آيرا روزمان – 1953 الحاضر

آيرا روزمان (Ira J. Roseman)

  • 1953، الولايات المتحدة الأمريكية – حتى الآن
  • أمريكي
  • المدرسة المعرفية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 9 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 9 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • النموذج الهيكلي للتقييم المعرفي
  • نظرية التقييم المعرفي للمشاعر والانفعالات
  • تأسيس مختبر أبحاث المشاعر والسلوك الاجتماعي
  • تصنيف الأبعاد المعرفية للمشاعر المنفصلة

السيرة

تُمثّل دراسة الانفعالات والمشاعر الإنسانية واحدة من أعقد المساحات البحثية في تاريخ العلوم السلوكية والمعرفية؛ إذ ظل الوجدان البشري لقرون طويلة يُعامل بوصفه نقيضاً فوضوياً للعقلانية، أو مجرد صدى فسيولوجي باهت للاستجابات الحركية العضوية. غير أن النصف الثاني من القرن العشرين شهد انعطافة معرفية جذرية أعادت تشكيل فلسفة العاطفة وعلم النفس المعاصر، وبرزت خلالها نظريات التقييم المعرفي (Cognitive Appraisal Theory) بوصفها النموذج الإرشادي الأقوى قدرة على تفكيك الشيفرة الكامنة خلف ولادة المشاعر وتمايزها النوعي. وفي صدارة هذا التحول المنهجي والفكري يقف عالم النفس الأمريكي البارز آيرا روزمان (Ira J. Roseman)، الذي كرّس مسيرته العلمية منذ سبعينيات القرن العشرين لصياغة نموذج بنيوي صارم يفسر كيف يُولّد الإدراك الذهني المتباعد باقة معقدة من المشاعر الإنسانية المنفصلة.

انطلق روزمان، المولود عام 1953، من تساؤل جوهري بسيط في مظهره، عميق في آثاره: لماذا يستجيب شخصان للحدث الموضوعي ذاته باستجابتين عاطفيتين متناقضتين تماماً، كأن يشعر أحدهما بالغضب العارم بينما يغرق الآخر في الخوف أو اللامبالاة؟ ولماذا قد يشعر الفرد نفسه بالندم في موقف، وبالخزي أو الذنب في موقف مشابه ظاهرياً؟ للإجابة عن هذا التساؤل المعقد، لم يكتفِ روزمان بالتنظير التأملي العام الذي ميّز بعض النماذج الفلسفية القديمة، بل اجتهد في ابتكار مصفوفة رياضية وبنيوية للأبعاد المعرفية، محدداً كيف تتقاطع متغيرات مثل ملاءمة الأهداف، واليقين المعرفي، ووكالة الإسناد، والقدرة على المواجهة، لكي تُنتج في المحصلة النهائية الحالات الشعورية المتمايزة كالغضب، والأمل، والازدراء، والارتياح، والحزن.

تستعرض هذه الدراسة الأكاديمية الشاملة المسيرة الفكرية والبيوغرافية لآيرا روزمان، وتغوص في أعماق نموذجه البنيوي وتطوره التاريخي عبر أربعة عقود من البحث الدقيق. كما تتناول الأبعاد المعرفية المحددة لمنظومته، وتفكك تصنيفاته للمشاعر المنفصلة لا سيما التمييز الدقيق بين ثلاثية العداء (الغضب، والازدراء، والاشمئزاز)، وصولاً إلى تطبيقات النظرية في ميادين علم النفس الاجتماعي والسياسي، ومنهجياته التجريبية، ومقارناته مع كبار المنظرين المعاصرين، وأخيراً إرثه الممتد في عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة الوجدانية.

1. السيرة الذاتية والمسيرة الأكاديمية لآيرا روزمان

1.1 النشأة والمراحل التعليمية المبكرة

وُلد آيرا روزمان في عام 1953 في الولايات المتحدة الأمريكية، ونشأ في بيئة ثقافية وأكاديمية كانت تموج بالتحولات الفكرية التي فرضتها الثورة المعرفية الوليدة في منتصف القرن العشرين. ومنذ مراحل تعليمه الجامعي الأولى، أظهر روزمان ميلاً استثنائياً نحو فهم الطبيعة الإنسانية لا من خلال الأطر السلوكية الضيقة التي كانت ترى الإنسان مجرد صندوق أسود يستجيب آلياً للمثيرات، بل عبر الغوص في العمليات الذهنية الوسيطة التي تُشكّل الوعي الفردي والخبرة الذاتية المعاشة.

تابع روزمان تعليمه العالي المتخصص في مجال علم النفس، حيث التحق ببرامج الدراسات العليا المرموقة التي مكّنته من تلقي تدريب متقدم في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس المعرفي. وقد حصل على درجة الدكتوراه من خلال أبحاث رائدة ركزت بشكل مباشر على دراسة العواطف، وهي خطوة كانت تُعد حينها مجازفة أكاديمية في ظل هيمنة النماذج المعرفية الصرفة التي كانت تنظر إلى المشاعر بوصفها نتاجاً ثانوياً أو تشويشاً على العمليات المنطقية والتفكير الاستدلالي.

تأثر روزمان خلال هذه المرحلة التكوينية بنخبة من كبار أساتذة علم النفس ورواد المدرسة المعرفية والاجتماعية في الجامعات الأمريكية، مثل الباحثين الذين عاصروا أطروحات ليون فستنجر في التنافر المعرفي وفريدريك هايدر في نظرية الإسناد. وقد ألهمته هذه التوجهات لتأسيس مشروعه الأكاديمي المستقل، حيث رأى أن تفسير السلوك الاجتماعي يظل ناقصاً ما لم يتم فهم المنظومة الانفعالية المحركة له، وأن بناء نظرية متماسكة للمشاعر يتطلب تزاوجاً منهجياً بين الدقة التجريبية المعرفية والعمق الوصفي للظواهر الاجتماعية والوجدانية.

1.2 الانضمام إلى جامعة روتجرز والنشاط البحثي

شهدت المسيرة المهنية لآيرا روزمان محطة مفصلية بانضمامه إلى هيئة التدريس في قسم علم النفس بـ جامعة روتجرز-كامدن (Rutgers University-Camden) في ولاية نيوجيرسي. وقد وفّرت له هذه المؤسسة الأكاديمية العريقة بيئة بحثية خصبة ومستقرة، ترقى فيها عبر المراتب الأكاديمية حتى نال درجة الأستاذية الكاملة (Full Professor)، مكرساً قسماً هائلاً من وقته للتدريس الجامعي والبحث المختبري المتقدم وتوجيه أجيال متعاقبة من طلبة الدراسات العليا والباحثين الشباب.

في رحاب جامعة روتجرز، أسس روزمان مختبر أبحاث المشاعر والسلوك الاجتماعي (Emotion and Social Behavior Research Laboratory)، الذي تحول على مدار عقود إلى مركز إشعاع علمي لدراسة العواطف الإنسانية ونماذج التقييم. ركز المختبر تحت إدارته الصارمة على تفكيك الآليات الدقيقة التي تحكم المشاعر الفردية والجماعية، واستقطب باحثين من مختلف أنحاء العالم لاختبار الفرضيات المتعلقة ببنية الانفعالات وتأثيراتها السلوكية في سياقات الصراعات والسياسة والعلاقات بين الأفراد.

تميّز النشاط الأكاديمي لروزمان بالدقة المنهجية وحرصه البالغ على التدريب البحثي الشامل لطلابه؛ حيث لم يقتصر دوره على التلقين النظري، بل درب الباحثين على كيفية تصميم التجارب السيكولوجية المعقدة، واستخدام المقاييس الاسترجاعية، وتحليل البيانات الإحصائية المتقدمة. وقد أسهم إشرافه على العديد من الأطروحات العلمية في تخريج كفاءات أكاديمية واصلت البناء على نظريته وتوسيع نطاق تطبيقها في مجالات علم النفس الإكلينيكي والصحي والتنظيمي.

1.3 التحول نحو دراسة البنية النفسية للانفعالات

جاء التحول النوعي في مسار روزمان العلمي حينما أدرك الحدود القاصرة للنماذج المعرفية الصرفة السائدة في سبعينيات القرن الماضي، والتي كانت تركز بصورة شبه حصرية على الذاكرة، والانتباه، وحل المشكلات المجردة، متجاهلة الجانب الحار والدافعي للحياة الإنسانية المتمثل في الانفعالات. وجد روزمان نفسه مدفوعاً برغبة ملحة لسد الفجوة النظرية الممتدة بين الإدراك المعرفي (Cognition) والاستجابة الانفعالية (Emotion)، متسائلاً عن القوانين النفسية العامة التي تربط بين ما يعتقده الإنسان وما يشعر به.

قاد هذا المسعى روزمان إلى نشر أطروحته الرائدة الأولى في أواخر السبعينيات، والتي تلتها ورقة بحثية تأسيسية نُشرت عام 1979 وطُرحت للنقاش الأكاديمي الموسع، حيث اقترح فيها نموذجاً بنيوياً أولياً يفترض أن الانفعالات ليست ردود أفعال عشوائية، بل هي حالات نفسية منفصلة ومنظمة تنتج عن تقييمات معرفية محددة ومنتظمة للبيئة المحيطة. كان هذا الطرح بمثابة حجر الزاوية الذي بنى عليه مشروعه الفكري اللاحق.

واصل روزمان ترسيخ هذا التوجه عبر سلسلة من الدراسات التجريبية المحكمة التي دحضت النظرة السائدة آنذاك بأن المشاعر حالات يستحيل ضبطها أو تصنيفها منهجياً. وقد أثبت من خلال أبحاثه المنشورة في دوريات محكمة مرموقة مثل دورية الشخصية وعلم النفس الاجتماعي (Journal of Personality and Social Psychology) أن وراء كل انفعال كالغضب أو الفخر أو الخوف شيفرة إدراكية منتظمة وقابلة للقياس الكمي والتحقق التجريبي المتكرر، مما أسهم بقوة في تثبيت أركان نظرية التقييم المعرفي الحديثة.

2. الجذور النظرية لنظرية التقييم المعرفي عند روزمان

2.1 التأثر بالنظريات المعرفية الكلاسيكية في المشاعر

لا يمكن فهم المشروع العلمي لآيرا روزمان بمعزل عن التراث الفكري العريض لنظريات التقييم المعرفي الكلاسيكية التي بدأت بالتبلور في منتصف القرن العشرين. يرجع الفضل الأكبر في وضع اللبنة الأولى لهذا الاتجاه إلى عالمة النفس النمساوية-الأمريكية ماغدا أرنولد (Magda Arnold)، التي طرحت في كتابها المرجعي الصادر عام 1960 مفهوم التقييم المعرفي الأولي بوصفه عملية ذهنية تلقائية وفورية تقيّم المثيرات من حيث كونها مفيدة أو ضارة للكائن الحي، وبالتالي تُطلق الاستجابة الانفعالية وميل الفعل المصاحب لها.

تلقف روزمان هذا المفهوم المحوري وربطه بالأطروحات الثورية التي قدمها ريتشارد لازاروس (Richard Lazarus)، رائد دراسات الضغوط النفسية والمواجهة. طوّر لازاروس نموذجاً يوضح أن الاستجابة الانفعالية لا تعتمد على الشروط الموضوعية للموقف بحد ذاتها، بل على الكيفية التي يُفسر بها الفرد ذلك الموقف من خلال التقييم الأولي (مدى تهديد الموقف لرفاهية الشخص) والتقييم الثانوي (تقدير الفرد للموارد النفسية والسلوكية المتاحة للمواجهة). رأى روزمان في أطروحات أرنولد ولازاروس أساساً متيناً، لكنه استشعر حاجة ملحة إلى تجاوز الصياغات العامة والارتقاء بها إلى نموذج بنيوي دقيق ومحدد رياضياً.

من هذا المنطلق، استوعب روزمان المنهج الإدراكي المعاصر واستخدمه لتفكيك الخبرات الوجدانية وتصنيفها. لم يكتفِ بالقول إن التقييم يسبق الانفعال، بل سعى إلى صياغة أبجدية محددة من الأبعاد المعرفية المستقلة، التي يمكن من خلال تركيباتها المختلفة التنبؤ ليس فقط بوجود انفعال إيجابي أو سلبي عام، بل بنوع الانفعال المنفصل الدقيق الذي سينشأ في وعي الفرد وسلوكه.

2.2 نقد النماذج الفسيولوجية والسلوكية الصرفة

انطلق تأسيس نظرية روزمان من مراجعة نقدية صارمة ومفصلة للنماذج التاريخية التي حاولت تفسير الانفعالات بعيداً عن التوسط المعرفي. كان في مقدمة هذه النماذج نظرية جيمس-لانج (James-Lange Theory) الكلاسيكية، التي افترضت أن المشاعر ما هي إلا إدراك واعي للتغيرات الفسيولوجية الحشوية والجسدية (فنحن نخاف لأننا نرتجف، ونغضب لأن ضغط دمنا يرتفع). أشار روزمان إلى القصور البيولوجي الجذري في هذا التفسير، مستنداً إلى انتقادات والتر كانون التاريخية، ومؤكداً أن الاستجابات الفسيولوجية للجهاز العصبي الذاتي متشابهة في العديد من المشاعر المتباينة؛ فالخفقان القلبي السريع قد يصاحب الخوف كما يصاحب الغضب أو الفرح العارم، مما يجعل الفسيولوجيا وحدها عاجزة عن تفسير التمايز النوعي للمشاعر.

كما وجّه روزمان نقداً لاذعاً للنزعة السلوكية الراديكالية (Radical Behaviorism) التي هيمنت لعقود على علم النفس، والتي اختزلت الظواهر الوجدانية في سلاسل آلية من المثيرات والاستجابات الظاهرة، معتبرة العمليات العقلية مجرد أوهام ميتافيزيقية. برهن روزمان على أن هذا الإقصاء السلوكي للعمليات الداخلية يجعل من المستحيل تفسير سبب تباين السلوكيات تجاه المثير الواحد؛ فالتهديد اللفظي ذاته قد يدفع فرداً للهجوم وآخر للانسحاب وثالثاً للاستهزاء، وهو تباين لا يمكن تفسيره إلا بالاعتراف بوجود معالجات وسيطة تتمثل في إدراك المعنى، والتقييم الشخصي، وتعيين المسؤولية.

خلُص روزمان إلى ضرورة إدراج المتغيرات المعرفية كوسيط حتمي ومحدد بنيوياً بين المثير البيئي والاستجابة الانفعالية. وأوضح أن المثير الفيزيائي لا يملك بحد ذاته قيمة عاطفية متأصلة، بل يكتسب هذه القيمة فقط عندما يمر عبر المرشحات التقييمية للفرد، والتي تقيس الموقف استناداً إلى أهدافه، ومعتقداته، وإمكاناته التكيفية في تلك اللحظة بالذات.

2.3 تأسيس المنهج البنائي في دراسة الانفعال

ارتكز المشروع النظري لآيرا روزمان على تبني منهج بنائي وتكيفي صارم في دراسة الظاهرة الانفعالية. رفض روزمان بقوة التصورات التقليدية التي كانت تعامل الانفعالات باعتبارها اضطرابات عشوائية في التفكير الرشيد أو مظاهر لقصور عقلي وضعف إنساني، مؤكداً في المقابل أن الانفعالات تمثل استجابات منظمة وعالية الكفاءة تطورت بيولوجياً لتؤدي وظائف تكيفية محددة تضمن بقاء الفرد ورفاهيته وتسهل اندماجه في النسيج الاجتماعي.

استند هذا المنظور التكيفي إلى رفض قاطع لاختزال الانفعال في مجرد استثارة فسيولوجية عامة غير متمايزة تُضاف إليها تسميات لغوية اعتباطية، كما اقترحت بعض النماذج ثنائية العامل (مثل نموذج شاختر وسنجر). وبدلاً من ذلك، أكد روزمان أن كل انفعال منفصل—كالخوف أو الحزن أو الفخر—يمثل متلازمة وظيفية متكاملة تتضمن تقييماً معرفياً نوعياً، واستجابة فسيولوجية موجهة، وميلاً سلوكياً أو دافعاً للعمل مصمماً للتعامل مع الموقف البيئي المحدد الذي أطلقه.

تُوّج هذا المنهج بصياغة مفهوم البنية متعددة الأبعاد للأحداث المعرفية والانفعالية. رأى روزمان أن المشاعر ليست متصلات خطية بسيطة على محور إيجابي-سلبي، بل هي فضاء نفسي تركيبي تلتقي فيه أبعاد تقييمية متعددة لتشكل بصمة شعورية فريدة، تماماً كما تتحد العناصر الكيميائية البسيطة بنسب محددة لتنتج مركبات كيميائية بالغة التعقيد والتمايز في خواصها ووظائفها.

3. النموذج الهيكلي للتقييم المعرفي لآيرا روزمان

3.1 الركائز الأساسية للنموذج الهيكلي

يقوم النموذج الهيكلي (Structural Model) لآيرا روزمان على فرضية جوهرية مفادها أن التنوع الهائل في الانفعالات الإنسانية يمكن اختزاله وفهمه عبر شبكة من التقاطعات المعرفية المنتظمة. يفترض النموذج أن الانفعال ليس كياناً سحرياً يظهر فجأة في الوعي، بل هو نتاج متسق لحاصل تقاطع مجموعة محددة من التقييمات المعرفية التي يجريها العقل البشري للبيئة المحيطة، بحيث يمثل كل انفعال منفصل حلاً تكيفياً فريداً لمعادلة إدراكية محددة الأطراف.

تنطلق هذه الركيزة من فكرة أن العقل لا يقوم بعمليات تقييم عشوائية، بل يطرح تلقائياً مجموعة محددة من الأسئلة التقييمية عند مواجهة أي حدث: هل هذا الحدث يوافق رغباتي؟ ما مدى يقيني من حدوثه؟ من المتسبب فيه؟ وما هي قدرتي على التعامل معه؟ تحدد الإجابات المتزامنة عن هذه التساؤلات البنية التركيبية للمشاعر المنفصلة وتضبط استجابتها.

علاوة على ذلك، يربط النموذج بين كل توليفة تقييمية ووظيفتها التكيفية داخل السياق البيئي والاجتماعي. فالتقييم الذي يُنتج الخوف، على سبيل المثال، ليس مجرد تشخيص سلبي للموقف، بل هو منظومة تحذيرية واستنفارية تدفع الكائن الحي للهروب أو تجنب الخطر؛ في حين أن التقييم الذي يولد الغضب يهدف وظيفياً إلى حشد الموارد لمهاجمة العائق أو تصحيح الانتهاك الذي تسبب فيه طرف آخر، مما يمنح النموذج طابعاً هيكلياً وتكيفياً بالغ التماسك.

3.2 التطور التاريخي للنموذج عبر العقود

لم يظل نموذج روزمان قالباً جامداً منذ إطلاقه، بل مر بعملية تطوير وصقل منهجي مستمرة امتدت عبر أربعة عقود، عكست التراكم التجريبي وتطور أدوات القياس النفسي:

  • نموذج عام 1979 الأولي: قدّم فيه روزمان النسخة الجنينية للنظرية، معتمداً على خمسة أبعاد تقييمية أساسية سعت إلى التمييز بين مجموعة محدودة نسبياً من المشاعر الأساسية، مؤكداً لأول مرة على أهمية التقاطعات المعرفية في تمييز الحالات الانفعالية المنفصلة.
  • تعديلات عام 1984 وعام 1991: أدخل روزمان تعديلات جوهرية وسّعت فئات المشاعر لتشمل 16 ثم 17 انفعالاً منفصلاً. ركزت مراجعة عام 1991 البارزة على ضبط أبعاد اليقين، والوكالة السببية (الذات، الآخر، الظروف)، وإمكانات المواجهة، وقدمت مصفوفة تصنيفية مفصلة نالت شهرة واسعة في الأوساط الأكاديمية.
  • النموذج المحدث في القرن الحادي والعشرين (2001 وما بعده): أعاد روزمان بالتعاون مع زملائه تدقيق معايير التقييم لتشمل مفهوم “المشاعر الموجهة نحو الفاعل” ومشاعر “الحالة”، وأعاد تعريف التقييم الدافعي ليميز بوضوح بين الدوافع الشهوانية (المكاسب) والدوافع التجنبية (الأضرار)، مما جعل النموذج أكثر قدرة على تفسير الفروق الدقيقة بين المشاعر القريبة جداً من بعضها كالغضب والازدراء.

أظهرت هذه الرحلة التطويرية التزام روزمان بالمرونة العلمية الصارمة؛ إذ كان يُخضع كل بعد من أبعاد نموذجه لاختبارات تجريبية قاسية، وحينما كانت البيانات تظهر عجز بعد معين عن الفصل الدقيق بين انفعالين، كان يبادر إلى إعادة صياغة المعايير أو إدخال أبعاد إضافية لتفسير التباين الملاحظ، مما حافظ على حيوية نموذجه ومكانته كأحد أركان علم النفس المعرفي الوجداني.

3.3 التمايز المنهجي للمشاعر المنفصلة

يقدم النموذج الهيكلي لروزمان حلاً إبستمولوجياً لواحدة من أعقد المعضلات في سيكولوجيا الانفعال: كيف تنشأ انفعالات متعددة ومتناقضة تماماً لدى أشخاص مختلفين يشهدون الحدث الموضوعي عينه؟ يوضح النموذج أن الموضوعية الفيزيائية للحدث لا قيمة لها بمفردها؛ فالرسوب في امتحان دراسي موحد قد يولد لدى الطالب (أ) شعوراً بالذنب إذا قيّم أنه قصر في المذاكرة، ويولد لدى الطالب (ب) غضباً عارماً إذا قيّم أن الأسئلة كانت تعجيزية وغير عادلة وظلمته الإدارة، ويولد لدى الطالب (ج) حزناً واستسلاماً إذا رأى أنه عاجز تماماً عن فهم المادة بغض النظر عن جهده.

كما يضع النموذج حدوداً منهجية واضحة تفصل بين الحالات المزاجية العامة (Moods) والانفعالات المنفصلة المحددة (Discrete Emotions). فبينما تتسم الأمزجة بكونها حالات وجدانية عامة ومنتشرة تفتقر إلى هدف محدد أو موضوع إدراكي واضح وتمتد لفترات زمنية طويلة، فإن الانفعالات في نموذج روزمان هي حالات نفسية سريعة وموجهة نحو موضوع محدد بوضوح زمني وموضوعي، ومرتبطة بتقديرات إدراكية شديدة التخصيص.

تُترجم هذه الرؤية في بناء خريطة تصنيفية فريدة لفرز الحالات الوجدانية الإنسانية؛ خريطة لا تتعامل مع المشاعر بوصفها سحابة ضبابية، بل تضع كل انفعال في خانة تقاطعية محددة بدقة الإحداثيات الجغرافية، مما منح الباحثين أداة معيارية قادرة على تفكيك المشاعر الإنسانية إلى عناصرها الأولية وإعادة تركيبها وفهم مساراتها السلوكية.

4. أبعاد التقييم المعرفي في إطار روزمان النظري

4.1 الاتساق التحفيزي ومطابقة الأهداف

يمثل بُعد الاتساق التحفيزي (Motive Consistency) المحور الأساسي الذي يحدد القطبية الوجدانية العامة للخبرة الشعورية في نموذج روزمان. يُعرف هذا البُعد بمدى توافق الحدث أو تعارضه مع رغبات الفرد، وأهدافه، واحتياجاته القائمة في لحظة وقوعه. فالأحداث التي تدعم أهداف الفرد وتلبي دوافعه تُقيّم بوصفها متسقة تحفيزياً (Motive-Consistent)، وهي الأرضية الخصبة التي تُبنى عليها باقة المشاعر الإيجابية، مثل الفرح، والارتياح، والأمل، والامتنان، حيث تعمل هذه المشاعر كنظام مكافأة نفسي يعزز السلوكيات الناجحة ويدفع للاستمرار فيها.

في المقابل، فإن الأحداث التي تُعطل أهداف الفرد أو تهدد قيمه واحتياجاته تُصنف باعتبارها غير متسقة تحفيزياً (Motive-Inconsistent)، وهي المسؤولة عن إطلاق المشاعر السلبية بشتى أنواعها، كالغضب، والخوف، والحزن، والذنب. تعمل هذه المشاعر السلبية كإشارات إنذار وتجنب تهدف إلى تنبيه الكائن الحي لوجود عائق أو خطر يحول دون تحقيق أهدافه الحيوية، مما يستدعي تدخلاً سريعاً لتعديل المسار أو حماية الذات.

يؤكد روزمان أن هذا البُعد ليس مجرد تقييم بارد للربح والخسارة، بل يمر عبر مرشحات معيارية بالغة الذاتية؛ فالأحداث الخارجية لا تُقيّم في فراغ، بل تُقاس وفقاً للأهمية النسبية التي يمنحها الفرد لأهدافه المختلفة. ومن هنا تبرز الفروق الفردية الهائلة؛ حيث يمكن لحدث بسيط أن يثير شحنة انفعالية هائلة إذا مسّ هدفاً جوهرياً مرتبطاً بالهوية أو البقاء، بينما يمر حدث جسيم دون أثر انفعالي يُذكر إذا وقع خارج نطاق اهتمامات الفرد ودوافعه الفعالة.

4.2 اليقين المعرفي وإمكانية التنبؤ

يتناول البُعد الثاني في نموذج روزمان درجة اليقين المعرفي (Certainty) المحيطة بالحدث وتداعياته، وهو البُعد الذي يتحكم في مستوى التوتر الاستباقي للخبرة الانفعالية. تُقسم الأحداث من حيث هذا البُعد إلى وقائع مؤكدة الحدوث أو الثبوت، وأحداث غير مؤكدة تتسم بالغموض أو الاحتمالية أو تعليق النتيجة في المستقبل.

تولد الأحداث المؤكدة حالات شعورية تتسم بالحسم الإدراكي والاستقرار النفسي؛ فإذا كان الحدث المتسق مع الدوافع مؤكداً ومتحققاً بالفعل، ينشأ الفرح والرضا؛ وإذا كان الحدث غير المتسق مع الدوافع مؤكداً وثابتاً ولا رجعة فيه، يولد الحزن العميق أو اليأس والانسحاب. في هذه الحالات، يكون العقل قد حسم موقفه من الواقعة وانتقل إلى مرحلة استيعاب التبعات أو التكيف معها.

أما الأحداث غير المؤكدة، فإنها تشحن الجهاز النفسي بحالة من التوتر والانتباه المركز والترقب. فعندما يكون وقوع حدث غير متسق مع الدوافع أمراً محتملاً لكنه غير مؤكد، ينبثق الخوف والقلق بوصفهما آليات استباقية للتحوط وتجنب الكارثة المحتملة. وعلى النقيض، عندما يكون تحقق المكسب أمراً محتملاً وسط ظروف غير مؤكدة، يولد انفعال الأمل الذي يدفع الفرد للتمسك بالهدف وبذل الجهد الاستباقي لاقتناصه. تلعب درجة الثقة المعرفية هنا دور الصاعق الذي يحدد ما إذا كانت الطاقة النفسية ستتوجه نحو الحزن والتقبل، أم نحو الترقب المستنفر بين الخوف والأمل.

4.3 وكالة الإسناد ومصدر المسؤولية

يُعد بُعد وكالة الإسناد (Agency) أو مصدر المسؤولية عن الحدث من أكثر أبعاد نموذج روزمان أصالة وتأثيراً في التمييز بين المشاعر الاجتماعية المعقدة. يطرح هذا البُعد سؤالاً حاسماً: من أو ما الذي تسبب في وقوع هذا الحدث المتسق أو غير المتسق مع الدوافع؟ ويحدد روزمان ثلاثة مصادر رئيسية للإسناد السببي:

  • إسناد السببية إلى الذات (Self-Agency): عندما يرى الفرد نفسه مصدراً للحدث. فإذا كان الحدث إيجابياً ومحققاً للأهداف، ينشأ الفخر (Pride)؛ أما إذا كان سلبياً ومنتهكاً للمعايير، نشأت مشاعر التقييم الذاتي مثل الذنب (Guilt) أو الخزي (Shame) أو الندم (Regret)، وكلها تدفع نحو مراجعة السلوك الداخلي.
  • إسناد السببية إلى شخص آخر (Other-Agency): عندما يُعزى الحدث إلى تصرفات فرد آخر أو جماعة أخرى. فإذا تسبب الآخرون في تحقيق مكاسب لنا، ينشأ الامتنان (Gratitude) والإعجاب؛ وإذا تسببوا في تعطيل أهدافنا أو إيذائنا، تنفجر مشاعر التوجه نحو الآخر مثل الغضب (Anger)، والازدراء (Contempt)، والحقد.
  • إسناد السببية إلى الظروف المحيطة (Circumstance-Agency): عندما يُعزى الحدث إلى قوى غير شخصية، كالحظ، أو الصدفة، أو القوانين الطبيعية، أو تعقيدات الموقف الخارجية دون وجود متسبب متعمد. هنا تتشكل مشاعر مثل الحظ والارتياح الخالص في المواقف الإيجابية، أو الحزن والأسى والتشاؤم في المواقف السلبية غير الموجهة ضد شخص بعينه.

4.4 إمكانات المواجهة وإدراك السيطرة

يشير بُعد إمكانات المواجهة (Coping Potential)، والذي يُصاغ أحياناً تحت مسمى إدراك القوة والسيطرة، إلى تقييم الفرد لمدى قدرته الذاتية وموارده المتاحة للتعامل مع الحدث وتغيير مخرجاته أو التكيف مع تداعياته. يمثل هذا البُعد الفارق الجوهري بين الاستجابات الهجومية الفاعلة والاستجابات الانسحابية العاجزة أمام المواقف الضاغطة.

تُسهم القدرة العالية على المواجهة في دعم المشاعر الإيجابية ذات التوجه الفاعل، مثل مشاعر التحدي، كما أنها الركيزة الأساسية لظهور مشاعر الغضب عند مواجهة الانتهاكات؛ فالغاضب هو شخص يرى أن لديه من القوة والموارد والشرعية ما يمكنه من مهاجمة المعتدي أو إزالة العائق وتعديل مسار الأحداث بالقوة. إن توفر إدراك السيطرة العالية يحول الإحباط إلى استنفار هجومي فاعل.

في المقابل، فإن القدرة المنخفضة على المواجهة (إدراك العجز وضعف الحيلة) تنتج المشاعر الانسحابية والخانعة؛ فإذا واجه الفرد حدثاً سلبياً غير متسق مع دوافعه وشعر بأن موارده النفسية والجسدية أضعف بكثير من قوة التهديد، يتراجع الغضب ليحل محله الخوف إذا كان الخطر وشيكاً، أو اليأس والاستسلام إذا كان التهديد واقعاً لا مفر منه. لا يقتصر تقييم الموارد هنا على القوة العضلية أو المادية الملموسة، بل يشمل الموارد النفسية والاجتماعية والتحالفات المتاحة للفرد في بيئته، مما يجعل هذا التقييم دالة ديناميكية للسياق البشري بكافة أبعاده.

5. تصنيف المشاعر المنفصلة وفق أطروحة روزمان

5.1 منظومة المشاعر الإيجابية

يقدم نموذج روزمان الهيكلي رؤية شديدة الدقة لمنظومة المشاعر الإيجابية، مفككاً إياها إلى استجابات تختلف جوهرياً في بنيتها التقييمية ومقاصدها التكيفية، ولا تشترك إلا في كونها متسقة تماماً مع الدوافع الفردية ومحققة للأهداف. يمثل الفرح والسرور (Joy) قمة هذه المنظومة، حيث ينبثق عن تقييم الحدث بوصفه إيجابياً ومؤكداً بالفعل، مما يخلق حالة من التحقق الدافعي التام والاحتفال بالنجاح؛ ووظيفته التكيفية هي إشعار الكائن الحي ببلوغ الغاية وتعزيز الارتباط بالبيئة والمكافأة المحققة.

أما الأمل (Hope)، فيتميز ببنية فريدة تجمع بين الاتساق الدافعي وعدم اليقين المعرفي. ينشأ الأمل عندما يتوقع الفرد حدوث مكسب مستقبلي أو زوال خطر، لكنه يفتقر إلى التأكيد القاطع؛ ولذا يعمل الأمل كوقود نفسي استباقي يُبقي الفرد في حالة استنفار إيجابي وتفاؤل دافعي يحثه على الاستمرار في السعي نحو المكاسب المأمولة وتجاوز العقبات الآنية.

وفيما يخص الارتياح (Relief) والامتنان (Gratitude)، يبرز التمايز عبر أبعاد اليقين والوكالة. فالارتياح هو انفعال إيجابي مشتق من إدراك زوال تهديد كان يثير الخوف أو عدم التيقن، حيث ينتقل الفرد من الترقب السلبي إلى الأمان التام. في حين يمثل الامتنان انفعالاً علائقياً موجهاً نحو الآخر؛ إذ يتطلب تقييمين متزامنين: أن الحدث متسق تماماً مع مصلحة الفرد، وأن سببه يعود لفاعل خارجي قدّم مساعدة طوعية أو تعاطفاً، مما يولد دافعاً فورياً لتعزيز الروابط الاجتماعية ومكافأة الفاعل بالإحسان المقابل.

5.2 مشاعر اللوم والتوجه نحو الآخر

تُشكل مشاعر اللوم الموجّهة نحو الآخرين حجر الزاوية في التفاعلات الاجتماعية والنزاعات البشرية، وقد وضع روزمان تصنيفاً بنيوياً حاسماً لفرز هذه المشاعر المنفصلة التي تشتعل عندما يعطل الآخرون أهدافنا بطرق تُصنف كعدائية أو غير مشروعة. يقف الغضب (Anger) في مقدمة هذه المشاعر؛ حيث يُعرّف في نموذج روزمان بأنه استجابة لحدث غير متسق مع الدوافع، منسوب لفاعل خارجي، مع توفر تقييم لإمكانات مواجهة وسيطرة مرتفعة لدى الفرد الغاضب؛ مما يجعل الغضب دافعاً تصحيحياً موجهاً لإيقاف التعدي وتعديل سلوك المعتدي عبر المواجهة المباشرة.

أما الازدراء (Contempt)، فيمثل تقييماً أكثر قسوة واستدامة، إذ لا يتعلق بانتهاك سلوكي عابر قابل للتصحيح، بل يرتبط بتقييم الفاعل الآخر بوصفه وضيعاً، أو ناقص الأهلية الأخلاقية أو الفكرية، أو منتمياً لطبقة أدنى جوهرياً. يقترن الازدراء ببرود انفعالي وشعور بالاستعلاء والرفض التام، حيث لا يسعى الشخص لمهاجمة الآخر الغريم بقدر ما يسعى إلى نبذه وتهميشه واستبعاده كلياً من الدائرة الاجتماعية.

في حين يتميز الاشمئزاز (Disgust) بأنه تقييم ينطلق في أصله التطوري من النفور الحسي من التلوث والسموم البيولوجية، ثم تمدد معرفياً ليشمل التلوث الأخلاقي والاجتماعي. يتأسس الاشمئزاز على تقييم لوجود مادة أو سلوك أو شخص غير ملائم جوهرياً ومُفسد بطبيعته، ويقترن برغبة عارمة في التطهير والابتعاد الجسدي والنفسي المطلق، وتجنب أي نوع من أنواع التماس أو المخالطة معه تفادياً للعدوى المادية أو الرمزية.

5.3 مشاعر التقييم الذاتي والمسؤولية الداخلية

عندما يتحول بُعد الإسناد السببي نحو الذات في مواجهة الأحداث غير المتسقة مع الدوافع والمعايير، تنبثق منظومة المشاعر ذات التوجه الداخلي، والتي تؤدي دور المحكمة الأخلاقية الذاتية للفرد. فرّق روزمان بدقة استثنائية بين الذنب والخزي والندم، وهي مشاعر طالما اختلطت في الأدبيات الكلاسيكية:

  • الذنب (Guilt): ينشأ عن تقييم الفرد بأنه ارتكب فعلاً خاطئاً محدداً انتهك به معياراً أخلاقياً أو أضر بالآخرين، مع بقاء احترام الذات الجوهري سليماً. وبما أن التقييم يركز على السلوك القابل للتعديل وليس على الكيان ككل، فإن الميل الدافعي المصاحب للذنب يتجه دائماً نحو الاعتذار، وجبر الضرر، وتصحيح الخطأ.
  • الخزي (Shame): استجابة لتقييم كارثي للذات برمتها؛ حيث لا يرى الفرد أنه “فعل شيئاً سيئاً” بل يرى أنه هو نفسه “شخص سيئ، ناقص، أو معيب بشكل متأصل”. هذا التقييم الشامل للقصور الذاتي ينتج عجزاً هائلاً ورغبة قهرية في الانكماش، والاختفاء، والهروب من الأعين، وغالباً ما يصعب تصحيحه بإجراءات بسيطة.
  • الندم (Regret): ينبثق من عملية معرفية معقدة تعتمد على التفكير التخيلي البديل (Counterfactual Thinking)؛ حيث يقارن الفرد النتيجة الحالية غير المرغوبة لقراره بسيناريو افتراضي كان سيتحقق لو أنه اتخذ خياراً آخر. الندم تقييم لقصور في الحكمة أو سوء تقدير في القرار العملي وليس بالضرورة انتهاكاً أخلاقياً، ودافعه الأساسي هو التحسر وتمني استعادة الزمن لتغيير المسار.

6. التمييز المفاهيمي بين الغضب والازدراء والاشمئزاز

6.1 المحددات التقييمية الفريدة لثلاثية العداء

تُعد أبحاث آيرا روزمان حول ما يُعرف في الأدبيات السيكولوجية بـ “ثلاثية العداء” (Hostility Triad)—المتمثلة في الغضب، والازدراء، والاشمئزاز—من أبرز معالمه النظرية وأكثرها استشهاداً. على الرغم من أن هذه المشاعر الثلاثة تشترك في كونها مشاعر سلبية موجهة ضد أطراف أخرى، إلا أن روزمان أثبت تجريبياً أنها تصدر عن محددات تقييمية فريدة وواضحة المعالم، ترتبط بطبيعة الإدراك الممنوح للانتهاك ومصدره.

يتولد الغضب من تقييم الفرد لحدوث انتهاك سلوكي غير مشروع مسّ أهدافه أو حقوقه، مع اعتبار الفاعل كائناً عاقلاً ومسؤولاً وقادراً على الاختيار، ويمكن تعديل سلوكه إذا تمت مواجهته بالحزم المطلوب. أما الازدراء، فيتولد عندما يُقيّم الفرد الآخر بأنه يحمل سمة شخصية ثابتة أو عيباً بنيوياً متأصلاً يجعله دونياً بطبيعته ولا يستحق الاحترام أو التفاعل المتكافئ؛ فالتقييم هنا ينتقل من “السلوك المرفوض” إلى “الشخصية المبتذلة ككل”.

بالمقابل، ينطلق الاشمئزاز من تقييم مختلف جوهرياً يتعلق بـ التهديد التلويثي والفساد القيمي. فالشخص المُشمأز منه لا يُعامل كخصم يمكن مجادلته (كما في الغضب)، ولا ككائن حقير يمكن تجاهله من برج عاجي (كما في الازدراء)، بل يُعامل ككيان ناقل للعدوى الأخلاقية أو الحسية، يهدد نقاء الذات وسلامتها، ويجب إزالته أو التراجع الفوري عنه لدرء خطر التلوث الرمزي أو الجسدي.

6.2 الميول السلوكية ودوافع الفعل المصاحبة

يترجم التمايز التقييمي لثلاثية العداء عند روزمان نفسه مباشرة إلى ميول سلوكية (Action Tendencies) ودوافع للفعل متباينة جذرياً، مما يؤكد صحة الفرضية القائلة بأن لكل انفعال وظيفة حركية تكيفية موجهة بدقة:

  • دافع الغضب (الهجوم والمواجهة): يدفع الغضب الكائن الحي نحو التقارب الهجومي (Approach/Attack)؛ حيث يتجلى في الصراخ، أو الجدال الصارم، أو العقاب الجسدي أو القانوني، والهدف منه ليس تدمير الآخر، بل إخضاعه، وتعديل سلوكه، واستعادة العدالة أو المصالح المنهوبة.
  • دافع الازدراء (الاستبعاد والتهميش): لا يتجه الازدراء نحو المواجهة النشطة، بل نحو التراجع السلبي المصحوب بالنبذ الاجتماعي (Exclusion and Dismissal)؛ حيث يتجلى سلوكياً في الابتسامة الساخرة، وتجاهل وجود الآخر، وحرمانه من المكانة، ورفض الدخول معه في أي حوار متكافئ.
  • دافع الاشمئزاز (الابتعاد الجسدي والتطهير): يولد الاشمئزاز دافعاً انسحابياً صارماً وسريعاً (Avoidance/Repulsion)؛ يتجلى في تعبيرات الوجه الحشوية (تقطيب الأنف وغلق الفم)، والابتعاد المكاني المباشر، والقيام بسلوكيات التطهير والغسيل، وإلقاء الشيء الملوث بعيداً لمنع الاتصال به.

6.3 الآثار الاجتماعية والعلائقية لهذا التمايز

يحمل هذا التفكيك النظري لثلاثية العداء آثاراً تطبيقية بالغة الخطورة على صعيد العلاقات الإنسانية والصحة الزوجية والاجتماعية. أوضح روزمان، وأكدته لاحقاً دراسات جون غوتمان الشهيرة في استقرار الزواج، أن حضور الغضب بين الشركاء أو الأطراف الاجتماعية ليس هو المؤشر القاتل للعلاقة؛ فالغضب، رغم حدته، يعكس في جوهره تمسكاً بالعلاقة ومحاولة مستميتة لإصلاح الخلل وتعديل سلوك الطرف الآخر، ويمكن ترميم الروابط بعد نوباته بيسر عبر آليات الاعتذار، وتحقيق العدالة، والتفاوض.

في المقابل، يمثل تسرب مشاعر الازدراء إلى العلاقات الاجتماعية والزوجية السم الأكثر فتكاً وقضاءً على الروابط الإنسانية. فعندما يحل الازدراء، يتآكل الاحترام المتبادل ويسود تقييم الدونية، وتغلق قنوات التواصل العقلاني؛ لأن أحد الطرفين بات يرى الآخر عاجزاً بنيوياً عن التحسن أو لا يستحق بذل الجهد لأجله، مما يجعل إصلاح العلاقات المتآكلة بالازدراء أمراً شبه مستحيل، ويقود حتماً إلى الانفصال والطلاق.

وعلى مستوى العنف الأسري والنزاعات المجتمعية، يسهم فهم هذا التمايز في كشف الديناميات النفسية للاعتداءات؛ فالاشمئزاز والازدراء يشكلان الوقود النفسي للجرائم القائمة على نزع الإنسانية عن الضحايا وتهميشهم، في حين يرتبط الغضب بنوبات العنف الانفعالي المتفجرة الناتجة عن إحباطات تراكمية وإدراك للظلم، مما يستلزم استراتيجيات تدخل علاجي وقانوني متباينة جذرياً لكل حالة.

7. تطبيقات نظرية روزمان في علم النفس الاجتماعي والسياسي

7.1 المشاعر بين الجماعات ونشأة الصراعات

امتد المشروع البحثي لآيرا روزمان من النطاق النفسي الفردي إلى النطاق الاجتماعي الواسع، ليسهم بقوة في تأسيس نظرية المشاعر بين الجماعات (Intergroup Emotions Theory). أوضح روزمان أن الأبعاد التقييمية ذاتها التي تنطبق على تجارب الفرد الشخصية تتفعل بصورة جماعية عندما يتماهى الفرد بقوة مع هويته الاجتماعية أو الوطنية أو العرقية، فيصبح قادراً على تقييم الأحداث التي تمس جماعته وكأنها تمسه شخصياً بصورة مباشرة.

في هذا السياق، ينشأ الغضب الجمعي عندما تُقيّم الجماعة أن هناك انتهاكاً لحقوقها أو معاهداتها ارتكبته جماعة أخرى عمداً، مع شعور الجماعة المغبونة بامتلاكها القوة والموارد الكافية للرد والمواجهة. أما إذا قيّمت الجماعة أن الاعتداء الخارجي يهدد وجودها بينما هي عاجزة وضعيفة الموارد في موازين القوى، فإن التقييم يولد خوفاً ورعباً جمعياً يدفع للاستسلام أو التحصن الدفاعي.

علاوة على ذلك، درس روزمان بدقة كيف يؤدي تحول التقييمات بين الجماعات من “الغضب على الأفعال” إلى “ازدراء واشمئزاز من هوية الآخر” إلى اشتعال الحروب العرقية والإبادات الجماعية؛ حيث تُنزع الصفة الإنسانية عن الخصوم وتُصنف جماعتهم ككيان ملوث وفاسد يستوجب الاستئصال والتطهير العرقي، مما يفسر استعصاء مثل هذه النزاعات الدولية على الحلول الدبلوماسية التقليدية القائمة على التفاوض العقلاني.

7.2 التعبئة السياسية وتشكيل المواقف العامة

وفرت أبعاد التقييم المعرفي لروزمان إطاراً تحليلياً فائق القوة لفهم آليات التعبئة السياسية وتوجيه عواطف الجماهير في الحملات الانتخابية والتحولات الثورية. تدرك القيادات السياسية والخبراء الإعلاميون، بوعي أو بغريزة سياسية، كيفية التلاعب بمحاور التقييم لتحقيق أهداف محددة؛ فالخطاب السياسي الذي يسعى لدفع الناس إلى الشوارع والتظاهر والاحتجاج يركز بشكل مكثف على إثارة الغضب عبر تسليط الضوء على انتهاكات الخصوم، وتحميلهم كامل المسؤولية الأخلاقية، وتضخيم إدراك الجماهير لقوتهم الجمعية وقدرتهم على التغيير وإسقاط القرارات.

في المقابل، تقارن دراسات روزمان بين دور الغضب والخوف في السلوك الانتخابي؛ فالخوف السياسي، الذي ينتج عن تصوير المستقبل كخطر غامض وداهم تفتقر الأمة لموارد مواجهته إلا بالتماسك، يدفع الناخبين نحو المحافظة، والتمسك بالوضع الراهن، وتفضيل الزعماء الأقوياء ذوي النزعة الاستبدادية للحصول على الحماية. في حين يدفع الغضب نحو الرغبة في التغيير الراديكالي وعقاب النخب الحاكمة والتصويت للمرشحين الشعبويين المعارضين.

كما سلط روزمان الضوء على الأهمية الاستراتيجية لزرع الأمل الجماعي في الحركات الاجتماعية السلمية والتحررية؛ فالأمل—بصفته يجمع بين الوعي بالصعوبات الحالية وتوقع النصر المستقبلي المحتمل—هو الوحيد القادر على استدامة الصمود وتغذية النضال المدني طويل الأمد ضد الأنظمة القمعية، حيث يفشل الغضب بمفرده إذا خبا أو تحول إلى استنزاف نفسي بعد صدمات القمع المتتالية.

7.3 دراسة ظواهر التبرير النظامي والعدالة الاجتماعية

تقاطعت أطروحات روزمان مع نظريات التبرير النظامي (System Justification) والعدالة الاجتماعية، حيث وظف معياره للاتساق والشرعية لفهم تباين ردود الأفعال الشعبية تجاه السياسات الاقتصادية والاجتماعية المجحفة. عندما يُقيّم المواطنون المؤسسات الحاكمة بوصفها شرعية وعادلة من حيث المبدأ، فإن الأزمات الاقتصادية تُعزى إلى عوامل ظرفية غير شخصية (كالأزمات العالمية أو الكوارث الطبيعية)، مما يولد مشاعر حزن أو ارتياح نسبي وتكيف صامت دون تصعيد ثوري.

أما عندما تسقط شرعية المؤسسات في الإدراك الشعبي، وتُعزى الأزمات مباشرة إلى فساد النخب وجشعها المتعمد، فإن بؤرة التقييم تتحول نحو مسؤولية الفاعل الخارجي، مشعلة مشاعر السخط والغضب العارم. وقد رصدت دراسات روزمان آليات التحوير النفسي التي تلجأ إليها الأنظمة الحاكمة لحماية نفسها، من خلال توجيه أصابع اللوم بعيداً عن السياسات البنيوية نحو كباش فداء كالأقليات المهمشة أو المهاجرين، مستغلة مشاعر الازدراء الجمعي لامتصاص الاحتقان وتحييد الغضب الموجه ضد السلطة.

ويخلص روزمان في هذا الصدد إلى أن مفتاح تحويل الإحباط الجمعي الخامل واليأس إلى عمل مدني إصلاحي وبناء يكمن حصرياً في إعادة هندسة التقييمات المعرفية للمواطنين؛ عبر إقناعهم بمسؤولية السياسات الخاطئة عن معاناتهم، والأهم من ذلك، رفع إدراكهم لكفاءتهم السياسية وقدرتهم الجمعية على المواجهة وفرض التغيير، مما ينقل المجتمع من خمول الحزن إلى فاعلية الغضب الإيجابي والمطالبة الصارمة بالعدالة.

8. المنهجية البحثية والأدوات القياسية لآيرا روزمان

8.1 أساليب استرجاع الخبرات الانفعالية الذاتية

تميزت مسيرة روزمان بالحرص على تطوير أدوات منهجية تتسم بالرصانة العلمية للتحقق التجريبي من فرضيته البنيوية. وكان في مقدمة الأدوات التي اعتمدها بروتوكول الاستدعاء السردي للحوادث الشعورية السابقة (Autobiographical Recall Methodology)؛ وفيه يُطلب من المشاركين في الدراسة تذكر واستحضار حادثة واقعية حقيقية عاشوها في حياتهم شعروا خلالها بانفعال معين ومحدد بدقة (كالغضب، أو الخزي، أو الارتياح، أو الفخر).

بعد سرد التجربة وتنشيط الحالة الوجدانية في الذاكرة، يُخضع المشاركون لاستبانات تقرير ذاتي مصممة بعناية فائقة، تتضمن مقاييس مدرجة لتقييم الأبعاد المعرفية المستقلة التي افترضها النموذج: مدى توافق الحدث مع أهدافهم حينها، ودرجة تأكدهم من المخرجات، ومصدر المسؤولية عن الواقعة، وتقديرهم لقوتهم وقدرتهم على المواجهة في تلك اللحظة بالذات. سمح هذا التتبع لروزمان بإجراء تحليلات إحصائية ارتباطية وتمايزية متقدمة أثبتت وجود ارتباطات ذات دلالة إحصائية عالية بين توليفات التقييم المعرفي المحددة والمشاعر المستدعاة.

وقد واجه روزمان وفريقه معضلة الصدق والموثوقية لطرق القياس بأثر رجعي، إذ عاب بعض النقاد احتمالية تشويه الذاكرة أو إعادة كتابة التاريخ النفسي للحدث تحت وطأة التسمية الانفعالية الحالية. إلا أن دراسات روزمان المقارنة أظهرت ثباتاً لافتاً في أنماط التقييم عبر عينات متعددة وفترات زمنية متباعدة، مما أكد أن البنية التقييمية تمثل أثراً حقيقياً مسجلاً في الذاكرة الانفعالية وليس مجرد اختلاق استرجاعي عشوائي.

8.2 التصاميم التجريبية واستخدام السيناريوهات الافتراضية

لتجاوز عيوب الدراسات الاسترجاعية وإثبات العلاقة السببية المباشرة بين التقييم المعرفي وولادة الانفعال، طوّر روزمان تصاميم تجريبية صارمة اعتمدت على منهجية السيناريوهات الافتراضية المقننة (Vignette Methodology). في هذه التجارب، كان يتم صياغة نصوص سردية متطابقة في كل تفاصيلها تقريباً، مع إحداث تلاعب تجريبي دقيق ومحكوم في بُعد تقييمي واحد أو أكثر عبر مجموعات المقارنة العشوائية.

على سبيل المثال، كان يُعرض على المشاركين سيناريو يتعرض فيه بطل القصة لخسارة وظيفة، لكن يُتلاعب في النص بمصدر المسؤولية: في المجموعة الأولى يُنسب الخطأ لإهمال البطل نفسه، وفي المجموعة الثانية لقرار تعسفي ظالم من المدير، وفي المجموعة الثالثة لأزمة اقتصادية عاصفة أغلقت الشركة. ثم يُقاس الانفعال المتوقع أو المشعر به بدقة. أظهرت نتائج هذه التجارب مراراً وتكراراً أن التلاعب ببُعد الإسناد وحده ينقل الاستجابة بشكل منهجي من الشعور بالذنب، إلى الغضب العارم، إلى الحزن الصامت على التوالي، حتى مع ثبات حجم الخسارة الموضوعية.

كما شملت تجارب روزمان التلاعب بإمكانات المواجهة ونسب اليقين، محاكياً أدق المواقف الواقعية لضمان صدق المحتوى وقابلية التعميم. وقد برهنت هذه التجارب بما لا يدع مجالاً للشك على أن البنية المعرفية التقييمية هي المحرك السببي الأولي الذي يحدد نوع الانفعال، وليست مجرد ناتج جانبي مصاحب له أو تبرير لاحق للظاهرة.

8.3 التحديات القياسية لمعالجة العمليات اللاواعية

واجهت منهجية روزمان، كسائر نظريات التقييم المعرفي، تحدياً نقدياً يتمثل في كيفية التقاط التقييمات المعرفية التلقائية واللاواعية (Implicit Appraisals) التي تحدث في أجزاء من الثانية دون أن تخضع للتأمل الواعي؛ فالاستبانات والتقارير الذاتية، مهما بلغت دقتها، إنما تقيس في جوهرها النواتج المعرفية الواعية التي يمكن للمشارك صياغتها لغوياً، وهو ما قد يعرض البيانات للتحيزات الإدراكية والرغبة الاجتماعية.

استجاب روزمان لهذا التحدي بالبحث عن مؤشرات قياس بديلة ومتكاملة تدعم التقرير اللفظي، من خلال دمج قياسات زمن الرجع (Response Latency)، وتحليل الميول السلوكية الفورية، ورصد ردود الأفعال الفسيولوجية والحركية الدقيقة المعبرة عن الاستجابة الانفعالية. وأوضح في كتاباته المنهجية أن التقييم المعرفي لا يعني التفكير المنطقي البطيء والمطول، بل هو عملية معالجة معلومات سريعة يمكن للعقل إجراؤها تلقائياً على مستويات تحت واعية متقدمة.

وقد أكد روزمان على ضرورة توخي الحذر الإبستمولوجي عند التوفيق بين الاستجابة اللفظية الواعية والتحيزات الكامنة لدى المشاركين، مقترحاً دمج التصاميم التجريبية متعددة الوسائط التي تجمع بين التحليل السلوكي، والقياسات التقريرية المعايرة، والنماذج المحاكية للحياة الواقعية لضمان التقاط الظاهرة الانفعالية في كامل أبعادها المعقدة ودون اختزال سطحي لأي من مكوناتها.

9. التنظيم الانفعالي واستراتيجيات المواجهة في ضوء النظرية

9.1 إعادة التقييم المعرفي كأداة للتحكم في المشاعر

فتحت نظرية روزمان آفاقاً تطبيقية هائلة في ميدان التنظيم الانفعالي (Emotion Regulation)، وتحديداً في تطوير استراتيجية إعادة التقييم المعرفي (Cognitive Reappraisal)، التي تعد اليوم واحدة من أكثر الاستراتيجيات النفسية صحة وفعالية في إدارة المشاعر وضبطها. تنطلق هذه المقاربة من حقيقة منطقية: ما دام الانفعال نتاجاً لحاصل تقاطع أبعاد معرفية محددة، فإن التدخل المنهجي لتعديل أحد هذه الأبعاد التقييمية كفيل بتغيير الاستجابة الشعورية المصاحبة وتحويلها جذرياً.

يتجلى ذلك بوضوح في إدارة الغضب الشديد؛ حيث يمكن نزع فتيله وتحويله إلى هدوء أو حتى تعاطف عبر إعادة تفكيك بُعد الإسناد السببي؛ أي بمساعدة الفرد على إعادة تفسير نية الطرف الآخر، ونقلها من كونها “تعدياً متعمداً ومقصوداً” إلى كونها “خطأ غير مقصود ناتجاً عن جهل، أو ضغط نفسي هائل، أو ظروف قاهرة خارجة عن سيطرته”. بمجرد أن يتحول التقييم من وكالة الآخر المتعمدة إلى وكالة الظروف، يتبدد الغضب تلقائياً ليحل محله التفهم أو الحزن الهادئ.

وبالمثل، يمثل تصحيح تقييم اليقين وإمكانات المواجهة أداة جبارة في تخفيف حدة القلق المرضي. فعبر تدريب الفرد على تفكيك مبالغاته الذهنية التي تعامل الكوارث المحتملة بوصفها حقائق مؤكدة ووشيكة، وإعادة بناء ثقته في موارده النفسية والبيئية المتاحة للتعامل مع الموقف، يتراجع القلق الضاغط ليتحول إلى حذر يقظ أو أمل فاعل، مما يحرر الطاقة النفسية المعطلة.

9.2 المواجهة المركزة على المشكلة مقابل المركزة على الانفعال

ترتبط نظرية روزمان بنيوياً بنموذج المواجهة التاريخي لريتشارد لازاروس وسوزان فولكمان، وتضيف إليه فهماً أكثر عمقاً لكيفية توجيه التقييمات المعرفية لاختيار استراتيجية المواجهة المناسبة. يُحدد بُعد إمكانات المواجهة والسيطرة المسار الذي سيسلكه الفرد لمجابهة الضغوط الحياتية:

  • المواجهة المركزة على المشكلة (Problem-Focused Coping): تُفعّل عندما يُقيّم الفرد أن الحدث يمس أهدافه سلباً، لكنه يمتلك في الوقت ذاته إمكانات سيطرة وموارد كافية لتعديل الواقع. هنا تنبثق مشاعر مثل التحدي أو الغضب البناء، ويوجه الفرد طاقته نحو الفعل المباشر، ووضع خطط العمل، وحل المشكلات البيئية، وإزالة العوائق الفيزيائية أو الاجتماعية التي تقف في طريقه.
  • المواجهة المركزة على الانفعال (Emotion-Focused Coping): تُصبح الخيار الوحيد والضروري عندما يُقيّم الفرد انعدام السيطرة الموضوعية التامة وعجزه عن تغيير مجريات الحدث (مثل وفاة شخص عزيز، أو الإصابة بمرض عضال غير قابل للشفاء). في هذه الحالة، تقود التقييمات نحو الحزن الصامت والاستسلام التكيفي، ويوجه الفرد طاقته داخلياً نحو تقبل الواقع، وإعادة بناء المعنى، والبحث عن الدعم الاجتماعي، وتسكين التوتر الوجداني عبر التأمل والتكيف النفسي.

9.3 التطبيقات الإكلينيكية وتعزيز المرونة النفسية

وجدت أطروحات آيرا روزمان صدى عميقاً في ميادين علم النفس الإكلينيكي والعلاج النفسي الحديث، لا سيما في تطوير بروتوكولات العلاج المعرفي السلوكي (CBT) وموجاته المتقدمة. توفر مصفوفة روزمان للأطباء والمعالجين النفسيين خريطة تشخيصية شديدة الوضوح لتفكيك أنماط التقييم الخاطئة والتلقائية التي تكمن خلف الاضطرابات الوجدانية؛ فالاكتئاب السريري، في ضوء النظرية، يمثل ترسيخاً مزمناً لتقييم انعدام الاتساق الدافعي، المقترن باليقين السلبي، وانعدام إمكانات السيطرة والقدرة على المواجهة.

أما اضطرابات القلق ونوبات الهلع، فتنشأ عن خلل وظيفي في تقييم عدم اليقين والمبالغة المفرطة في حساسية استشعار التهديد مع التقليل الجذري من شأن الموارد الذاتية للمواجهة. يساعد التدخل الإكلينيكي المستند لنظرية روزمان المرضى على رصد هذه التقييمات الآلية لحظة نشوئها، وتفكيك الترابطات التعسفية بين الأحداث والمشاعر، وإعادة ضبط أبعاد المسؤولية والسيطرة على مقاييس الواقع الحقيقي وليس التفسير المتوهم.

كما تسهم النظرية في تعزيز المرونة النفسية (Psychological Resilience) لدى الأسوياء، من خلال التدريب على “المرونة التقييمية” (Appraisal Flexibility)؛ وهي القدرة على عدم الاستسلام للتفسير الأول والأكثر قتامة للأحداث، وتطوير مهارة إنتاج قراءات تقييمية متعددة وموضوعية للمواقف الضاغطة، وتنمية تقييمات داعمة للأمل والفاعلية الذاتية، مما يحمي الفرد من الانهيار الانفعالي في مواجهة الأزمات الحياتية الكبرى.

10. المقارنات النقدية: روزمان مقابل رواد نظريات التقييم المعاصرين

10.1 آيرا روزمان وريتشارد لازاروس: تقاطع الرؤى وتباينها

يشترك آيرا روزمان وريتشارد لازاروس في الإيمان المطلق بالدور المركزي للتقييم المعرفي كوسيط لا غنى عنه بين المثير البيئي والاستجابة الانفعالية، وفي النظر إلى الانفعالات بوصفها أدوات تكيفية متطورة تخدم البقاء الإنساني وتدير تفاعلات الفرد مع بيئته. ومع ذلك، تكشف القراءة الفاحصة للمشروعين عن تباينات بنيوية ومنهجية جوهرية أسهمت في إثراء الحقل العلمي.

ركز لازاروس في نموذجه الكلاسيكي على التصنيف المرحلي للتقييم، مقسماً إياه إلى تقييم أولي يحدد المعنى الشخصي والرهان الذاتي، وتقييم ثانوي يحدد خيارات المواجهة المتاحة. في حين رفض روزمان هذا التسلسل الزمني الصارم الذي يفرضه نموذج لازاروس، واقترح بدلاً منه نموذجاً متزامناً ومتقاطعاً؛ حيث تعمل الأبعاد المعرفية في مصفوفة واحدة شبيهة بالإحداثيات الرياضية لإنتاج المشاعر المنفصلة بشكل فوري ومركب.

علاوة على ذلك، تفوق روزمان على لازاروس في تقديم تصنيف بنيوي أكثر دقة وتفصيلاً للمشاعر المنفصلة؛ فبينما ركز لازاروس على ما أسماه “موضوعات الارتباط الأساسية” (Core Relational Themes) التي صيغت في عبارات سردية وصفية عامة (مثل: فقدان لا يعوض، أو إهانة متعمدة)، قدم روزمان شبكة من الأبعاد الثنائية أو متعددة النقاط القابلة للقياس التجريبي والرياضي المباشر، مما جعل نموذج روزمان أكثر ملاءمة للتطبيقات الإحصائية والنمذجة الحاسوبية مقارنة بالطرح الوصفي الأوسع للازاروس.

10.2 روزمان وكلاوس شيرير: نموذج المكونات المتزامنة

يمثل الحوار العلمي بين آيرا روزمان والسويسري كلاوس شيرير (Klaus Scherer) قمة النضج النظري في سيكولوجيا الانفعال المعاصرة. طرح شيرير نموذج المكونات المتزامنة (Component Process Model – CPM)، مفترضاً أن التقييم يتم عبر سلسلة متعاقبة وسريعة جداً من “فحوصات معالجة التحفيز” (Stimulus Evaluation Checks) التي تختبر الجدة، والملاءمة، وإمكانات التحكم، والتوافق مع المعايير الذاتية والاجتماعية.

يتمحور التباين الأساسي بينهما حول طبيعة النموذج؛ فبينما يُصنف نموذج روزمان بأنه نموذج هيكلي وبنيوي (Structural Model) يركز على تصنيف حالات الانفعال النهائية وتحديد التقاطعات المعرفية التي تميز كل شعور منفصل عن غيره، يركز نموذج شيرير على كونه نموذجاً ديناميكياً مستمراً (Dynamic Process Model) يهتم بالمسار الزمني الميكرو-ثانوي لمعالجة المعلومات وكيفية تغير الحالة الوجدانية لحظة بلحظة مع كل فحص تقييمي جديد.

ومع هذا التباين الشكلي، تتجلى نقاط تكامل بالغة القوة بين النموذجين؛ إذ يتفق روزمان وشيرير على جوهر الأبعاد التقييمية الأساسية (الصلة بالهدف، التحكم، والوكالة)، وقد أثبتت الدراسات المشتركة والمقارنة أن كلاً من مصفوفة روزمان وفحوصات شيرير ترتبط بنمط منسق من التغيرات الفسيولوجية والتعبيرات الوجهية والصوتية الدقيقة، مما يعزز الفرضية القائلة بأن البنية المعرفية للانفعال تمتلك تجليات بيولوجية موحدة تعبر عن نفسها عبر منظومات الجسد المتعددة.

10.3 روزمان وفيبي إلسوورث وكريغ سميث

قدم الباحثان الأمريكيان فيبي إلسوورث (Phoebe Ellsworth) وكريغ سميث (Craig Smith) نموذجاً بارزاً للأبعاد التقييمية في منتصف ثمانينيات القرن العشرين، وتزامن طرحهما مع تطوير روزمان لنسخته المحدثة من نموذجه الهيكلي عام 1984. اشتركت هذه الفرق البحثية في السعي نحو استبدال النظريات الوصفية بمصفوفات أبعاد معرفية كمية تختبر قدرة التقييم على تمييز الفروق الدقيقة بين المشاعر المنفصلة.

ورغم التوافق الكبير في الأبعاد الجوهرية (كاليقين، ومطابقة الأهداف، والمسؤولية)، تميز نموذج سميث وإلسوورث بإدراج أبعاد نوعية محددة مثل بُعد الجهد المتوقع (Anticipated Effort)، وبُعد الانتباه المعرفي المطلوب (Attentional Activity)؛ حيث أظهرا أن بعض المشاعر كالمفاجأة والأمل تتطلب نشاطاً انتباهياً فائقاً بينما تتسم مشاعر أخرى بالخمول الإدراكي، وهو ما لم يفرده روزمان كبُعد مستقل بل أدرجه ضمنياً في تقييمات اليقين والمواجهة.

من جانبه، امتاز نموذج روزمان بالحفاظ على قدر أعلى من الاقتصاد النظري (Parsimony) والتماسك التكيفي، حيث ربط أبعاده المعرفية بميول الفعل التكيفية بدقة أكبر مما فعل سميث وإلسوورث اللذان ركزا على السمات الوصفية للتجربة الذاتية. وقد أسهم التنافس الخلاق بين هذه المدارس في صياغة مقاييس نفسية كمية بالغة الإحكام، أصبحت اليوم معياراً عالمياً في دراسة الوجدان البشري في شتى الجامعات ومراكز البحوث.

11. الانتقادات الموجهة لنموذج روزمان والحدود النظرية

11.1 جدلية الإدراك المعرفي والانفعال السريع

واجهت نظرية التقييم المعرفي لآيرا روزمان، منذ مهدها، نقداً فلسفياً وسيكولوجياً شرساً قاده عالم النفس الاجتماعي الشهير روبرت زايونس (Robert Zajonc) في المناظرة التاريخية المعروفة باسم “جدلية الإدراك والانفعال” (Cognition-Emotion Debate). جادل زايونس بأن “المشاعر لا تحتاج إلى استدلال”، مؤكداً أن الاستجابات الانفعالية يمكن أن تحدث بسرعة فائقة ودون أدنى تدخل من العمليات المعرفية، مستشهداً بظاهرة التعرض المجرد (Mere Exposure Effect) وردود الفعل الفورية على المخاطر القاتلة كالثعابين والهاويات.

تزايد هذا التحدي مع اكتشافات عالم الأعصاب جوزيف ليدو (Joseph LeDoux) حول ما يُعرف بـ “المسار السفلي السريع” في الدماغ؛ حيث تنتقل المعلومات الحسية الخام مباشرة من المهاد (Thalamus) إلى اللوزة الدماغية (Amygdala) دون المرور بالقشرة المخية المعرفية (Cortex)، مما يطلق استجابات الخوف والهرب الفسيولوجية قبل أن “يدرك” الفرد طبيعة المهدد أصلاً. اعتبر النقاد أن هذه الأدلة العصبية تهدم افتراض روزمان بأن التقييم المعرفي شرط حتمي ومسبق لولادة أي انفعال.

رد روزمان على هذا النقد بتقديم توضيحات دقيقة ومسهبة لمفهوم “المعرفة” في نظريته؛ مؤكداً أن التقييم المعرفي لا يتطلب بأي حال من الأحوال وعياً تأملياً بطيئاً أو صياغة لغوية منطقية، بل يشمل معالجات حسية وتلقائية سريعة للغاية تنجزها شبكات الدماغ العصبية المتطورة في ميلي-ثوانٍ. وشدد على أن تمييز المثير الخطر عن المثير الآمن، حتى عبر المسارات تحت القشرية في اللوزة الدماغية، هو في جوهره “تقييم” لملاءمة المثير لبقاء الكائن الحي، وبالتالي فإن الانفعال لا ينفصل أبداً عن عملية استخلاص المعنى التقييمي مهما بلغت سرعته.

11.2 عالمية النموذج والخصوصية الثقافية

يتمثل الانتقاد المنهجي الثاني الموجه لنموذج روزمان في مسألة العالمية مقابل النسبية الثقافية؛ إذ أُخذ على النموذج، في صيغه المبكرة، أنه صيغ واختُبر بشكل أساسي على عينات تنتمي إلى المجتمعات الغربية والصناعية والمتعلمة (مجتمعات WEIRD)، والتي تميل إلى تبني نظرة فردية صارمة تركز على استقلالية الذات والمسؤولية الشخصية والتحكم البيئي، وتلك قيم قد لا تحظى بالوزن ذاته في الثقافات الجمعية والشرقية.

أظهرت دراسات المقارنة العابرة للثقافات أن المعايير الثقافية تلعب دوراً وسيطاً هائلاً في صياغة مفاهيم الشرعية ومصادر المسؤولية؛ ففي الثقافات الجمعية (كاليابان أو بعض المجتمعات الشرق أوسطية)، يميل الأفراد إلى إسناد المسؤولية عن الأحداث السلبية إلى الذات الجماعية أو الظروف المشتركة بدلاً من لوم فرد آخر صراحة، مما يقلل من ظهور الغضب الفردي ويعزز مشاعر الخزي الجماعي أو الامتثال المتواضع، وهو ما يتطلب تدخلاً ثقافياً لتعديل أوزان مصفوفة التقييم.

اعترف روزمان بهذه الحدود وأسهم في قيادة دراسات للتحقق العابر للثقافات؛ وخَلصت النتائج إلى أن البنية التجريدية للتقييم تظل عالمية (بمعنى أن تقييم الانتهاك المتعمد مع السيطرة يولد الغضب في كل مكان على كوكب الأرض)، ولكن المدخلات والمضامين الثقافية هي التي تختلف؛ فالحدث الذي يُعتبر “إهانة متعمدة” في ثقافة ما قد يُفسر بوصفه “مزاحاً بريئاً” أو “واجباً اجتماعياً” في ثقافة أخرى، مما يبرز الحاجة الدائمة لدمج المتغيرات السوسيولوجية والأنثروبولوجية في قلب النموذج الهيكلي.

11.3 التعقيد الديناميكي والمشاعر المختلطة

يقف النموذج الهيكلي لروزمان في بعض الأحيان عاجزاً أمام تفسير التجارب الانفعالية المعقدة مثل ظاهرة المشاعر المختلطة (Mixed Emotions)؛ كأن يشعر الإنسان بالفرح والحزن في اللحظة الزمنية ذاتها (مثل يوم التخرج الدراسي أو مغادرة الوطن للهجرة لتحقيق مستقبل أفضل). يفترض نموذج روزمان الكلاسيكي توليفات تقييمية ثنائية التموضع يصعب فيها رياضياً التوفيق بين “متسق مع الدوافع” و”غير متسق مع الدوافع” في آن معاً دون تفكيكهما إلى حدثين منفصلين.

كما يعيب بعض منظري النظم الديناميكية على نموذج روزمان ميله نحو “التجميد الهيكلي” للخبرة الوجدانية؛ فالانفعالات في الواقع الحي تتدفق وتتحول وتتغير بتسارع هائل خلال ثوانٍ معدودة، بينما يتعامل النموذج مع كل انفعال كلقطة فوتوغرافية ثابتة ناتجة عن تقييمات مكتملة، متجاهلاً التغذية الراجعة المستمرة التي تُحدثها الاستجابات الجسدية والبيئية على التقييمات المعرفية ذاتها.

دفع هذا النقد الباحثين المعاصرين إلى الدعوة لدمج نموذج روزمان ضمن أطر النظم الديناميكية اللاخطية (Nonlinear Dynamical Systems)، حيث يُنظر إلى المشاعر بوصفها مسارات جاذبة (Attractor States) تتقلب وتستقر وتتحول باستمرار، مؤكدين أن مصفوفة روزمان تمثل تشريحاً ممتازاً للهيكل العظمي للانفعال، لكنها تحتاج إلى ديناميكا تدفق الدم والأعصاب لتفسير سيولة المشاعر الإنسانية في تعقيداتها الواقعية الحية.

12. إرث آيرا روزمان وآفاق البحث المستقبلي في علم نفس المشاعر

12.1 البصمة الأكاديمية والمكانة في تاريخ علم النفس

يحتل آيرا روزمان مكانة راسخة ولا جدال فيها كواحد من كبار معماريي النظرية المعرفية في علم النفس الوجداني الحديث. لقد أسهمت كتاباته الرصينة، الممتدة من أواخر السبعينيات وحتى الوقت الراهن، في ترسيخ فكرة التقييم المعرفي كمدخل تأسيسي حتمي لا غنى عنه لفهم العاطفة الإنسانية وتمايزها، محولاً دراسة المشاعر من فضاء التأمل الأدبي والفلسفي إلى علم دقيق يخضع للقياس التجريبي والتحليل الرياضي البنيوي.

تحظى أبحاث روزمان بحضور طاغٍ واستشهاد كثيف ومستمر في كبريات المراجع الجامعية وموسوعات علم النفس والطب النفسي العالمية. كما تدين له أجيال متعاقبة من علماء النفس الاجتماعي والمعرفي والسريري بالفضل في تزويدهم بأدوات مفاهيمية متماسكة مكنتهم من استكشاف ميادين شديدة التنوع؛ من العلاقات البين-شخصية إلى السلوك الانتخابي والنزاعات الدولية المسلحة، مما يجعل بصمته الأكاديمية إرثاً حياً ومتجدداً يرفض التقادم.

إن الرؤية التكاملية التي دافع عنها روزمان طوال مسيرته بجامعة روتجرز—والتي ترفض الفصل التعسفي بين العقل والعاطفة، وتؤكد أن الإنسان كائن انفعالي لأنه كائن مفكر، ومفكر لأنه كائن انفعالي—قد أصبحت اليوم إحدى البديهيات العلمية الراسخة التي يقوم عليها الفهم المعاصر للطبيعة البشرية وسلوكها الجمعي والفردي.

12.2 تطبيقات النموذج في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الوجدانية

شهد القرن الحادي والعشرون ولادة تطبيقات غير مسبوقة لنظرية روزمان في حقول التكنولوجيا المتقدمة، وتحديداً في ميدان الحوسبة الوجدانية (Affective Computing) وهندسة الذكاء الاصطناعي. تواجه النظم الحاسوبية المستقلة والوكلاء الأذكياء (Intelligent Agents) تحدياً هائلاً في فهم السياق البشري والتفاعل معه بذكاء اجتماعي؛ وهنا تقدم مصفوفة التقييم لروزمان الإطار الخوارزمي المثالي لبرمجة “عواطف مصطنعة” ذات وظائف تكيفية.

تستخدم الخوارزميات الحديثة أبعاد روزمان التقييمية لتمكين الروبوتات والوكلاء الأذكياء من تقييم مجريات الحوار أو البيئة وفقاً لأهدافها المصممة (الاتساق الدافعي، وكالة المستخدم، إمكانات المعالجة)، مما يسمح للنظام بإظهار استجابات تحاكي المشاعر البشرية الحقيقية؛ كإظهار التعاطف عند رصد حزن المستخدم، أو تقديم اعتذار وتصحيح ذاتي يحاكي سلوك “الذنب” عند ارتكاب خطأ برمجي أضر بالمستخدم، مما يرفع من جودة وكفاءة التفاعل بين الإنسان والآلة.

بالإضافة إلى ذلك، توظف نماذج معالجة اللغات الطبيعية (NLP) المتقدمة وتحليل المشاعر (Sentiment Analysis) أبعاد روزمان لتجاوز التصنيف السطحي للنصوص (إيجابي/سلبي)، نحو تفكيك دقيق للحالات الوجدانية الكامنة في النصوص الضخمة عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ عبر رصد مؤشرات الإسناد واللوم، مما يتيح التنبؤ بدقة بمسارات الرأي العام والأزمات السياسية والاجتماعية قبل انفجارها على أرض الواقع.

12.3 الرؤى المستقبلية لتطوير نظرية التقييم المعرفي

تتجه آفاق البحث المستقبلي المرتبطة بنموذج روزمان نحو بناء جسور أعمق مع علوم الأعصاب الإدراكية (Cognitive Neuroscience)؛ حيث يسعى الباحثون اليوم لاستخدام تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) والتخطيط الدماغي فائق الدقة (EEG) لرسم خرائط عصبية دقيقة تكشف كيف تترجم أبعاد التقييم المعرفي (كالوكالة والسيطرة واليقين) إلى شبكات وظيفية حيوية مترابطة داخل الدماغ، وتحديد الدوائر العصبية التي تدمج هذه التقييمات في قشرة الفص الجبهي واللوزة الدماغية والجزيرة (Insula).

كما تبرز الحاجة الملحة لتوظيف النموذج في فهم ومواجهة الأزمات الوجودية العالمية الكبرى التي تعصف بالقرن الحادي والعشرين، وفي مقدمتها قلق التغير المناخي (Eco-Anxiety)، والنزاعات الجيوسياسية المتجددة، والتحولات الرقمية العميقة. يساعد تفكيك التقييمات المعرفية المرتبطة بهذه الأزمات في فهم لماذا يصاب قطاع واسع من الإنسانية باليأس والإنكار والاستسلام السلبي (نتيجة لتقييم انعدام السيطرة والمواجهة)، وكيف يمكن إعادة صياغة الخطاب البيئي والسياسي العالمي لتوليد مشاعر الأمل الفاعل والغضب الأخلاقي البناء الذي يحفز العمل الجمعي العاجل لحماية مستقبل الكوكب.

ختاماً، يستمر نموذج آيرا روزمان في التوسع والتجدد، مستوعباً تعقيدات العصر الرقمي وعوالم التواصل الافتراضي، مبرهناً على أن البنية العميقة للإنسان—بأفراحه، ومخاوفه، وغضبه، وتطلعاته—تظل محكومة بقوانين معرفية أصيلة نسجتها ملايين السنين من التطور التكيفي، وأن فك شيفرة هذا الوجدان المعرفي يظل الشرط الأساسي لأي فهم حقيقي للذات الإنسانية ومصيرها المشترك.

خاتمة

قدم آيرا روزمان على مدار ما يزيد عن أربعة عقود من العطاء الأكاديمي الصارم أحد أكثر النماذج شمولاً ورصانة في تاريخ دراسة الانفعالات والمشاعر الإنسانية. من خلال تأسيسه للنموذج الهيكلي للتقييم المعرفي، نجح روزمان في نقل سيكولوجيا الوجدان من حيز الوصف العام إلى فضاء النمذجة البنيوية متعددة الأبعاد، مبرهناً على أن كل انفعال بشري—مهما بدا غامضاً أو عاصفاً—هو في حقيقته استجابة نفسية بالغة الدقة والتنظيم، تنبثق عن تفاعل متسق بين معالجات معرفية محددة تشمل مطابقة الأهداف، واليقين، ووكالة المسؤولية، وإمكانات السيطرة والمواجهة.

لم تتوقف قيمة أطروحات روزمان عند حدود المعرفة النظرية المحضة، بل امتدت لتشكل أداة ثورية أسهمت في إعادة صياغة فهمنا لثلاثية العداء، والعلاقات الاجتماعية، والتحشيد السياسي، وحل النزاعات بين الجماعات، وتطوير استراتيجيات العلاج المعرفي السلوكي، وصولاً إلى بناء خوارزميات الحوسبة الوجدانية والذكاء الاصطناعي في عصرنا الحاضر. إن الإرث العلمي الذي خطه آيرا روزمان يظل دليلاً ساطعاً على وحدة العقل والشعور في الكيان البشري، وبوصلة لا غنى عنها لكل باحث يسعى لسبر أغوار الوعي الإنساني وفهم القوى الوجدانية الفاعلة التي تُحرك تاريخ الأفراد والمجتمعات على حد سواء.

المراجع

  • Arnold, M. B. (1960). Emotion and personality (Vols. 1-2). Columbia University Press.
  • Ellsworth, P. C., & Smith, C. A. (1988). From appraisal to emotion: Differences among unpleasant feelings. Motivation and Emotion, 12(3), 271–302. https://doi.org/10.1007/BF00993115
  • Lazarus, R. S. (1991). Emotion and adaptation. Oxford University Press. https://global.oup.com/academic/product/emotion-and-adaptation-9780195069945
  • LeDoux, J. E. (1996). The emotional brain: The mysterious underpinnings of emotional life. Simon & Schuster.
  • Roseman, I. J. (1979). Cognitive aspects of emotion and emotional behavior. Paper presented at the 87th Annual Convention of the American Psychological Association, New York.
  • Roseman, I. J. (1984). Cognitive determinants of emotion: A structural theory. Review of Personality & Social Psychology, 5, 11–36.
  • Roseman, I. J. (1991). Appraisal determinants of discrete emotions. Cognition & Emotion, 5(3), 161–200. https://doi.org/10.1080/02699939108411034
  • Roseman, I. J., Antoniou, A. A., & Jose, P. E. (1996). Appraisal determinants of emotions: Constructing a more accurate and comprehensive representation. Cognition & Emotion, 10(3), 241–278. https://doi.org/10.1080/026999396380240
  • Roseman, I. J., & Smith, C. A. (2001). Appraisal theory: Overview, assumptions, varieties, controversies. In K. R. Scherer, A. Schorr, & T. Johnstone (Eds.), Appraisal processes in emotion: Theory, methods, research (pp. 3–19). Oxford University Press.
  • Roseman, I. J. (2011). Emotional behaviors, emotivational goals, action tendencies, and adaptations: A framework for categorization and writing emotion stories. Emotion Review, 3(4), 430–443. https://doi.org/10.1177/1754073911410744
  • Roseman, I. J. (2018). Rejecting the bad versus overcoming the worse: Motivational differences between contempt and anger. Journal of Social Issues, 74(4), 676–698. https://doi.org/10.1111/josi.12294
  • Scherer, K. R. (2001). The nature and study of appraisal: A review of the issues. In K. R. Scherer, A. Schorr, & T. Johnstone (Eds.), Appraisal processes in emotion: Theory, methods, research (pp. 369–392). Oxford University Press.
  • Smith, C. A., & Ellsworth, P. C. (1985). Patterns of cognitive appraisal in emotion. Journal of Personality and Social Psychology, 48(4), 813–838. https://doi.org/10.1037/0022-3514.48.4.813
  • Zajonc, R. B. (1984). On the primacy of affect. American Psychologist, 39(2), 117–123. https://doi.org/10.1037/0003-066X.39.2.117
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات