جورج رومانز – 1848 1894

جورج جون رومانز (George John Romanes)

  • 20 مايو 1848، كينغستون، أونتاريو، كندا – 1894
  • كندي-بريطاني
  • المدرسة التطورية / الداروينية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 8 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 8 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه
أستاذة علم النفس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • تأسيس علم النفس المقارن
  • صياغة مبدأ الاستمرارية العقلية بين الحيوان والإنسان
  • وضع شجرة التطور النفسي (جدول الارتقاء العقلي)
  • أطروحة الانتقاء الفيزيولوجي
  • أبحاث الجهاز العصبي للافقاريات
  • اعتماد المنهج القصصي في دراسة السلوك

السيرة

يمثل العصر الفيكتوري في تاريخ الفكر الإنساني مرحلة تحول معرفي كبرى؛ حيث اهتزت فيه أركان التصورات التقليدية حول الطبيعة والإنسان وأصل الكائنات الحية أمام عنفوان الاكتشافات البيولوجية والجيولوجية المتسارعة. وفي قلب هذه الثورة العلمية الشاملة، التي كان قطب رحاها تشارلز داروين وكتابه المفصلي «أصل الأنواع»، برزت شخصية العالم والباحث الموسوعي الكندي-البريطاني جورج جون رومانز (George John Romanes: 1848–1894). لم يكن رومانز مجرد تابع أو منافح تقليدي عن الرؤية التطورية، بل كان الوريث الروحي والفكري المباشر لداروين، والشخص الذي أخذ على عاتقه مهمة جسيمة: سد الثغرة الكبرى التي كادت تعصف بالنظرية التطورية برمتها، والمتمثلة في تفسير نشأة العقل والوعي والملكات النفسية العليا، وتوسيع مظلة الانتقاء الطبيعي لتشمل السلوك والوظائف العصبية والإدراكية في المملكة الحيوانية والبشرية على حد سواء.

لقد صاغ رومانز خلال مسيرته العلمية القصيرة والحافلة – إذ لم يمتد به العمر سوى لستة وأربعين عاماً – معالم فرع علمي كامل يُعرف اليوم بـ علم النفس المقارن (Comparative Psychology). ولم يكتفِ بالتنظير الفلسفي المجرد، بل جمع بين دقة الفسيولوجيا التجريبية المخبرية، ولا سيما في أبحاثه الرائدة حول الجهاز العصبي للافقاريات مثل قناديل البحر وشوكيات الجلد، وبين الرؤية الفلسفية والأخلاقية العميقة التي عكست الصراع التراجيدي بين صرامة العلم المادي المتصاعد وإيمانه الديني وتساؤلاته اللاهوتية المؤرقة. وبذلك، تشكل دراسة حياة رومانز ومؤلفاته مدخلاً استثنائياً لفهم المخاض العسير الذي ولدت منه العلوم السلوكية والعصبية الحديثة، وكيف استطاعت العقلية التطورية أن تعيد تشكيل مفاهيمنا حول الطبيعة الإنسانية والاتصال الوجودي بين الإنسان وعالم الأحياء.

يتناول هذا البحث الاستقصائي الموسع المسار الأكاديمي والفكري لجورج رومانز من جذوره التكوينية في كامبريدج، مروراً بعلاقته الاستثنائية بداروين وتأسيسه لعلم النفس المقارن وتأصيله لأطروحة «الانتقاء الفيزيولوجي»، وصولاً إلى أبحاثه الفسيولوجية المخبرية وأزماته الروحية والوجودية. كما يقف البحث على المنهجيات المعرفية التي اعتمدها، وخاصة «المنهج القصصي» وظاهرة التشبيه بالإنسان، وما أثارته من سجالات عاصفة مهّدت لظهور المدرسة السلوكية التجريبية وقانون تقتير مورغان، مقدماً قراءة نقدية متكاملة تبرز إرثه الباقي في علم النفس التطوري المعاصر والإيثولوجيا الإدراكية.

1. النشأة والخلفية الفكرية والتعليمية لجورج رومانز (1848–1870)

1.1 البيئة الأسرية والتكوين المبكر في كندا وإنجلترا

ولد جورج جون رومانز في العشرين من مايو عام 1848 في مدينة كينغستون بمقاطعة أونتاريو الكندية، لأسرة ميسورة تنتمي إلى النخبة المثقفة ذات الأصول الإسكتلندية العريقة. كان والده، القس الدكتور جورج رومانز، رجل دين ينتمي إلى الكنيسة المشيخية وأستاذاً للأدب الكلاسيكي والتاريخ في كلية كوينز في كينغستون، مما أضفى على البيئة المنزلية صبغة أكاديمية ودينية عميقة تركت أثرها البالغ في وجدان الطفل الصغير. لم تدم إقامة الأسرة في كندا طويلاً، إذ سرعان ما ورث الأب ثروة مالية طائلة مكنته من التفرغ لحياة البحث والاطلاع، فقررت الأسرة الهجرة والعودة نهائياً إلى إنجلترا والاستقرار في لندن عندما كان رومانز لم يتجاوز الثانية من عمره، مع قضاء فترات طويلة في الترحال بين المدن الأوروبية الكبرى.

تلقى رومانز في طفولته وصدر شبابه تعليماً غير نظامي اعتمد بالأساس على التدريس الخصوصي داخل المنزل والمطالعة الحرة في مكتبة والده الضخمة، دون الالتزام بصرامة المدارس الداخلية الفيكتورية التقليدية. وقد سمح له هذا التكوين المرن بتطوير فضول علمي جامح وافتتان مبكر بالتاريخ الطبيعي وجمع العينات الحية والجيولوجية، إلى جانب تذوقه العميق للشعر والموسيقى والأدب الكلاسيكي. غير أن غياب الانضباط المدرسي الصارم في مراحله المبكرة أورثه بعض الصعوبات في اللغات القديمة كاللاتينية واليونانية، وهو ما اضطره لاحقاً إلى تكثيف جهوده لتعويض تلك الفجوة ليتمكن من الالتحاق بالتعليم الجامعي المرموق في بريطانيا.

1.2 المرحلة الجامعية في جامعة كامبريدج والتخصص العلمي

في عام 1867، التحق جورج رومانز بكلية «غونفيل وكايوس» (Gonville and Caius College) في جامعة كامبريدج العريقة، وكان الهدف الأولي لعائلته ولرومانز نفسه هو دراسة اللاهوت تمهيداً للانخراط في السلك الكهنوتي اقتداءً بوالده. غير أن أروقة كامبريدج كانت في ذلك التوقيت تغلي بالتحولات الفكرية والعلمية الجارفة؛ إذ كانت العلوم الطبيعية تشهد نهضة مؤسسية كبرى بفضل استقطاب شخصيات أكاديمية فذة كانت تعيد صياغة المناهج البريطانية وفق أرقى المعايير التجريبية الألمانية.

كان المنعطف الحاسم في مسار رومانز الأكاديمي هو التقاؤه بعالم الفسيولوجيا البارز السير مايكل فوستر (Michael Foster)، مؤسس المدرسة البريطانية الحديثة في علم وظائف الأعضاء. وجد فوستر في رومانز طالباً يتمتع بذكاء حاد، وشغف تجريبي، وقدرة فائقة على الملاحظة الدقيقة، فحثه على التخلي عن دراسة اللاهوت والتركيز على العلوم الطبيعية. انغمس رومانز في دراسة التشريح المقارن، وعلم الحيوان، والفسيولوجيا المخبرية، وتخرج عام 1870 بمرتبة الشرف في العلوم الطبيعية (Natural Sciences Tripos)، ليبدأ فور تخرجه أولى تجاربه المعملية التي هدفت إلى فهم الآليات الحيوية الدقيقة لنبضات الحياة وحركات الكائنات البسيطة، متأثراً بالصرامة المنهجية التي غرسها فيه أستاذه فوستر.

1.3 المناخ الفكري السائد في العصر الفيكتوري وتأثير الداروينية

شهدت الحقبة التي نضج فيها رومانز فكرياً (ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر) ذروة المعارك السجالية حول كتاب تشارلز داروين «أصل الأنواع»، الذي صدر عام 1859 وقلب التصورات المعرفية الغربية رأساً على عقب. لم تعد القضية التطورية مجرد فرضية بيولوجية محصورة بين أروقة الجمعيات العلمية، بل تحولت إلى زلزال فلسفي واجتماعي هز البنى اللاهوتية المستقرة؛ حيث نُزعت فكرة التصميم الغائي الذكي المباشر من الطبيعة لصالح قوى مادية عمياء تتجلى في الانتقاء الطبيعي والصراع من أجل البقاء والتنازع الوجودي المستمر.

