيرات المعدلة (Moderators) التي تحدد مدى قوة هذا التأثير أو سقفه التنظيمي. ومن أبرز هذه العوامل:
تأتي الكفاءة الذاتية المدركة (Self-Efficacy) — وهي المفهوم الذي طوره عالم النفس ألبرت باندورا (Albert Bandura) وتأثر به لاثام بشدة — كأحد أهم العوامل المعدلة؛ حيث تشير إلى ثقة الفرد الداخلية في قدرته على حشد الدافعية والموارد المعرفية اللازمة لإنجاز مهمة معينة. الأفراد ذوو الكفاءة الذاتية المرتفعة يضعون أهدافاً أعلى، ويكونون أكثر التزاماً بها، ويظهرون صموداً استثنائياً عند مواجهة الفشل المرحلي مقارنة بذوي الكفاءة الذاتية المتدنية.
يتمثل العامل الثاني في درجة تعقيد المهمة (Task Complexity). فبينما تعمل الأهداف الموجهة نحو الأداء المباشر بكفاءة خارقة في المهام الروتينية والواضحة (مثل قيادة الشاحنات أو تجميع القطع)، يتباطأ تأثيرها المباشر في المهام شديدة التعقيد التي تتطلب بحثاً واستكشافاً واسعاً، مما يستلزم تحويل الأهداف في تلك الحالات إلى أهداف تعلم واستراتيجية بدلاً من أهداف نتائج نهائية.
أما العاملان الأخيران فهما توافر الموارد والبيئة المادية الداعمة (حيث يعجز العامل عن بلوغ الهدف مهما بلغت دافعيته إذا افتقر للمعدات أو الوقت الكافي)، وطبيعة المشاركة في تحديد الأهداف (Participative vs. Assigned Goals). وقد برهن لاثام عبر دراساته الميدانية على أن الأهداف المحددة من قبل الإدارة (Assigned Goals) يمكن أن تكون فعالة تماماً ومطابقة للأهداف التشاركية من حيث مستوى الأداء، شريطة أن يتم شرح أسبابها المنطقية باحترام وإقناع ودون تهديد استبدادي، في حين تبرز الميزة الكبرى للمشاركة في كونها تعزز الفهم المعرفي المشترك للمهمة واستراتيجيات تنفيذها.
5. التطبيقات الميدانية الكلاسيكية: أبحاث عمال الغابات وصناعة الأخشاب
5.1 دراسات سائقي شاحنات نقل الأخشاب
تعتبر دراسة غاري لاثام وجيمس بالديس (Latham & Baldes, 1975) حول سائقي شاحنات نقل الأخشاب إحدى التجارب الأيقونية الكلاسيكية في تاريخ العلوم الإدارية والسلوكية. بدأت المشكلة عندما واجهت إحدى شركات صناعة اللب والورق خسائر مالية فادحة ناتجة عن التحميل الناقص لشاحنات نقل الأخشاب المتجهة إلى المصانع. كانت حمولة الشاحنات لا تتجاوز في المتوسط 60% من الوزن القانوني المسموح به بسبب خوف السائقين من التعرض لغرامات الوزن الزائد من جهة، وغياب أي دافع حقيقي لتحسين الحمولة من جهة أخرى؛ مما أدى إلى زيادة استهلاك الوقود وهدر طاقات أسطول النقل بصورة باهظة التكلفة.
رفض لاثام التدخلات الإدارية التقليدية التي اقترحت فرض عقوبات تأديبية أو تقديم حوافز ومكافآت مالية إضافية باهظة. وبدلاً من ذلك، صمم تدخلاً تجريبياً صرفاً قائماً حصرياً على مبادئ نظرية وضع الأهداف. تم عقد لقاء مع السائقين ووضع هدف محدد وصعب بصورة واضحة: الوصول بوزن الحمولة إلى 94% من الحد الأقصى المسموح به قانونياً. وتم التأكيد للسائقين أن هذا الهدف ليس أداة للتضييق عليهم أو تصيد أخطائهم، بل هو تحدٍ مهني مشترك لإثبات كفاءتهم الاحترافية.
أظهرت النتائج قفزة فورية ومذهلة في الأداء؛ ففي غضون أسابيع قليلة ارتفعت حمولة الشاحنات من 60% إلى أكثر من 90%، واستقرت عند الهدف المطلوب (94%) دون تقديم فلس واحد كحافز مالي جديد. حققت الشركة وفورات مالية هائلة قدرت بمئات الآلاف من الدولارات في تلك الحقبة (ما يعادل ملايين الدولارات اليوم). والأهم من ذلك من المنظور العلمي أن لاثام تابع جمع البيانات لعدة سنوات لاحقة، ليثبت استدامة التأثير الإيجابي وثبات النظرية على المدى الطويل، مؤكداً أن الدافعية المتولدة عن تحقيق الأهداف الواضحة والمغذية للتحدي الذاتي ليست مجرد ومضة عابرة بل سلوك تنظيمي مستدام.
5.2 تجارب تحسين الإنتاجية والسلامة المهنية لعمال قطع الأشجار
لم تتوقف أبحاث لاثام الميدانية عند أساطيل النقل، بل امتدت لتشمل عمال قطع الأشجار في الغابات الوعرة. تميزت بيئة عمل هؤلاء العمال بظروف طقس بالغة القسوة، وانعزال جغرافي تام، ومخاطر حوادث عمل قاتلة نتيجة استخدام المناشير الآلية الثقيلة والتعامل مع جذوع الأشجار العملاقة المتساقطة. كان العمال ينقسمون إلى فئات عمالية متفرقة غالباً ما تسود بينها عادات عمل عشوائية تتجاهل إرشادات الأمان وتفتقر للتخطيط المسبق.
طبق لاثام وزملاؤه برامج وضع الأهداف لتحقيق غايتين متكاملتين: زيادة الإنتاجية وتحسين معدلات السلامة المهنية في آن واحد. تم تدريب المشرفين الميدانيين على صياغة أهداف سلوكية محددة تتعلق بممارسات السلامة (مثل ارتداء المعدات الوقائية، وفحص زوايا سقوط الأشجار، والحفاظ على مسافات الأمان)، إلى جانب أهداف إنتاجية قابلة للتحقيق لفترات العمل اليومية والأسبوعية.
قارنت التجارب بين الأداء الفردي والأداء القائم على العمل الجماعي في فرق القطع. كشفت النتائج عن انخفاض حاد وملموس في معدلات الحوادث والإصابات المهنية في الفرق التي تبنت أهداف سلامة محددة، مترافقاً مع زيادة ثابتة في إنتاجية الخشب المقطوع. أثبتت هذه التجارب قدرة التدخلات النفسية المصممة بعناية على تحويل سلوك عمال الميدان من العمل العشوائي المحفوف بالمخاطر إلى سلوك منضبط وواعٍ يجمع بين الحفاظ على الأرواح وتحقيق الكفاءة التشغيلية العليا في أقسى البيئات الصناعية.
5.3 الدروس المستفادة للصناعة المعاصرة
خلفت الأبحاث الميدانية لغاري لاثام في قطاع الأخشاب حزمة من الدروس الاستراتيجية العابرة للزمن والقطاعات، والتي لا تزال تشكل قواعد ذهبية للصناعة المعاصرة:
- أهمية البساطة والوضوح في صياغة الأهداف: أثبت لاثام أن الأهداف المعقدة المحملة بالمصطلحات الإدارية النظرية تفشل في تحفيز العاملين الميدانيين (عمال الياقات الزرقاء). النجاح يتطلب ترجمة الاستراتيجيات إلى مقاييس عملية يومية واضحة ومفهومة لا تحتاج إلى تفسيرات معقدة.
- بناء بيئة خالية من التهديد الإداري: يفقد وضع الأهداف قيمته التحفيزية إذا تم استخدامه كأداة للعقاب أو المراقبة الترهيبية. يتطلب النجاح المستدام بناء بيئة يسودها الأمان النفسي؛ حيث ينظر إلى الهدف كفرصة للتفوق والنمو والاعتراف بالكفاءة، وليس كأداة لمحاسبة المقصرين.
- صياغة نموذج عملي قابل للتكرار في مختلف القطاعات: برهنت الدراسات على أن نفس المبادئ النفسية التي نجحت في الغابات يمكن تطبيقها بنجاح مذهل في خطوط التجميع بالمصانع، والمستشفيات، وشركات الطيران، وقطاعات البرمجيات؛ لأن الاحتياجات المعرفية الأساسية للدافعية البشرية عابرة للأنشطة المهنية.
- تأكيد القياس الموضوعي للنتائج قبل التدخل وبعده: شدد لاثام على أن الإدارة المستندة إلى الأدلة تقتضي تأسيس خطوط أساس مرجعية (Baselines) دقيقة قبل إطلاق أي مبادرة تحفيزية، تليها قياسات كمية متسلسلة لعزل المتغيرات الدخيلة وإثبات العائد الفعلي على الاستثمار للتدخلات السلوكية.
6. ابتكار المقابلات الموقفية (The Situational Interview)
6.1 أزمة المقابلات التقليدية في التوظيف قبل لاثام
قبل الثورة المنهجية التي قادها غاري لاثام في مطلع الثمانينيات، كانت مقابلات التوظيف الشخصية غير المهيكلة (Unstructured Interviews) تمثل نقطة الضعف الكبرى في إدارة الموارد البشرية. فقد كشفت مراجعات الأدبيات والدراسات التحليلية التلوية — ولا سيما الدراسات التي راجعت أبحاث الاختيار المهني — أن الصدق التنبؤي لمقابلات التوظيف التقليدية كان منخفضاً للغاية ويقترب في كثير من الأحيان من الصفر؛ مما يعني أنها لم تكن أكثر دقة من رمي العملة النقدية في التنبؤ بنجاح المرشحين المستقبلي في الوظيفة.
كانت تلك المقابلات تعاني من هيمنة مطلقة للتحيزات المعرفية والأحكام الذاتية للمقابلين؛ حيث كان يقع المقابلون فريسة لـ “تأثير الهالة” (Halo Effect)، وتأثير التشابه الديموغرافي أو الفكري مع المرشح، والاعتماد على الانطباعات الأولى التي تتشكل في الثواني الأولى من اللقاء. فضلاً عن ذلك، كانت الأسئلة تتسم بالعشوائية وعدم الاتساق بين مرشح وآخر، مما عرض المؤسسات لمشكلات قانونية وأخلاقية متزايدة بسبب غياب المعايير العادلة للاختيار والمفاضلة.
أمام هذا العجز المنهجي الصارخ، تعالت أصوات العديد من الباحثين للمطالبة بإلغاء المقابلات الشخصية كلياً من مسار التوظيف والاعتماد فقط على اختبارات القدرات العقلية العامة والمعرفة الوظيفية. لكن غاري لاثام تبنى موقفاً مغايراً؛ إذ أدرك أن المنظمات لن تتخلى أبداً عن اللقاء الإنساني المباشر مع المرشح، ورأى أن الحل لا يكمن في إلغاء المقابلة، بل في إعادة هندستها علمياً لتتحول من جلسة دردشة انطباعية إلى أداة قياس سيكومترية ذات صدق وموثوقية فائقة.
6.2 الأساس النظري: النوايا التنبؤية والسلوك المستقبلي
في عام 1980، نشر غاري لاثام بالتعاون مع ليسا ساري وإليوت تشيس وزملاء آخرين ورقتهم البحثية التاريخية التي أسست رسمياً لـ المقابلة الموقفية (The Situational Interview). استند لاثام في بنائه النظري إلى نظرية النوايا السلوكية (Behavioral Intentions) المستمدة من نموذج الفعل المعقول لعالمي النفس مارتن فيشباين وإيزيك أجزين، والتي تنص على أن نية الفرد الواعية للتصرف بطريقة معينة في سياق محدد هي أفضل متنبئ سلوكي مباشر بأفعاله الحقيقية في المستقبل عندما يواجه ذلك الموقف.
انطلاقاً من هذا المبدأ المعرفي، صاغ لاثام السؤال الموقفي الكلاسيكي عبر تقديم سيناريوهات واقعية تبدأ بـ: “ماذا ستفعل لو واجهت الموقف الفلاني؟”. لضمان أصالة الأسئلة وارتباطها المباشر بجوهر الوظيفة، اعتمد لاثام على تقنية الحوادث الحرجة (Critical Incident Technique) التي طورها جون فلاناغان؛ حيث يُطلب من الخبراء وشاغلي الوظيفة تحديد مواقف واقعية متكررة شكل فيها السلوك البشري فاصلاً حاسماً بين الأداء الاستثنائي والفشل الذريع.
لم يقتصر ابتكار لاثام على صياغة الأسئلة الموقفية، بل امتد ليشمل طريقة تقييم الإجابات؛ حيث رفض التقييمات العامة والدرجات الانطباعية، وابتكر مقاييس تصنيف متدرجة مرتكزة على السلوك (Behaviorally Anchored Rating Scales – BARS) لكل سؤال. يُمنح المقابلون دليلاً تصحيحياً يوضح نماذج محددة لإجابات ضعيفة (درجة 1)، ومتوسطة (درجة 3)، وممتازة (درجة 5) صيغت مسبقاً من قبل لجان الخبراء. وبذلك، أصبحت عملية تقييم إجابة المرشح معيارية وموضوعية تضاهي تصحيح الاختبارات القياسية المحكمة.
6.3 مقارنة المقابلات الموقفية بالمقابلات السلوكية السابقة للأداء
أشعل ابتكار المقابلات الموقفية نقاشاً علمياً واسعاً ومثمراً في حقل الموارد البشرية لعقود لاحقة، ولا سيما عند مقارنتها بنموذج “المقابلات السلوكية السابقة” (Patterned Behavior Description Interview – PBDI) التي طورها توم جانز (Tom Janz)، والتي تستند إلى الفرضية القائلة بأن “أفضل متنبئ بالسلوك المستقبلي هو السلوك الماضي الفعلي”، من خلال أسئلة تبدأ بـ: “أعطني مثالاً على موقف تصرفت فيه عندما…”.
أجرى لاثام وزملاؤه سلسلة واسعة من دراسات الصدق المقارن لكلا النموذجين. وأظهرت النتائج أن كلا النوعين يتفوقان بفارق شاسع على المقابلات التقليدية غير المهيكلة؛ إلا أن المقابلات الموقفية (المستقبلية الافتراضية) أثبتت تميزاً خاصاً وصدقاً تنبؤياً أعلى في تقييم المرشحين للوظائف المبتدئة والمتوسطة، أو المرشحين الذين تنقصهم الخبرة المباشرة في المجال لكنهم يمتلكون المعرفة والإدراك والقدرة على حل المشكلات الوظيفية بذكاء ونزاهة.
كما بينت الأبحاث قدرة المقابلة الموقفية المرتكزة على مقاييس التصحيح السلوكية على مقاومة محاولات التصنع والتزييف (Faking) من قبل المرشحين؛ فالإجابة الممتازة تتطلب استيعاباً معرفياً عميقاً للتصرف السليم في الموقف المعقد، وهو ما يصعب اصطناعه ارتجالياً. وبفضل هذا الإحكام السيكومتري والموضوعية العالية، تبنت الشركات العالمية والمنظمات الحكومية في شتى أنحاء العالم المقابلة الموقفية كمعيار ذهبي معتمد في أنظمة التوظيف والاختيار المهني، محققة أقصى درجات العدالة والامتثال القانوني.
7. مقاييس الملاحظة السلوكية (Behavioral Observation Scales – BOS)
7.1 تطوير مقاييس BOS كبديل للتقييمات الشخصية المبهمة
في مسار موازٍ لتطوير أدوات الاختيار، خاض غاري لاثام معركة منهجية طويلة ضد أنظمة تقييم الأداء التقليدية التي هيمنت على الشركات لعقود. كانت تلك الأنظمة تعتمد على “مقاييس السمات الشخصية” (Trait Rating Scales)، والتي يُطلب فيها من المشرفين تقييم صفات فضفاضة ومجردة لدى الموظف مثل: “الذكاء”، و”المبادرة”، و”الإخلاص”، و”الحماس”. أثبت لاثام، من خلال مؤلفاته الرائدة بالاشتراك مع كينيث ويكسلي (Kenneth Wexley)، أن هذه المقاييس تعاني من عيوب قاتلة؛ إذ تعبر عن انطباعات المشرف ومزاجه الشخصي أكثر من تعبيرها عن الأداء الحقيقي للموظف، مما جعلها عرضة للمحسوبية والتمييز والنزاعات القضائية.
كبديل جذري وعلمي لهذه المقاييس المبهمة، طور لاثام مقاييس الملاحظة السلوكية (Behavioral Observation Scales – BOS). ترتكز هذه الأداة على منهجية دقيقة تبدأ بالتحليل الوظيفي الشامل عبر جمع مئات الحوادث الحرجة من المديرين والموظفين في بيئة العمل المعنية، وتصنيف هذه الحوادث إلى أبعاد وظيفية أساسية ومحددة إجرائياً، ثم صياغة بنود سلوكية واضحة وملموسة تصف أفعالاً يمكن رؤيتها وقياسها بالعين المجردة.
يكمن الابتكار الجوهري في مقاييس BOS في أنها لا تطلب من المشرف “إطلاق حكم قيمي” على سلوك الموظف أو محاكمة نواياه، بل تطلب منه ببساطة قياس تكرار السلوك الملاحظ على مقياس مدرج (Likert-type scale) يتراوح عادة من (1: نادراً ما يفعل ذلك، 0-64% من الوقت) إلى (5: يفعل ذلك دائماً تقريباً، 95-100% من الوقت). هذا التحول من “التقييم التقديري الذاتي” إلى “العد والملاحظة السلوكية” أدى إلى تحسينات جوهرية غير مسبوقة في مستويات الثبات الإحصائي والاتساق بين المقيمين والصدق البنائي لتقييمات الأداء السنوية.
7.2 المقارنة المنهجية بين مقاييس BOS ومقاييس BARS
دخلت مقاييس BOS في منافسة أكاديمية وفنية شهيرة مع مقاييس التقدير المرتكزة سلوكياً (Behaviorally Anchored Rating Scales – BARS) التي كان قد طورها سميث وكيندال. ورغم أن كلا النظامين يرتكزان على الحوادث الحرجة، إلا أن لاثام أظهر عبر دراسات تجريبية مقارنة تفوقاً عملياً وسيكومترياً لمقاييس BOS من عدة زوايا جوهرية:
- سهولة الاستخدام والوضوح الإجرائي للمشرفين: تتطلب مقاييس BARS من المشرف مقارنة الأداء العام للموظف بعبارات وصفية مفردة قد لا تنطبق تفاصيلها الدقيقة بالكامل على حالة الموظف الواقعية، مما يسبب ارتباكاً تقييمياً. في المقابل، تقدم BOS قائمة مفصلة من السلوكيات المستقلة، ويقوم المقيم بتحديد وتيرة كل سلوك على حدة بيسر ووضوح تام.
- تقليل أخطاء القياس الشائعة: برهنت الأبحاث على أن التركيز على التكرار الملاحظ للسلوك في مقاييس BOS يقلل بشكل ملموس من أخطاء التحيز الشهيرة، مثل “خطأ التساهل” (Leniency Error)، و”خطأ التشدد” (Strictness Error)، و”النزعة المركزية” (Central Tendency)؛ إذ يجد المشرف نفسه مقيداً بوقائع سلوكية محددة يسهل مراجعتها ومواجهته بها بدلاً من الاعتماد على التخمين.
- القوة والصلابة القانونية: في حال نشوء نزاعات عمالية أو قضايا فصل وتمييز في المحاكم، أثبتت مقاييس BOS كفاءة قانونية استثنائية في إثبات عدالة التقييم؛ حيث تعتمد على بيانات سلوكية واقعية متجذرة في التحليل الوظيفي، وهو ما يتوافق تماماً مع إرشادات تكافؤ الفرص الوظيفية في الولايات المتحدة وكندا (EEOC Guidelines).
7.3 توظيف مقاييس الملاحظة السلوكية في التطوير والتدريب
لم يعتبر لاثام مقاييس BOS مجرد أداة إدارية لتحديد المكافآت أو اتخاذ قرارات الترقية والفصل، بل رأى فيها في المقام الأول أداة جبارة للتعلم والارتقاء بالأداء البشري. فمن خلال تفكيك الأداء العام إلى بنود سلوكية قابلة للملاحظة، توفر نتائج BOS تشخيصاً دقيقاً وموضوعياً لنقاط القوة والضعف، مما يتيح لمسؤولي التطوير التنظيمي تحديد الاحتياجات التدريبية الحقيقية بدقة جراحية بدلاً من البرامج التدريبية العامة غير المجدية.
تتجلى هذه القيمة التطويرية في تيسير جلسات التغذية الراجعة السنوية بين المشرف والمرؤوس؛ فبدلاً من أن تتحول الجلسة إلى مواجهة دفاعية متوترة يدعي فيها المشرف أن الموظف “ينقصه الحماس أو التعاون”، يتيح مقياس BOS للمشرف تقديم شواهد سلوكية محددة (مثل: “خلال الأشهر الستة الماضية، لوحظ أنك استمعت لمقترحات زملائك في اجتماعات الفريق في 40% فقط من الحالات، ونريد رفع هذه النسبة”). هذه الصياغة الموضوعية تزيل الطابع الشخصي عن النقد وتحوله إلى خطة تطوير إيجابية.
وعلاوة على ذلك، تعزز هذه المقاييس وعي الموظف بالمسار المطلوب للنجاح؛ إذ توفر بنود المقياس خارطة طريق سلوكية واضحة توضح السلوكيات المحددة التي تتوقعها المنظمة للوصول إلى أعلى درجات التميز الوظيفي، مما يربط مصفوفة السلوك الفردي بالأهداف الاستراتيجية الشاملة للمؤسسة بشكل عضوي ومتسق.
8. أبحاث الأهداف اللاواعية والإشراط الضمني (Subconscious Goals)
8.1 التحول نحو استكشاف العمليات العقلية غير الواعية في العمل
في أواخر مسيرته العلمية ومطلع القرن الحادي والعشرين، أحدث غاري لاثام نقلة نوعية وجريئة في مساره البحثي فاجأت العديد من الأوساط الأكاديمية. فبعد عقود من ترسيخ نظرية وضع الأهداف كنموذج يرتكز حصرياً على الأهداف الواعية والنية الصريحة والقرارات المنطقية المحسوبة، قرر لاثام فتح آفاق جديدة عبر التساؤل: هل يمكن للعمليات العقلية غير الواعية والتمثيلات الذهنية الخفية أن تؤثر في أداء الموظف وتحفز سلوكه في بيئة العمل بنفس القوة التي تفعلها الأهداف الواعية؟
انطلق لاثام في هذه الرحلة الاستكشافية بالتعاون مع كبار علماء النفس المعرفي والاجتماعي، وعلى رأسهم جون بارغ (John Bargh)، رائد أبحاث التوجيه الضمني والإشراط الإدراكي (Priming). مثل هذا التوجه تحدياً إبستمولوجياً كبيراً؛ إذ شكك العديد من الباحثين التقليديين في إمكانية تطبيق تجارب الإشراط الضمني — التي كانت تجرى في ظروف مختبرية دقيقة على مهام إدراكية بسيطة — على بيئات العمل المؤسسية المعقدة المليئة بالمشتتات والضغوط الواقعية.
صمم لاثام أبحاثاً ميدانية فريدة من نوعها تسعى لاختبار أثر المثيرات الحسية واللفظية غير الواعية في توجيه سلوك الموظفين نحو أهداف معينة دون أن يكونوا مدركين للرابط بين المثير وسلوكهم المباشر. لم يكن الهدف استبدال النظرية الواعية، بل استكشاف التكامل الخفي بين العمليات العقلية الواعية واللاواعية في تشكيل الدافعية البشرية ودفع حدود الأداء إلى مستويات غير مسبوقة.
8.2 تجارب التوجيه البصري والمكتوب وتأثيرها على الإنتاجية
تجسد التطبيق العملي الأبرز لهذا الاتجاه في الدراسة الشهيرة التي أجراها غاري لاثام وزميله ريتشارد بيكولو (Latham & Piccolo, 2012) على مراكز الاتصال المتخصصة في جمع التبرعات المالية لصالح إحدى الجامعات الكبرى. تم تصميم التجربة الميدانية عبر توزيع موظفي جمع التبرعات عشوائياً إلى مجموعات تجريبية ومجموعة ضابطة مع الاحتفاظ بنفس المهام وبيئة العمل والتعليمات الرسمية.
في إحدى التجارب، تم تزويد المجموعة التجريبية بورقة تعليمات عادية للاتصال طُبع في خلفيتها صورة باهتة لمتسابق يفوز في سباق جري عبر خط النهاية (وهو مثير بصري ضمني يرمز للنجاح والإنجاز والتفوق)، بينما تلقت المجموعة الضابطة نفس التعليمات على ورقة بيضاء عادية تماماً دون أي صورة. لم يتم لفت انتباه الموظفين إلى الصورة إطلاقاً ولم يُطلب منهم التفكير فيها.
أظهرت النتائج الإحصائية فوارق مذهلة؛ إذ استطاع الموظفون الذين تعرضوا للمثير الضمني (صورة المتسابق) جمع تبرعات مالية تفوق ما جمعته المجموعة الضابطة بأكثر من الضعف في نوبة العمل ذاتها، وأجروا مكالمات أكثر مثابرة وإصراراً دون أن يدركوا سبب تفوقهم أو يلاحظوا أي إجهاد ذهني إضافي. وفي تجارب لاحقة، استخدم لاثام كلمات محفزة مدرجة بذكاء في البريد الإلكتروني والتعليمات التشغيلية، مبرهناً على أن الأثر الضمني ينشط تمثيلات ذهنية لاواعية للهدف تتآزر مع الأهداف الواعية لترقية الإنتاجية الإجمالية بكفاءة وسلاسة.
8.3 الأبعاد الأخلاقية والتنظيمية للتأثير اللاشعوري
أثارت هذه النتائج الاستثنائية عاصفة من النقاشات الأخلاقية والتنظيمية حول حدود التدخل النفسي في بيئات العمل. وتركزت المخاوف على احتمالية استخدام الإدارات للمثيرات الضمنية كأداة سرية لـ “التلاعب النفسي” بالموظفين ودفعهم لبذل جهود تفوق طاقتهم دون موافقتهم الواعية أو علمهم المباشر، مما قد يفتح الباب لانتهاك الخصوصية العقلية واستغلال العاملين.
تصدى لاثام لهذه المخاوف بصرامة وشفافية، مقدماً دفاعاً علمياً وأخلاقياً متكاملاً. أكد لاثام أن الإشراط الضمني والأهداف اللاواعية لا يمكن أن تجبر فرداً على التصرف ضد قيمه الأخلاقية أو رغباته الأساسية، وأنها لا تخلق كفاءة من العدم؛ فالإشراط الضمني يكون فعالاً فقط عندما يمتلك الفرد المهارات الأساسية وتكون أهداف المنظمة متوافقة مع مصلحته ورفاهيته المهنية. واشترط لاثام ضرورة الإفصاح المؤسسي وتبني مواثيق شرف تنظيمية تحكم استخدام هذه الأدوات لخدمة بيئة العمل الإيجابية والصحة المهنية وليس الاستنزاف الإنتاجي.
كما بينت أبحاثه اللاحقة الحدود الفاصلة للإشراط الضمني؛ فالأهداف اللاواعية سريعة الزوال إذا لم تُدعم بتعزيزات بيئية وأهداف واعية متسقة. وتفتح هذه الاكتشافات اليوم آفاقاً جديدة في تصميم بيئات العمل الرقمية ومنصات الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن لتصميم الواجهات الافتراضية واختيار المثيرات التفاعلية أن يسهم في تقليل التوتر وتوجيه التركيز المهني نحو الغايات السامية برفق ودون إكراه.
9. أهداف التعلم مقابل أهداف الأداء وتطوير القيادة
9.1 التمييز المعرفي بين أهداف التعلم وأهداف الأداء
في إطار المراجعة الشاملة لنظرية وضع الأهداف وتكييفها مع متطلبات الاقتصاد المعرفي المعقد، طور غاري لاثام بالتعاون مع زملائه تمييزاً جوهرياً بين نمطين متباينين من الأهداف، مستلهماً في ذلك أعمال عالمة النفس كارول دويك (Carol Dweck):
- أهداف الأداء (Performance Goals): تركز على المخرجات النهائية المحددة بدقة والنتائج الكمية القابلة للقياس (مثل: “تحقيق مبيعات بقيمة 100 ألف دولار هذا الشهر”، أو “إنجاز 50 معاملة في الساعة”). تفترض هذه الأهداف أن الفرد يمتلك بالفعل المعرفة والمهارة والاستراتيجيات الضرورية لإنجاز المهمة، وأن كل ما يحتاجه هو شحذ الهمة وتكثيف الجهد وتوجيه الانتباه.
- أهداف التعلم (Learning Goals): تركز على اكتساب المعرفة، واستكشاف الاستراتيجيات البديلة، وتطوير المهارات والكفاءات الفكرية اللازمة لإتقان المهمة (مثل: “تحديد واختبار خمس استراتيجيات تسويقية جديدة للوصول إلى شرائح عملاء غير تقليدية هذا الربع”). لا يُحاسب الفرد هنا على حجم المبيعات الفوري، بل على عمق وجودة الاستراتيجيات التي استكشفها وأتقنها.
كشفت أبحاث لاثام عن مفارقة تجريبية بالغة الأهمية: متى تفشل أهداف الأداء الصعبة؟ أثبتت الدراسات أن فرض هدف أداء صعب ومحدد في مهام جديدة وشديدة التعقيد يؤدي إلى نتائج عكسية كارثية وتدهور حاد في الأداء. والسبب السيكولوجي وراء ذلك هو أن هدف الأداء الصعب يولد “قلقاً تقييمياً” ويستنزف سعة الذاكرة العاملة (Working Memory) للفرد في التفكير في النتيجة والخوف من الفشل، مما يحرمه من الموارد المعرفية الضرورية لاستكشاف أساليب حل المشكلات والتعلم.
في المقابل، فإن تحديد “أهداف تعلم صعبة ومحددة” في تلك البيئات المعقدة والمشاريع الابتكارية يحرر العقل من ضغط النتيجة الفورية، ويوجه الانتباه نحو بناء المعرفة وتجربة الفرضيات، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تفوق استثنائي ومستدام في الأداء النهائي يتجاوز بكثير ما تحققه أهداف الأداء التقليدية.
9.2 أدوار القادة في إدارة أنظمة الأهداف التنظيمية
أفرد غاري لاثام مساحة واسعة من أبحاثه لدراسة التفاعل الحاسم بين القيادة وأنظمة الأهداف؛ مؤكداً أن أكثر النظم النظرية كفاءة تفشل حتماً إذا افتقرت إلى قيادة واعية تمتلك المهارات الإنسانية والتنظيمية لتطبيقها. ورأى أن القائد ليس مجرد مراقب حسابات يوزع الأرقام والواجبات، بل هو مهندس نفسي يحدد الإطار المعرفي لبيئة العمل.
أبرزت دراسات لاثام الدور المحوري لـ القيادة التحويلية (Transformational Leadership) في إلهام التابعين لتبني أهداف طموحة وربطها برؤية المنظمة ورسالتها الأخلاقية. فالقائد الحقيقي يرفع من مستوى الكفاءة الذاتية لمرؤوسيه عبر الإقناع اللفظي، وتقديم القدوة السلوكية، وإظهار الثقة المطلقة في قدراتهم، مما يجعلهم يقبلون عن طيب خاطر الأهداف الصعبة الممتدة التي كانوا يخشونها سابقاً.
كما ركز لاثام على ضرورة إخضاع المديرين لبرامج تدريبية متخصصة لتعليمهم كيفية صياغة الأهداف التشاركية بمهارة، وتجنب الأخطاء الإدارية الشائعة مثل فرض أهداف تعجيزية تكسر الروح المعنوية، أو التناقض بين الأهداف المعلنة ونظم المكافآت. وشدد على دور القائد في ترسيخ “الأمان النفسي” داخل الفريق؛ بحيث يُنظر إلى الأخطاء والمحن كفرص لا غنى عنها للتعلم والتطوير وليس كجرائم تستوجب العقاب والتوبيخ.
9.3 تطوير برامج التدريب والتطوير الوظيفي المبنية على الأهداف
انعكست أفكار لاثام بشكل عميق على تصميم حقائب التدريب والتطوير في الشركات الكبرى. فقد انتقد البرامج التدريبية التقليدية التي تقيس نجاحها بمجرد “ساعات الحضور” أو ردود أفعال المشاركين السطحية عقب انتهاء الدورة، مشيراً إلى أن ما يزيد عن 80% من المعارف المكتسبة في التدريب التقليدي تتبخر ولا تجد طريقها للتطبيق في بيئة العمل الواقعية، وهي الظاهرة المعروفة بضعف “نقل أثر التدريب” (Transfer of Training).
لمعالجة هذا الهدر، صمم لاثام — مستعيناً بنماذج التنظيم الذاتي ومنع الانتكاسة السلوكية التي استعارها من روبرت ماركس وطورها — برامج تدريبية ترتكز في كل مراحلها على وضع الأهداف ومراقبة الذات. يتم تدريب المتدربين على وضع أهداف محددة لتطبيق المهارات الجديدة في مكاتبهم، وتوقع العقبات البيئية التي ستواجههم، وتطوير استراتيجيات استباقية للتعامل مع الإحباط والمقاومة الإدارية.
أثبتت القياسات الميدانية الصارمة التي أجراها لاثام أن البرامج التدريبية المرتكزة على هذه المبادئ تحقق أعلى معدلات العائد على الاستثمار (ROI)؛ حيث يلتزم المتدربون بممارسة السلوكيات الجديدة باستمرار، ويراقبون تقدمهم الشخصي عبر التغذية الراجعة المستمرة، مما يضمن تحول المهارات المكتسبة إلى عادات مهنية راسخة تدعم استراتيجية المنظمة على المدى البعيد.
10. الإسهامات الأكاديمية والقيادة المؤسسية في كندا والولايات المتحدة
10.1 النشاط الأكاديمي في كلية روتمان للإدارة بجامعة تورنتو
شهدت المسيرة الأكاديمية لغاري لاثام محطة استثنائية من النضج والتأثير العالمي عندما التحق بكلية روتمان للإدارة (Rotman School of Management) المرموقة في جامعة تورنتو (University of Toronto) بكندا. هناك شغل كرسي أبحاث السكرتير العام المرموق في الفاعلية التنظيمية (Secretary of State Professor of Organizational Effectiveness)، وهو المنصب الذي مكنه من قيادة دفة البحث العلمي في السلوك التنظيمي لعقود متصلة.
كرس لاثام جهوده في جامعة تورنتو لبناء مدرسة بحثية رصينة؛ حيث أشرف على توجيه وتدريب أجيال متعاقبة من طلبة الدكتوراه والباحثين الذين أصبحوا بدورهم أساتذة بارزين وقادة فكر في كبرى الجامعات والمؤسسات حول العالم. تميز أسلوبه الإشرافي بغرس روح “العالم-الممارس” في تلاميذه، وتحديهم المستمر للنزول إلى المصانع والمؤسسات والبحث عن الحقيقة في البيانات الواقعية الصارمة.
ساهم لاثام بفاعلية مشهودة في تطوير برامج ماجستير إدارة الأعمال التنفيذية (EMBA) وبرامج تعليم القيادة في كلية روتمان؛ حيث نجح في دمج العلوم السلوكية التجريبية ضمن صلب الفكر الاستراتيجي للأعمال. وبفضل نشاطه البحثي والتدريسي الدؤوب، عزز مكانة كندا كمركز عالمي رئيسي لأبحاث علم النفس الصناعي والتنظيمي المتقدم، جاعلاً من جامعة تورنتو مقصداً للباحثين والمديرين الراغبين في الاستفادة من قوة العلوم النفسية لتحقيق التفوق المؤسسي.
10.2 رئاسة الجمعيات العلمية الكبرى وتوجيه مسار التخصص
حظي غاري لاثام بثقة منقطعة النظير من المجتمع الأكاديمي والمهني الدولي، وهو ما انعكس في انتخابه لقيادة كبرى الجمعيات العلمية المعنية بالسلوك البشري وإدارة الأعمال. ومن بين هذه المحطات القيادية الفارقة:
- رئاسة جمعية علم النفس الصناعي والتنظيمي (SIOP): قاد لاثام القسم 14 من الجمعية الأمريكية لعلم النفس، وهو الكيان المهني الأكبر عالمياً في هذا التخصص. وخلال فترة رئاسته، عمل على تعزيز الشراكة بين المؤسسات الأكاديمية وقطاع الأعمال، ودافع بقوة عن تحديث معايير اعتماد برامج الدراسات العليا وتوسيع آفاق الأبحاث التطبيقية.
- رئاسة الجمعية النفسية الكندية (CPA): انتُخب لاثام رئيساً لأعلى هيئة نفسية في كندا؛ حيث قاد جهوداً تاريخية لتوحيد الرؤى بين علماء النفس التجريبيين، والإكلينيكيين، والتنظيميين، والدفاع عن تمويل البحوث النفسية لدى الحكومة الفيدرالية الكندية.
- عضويات الزمالة الشرفية المرموقة: نال لاثام زمالة الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA)، وزمالة جمعية العلوم النفسية (APS)، والزمالة الفخرية لـ الجمعية الملكية الكندية (Royal Society of Canada)، وهي أرفع درجات التقدير الأكاديمي التي تُمنح للعلماء الذين قدموا مساهمات فكرية غيرت معالم مجالاتهم المعرفية.
- تطوير المعايير الأخلاقية والممارسات المهنية: لعب دوراً رائداً في صياغة الأدلة التوجيهية لممارسات التوظيف العادلة، وتقييم الأداء، وحماية حقوق المبحوثين والعاملين في التجارب الميدانية التنظيمية على المستوى الدولي.
10.3 الجوائز التقديرية والتكريمات الدولية
حصد غاري لاثام طوال مسيرته الحافلة قائمة طويلة من الجوائز الدولية والأوسمة التقديرية الرفيعة التي عكست حجم تأثيره في مجتمعات العلوم والاقتصاد. ومن أبرز هذه التكريمات حصوله على “جائزة الإسهام العلمي المتميز” (Distinguished Scientific Contributions Award) من جمعية علم النفس الصناعي والتنظيمي (SIOP)، وهي أعلى تكريم يُمنح لعالم عن أبحاثه النظرية والتجريبية التي شكلت أساس التخصص.
كما تم تكريمه بجائزة “ميشيل لوست للبحث التطبيقي المتميز” (Michael R. Losey Award) من جمعية إدارة الموارد البشرية العالمية (SHRM)، تقديراً لدراساته الميدانية الرائدة وأدواته السيكومترية التي أحدثت ثورة إيجابية في الممارسات التشغيلية لآلاف المؤسسات في العالم، محققة عوائد اقتصادية ضخمة وبيئات عمل أكثر إنسانية وعدالة.
أدرجت مؤلفاته وأوراقه البحثية — التي تجاوزت مئات الدراسات وعشرات الكتب المرجعية — ضمن المراجع الإلزامية التي تدرس في برامج الدكتوراه والماجستير في جامعات أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا. وظلت أبحاثه تحظى بتقدير استثنائي من الاتحادات الصناعية ونقابات العمل التي رأت في عمله دليلاً ناصعاً على أن تحسين الإنتاجية لا يتعارض مع كرامة العامل ورفاهيته بل يتكامل معها بصورة مطلقة.
11. المناقشات النقدية والجدل العلمي حول نماذج لاثام النظرية
11.1 الجانب المظلم للأهداف (The Dark Side of Goal Setting)
على الرغم من النجاح الأكاديمي والتطبيقي الساحق لنظرية وضع الأهداف، إلا أنها لم تسلم من الانتقادات العلمية الحادة والمناقشات السجالية المثيرة. وبلغت هذه المعارك النقدية ذروتها في عام 2009 عندما نشر فريق من باحثي كلية هارفارد للأعمال وكلية وارتون وجامعات أخرى — وهم ليزا أوردونيز، وموريس شفايتزر، وآدم غالينسكي، وماكس بازرمان — ورقة بحثية استفزازية حظيت باهتمام إعلامي وأكاديمي واسع بعنوان: “Goals Gone Wild: The Systematic Side Effects of Overprescribing Goal Setting”.
حذرت هذه الورقة مما أسمته “الجانب المظلم للأهداف”؛ مجادلة بأن الاستخدام المفرط وغير المنضبط للأهداف الصعبة والمحددة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على المنظمات، من أبرزها:
- تشجيع السلوكيات غير الأخلاقية والاحتيال: عندما يوضع الموظف تحت وطأة هدف مالي أو إنتاجي صارم ومرتبط بمكافآت كبرى أو تهديد بالطرد، قد يلجأ إلى التلاعب بالبيانات أو خرق المعايير الأخلاقية والقانونية لتحقيق الرقم المطلوب بأي ثمن (كما حدث في فضائح شركات كبرى مثل إنرون وسيرز).
- ظاهرة “الرؤية النفقية” (Tunnel Vision): التركيز المفرط على مقياس رقمي محدد للهدف يدفع الأفراد إلى إهمال الجوانب الأخرى غير المشمولة بالهدف الصريح، مثل التعاون مع الزملاء، والابتكار التلقائي، ومساعدة العملاء، والسلوك الإيثاري داخل المنظمة.
- تثبيط التحفيز الداخلي وتآكل التعلم: قد تؤدي الأهداف الخارجية الصارمة إلى تحويل العمل إلى عبء مفروض يقيد المتعة الذاتية والإبداع الحر.
لم يتأخر رد إدوين لوك وغاري لاثام، حيث نشرا في العام ذاته في دورية Academy of Management Perspectives رداً علمياً مفصلاً ودقيقاً بعنوان: “Has Goal Setting Gone Wild? A Rejoinder”. فند لاثام ولوك حجج منتقديهما بصرامة؛ موضحين أن أصحاب ورقة “Goals Gone Wild” اعتمدوا على أمثلة سردية منتقاة ولم يجروا أبحاثاً تجريبية منهجية تفند مئات الدراسات الصارمة للنظرية.
وأكد لاثام أن نظريته حذرت دائماً — منذ كتاب 1990 — من هذه المخاطر، وأن أي دواء فعال وناجع يمتلك آثاراً جانبية إذا أسيء استخدامه بجرعات خاطئة. وشدد على أن وضع الأهداف ليس حلاً سحرياً يُطبق بمعزل عن القيم المؤسسية، بل يتطلب تصميماً دقيقاً، وإقراناً بأهداف أخلاقية، ونظم رقابة شفافة، واستخدام أهداف التعلم في المهام المعقدة لتجنب الوقوع في هذه المنزلقات السلوكية.
11.2 التحديات المنهجية وإمكانية تكرار النتائج في الثقافات غير الغربية
تمثل النقد المنهجي الآخر في التساؤل حول مدى عالمية وصلاحية نظرية وضع الأهداف وأدوات التقييم (مثل المقابلات الموقفية ومقاييس BOS) عند تطبيقها في ثقافات غير غربية تختلف في قيمها ومنظوماتها الاجتماعية عن الولايات المتحدة وكندا. هل تستجيب المجتمعات ذات الثقافة الجمعية (Collectivist Cultures) بنفس الطريقة التي تستجيب بها البيئات الفردية الرأسمالية؟
انخرط غاري لاثام في أبحاث مقارنة عبر الثقافات لاختبار هذه الفرضيات بالتعاون مع باحثين دوليين في دول مثل اليابان، والصين، ودول أمريكا اللاتينية. كشفت النتائج عن تفاصيل بالغة الأهمية تتعلق بالمتغيرات الثقافية التي رصدها غيرت هوفستيد (Geert Hofstede):
في المجتمعات ذات “مسافة السلطة العالية” (High Power Distance)، يفضل المرؤوسون تلقي الأهداف الموجهة والمحددة من قبل قياداتهم وينظرون إليها باحترام والتزام عميق، في حين قد يثير طلب المشاركة في وضع الأهداف ارتباكاً وشكاً في كفاءة القائد. أما في المجتمعات ذات “النزعة الجمعية العالية”، فقد برهن لاثام على أن وضع “أهداف جماعية لفرق العمل” (Team Goals) يكون أكثر فاعلية وقبولاً وتحفيزاً من التركيز الحصري على الأهداف الفردية التنافسية.
وعند تطبيق المقابلات الموقفية ومقاييس الملاحظة السلوكية عبر الحدود، أكد لاثام على ضرورة إجراء “إعادة مواءمة ثقافية” لبنود الحوادث الحرجة لتتناسب مع السياق القيمي لكل مجتمع دون التخلي عن الصرامة المنهجية للأداة. وخلصت هذه الأبحاث إلى أن الآليات المعرفية الجوهرية للدماغ البشري — المتمثلة في توجيه الانتباه وحشد الجهد والبحث عن الوضوح والتحدي — هي آليات نفسية عالمية ومشتركة بين بني البشر، لكن التعبير السلوكي عنها يتشكل ويتلون بحسب البوصلة الثقافية لكل مجتمع.
12. الإرث المعرفي لغاري لاثام ومستقبل علم النفس التنظيمي
12.1 تحول علم النفس التنظيمي بفضل إسهامات لاثام
يمثل الإرث المعرفي لغاري لاثام علامة فارقة غيرت مسار علم النفس الصناعي والتنظيمي إلى الأبد. فبفضله، تحول التخصص من الاعتماد على التخمينات الفلسفية والتجارب الانطباعية إلى تبني “الإدارة المستندة إلى الأدلة” (Evidence-Based Management) كمعيار أخلاقي وعلمي صارم لا غنى عنه في إدارة الرأسمال البشري للمنظمات الحديثة.
أرسى لاثام تقاليد البحث الميداني التجريبي المحكم؛ حيث برهن على أن النزول إلى الميدان لا يعني التضحية بالدقة الإحصائية والصدق المنهجي. وتعد أدواته التقييمية — سواء كانت المقابلات الموقفية أو مقاييس الملاحظة السلوكية — أساساً متيناً بُنيت عليه أحدث ممارسات استقطاب الكفاءات وتقييم الأداء في مختلف أنحاء العالم، ضامنة تكافؤ الفرص والعدالة الإجرائية لملايين العاملين.
علاوة على ذلك، تعد نظريته في وضع الأهداف الملهم المباشر والأساس النظري الأعمق لأشهر المدارس الإدارية المعاصرة التي تجتاح وادي السيليكون والشركات التقنية العالمية اليوم، وعلى رأسها نظام الأهداف والنتائج الرئيسية (Objectives and Key Results – OKRs) ونظم إدارة الأداء المرنة (Agile Performance Management). فالأفكار الجوهرية المتمثلة في وضوح الغاية، وتحدي المستحيل، والتغذية الراجعة المستمرة، ومواءمة أهداف الفرد مع أهداف المؤسسة، هي مفاهيم ولدت ونضجت وتطورت في مختبرات وأبحاث غاري لاثام وإدوين لوك.
12.2 تطبيقات أفكار لاثام في عصر العمل الرقمي والذكاء الاصطناعي
مع دخول العالم عصر الثورة الصناعية الرابعة وظهور أنماط العمل المرن عن بُعد واقتصاد المنصات الرقمية (Gig Economy)، لم تفقد أفكار لاثام بريقها، بل اكتسبت راهنية وأهمية مضاعفة. ففي بيئات العمل الافتراضية حيث يغيب الإشراف البصري المباشر للمديرين، يصبح التحديد الدقيق للأهداف — الواعية والضمنية، الفردية والجماعية — هو الرابط الأساسي الذي يضمن توجيه الطاقات ومنع التشتت والاحتراق النفسي للموظفين المنعزلين خلف شاشاتهم.
وفي مجال الذكاء الاصطناعي (AI)، تفتح مبادئ لاثام آفاقاً ثورية؛ حيث تُستخدم خوارزميات التعلم الآلي حالياً لتقديم “تغذية راجعة فورية ومخصصة” للموظفين في الوقت الفعلي أثناء أداء المهام المعقدة، محققة مبدأ التغذية الراجعة الذي طالما نادى به لاثام ولكن بكفاءة رقمية متناهية الصغر. كما يتم تكييف المقابلات الموقفية اليوم لتشغيل أنظمة التقييم الافتراضية والتوظيف المؤتمت المدعوم بالذكاء الاصطناعي، مسترشدة بمقاييس التصحيح المرتكزة على السلوك لتجنب التحيزات الخوارزمية وحماية عدالة الاختيار.
إن الدرس الأهم والمستمر الذي تقدمه مسيرة غاري لاثام الممتدة عبر أكثر من خمسين عاماً لعالم الأعمال المستقبلي هو أن التكنولوجيا المتقدمة والنماذج الاقتصادية تظل أدوات صامتة؛ وأن المحرك الحقيقي للإنتاجية والابتكار والإعمار هو الإنسان وروحه ودافعيته المعرفية. لقد أثبت لاثام أن الجمع بين الفهم العلمي الرصين للسلوك البشري واحترام كرامة العامل هو الطريق الوحيد لبناء منظمات مزدهرة وقادرة على البقاء في عالم دائم التغير.
خاتمة
تمثل السيرة العلمية والمهنية لغاري لاثام ملحمة فكرية وتطبيقية نادرة في العلوم السلوكية المعاصرة. لقد استطاع هذا العالم والممارس الاستثنائي، منذ مطلع شبابه في الغابات الوعرة وحتى مقاعد التدريس الرفيعة في جامعة تورنتو ورئاسة الجمعيات النفسية الدولية، أن يقدم دليلاً قاطعاً على قوة العلم في خدمة الإنسان والمجتمع. لم يكن لاثام مجرد مفكر صاغ النظريات، بل كان مصلحاً تنظيمياً أعاد كتابة قواعد التوظيف، والتحفيز، والتقييم، والقيادة، محولاً أماكن العمل من مساحات للصراع والغموض والتخمين إلى بيئات قائمة على الوضوح، والعدالة، والنمو المتبادل. إن إرثه المعرفي سيظل منارة تسترشد بها أجيال الباحثين وقادة المؤسسات الساعين نحو استثمار الطاقات البشرية بأقصى درجات الفاعلية والكرامة الإنسانية.
المراجع
- Latham, G. P., & Baldes, J. J. (1975). The “practical significance” of Locke’s theory of goal setting. Journal of Applied Psychology, 60(1), 122–124. https://doi.org/10.1037/h0076354
- Latham, G. P., Saari, L. M., Chase, P. C., & Latham, N. E. (1980). The situational interview. Journal of Applied Psychology, 65(4), 422–427. https://doi.org/10.1037/0021-9010.65.4.422
- Latham, G. P., & Wexley, K. N. (1981). Increasing productivity through performance appraisal. Addison-Wesley Publishing Company.
- Locke, E. A., & Latham, G. P. (1990). A theory of goal setting & task performance. Prentice-Hall, Inc.
- Locke, E. A., & Latham, G. P. (2002). Building a practically useful theory of goal setting and task motivation: A 35-year odyssey. American Psychologist, 57(9), 705–717. https://doi.org/10.1037/0003-066X.57.9.705
- Locke, E. A., & Latham, G. P. (2009). Has goal setting gone wild, or have its attackers lost their way? Academy of Management Perspectives, 23(1), 19–23. https://doi.org/10.5465/amp.2009.37008000
- Latham, G. P., & Piccolo, R. F. (2012). The effect of subconscious goal priming on performance in a work setting. Journal of Applied Psychology, 97(6), 1286–1295. https://doi.org/10.1037/a0029177
- Locke, E. A., & Latham, G. P. (Eds.). (2013). New developments in goal setting and task performance. Routledge. https://doi.org/10.4324/9780203082744
- Ordóñez, L. D., Schweitzer, M. E., Galinsky, A. D., & Bazerman, M. H. (2009). Goals gone wild: The systematic side effects of overprescribing goal setting. Academy of Management Perspectives, 23(1), 6–16. https://doi.org/10.5465/amp.2009.37007999
- Latham, G. P. (2012). Work motivation: History, theory, research, and practice (2nd ed.). SAGE Publications.