عاش رومانز هذا التوتر المعرفي والروحي بكل جوارحه؛ فمن جهة، كان تكوينه الأسري وثيق الارتباط بالإيمان المسيحي والمشاعر الدينية الرفيعة، ومن جهة أخرى، كان عقله العلمي التجريبي يرى في النظرية الداروينية التفسير الأكثر تماسكاً وتطابقاً مع حقائق الطبيعة والتشريح المقارن. دفع هذا التناقض الصارخ رومانز إلى البحث الدؤوب عن مقاربة توفيقية تسعى إلى فهم كيف يمكن للنظام المادي والنشوء والارتقاء أن يفسرا الظواهر العقلية والروحية، دون الوقوع في شباك العدمية المطلقة، وهي المعضلة الفلسفية التي شكلت المحرك الأساسي لكل كتاباته اللاحقة في البيولوجيا وعلم النفس واللاهوت.

2. العلاقة العلمية والمنهجية بين جورج رومانز وتشارلز داروين

2.1 اللقاء الأول وبداية التلمذة الفكرية

بدأت العلاقة الاستثنائية بين جورج رومانز وتشارلز داروين في ربيع عام 1874، حين أرسل رومانز – وكان حينها باحثاً شاباً في مطلع العشرينات من عمره – رسالة إلى داروين يعلق فيها بدقة على كتاب الأخير «تنوع الحيوانات والنباتات تحت التدجين»، مناقشاً فرضية داروين حول «التوالد الشامل» (Pangenesis) والتطبيقات الممكنة لنقل الصفات الوراثية وتطعيم النباتات كاختبار لتلك الفرضية. أثار الخطاب إعجاب داروين الشديد بفضل دقته العلمية ورؤيته الثاقبة، فدعاه على الفور لزيارته في منزله الشهير «داون هاوس» (Down House) في مقاطعة كِنت.

تحول ذلك اللقاء التأسيسي سريعاً من مجرد علاقة أستاذ بتلميذه إلى صداقة فكرية وثيقة وتبنٍّ أكاديمي كامل؛ إذ رأى داروين الكهل، الذي كان يعاني من وطأة المرض وتقدم السن وكثرة الخصوم، في رومانز الشاب المتحمس والموهوب الامتداد الطبيعي لمشروعه العلمي والوريث القادر على الدفاع عن التطور وحمل رايته في معاقل الأوساط الأكاديمية الصاعدة. توطدت الصلة بين الرجلين من خلال مئات الرسائل المتبادلة والزيارات المتكررة، ونشأت بينهما كيمياء فكرية وإنسانية جعلت داروين يمنح رومانز ثقة مطلقة لم يمنحها لأحد سواه من أقرانه الشبان كتوماس هنري هكسلي أو جون لوبوك.

2.2 تسليم مخطوطات داروين حول العقل إلى رومانز

تجلت ذروة ثقة داروين برومانز في خطوة تاريخية غير مسبوقة في تاريخ العلم الحديث؛ فبينما كان داروين يضع لمساته الأخيرة على دراساته حول الإنسان والسلوك، شعر بأن أجله قد يقصر عن معالجة مسألة التطور الإدراكي والعقلي بتفصيل كافٍ. وفي أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، قرر داروين أن يعهد إلى رومانز بكافة مخطوطاته وملاحظاته غير المنشورة المتعلقة بغرائز الحيوانات وتطور العقل البشري وأصل المشاعر النفسية، وهي الفصول التي حذفها داروين أو اختصرها في كتابه «أصل الإنسان» (1871).

كان تسليم هذه المخطوطات بمثابة وصية علمية صريحة وتكليف مباشر لرومانز بتولي قيادة هذا المبحث الجديد: تطبيق آليات الانتقاء الطبيعي على عالم الظواهر السلوكية والإدراكية. تعامل رومانز مع هذه الأمانة العلمية بقدسية فائقة؛ فقام بدراسة وتصنيف ملاحظات داروين، ودمجها برؤيته الخاصة وتجاربه الفسيولوجية، مما مهد السبيل لنشر مؤلفاته الكبرى الثلاثية حول التطور النفسي. وبذلك، تحول رومانز من مجرد تلميذ إلى المنظر الفعلي والمعماري الأول لمبحث علم النفس التطوري المقارن، مستنداً إلى الإرث الوثائقي المباشر لمؤسس النظرية التطورية نفسه.

2.3 الدفاع عن الداروينية والتصدي للمدارس المضادة

وقف جورج رومانز في خط الدفاع الأول لحماية الداروينية من الهجمات المزدوجة التي تعرضت لها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر؛ فمن جهة، واجه العلماء التقليديين الرافضين لفكرة التحول التطوري بالكلية، ومن جهة أخرى – وهو الأهم – خاض معارك فكرية ضارية ضد التيارات المغالية في الاختزالية الميكانيكية التي بدأت تتشكل داخل البيت التطوري نفسه، وخاصة تيار «الداروينية المحدثة» (Neo-Darwinism) بقيادة عالم الأحياء الألماني أوغست فايسمان (August Weismann) وألفرد راسل والاس (Alfred Russel Wallace).

دافع رومانز بشراسة عن «الداروينية المتعددة الآليات» كما صاغها داروين نفسه، رافضاً حصر التطور في الانتقاء الطبيعي الصارم بمعزل عن أي آليات أخرى مساعدة؛ حيث رأى أن الانتقاء الطبيعي عاجز بمفرده عن تفسير كافة التفرعات السلوكية والعقلية ونشأة الأنواع المتمايزة خصوبياً دون عوامل عازلة إضافية. وقد تصدى رومانز لتجريد الكائنات الحية من الفاعلية السلوكية الذاتية، مؤكداً أن التكيف العقلي والإدراكي يشكل قوة موجهة ومحركة للعملية التطورية برمتها، مبيناً أن استبعاد دراسة الظواهر العقلية هو بتر لجوهر الرؤية الداروينية الأصلية الشاملة للحياة.

3. تأسيس علم النفس المقارن: المفاهيم والأطر النظرية

3.1 تعريف علم النفس المقارن كفرع علمي مستقل

يُعزى إلى جورج رومانز الفضل الأكاديمي والتاريخي الأول في صياغة وترسيخ مصطلح علم النفس المقارن كحقل علمي قائم بذاته، متميز عن الملاحظات السردية الفلكلورية لطبائع الحيوان وعن الفلسفة الاستبطانية الكلاسيكية التي سادت جامعات أوروبا لقرون. رأى رومانز أن علم النفس لا يمكن أن يستقيم كعلم طبيعي دقيق ما لم يتحرر من المركزية البشرية المقيتة التي عزلت العقل الإنساني في برج عاجي وجعلت منه كينونة مفارقة لقوانين المادة والحياة البيولوجية.

حدد رومانز موضوع هذا العلم بدراسة العمليات العقلية والأنماط السلوكية عبر مختلف الكائنات في الشجرة التطورية، من خلال الربط المنهجي المحكم بين أبحاث الفسيولوجيا العصبية والتشريح المقارن من جهة، والتحليل الميداني للسلوك من جهة أخرى. كان الهدف الأسمى لعلم النفس المقارن بحسب رومانز هو: تفكيك البنية النفسية إلى مكوناتها الأولية البسيطة لدى الحيوانات الدنيا، لتتبع كيفية تراكمها وتعقدها تدريجياً عبر السلالات حتى بلغت ذروتها في الوعي البشري التجريدي، مما ينقل دراسة النفس من خانة الميتافيزيقا التأملية إلى رحاب البيولوجيا التطورية التجريبية.

3.2 مبدأ الاستمرارية العقلية بين الحيوان والإنسان

وضع رومانز في قلب مشروعه السيكولوجي فرضيته المركزية المستمدة من داروين، والمعروفة بمبدأ «الاستمرارية العقلية» (Mental Continuity). تفيد هذه الفرضية بأنه لا توجد قطيعة وجودية أو هوة أنطولوجية فاصلة بين عقل الإنسان وملكات الحيوانات الأخرى؛ فكل القدرات الذهنية التي يتباهى بها الإنسان – من حل المشكلات، والذاكرة التراكمية، واستخدام الأدوات، والتعاطف، وحتى بواكير الخيال والتجريد – توجد لها جذور وأصول بدائية ممهدة في سيكولوجيا الكائنات غير البشرية.

أكد رومانز بجرأة لا لبس فيها أن الفارق بين عقل الإنسان وعقل الحيوانات الأرقى (كالرئيسيات والكلبيات والطيور) هو «فارق في الدرجة وليس فارقاً في النوع» (a difference of degree, not of kind). فالغرائز والعواطف ليست مجرد ردود أفعال ميكانيكية عمياء تختلف كلياً عن العقل الإنساني الواعي، بل هي درجات متقدمة من التكيف العصبي والإدراكي تسبق العقل وتتداخل معه، ولا يمكن فهم التعقيد الإدراكي لدى البشر إلا بقراءة فصوله التمهيدية المكتوبة في سلوك الأنواع الأبسط على سلم النشوء والارتقاء.

3.3 شجرة التطور النفسي وخريطة الارتقاء العقلي

لتحويل مبدأ الاستمرارية العقلية إلى أداة تحليلية بصرية ونظرية ملموسة، ابتكر رومانز في مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر أول رسم تخطيطي منهجي في تاريخ العلم أطلق عليه اسم «شجرة التطور النفسي» (The Mental Tree) أو جدول الارتقاء العقلي. وضع رومانز في هذا المخطط سلم تدرج عمودي يربط بين المراحل التطورية للكائنات الحية على امتداد التاريخ الجيولوجي ومراحل النمو العقلي والنمائي لدى الجنين والطفل البشري (مستحضراً مبدأ التلخيص الهيكلي لهايكل: النشوء الفردي يلخص النشوء السلالي).

قسم رومانز المخطط إلى مستويات إدراكية تصاعدية دقيقة، بدءاً من أدنى درجات الحساسية العصبية الاستثارية لدى اللاسعات وشوكيات الجلد، مروراً بالقدرة على الإحساس اللمسي والألم واللذة، ثم تشكل الغرائز المعقدة والذاكرة الأولية لدى الحشرات والرخويات، وصولاً إلى ظهور الانفعالات المتقدمة كالخوف والغيرة والفرح والقدرة على الربط بين الأفكار لدى الطيور والثدييات، وانتهاءً بقمة الشجرة التي ينفرد بها الإنسان في التجريد اللغوي، والوعي الذاتي، والأخلاق المتعالية. مثّل هذا الجدول أول محاولة رائدة لخلق خريطة جينات سيكولوجية تربط الوظائف النفسية بمسار التطور العضوي البيولوجي العام.

4. قراءة تحليلية في كتاب ‘ذكاء الحيوان’ (1882)

4.1 منهجية جمع البيانات وسرد الأدلة السلوكية

يعد كتاب «ذكاء الحيوان» (Animal Intelligence) المنشور عام 1882 نقطة الانطلاق العملية لمشروع رومانز الثلاثي حول التطور النفسي. لقد سعى رومانز في هذا الكتاب الضخم إلى تأسيس ما يشبه «الموسوعة السلوكية» التي تجمع كل ما سُجل ورُصد من مظاهر الذكاء والتعلم وحل المشكلات لدى مختلف فئات المملكة الحيوانية، ليكون بمثابة المستودع الوثائقي التجريبي الذي يبني عليه نظرياته اللاحقة.

اعتمد رومانز في جمع مادته على ثلاثة مصادر رئيسية: أولاً، تجاربه ومشاهداته الشخصية المباشرة في المختبر وفي البرية؛ ثانياً، الملاحظات والمراسلات والمخطوطات التي تركها له تشارلز داروين؛ وثالثاً، شبكة واسعة من المراسلين والعلماء والهواة والمربين والصيادين المنتشرين عبر أرجاء الإمبراطورية البريطانية. ولتلافي الاتهام بالسذاجة وتصديق الخرافات الشعبية، وضع رومانز معايير انتقائية دقيقة لفلترة الروايات السلوكية، مؤكداً أنه لم يثبت في كتابه إلا الروايات التي صدرت عن مراقبين يتمتعون بمصداقية علمية مثبتة، أو تلك التي تكررت مشاهداتها بصورة مستقلة عبر عدة شهود، مصنفاً استجابات الكائنات تصنيفاً نسقياً من اللافقاريات (النمل، النحل، الرخويات) وصولاً إلى الطيور والثدييات الراقية.

4.2 التمييز الدقيق بين السلوك المنعكس والغريزة والذكاء

قدم رومانز في «ذكاء الحيوان» مساهمة تصنيفية أصيلة أسست لفرز السلوك في الأدبيات السيكولوجية؛ حيث أدرك أن الخلط بين المستويات الحركية يعيق بناء نظرية تطورية للعقل. ولذا، وضع خطوطاً فارقة حاسمة بين ثلاثة مفاهيم متداخلة: الفعل المنعكس (Reflex Action)، والغريزة (Instinct)، والذكاء الحقيقي (Intelligence):

  • الفعل المنعكس: استجابة فسيولوجية حركية آلية تحدث عبر شبكة عصبية محددة دون حاجة إلى أي تدخل إدراكي أو وعي ذاتي مسبق، كطرف العين أو انقباض العضلات الموضعي.
  • الغريزة: نمط سلوكي وراثي مركب، يؤديه الكائن لتحقيق غايات حيوية تكيفية محددة دون الحاجة إلى خبرة شخصية سابقة وبدون تعليم واعي للمقاصد النهائية، إلا أنها تمتاز بوجود قدر من الإحساس والوعي الجزئي المصاحب وتفتقر إلى المرونة التعديلية العالية في بيئتها الطبيعية.
  • الذكاء: القدرة النوعية للكائن الحي على تعديل سلوكه، والتعلم الفردي من الخبرة السابقة، والاستجابة للمواقف الجديدة غير المعتادة بطرق غير نمطية، مما يثبت حضور التقدير الذهني الواعي والقدرة على الاختيار بين بدائل سلوكية متعددة.

4.3 دراسة القدرات الإدراكية لدى الرئيسيات والحيوانات الأليفة

أفرد رومانز مساحات واسعة ومثيرة في الكتاب لتحليل السلوك التكيفي لدى الحيوانات الأكثر قرباً للإنسان تشريحياً وبيئياً، ولا سيما القردة والشمبانزي، إضافة إلى الكلاب والقطط والخيول؛ حيث خصص جزءاً كبيراً لتوثيق قدرة الكلاب الاستثنائية على فهم نوايا أصحابها، واستخدام الذاكرة المكانية المعقدة، والقدرة على التضحية، وإظهار مشاعر الولاء والغيرة والشعور بالذنب عند انتهاك القواعد المفروضة عليها داخل المنزل.

أما على صعيد الرئيسيات، فقد وثق رومانز حالات مذهلة لاستخدام الأدوات، كاستعانة الشمبانزي بالقضبان والعصي لجلب الطعام البعيد، وفتح الأقفال المعقدة، ومحاكاة حركات الإنسان وسلوكياته بإتقان دقيق. استنتج رومانز من هذه الوقائع أن الرئيسيات والحيوانات الأليفة لا تتصرف كآلات حية مبرمجة سلفاً كما زعم ديكارت وأتباعه الآليون، بل تتمتع ببنية نفسية وجدانية غنية تتضمن مشاعر مركبة كالعاطفة، والدعابة، والانتقام، والتعاطف، مما يجعلها تمتلك عتبات الإدراك الأولي التي تطور منها لاحقاً الوعي الإنساني المعقد.

5. كتاب ‘التطور العقلي لدى الحيوان’ (1883) وتأصيل الوعي

5.1 أصل الوعي والشعور في مسار التطور البيولوجي

في عام 1883، أصدر رومانز مؤلفه الفلسفي والنظري الأعمق «التطور العقلي لدى الحيوان» (Mental Evolution in Animals)، والذي تضمن كملحق استثنائي فصلاً كاملاً لداروين عن الغريزة لم يسبق نشره. لم يكن هدف رومانز في هذا الكتاب مجرد سرد الحكايات السلوكية كما فعل في سابقه، بل تقديم صياغة نظرية متماسكة لكيفية بزوغ «الوعي» (Consciousness) والشعور من قلب المادة العضوية غير الواعية عبر آليات النشوء والارتقاء.

طرح رومانز أن الوعي لم ينزل فجأة كمعجزة خارقة للطبيعة، بل نشأ تدريجياً كأداة تكيفية فسيولوجية حاسمة فرضتها ضرورة البقاء في بيئات متقلبة؛ فحين تعجز الأفعال المنعكسة والغرائز الجامدة عن التعامل مع متغيرات مفاجئة تتطلب اتخاذ قرارات سريعة وتوفيقاً بين إشارات حسية متضاربة، يظهر «الوعي» بوصفه آلية تنسيق مركزية تمكن الكائن من التمييز بين اللذة والألم، وربط المثيرات بالنتائج، وبالتالي التوجيه الأمثل للحركة نحو البقاء والابتعاد عن الهلاك.

5.2 تطور الغرائز وآليات نشوئها وتعديلها

خاض رومانز في هذا الكتاب عميقاً في مسألة أصل الغرائز ونشوئها، محاولاً المزاوجة بين الرؤية الداروينية الصارمة وفرضية جان-باتيست لامارك حول توارث الصفات المكتسبة، وهو مسار تبناه داروين نفسه في سنواته المتأخرة. صنف رومانز الغرائز إلى مسارين نشوئيين متكاملين أطلق عليهما:

  • الانتقاء الطبيعي المباشر (Primary Instincts): غرائز تولدت نتيجة التغيرات العشوائية الطفيفة في الجهاز العصبي التي منحت الكائن ميزة تنافسية، فحافظ عليها الانتقاء الطبيعي ورسخها وراثياً دون تدخل مسبق من الإرادة أو التعلم الذاتي.
  • العادات المكتسبة المتحولة (Secondary Instincts): وهي سلوكيات بدأت في الأصل كأفعال ذكية واعية تكيف بها الكائن الفرد مع بيئته عبر التعلم والتكرار الشديد، ومع مرور آلاف الأجيال والاستخدام المستمر، استقرت هذه العادات في المسارات الفسيولوجية العصبية وانتقلت وراثياً إلى النسل لتتحول في نهاية المطاف إلى غرائز تلقائية موروثة لا تتطلب جهداً ذهنياً.

5.3 الارتباط بين النشاط العصبي والعمليات النفسية البسيطة

استند رومانز إلى خبرته الميدانية في الفسيولوجيا ليقدم محاولة سباقة في سد الفجوة بين علوم الأعصاب التجريبية والظواهر السيكولوجية الاستبطانية. فقد أكد أن كل تغير في الحالة العقلية أو الشعورية يقابله بالضرورة تغير فسيولوجي كيميائي في النسيج العصبي؛ فالإحساس البسيط ليس سوى الترجمة النفسية الداخلية لاستثارة المسارات العصبية الحسية، في حين أن الرغبة والدافع هما الوجه الذاتي لتوتر الطاقة الفسيولوجية في المسارات الحركية.

بنى رومانز تصوره للتعلم على نظرية «الترابط السيكولوجي» (Associationism) مقترنة بالتنظيم العصبي، مفترضاً أن ترابط فكرتين أو إحساسين في الذهن يعكس نشوء أو تقوية مسار تشابكي عصبي مادي يربط بين مركزين حسيين في الجهاز العصبي للكائن. وبذلك استبق رومانز مفاهيم الليونة العصبية (Neural Plasticity) ونظريات التعلم العصبي التي صيغت بدقة في القرن العشرين، مقدماً رؤية مادية تكاملية تربط بين العصبية والوجدانية في بوتقة واحدة.

6. كتاب ‘التطور العقلي لدى الإنسان’ (1888) والانتقال الإدراكي

6.1 الارتقاء من المفاهيم الحسية إلى المفاهيم المجردة

توج جورج رومانز ثلاثيته السيكولوجية في عام 1888 بنشر كتابه الجريء «التطور العقلي لدى الإنسان: أصل الملكات الإدراكية» (Mental Evolution in Man: Origin of Human Faculty). كان الهدف الصريح لهذا العمل هو مواجهة الحصن الأخير لخصوم التطور: الإدراك الإنساني المتعالي والقدرة الفريدة على التفكير التجريدي والمنطقي. حاول رومانز في هذا الكتاب إثبات أن الملكات العقلية العليا لم تنشأ من عدم، بل تطورت خطوة بخطوة من مدركات حسية تشاركنا فيها الكائنات الأخرى.

ابتكر رومانز جهازاً مفاهيمياً دقيقاً لبيان هذا التدرج، فميز بين ثلاثة مستويات من الأفكار والمفاهيم:

  • المفاهيم البسيطة أو الحسية (Percepts): وهي الانطباعات الحسية المباشرة التي يختبرها الكائن، وتوجد لدى كل الحيوانات ذات الأجهزة العصبية الوظيفية.
  • المفاهيم المركبة المتلقاة (Recepts): وهي صور ذهنية تلقائية تتشكل نتيجة التكرار المستمر للانطباعات الحسية دون الحاجة إلى تسمية لفظية أو تجريد واعٍ (كالصورة الذهنية المشتركة لـ «الماء» أو «الخطر» لدى الكلب أو الشمبانزي)، وهي مرحلة وسيطة يشترك فيها الحيوان والإنسان.
  • المفاهيم الذهنية الخالصة (Concepts): وهي الأفكار المجردة الحقيقية التي تنفصل كلياً عن العيان الحسي (كالعدالة، والزمن، واللانهاية)، وتتطلب تفكيراً ذاتياً وتسمية لغوية رمزية، وهي العتبة التي اعترف رومانز بأنها تمثل التميز الإنساني الأرقى، لكنه أصر على أنها تولدت ونمت من رحم «المفاهيم المركبة» (Recepts) عبر واسطة اللغة.

6.2 أصل اللغة والتواصل الرمزي من منظور تطوري

أدرك رومانز أن اللغة هي المفتاح الجوهري الذي نقل الإنسان من دائرة «المفاهيم المركبة» المشتركة مع الحيوان إلى أفق «المفاهيم المجردة» المنفردة بالوعي البشري. ولم يرَ في اللغة هبة إعجازية فورية، بل نتاج مسار تطوري طويل بدأ بالإشارات الحركية وتعبيرات الوجه والأصوات الانفعالية التلقائية التي تستخدمها الطيور والثدييات للتواصل وتحذير أفراد جماعتها من الحيوانات المفترسة.

تتبع رومانز كيف تحولت الصرخات الصوتية الطبيعية تدريجياً عبر ملايين السنين إلى رموز صوتية اصطلاحية ذات دلالات متفق عليها داخل الجماعات الإنسانية المبكرة. وأكد أن ظهور اللغة لم يكن مجرد وسيلة جديدة للتعبير عن أفكار موجودة سلفاً، بل كان المحفز البيولوجي والاجتماعي الذي أعاد تشكيل الدماغ البشري وضاعف من كفاءة الذاكرة وخلق ما يُعرف بـ «الوعي التأملي» (Reflective Consciousness)؛ إذ سمحت التسمية اللفظية للعقل بأن يعامل أفكاره الخاصة كموضوعات للملاحظة والتفكير، مما جعل التجريد ممكناً.

6.3 نشأة الأخلاق والضمير والمشاعر الروحية

في الجزء الأكثر إثارة للجدل من دراسته للإنسان، تصدى رومانز لتفسير نشأة الأخلاق والضمير والمشاعر الروحية والدينية وفق المنهج التطوري؛ فرفض الرؤى اللاهوتية القائلة بوجود حس أخلاقي متعالٍ مزروع بصورة قبلية في النفس البشرية، وأكد بدلاً من ذلك أن الأخلاق تنحدر مباشرة من «الغرائز الاجتماعية» (Social Instincts) والتعاطف المشترك الذي يُلاحظ بجلاء لدى الحيوانات التي تعيش في قطعان وجماعات تعاونية كالنمل والذئاب والقردة.

بين رومانز أن الجماعات البشرية البدائية التي تحلت بغرائز التعاطف والتضحية والتعاون المتبادل كانت أكثر قدرة على البقاء ومواجهة تقلبات البيئة والأعداء من الجماعات الأنانية المفككة، مما جعل الانتقاء الطبيعي والانتقاء الثقافي يرسخان هذه السلوكيات. ومع تطور اللغة والوعي الذاتي، تحولت هذه المشاعر الغريزية التضامنية إلى مبادئ وقواعد سلوكية مقننة، ليولد منها «الشعور بالواجب» وما نطلق عليه «تأنيب الضمير»، الذي ليس في جوهره التطوري سوى الاحتكاك المؤلم بين رغبة الفرد الأنانية الآنية والنداء الاجتماعي الغريزي الراسخ للبقاء الجمعي.

7. المنهج القصصي والإسناد البشري (التشبيه بالإنسان): المنهج والانتقادات

7.1 طبيعة المنهج القصصي في أبحاث رومانز النفسية

ارتبط اسم جورج رومانز في تاريخ علم النفس المقارن بما عُرف بـ «المنهج القصصي» (The Anecdotal Method). وتمثل هذا الأسلوب في جمع القصص والمشاهدات الفردية التي دونها رحالة ومربون وعلماء حول سلوكيات غريبة أو استثنائية قامت بها حيواناتهم في مواقف محددة، ثم استخدام هذه الروايات كبيانات وأدلة إمبريقية لاستنتاج القدرات العقلية لتلك الكائنات وبناء التعميمات السيكولوجية عليها.

تعرض هذا المنهج لانتقادات عنيفة من مؤرخي العلم؛ إذ يعاني بطبيعته من عيوب بنيوية قاتلة، أبرزها: غياب الضبط التجريبي، واستحالة تكرار المشاهدة في ظروف معملية محكمة، وتأثر الرواة بمشاعر التحيز والمبالغة الإنسانية الطبيعية تجاه حيواناتهم الأليفة. وعلى الرغم من أن رومانز كان واعياً بهذه الإشكالية وسعى لوضع معايير تصفية صارمة، إلا أن ركونه إلى روايات غير مقننة أوقع كتاباته أحياناً في قبول حكايات تنطوي على مبالغات سيكولوجية واضحة، كقصص عن كلاب تنتحر كمداً أو طيور تدبر مؤامرات انتقامية معقدة ضد رفاقها.

7.2 ظاهرة الإسناد البشري (التجسيم الإدراكي) لدى رومانز

المأخذ الأعمق الذي وُجه لمنهج رومانز يتمثل في النزعة الإسقاطية أو «التشبيه بالإنسان» (Anthropomorphism)، وهي الميل الفطري لدى الباحث إلى تفسير الحركات السلوكية الصادرة عن الحيوانات بإسنادها إلى نفس العمليات العقلية والمشاعر التداولية الواعية التي يختبرها الإنسان عندما يقوم بسلوك مشابه. فإذا قام كلب بفتح بوابة الحديقة برفع المزلاج برأسه، مال رومانز إلى تفسير ذلك بأن الكلب «فهم مبدأ الرافعة الميكانيكية وتدبر طريقة عملها في ذهنه»، متجاهلاً إمكانية حدوث ذلك بمحض المحاولة والخطأ العشوائيين دون أدنى استبصار عقلي.

أدى هذا التجسيم الإدراكي إلى إضفاء تعقيد مبالغ فيه على عقول الحيوانات الدنيا والخلط المنهجي الجسيم بين الغايات الوظيفية للسلوك التكيفي والنيات النفسية الذاتية للكائن؛ حيث عجز المنهج في كثير من الأحيان عن التفرقة بين الاستجابة الغريزية التي نحتها الانتقاء الطبيعي عبر آلاف السنين لتظهر في صورة فعل غائي ذكي، وبين التخطيط العقلي المسبق النابع من إرادة الكائن ووعيه الفردي الحاضر في اللحظة والتو.

7.3 أثر المنهج في توجيه نقد المدارس السلوكية اللاحقة

على الرغم من القصور الواضح في المنهج القصصي والإسناد البشري لرومانز، إلا أن هذا القصور تحديداً كان هو الشرارة التي أطلقت الثورة المنهجية الكبرى في علم النفس في مطلع القرن العشرين؛ إذ تحول نقد أعمال رومانز إلى حجر الزاوية الذي بنى عليه رواد المدرسة السلوكية التجريبية قطيعتهم المعرفية مع الاستبطان والتأويلات الذهنية التخمينية.

فقد انتفض باحثون كبار مثل إدوارد ثورندايك (Edward Thorndike) وجون واطسون (John B. Watson) ضد منهج رومانز، وطالبوا بطرد «الحكايات الشعبية والتفسيرات الإسقاطية» من علم النفس، واستبدالها بالتجريب المختبري الصارم وتكميم النتائج في بيئات مغلقة يمكن التحكم في متغيراتها (مثل صناديق المتاهة والأقفاص المشروطة). غير أن الإنصاف التاريخي يقتضي الإقرار بأن كتابات رومانز القصصية كانت بمثابة «المسح الاستكشافي الأولي» الذي جمع المواد الخام وأثار التساؤلات الجوهرية التي لولاها لما وجد السلوكيون شيئاً ليختبروه أو يفندوه في مختبراتهم المجهزة.

8. نظرية ‘الانتقاء الفيزيولوجي’ ومساهماته في علم الأحياء التطوري

8.1 معضلة العقم التناسلي ونشأة الأنواع لدى داروين

لم تنحصر عبقرية رومانز في علم النفس والسلوك الحيواني، بل امتدت لتلامس صلب المعضلات البيولوجية التطورية التي تركتها نظرية «أصل الأنواع» دون إجابة شافية. كانت المعضلة الكبرى التي أرقت داروين نفسه واعتبرها خصوم التطور ثغرة لا يمكن ردمها هي: كيفية تشكل أنواع جديدة متمايزة جنسياً (Speciation) داخل نفس الرقعة الجغرافية دون وجود عوازل طبيعية كالجبال أو المحيطات تمنع التزاوج والتلاقح المختلط.

كانت المشكلة تكمن في ما عُرف بـ «أثر الامتزاج» (Swamping effect): فإذا ظهرت طفرة أو تباين تكيفي مفيد في فرد أو قلة من الأفراد داخل جماعة أحيائية مفتوحة، فإن التزاوج الحر مع الأفراد العاديين كفيل – بحسب النظريات الوراثية السائدة حينها – بـ «تذويب» هذه الصفة الناشئة وتلاشيها عبر الأجيال المتعاقبة قبل أن تتمكن من الترسخ والتحول إلى نوع جديد. كما أن الانتقاء الطبيعي يفسر بقاء الأصلح عبر تحسين أعضاء الكائن للتكيف مع البيئة، لكنه يعجز عن تفسير سبب حدوث «العقم المتبادل» (Cross-Infertility) بين الأنواع القريبة جداً التي لا تختلف في بنيتها العضوية سوى بفروق شكلية طفيفة لا أثر لها على صراع البقاء.

8.2 مفهوم الانعزال الفيزيولوجي كعامل تطوري مستقل

لمواجهة هذه المعضلة العويصة، قدم رومانز عام 1886 أمام الجمعية اللينيانية في لندن بحثه الثوري المعنون «الانتقاء الفيزيولوجي: تفسير لأصل الأنواع» (Physiological Selection: An Additional Suggestion on the Origin of Species). طرح رومانز في هذه الورقة فكرة رائدة تفيد بأن الانتقاء الطبيعي ليس الآلية الوحيدة المنفردة بنشأة الأنواع، بل يجب أن يقترن بآلية تكميلية موازية أطلق عليها «الانعزال الفيزيولوجي» (Physiological Isolation).

افترض رومانز أن التغيرات التطورية قد تصيب أحياناً الأجهزة التناسلية أو التوافق الكيميائي-الحيوي للأمشاج داخل مجموعة صغيرة من أفراد النوع الواحد دون أن تؤثر على سلامتهم البدنية أو تكيفهم مع بيئتهم. يؤدي هذا التغير إلى حدوث «عقم نسبي أو مطلق» إذا تزاوجت هذه المجموعة مع بقية أفراد المجتمع الأحيائي الأصلي، بينما تظل متمتعة بخصوبة تامة إذا تزاوج أفرادها فيما بينهم. يخلق هذا التغير «حاجزاً تناسلياً داخلياً» يمنع ذوبان الصفات المستجدة، ويعزل المجموعة وراثياً داخل نفس البيئة الجغرافية، مما يسمح لها بالتمايز المستقل حتى تصبح نوعاً بيولوجياً جديداً بالكامل، معتبراً أن «الانتقاء الطبيعي يولد التكيفات، أما الانتقاء الفيزيولوجي فيولد الأنواع».

8.3 الجدل العلمي الحاد مع ألفرد راسل والاس والمدافعين الجدد

أشعلت ورقة رومانز عاصفة هوجاء من السجالات الأكاديمية العنيفة في الصحف والمجلات العلمية الكبرى، وعلى رأسها دورية «نيتشر» (Nature)؛ حيث اعتبر المدافعون الصارمون عن الداروينية الأرثوذكسية، وعلى رأسهم المؤسس المشارك لنظرية التطور ألفرد راسل والاس، أطروحة رومانز هرطقة علمية ومحاولة مكشوفة لتقويض مركزية «الانتقاء الطبيعي» والتقليل من شأن إنجاز داروين الخالد.

رد والاس بحدة متناهية، متهماً رومانز بأنه يقترح آلية غير مثبتة تعتمد على الصدفة التناسلية المحضة، ومؤكداً أن الحواجز الجغرافية والانتقاء الطبيعي كافيان بمفردهما لتفسير نشأة كل الأنواع. دافع رومانز عن نفسه بضراوة في سجالات استمرت لسنوات حتى وفاته، وأصدر مؤلفه الضخم ذو الأجزاء الثلاثة «داروين وما بعد داروين» (Darwin and After Darwin) لتأصيل نظريته. وقد أثبت التاريخ الحديث للبيولوجيا التطورية بعد انبثاق علم الوراثة السكانية في القرن العشرين صحة نبوءة رومانز الجوهرية؛ إذ تشكل فكرته حول «العزل التناسلي» (Reproductive Isolation) اليوم الأساس المعرفي الصلب المعتمد في تعريف النوع البيولوجي وفق النموذج التركيبي الحديث لنشأة الأنواع التماثلية (Sympatric Speciation).

9. الأبحاث الفسيولوجية العصبية على قناديل البحر وشوكيات الجلد

9.1 التجارب المخبرية الرائدة على الجهاز العصبي لقناديل البحر

بعيداً عن المعارك النظرية حول علم النفس ونشأة الأنواع، كان لجورج رومانز وجه علمي آخر يتسم بالصرامة التجريبية المعملية البحتة؛ إذ أجرى في سبعينيات القرن التاسع عشر سلسلة أبحاث فسيولوجية باهرة ومؤسسة في علم الأعصاب المقارن، متخذاً من الكائنات البحرية الدنيا نموذجاً مخبرياً أصيلاً، وخاصة قناديل البحر (Medusae) وشقائق النعمان البحرية.

استغل رومانز إجازاته الصيفية في الساحل الإسكتلندي ليجري مئات التجارب التشريحية الدقيقة في مختبره الخاص المرتجل على شواطئ البحر؛ حيث قام بقطع واستئصال أجزاء مختلفة من المظلة الهلامية لقناديل البحر ومراقبة استجاباتها الحركية. وكان السؤال الفسيولوجي الملح حينها هو: كيف تستطيع هذه الكائنات البسيطة أن تسبح بحركات إيقاعية انقباضية منتظمة وتنسق حركتها الجماعية رغم غياب أي أثر لدماغ أو عقدة عصبية مركزية؟ تمكن رومانز عبر الاستئصال المنهجي للهوامش الطرفية المهدبة من إثبات أن المراكز المولدة للإيقاع تكمن في أعضاء حسية هامشية دقيقة، وأن النسيج العصبي ينتشر في شكل «شبكة عصبية موزعة» (Nerve Net) تمرر السيالات الكهربائية الحركية بالتساوي عبر سائر البدن الهلامي دون حاجة إلى مركز توجيه هرمي.

9.2 دراسات الحركة والتنسيق العصبي في شوكيات الجلد

وسع رومانز نطاق تجاربه الفسيولوجية لتشمل شعبة شوكيات الجلد (Echinodermata)، وخاصة نجوم البحر وقنافذ البحر. وقد كرس سنوات لدراسة استجابات هذه الكائنات المعقدة للمؤثرات الضوئية واللمسية والميكانيكية، باحثاً في الكيفية التي تنسق بها آلاف «الأقدام الأنبوبية» (Tube Feet) الدقيقة حركتها لتوجيه الكائن نحو مصادر الغذاء أو الهروب من المثيرات المؤذية.

أثبت رومانز من خلال تجارب القطع العصبي الفسيولوجي الدقيق أن التنسيق الحركي في شوكيات الجلد يعتمد على نظام تكاملي مذهل يجمع بين استقلالية الأذرع الفردية والارتباط التواصلي عبر الحلقة العصبية المحيطة بالفم. كشفت هذه الأبحاث لأول مرة في تاريخ الفسيولوجيا عن المبادئ الأساسية لنقل الإشارات العصبية والتثبيط العصبي والتوصيل التناغمي لدى الكائنات عديمة الرأس، مقدماً نموذجاً كلاسيكياً لا يزال يستشهد به حتى اليوم في فسيولوجيا الأعصاب المقارنة للأنظمة اللامركزية، ولخص هذه الاكتشافات الفذة في كتابه المرجعي الصادر عام 1885 بعنوان «الهلاميات ونجم البحر وقنافذ البحر: بحث في الأجهزة العصبية البدائية» (Jelly-fish, Star-fish and Sea-urchins: Being a Research on Primitive Nervous Systems).

9.3 الأهمية الفسيولوجية لانتخابه زميلاً في الجمعية الملكية (1879)

قوبلت أبحاث رومانز الفسيولوجية بترحيب أكاديمي عارم وإجماع نادر في الأوساط العلمية البريطانية التي كانت تتوجس من تنظيراته النفسية التطورية؛ إذ رأى كبار علماء الأحياء والطب في تجاربه الدقيقة نموذجاً فذاً للبحث الفسيولوجي الصارم القائم على التجربة القابلة للتكرار والقياس.

وتقديراً لأصالته العلمية واكتشافاته الثورية في فسيولوجيا اللافقاريات، انتُخب جورج رومانز زميلاً في الجمعية الملكية البريطانية (Fellow of the Royal Society – FRS) عام 1879، وهو لم يتجاوز الحادية والثلاثين من عمره، وهو شرف أكاديمي نادر لم يبلغه في تلك السن المبكرة إلا القلة من صفوة العلماء. ومما زاد من ترسيخ مكانته العلمية اختياره لإلقاء «محاضرات كرونيان» (Croonian Lectures) المرموقة أمام الجمعية الملكية في عامي 1876 و1881، مما رسخ أقدامه كعالم فسيولوجي تجريبي من الطراز الأول قبل أن يشيع صيته كفيلسوف للتطور النفسي.

10. الفلسفة والأبعاد الإيمانية واللاهوتية في حياة رومانز

10.1 الأزمة الفكرية ونشر كتاب ‘فحص صريح للإيمان الإلهي’ (1878)

خلف الواجهة العلمية اللامعة والأبحاث التجريبية الناجحة، كان جورج رومانز يخوض صراعاً داخلياً مريراً ومأساوياً تمزقت فيه روحه بين الإيمان المسيحي القلبي العميق الذي تربى عليه، واليقين العلمي المادي الجارف الذي فرضته عليه الداروينية والفسيولوجيا الميكانيكية. وصل هذا الصراع إلى ذروته التدميرية في منتصف السبعينيات من القرن التاسع عشر، حين وجد نفسه مضطراً بحكم منطقه العقلاني الصارم إلى إعلان موت فكرة الإله الشخصي والتصميم الغائي للكون.

أفرغ رومانز شحنته التشكيكية والألم الوجودي الذي اعتصره في كتاب مجهول المؤلف نشره عام 1878 تحت الاسم المستعار «فيزيكوس» (Physicus) بعنوان «فحص صريح للإيمان بالإله» (A Candid Examination of Theism). خلص رومانز في هذا الكتاب إلى نتيجة عدمية قاطعة تفيد بأن العقل المجرد وقوانين المادية الصارمة لا تدع مجالاً منطقياً لافتراض وجود خالق أو عناية إلهية واعية. وفي الخاتمة المؤلمة لهذا الكتاب، سطر رومانز واحدة من أكثر الفقرات التراجيدية شجوناً في تاريخ الأدب العلمي الفيكتوري، حيث اعترف بأن هدم إيمانه كلفه غرق كونه في ظلام دامس وبؤس لا متناهٍ، واصفاً خسارته للإيمان بأنها فقدانٌ لأعز ما كانت تأنس به الروح الإنسانية في وحشة الوجود.

10.2 فلسفة ‘الأحادية’ ونظرية الجوانب الثنائية للعقل والمادة

لم يستطع رومانز أن يتقبل السقوط في براثن المادية المبتذلة التي تنكر الوعي وتحوله إلى مجرد وهم فسيولوجي ثانوي (Epiphenomenon) لا حول له ولا قوة، كما لم يكن قادراً على العودة إلى المثالية الروحية المنفصلة عن العلم. وللخروج من هذا المأزق الفلسفي المعرفي، تبنى رومانز وطور في أواخر حياته مذهباً فلسفياً أطلق عليه اسم «الأحادية المحايدة» أو «نظرية الجوانب الثنائية» (Dual-Aspect Monism)، متأثراً بفلسفة باروخ سبينوزا وأفكار ويليام كينغدون كليفورد.

تنص هذه النظرية على أن الوجود يقوم على «جوهر وجودي واحد لا يتجزأ»، لكن هذا الجوهر يتجلى لنا عبر مظهرين أو وجهين مختلفين لا ينفصلان: مظهر موضوعي مادي يدركه العلم الخارجي في صورة نشاط عصبي وفسيولوجي ميكانيكي (الدماغ)، ومظهر ذاتي باطني يدركه الكائن داخلياً في صورة أفكار ومشاعر وإرادة واعية (العقل). وبذلك حطم رومانز الثنائية الديكارتية الصارمة، مؤكداً أن العقل ليس شبحاً يسكن الآلة ولا مجرد إفراز كيميائي لها، بل هو الوجه الداخلي الحي لنفس المادة الفيزيائية التي يتكون منها الكون، مما سمح له بالتوفيق المنطقي بين الحتمية الفسيولوجية والفاعلية النفسية للإنسان.

10.3 العودة إلى الإيمان وكتاب ‘تأملات في الدين’ المنشور بعد وفاته

في السنوات الأخيرة من حياته القصيرة، داهم جورج رومانز مرض عضال وشديد الوطأة تمثل في التصلب العصبي الوعائي الذي أدى إلى إصابته بنوبات شلل نصفي وفقدان تدريجي للبصر، مما حدا به للانتقال إلى مدينة أكسفورد للاستشفاء والهدوء. وفي ظل هذه المعاناة الجسدية القاسية ودنو شبح الموت، توطدت صلة رومانز الفكرية والروحية بأسقف أكسفورد اللاهوتي التحرري تشارلز غور (Charles Gore)، مما دفعه إلى إعادة النظر جذرياً في خلاصات كتابه القديم «فيزيكوس».

بدأ رومانز يدرك القصور المعرفي الكامن في الاعتماد الحصري على العقل الاستدلالي المنطقي الصرف لإدراك الحقائق الوجودية الكبرى، مؤكداً أن الحدس القلبي والخبرة الروحية الأخلاقية يمتلكان مشروعية إبستيمولوجية لا تقل عن الدليل العلمي الحسي. عاد رومانز تدريجياً وبوعي فلسفي ناضج إلى أحضان الإيمان المسيحي ونال سر التناول على فراش الموت قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة في 23 مايو 1894. وبعد وفاته، قام صديقه الأسقف غور بجمع وتنقيح مسوداته الفلسفية غير المكتملة ونشرها عام 1895 في كتاب حقق انتشاراً مدوياً بعنوان «تأملات في الدين» (Thoughts on Religion)، والذي شكل وثيقة تاريخية وإنسانية كبرى حول رحلة العالم المتأرجح بين صرامة الشك ونور اليقين.

11. التقييم النقدي لرواد علم النفس: رد فعل لويد مورغان ونشوء السلوكية

11.1 صياغة ‘قانون تقتير مورغان’ (Morgan’s Canon) كرد مباشر

لم تكد تنقضي سنوات قليلة على كتابات رومانز حتى بدأت الأوساط السيكولوجية تشهد مراجعة نقدية جذرية لأسسه المنهجية. وكان قائد هذه المراجعة التصحيحية هو تلميذه وصديقه عالم النفس والبيولوجيا البريطاني كونوي لويد مورغان (C. Lloyd Morgan)، الذي تأثر بمشروع رومانز التطوري لكنه فزع من المبالغات التجسيمية والنزعة القصصية التي شابت استنتاجاته السلوكية.

في عام 1894 – وهو العام نفسه الذي شهد وفاة رومانز – صاغ مورغان في كتابه «مقدمة في علم النفس المقارن» مبدأه الإبستيمولوجي الخالد المعروف حتى يومنا هذا باسم قانون تقتير مورغان (Morgan’s Canon)، والذي ينص على ما يلي: «لا ينبغي بأي حال من الأحوال تفسير أي فعل سلوكي حيواني بأنه نتاج ممارسة ملكة نفسية إدراكية عليا، إذا كان من الممكن تفسيره بدقة وتماسك بوصفه ناتجاً عن ممارسة ملكة نفسية تقع في مرتبة أدنى على سلم التطور النفسي». كان هذا القانون بمثابة مبضع جراحي حاد استهدف مباشرة أسلوب رومانز في إسقاط التعقل والتخطيط الإنساني على تصرفات الحيوانات، مطالباً بالبحث دائماً عن التفسيرات الأبسط المبنية على الأفعال المنعكسة والتعلم الشرطي والتعود الحركي قبل افتراض الذكاء المفاهيمي.

11.2 الانتقادات الموجهة لغياب المختبر والتحكم التجريبي

تواصل الهجوم النقدي على إرث رومانز السيكولوجي مع مطلع القرن العشرين عبر المحيط الأطلسي، حيث كان عالم النفس الأمريكي إدوارد ثورندايك يضع أسس علم النفس التجريبي في جامعة كولومبيا. صب ثورندايك جام غضبه على كتاب «ذكاء الحيوان»، واصفاً محتواه بأنه «تجميع لحكايات الصالونات وخرافات المربين التي تضلل العلم وتجعله أسير الحالات الفردية النادرة المشوهة بالانبهار الإنساني».

بنى ثورندايك «صناديق الألغاز» الشهيرة للقطط والكلاب، مبرهناً عبر منحنيات التعلم الإحصائية الصارمة أن الحيوانات لا تحل المشكلات بالاستبصار العقلي (Insight) أو المحاكمة المنطقية المجردة كما ادعى رومانز، بل عبر مسار آلي ميكانيكي بحت من «المحاولة والخطأ العشوائيين» المقترنين بالأثر الإيجابي للتعزيز (قانون الأثر). شكلت ضربات ثورندايك، وتلتها أطروحات جون واطسون مؤسس السلوكية الراديكالية، إعلاناً بوفاة «المدرسة الرومانسية التطورية» التي قادها رومانز، ودخول علم النفس في عصر الصرامة المختبرية الوضعية التي قاطعت دراسة الوعي الذاتي للحيوانات لعقود طويلة.

11.3 مكانة رومانز كمرحلة انتقالية حتمية في تاريخ علم النفس

رغم قسوة الانتقادات السلوكية اللاحقة، فإن التقييم الإبستيمولوجي المنصف يضع جورج رومانز في مكانته اللائقة بوصفه «الجسر التاريخي الإلزامي» والمرحلة الانتقالية التي لا غنى عنها في تطور العلوم السيكولوجية والسلوكية؛ فلولا جرأة رومانز في كسر الطوق اللاهوتي والفلسفي الذي عزل عقل الإنسان عن الطبيعة، لما تجرأ أحد على طرح مسألة إدراك الكائنات غير البشرية كقضية قابلة للبحث العلمي المنهجي في المقام الأول.

لقد وفر رومانز بكتاباته الشاملة المسودة الأولى والترسانة المفاهيمية والمشكلات البحثية الكبرى التي غذت وأطلقت كل المدارس النفسية اللاحقة؛ فالسلوكية لم تكن لتوجد لولا وجود رومانز كخصم منهجي تتحدد الهوية العلمية الصارمة عبر تفنيد أطروحاته، كما أن المدرسة الوظيفية في أمريكا بقيادة ويليام جيمس استلهمت بصورة مباشرة مبادئ رومانز حول القيمة التكيفية للوعي. وبذلك، فإن رومانز يمثل اللحظة التأسيسية البطولية التي نقلت دراسة السلوك والوعي من ظلمات الميتافيزيقا إلى فضاء العلم الطبيعي الرحب.

12. الإرث العلمي لجورج رومانز وأثره في العلوم المعاصرة

12.1 تأسيس سلسلة محاضرات رومانز (Romanes Lectures) في أكسفورد

تخليداً لذكراه واعترافاً بمكانته الفكرية السامقة، أسس جورج رومانز بتمويل شخصي سخي عام 1892 واحدة من أعرق وأرقى المنصات الأكاديمية والفكرية في العالم، وهي سلسلة محاضرات رومانز السنوية في جامعة أكسفورد، واشترط رومانز في وصيته التأسيسية أن يُدعى لإلقائها سنوياً قامة فكرية أو علمية عالمية بارزة للحديث في موضوعات عامة في العلم أو الأدب أو الفلسفة، مع حظر التطرق للنزاعات السياسية والحزبية المباشرة.

دشن هذه السلسلة التاريخية الصديق الحميم لداروين وتلميذه الأبرز توماس هنري هكسلي (Thomas Henry Huxley) في مايو 1893 بمحاضرته الأيقونية الخالدة «التطور والأخلاق» (Evolution and Ethics)، والتي شكلت علامة فارقة في الفلسفة الأخلاقية التطورية. وعلى مدار أكثر من قرن وثلاثين عاماً، تعاقب على منبر محاضرات رومانز في مسرح شيلدونيان بأكسفورد ألمع عقول البشرية وقادتها، من بينهم: ويليام غلادستون، وثيودور روزفلت، ورومان جاكوبسون، ووينستون تشرشل، وبرتراند راسل، وكارل بوبر، وريشارد دوكينز؛ لتظل هذه السلسلة الرفيعة شاهداً حياً دائماً على الرؤية الحضارية الواسعة التي تمتع بها رومانز وحرصه على ربط العلم بالأفق الإنساني الأشمل.

12.2 الأثر المتجدد في علم النفس التطوري وعلم الإيثولوجيا الإدراكي

بعد عقود طويلة من هيمنة السلوكية الصارمة التي حظرت الحديث عن مشاعر الحيوانات وتفكيرها الواعي واعتبرتها «صندوقاً أسود» لا تجوز مقاربة داخله، شهد النصف الثاني من القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين حركة ارتدادية مذهلة أعادت الاعتبار لجوهر مشروع جورج رومانز؛ إذ انبثق علم الإيثولوجيا الإدراكية (Cognitive Ethology) على يد العالم البارز دونالد غريفين (Donald Griffin)، الذي دعا صراحة إلى استعادة روح رومانز في دراسة الوعي الذاتي، وحل المشكلات، والخبرات الشعورية للحيوانات البرية والمستأنسة.

كما أن الثورة المعاصرة في دراسات ذكاء الرئيسيات (Primate Cognition) التي قادها علماء مرموقون من طراز فرانس دي فال (Frans de Waal) وجين غودال، أثبتت بالدليل القاطع صحة استنتاجات رومانز حول وجود مشاعر مركبة كالإيثار، والتعاطف، والعدالة، واستخدام الأدوات التراكمي لدى الشمبانزي والغرابيات والدلافين. ولم يعد التشبيه بالإنسان تهمة تلقى جزافاً، بل أضحى يُعرف بـ «التجسيم الإدراكي النقدي المنضبط» (Critical Anthropomorphism) الذي يعد أداة فرضيات استكشافية لا غنى عنها في البيولوجيا العصبية المعرفية المعاصرة، مؤكداً أصالة الحدس العلمي الذي امتلكه رومانز قبل أوانه بعقود طويلة.

12.3 الخلاصة التاريخية: تقييم إنجازات رومانز بعد مرور قرن ونصف

عند النظر إلى سيرة جورج جون رومانز بعد مرور أكثر من قرن ونصف على مولده، يتبدى لنا شخصية علمية فذة جمعت بين تناقضات عصرها الخصب؛ فقد كان الفسيولوجي المخبري الدقيق الذي كشف أسرار الشبكات العصبية للافقاريات، والمنظر التطوري الجريء الذي وضع حجر الأساس لعلم النفس المقارن وتلمس مبادئ العزل التناسلي، والفيلسوف الوجودي التائه الذي عانى من مرارة الشك قبل أن يستقر في سكينة التأمل الروحي المستنير.

لقد دفع رومانز ضريبة الريادة التاريخية؛ فجاءت بعض مناهجه محملة بعفوية البدايات ونواقصها، لكن شجاعته الفكرية الفائقة في اقتحام أكثر المناطق تعقيداً وغموضاً – منطقة نشوء العقل الإنساني وتطوره من عالم الحيوان – هي التي مهدت الدرب لولادة علوم السلوك الحديثة. يظل رومانز واحداً من أعظم وأخلص فرسان الثورة التطورية، ورائداً حفر اسمه بحروف من نور في السجل الخالد لتاريخ الأفكار التي أعادت تعريف موقع الإنسان في موكب الحياة الكوني الشامل.

خاتمة

إن استعادة السيرة الفكرية والعلمية لجورج جون رومانز في سياقنا المعاصر ليست مجرد ترف استذكاري لتاريخ العلوم، بل هي استحضار لنموذج معرفي فريد نحن في أمسّ الحاجة إليه اليوم. في عصر يتسم بالتفتت المعرفي والتخصص الدقيق المفرط الذي يفصل بين العلوم الإنسانية والبيولوجيا، قدم رومانز درساً بليغاً في الموسوعية المنهجية الخصبة؛ حيث تضافرت في مشروعه صرامة المشرحة والمجهر الفسيولوجي مع عمق التأمل السيكولوجي، ونفاذ الرؤية التطورية الكلية مع القلق الأخلاقي واللاهوتي الصادق.

لقد برهن رومانز على أن البحث في أصل الإنسان وعقله لا يكتمل بمجرد فحص الجماجم والأحافير العظمية، بل يتطلب غوصاً عميقاً في تاريخ الغرائز والمشاعر والشفرات الإدراكية الخفية التي تربط الكائن البشري بشجرة الحياة الممتدة. وإذا كانت المناهج السلوكية والإحصائية قد تجاوزت أدواته الاستطلاعية البسيطة كـ «المنهج القصصي»، فإن العلم المعاصر ما انفك يؤكد صحة رؤيته الجوهرية: أن العقل حقيقة بيولوجية متدرجة، وأن الفارق بيننا وبين سائر الأحياء إنما هو لحن نغمي في سمفونية التطور الواحدة، فارق في الدرجة لا في النوع. سيبقى جورج رومانز دوماً المعماري الأول الذي جسر الهوة بين الفسيولوجيا والسيكولوجيا، والشاهد النبيل على اللحظة التاريخية الفارقة التي أدرك فيها الإنسان، بتواضع العلم وجلال المعرفة، جذوره الراسخة في تراب الطبيعة وعوالمها الحية.

المراجع

  • Darwin, C. (1871). The Descent of Man, and Selection in Relation to Sex. John Murray. https://www.darwinproject.ac.uk/
  • De Waal, F. (2016). Are We Smart Enough to Know How Smart Animals Are?. W. W. Norton & Company.
  • Griffin, D. R. (2001). Animal Minds: Beyond Cognition to Consciousness. University of Chicago Press. https://press.uchicago.edu/
  • Morgan, C. L. (1894). An Introduction to Comparative Psychology. Walter Scott.
  • Richards, R. J. (1987). Darwin and the Emergence of Evolutionary Theories of Mind and Behavior. University of Chicago Press.
  • Romanes, E. D. (Ed.). (1896). The Life and Letters of George John Romanes. Longmans, Green, and Co. https://archive.org/details/lifelettersofgeo00romaiala
  • Romanes, G. J. (1878). A Candid Examination of Theism (Published under the pseudonym ‘Physicus’). Trübner & Co.
  • Romanes, G. J. (1882). Animal Intelligence. Kegan Paul, Trench, & Co. https://www.gutenberg.org/ebooks/40306
  • Romanes, G. J. (1883). Mental Evolution in Animals: With a Posthumous Essay on Instinct by Charles Darwin. Kegan Paul, Trench, & Co.
  • Romanes, G. J. (1885). Jelly-fish, Star-fish and Sea-urchins: Being a Research on Primitive Nervous Systems. D. Appleton and Company.
  • Romanes, G. J. (1886). Physiological selection: An additional suggestion on the origin of species. Journal of the Linnean Society of London, Zoology, 19(115), 337–411. https://doi.org/10.1111/j.1096-3642.1886.tb02231.x
  • Romanes, G. J. (1888). Mental Evolution in Man: Origin of Human Faculty. Kegan Paul, Trench, & Co.
  • Romanes, G. J. (1892–1897). Darwin and After Darwin: An Exposition of the Darwinian Theory and a Discussion of Post-Darwinian Questions (Vols. 1–3). Open Court Publishing Company.
  • Romanes, G. J. (1895). Mind and Motion and Monism. Longmans, Green, and Co.
  • Romanes, G. J. (1895). Thoughts on Religion (C. Gore, Ed.). Longmans, Green, and Co. https://archive.org/details/thoughtsonreligi00roma
  • Schwartz, J. S. (1995). George John Romanes’s defense of Darwinism: The correspondence of George John Romanes and Alfred Russel Wallace. Journal of the History of Biology, 28(2), 281–316. https://doi.org/10.1007/BF01059190
  • Thorndike, E. L. (1898). Animal intelligence: An experimental study of the associative processes in animals. The Psychological Review: Monograph Supplements, 2(4), i–109. https://doi.org/10.1037/h0092987
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات