السيرة
يمثل تاريخ علم النفس التجريبي في القرن العشرين ملحمة فكرية ومنهجية سعت لنقل دراسة العقل والسلوك البشري من أروقة الفلسفة التأملية والاستبطان الذاتي إلى مصاف العلوم الطبيعية الدقيقة الخاضعة للقياس الكمي والتحقق المختبري الصارم. وفي قلب هذا التحول المعرفي الجذري، برز العالم الأمريكي الكندي كينيث وارتينبي سبنس (Kenneth Wartinbee Spence) بوصفه أحد ألمع المنظرين والعلماء التجريبيين الذين قادوا حركة “السلوكية الجديدة” (Neo-Behaviorism). تميز سبنس بقدرته الاستثنائية على الجمع بين النمذجة الرياضية المنضبطة والفلسفة الوضعية المنطقية والتصميم التجريبي متناهي الدقة، مما مكّنه من صياغة إطار نظري وتجريبي ظل مهيمناً على بحوث التعلم والاشتراط والدافعية لعقود متتالية.
لم يكن كينيث سبنس مجرد باحث تجريبي يراكم الملاحظات المعملية، بل كان مهندساً إبستمولوجياً بارعاً أعاد هيكلة مصفوفة السلوك الاستنباطية التي وضع أسسها معلمه وشريكه الفكري كلارك ل. هال (Clark L. Hull). فبينما كانت السلوكية الكلاسيكية المرتبطة بجون واطسون تعاني من الاختزال المفرط وسطحية نموذج “المثير-الاستجابة” المباشر، تقدم سبنس ببديل منهجي متكامل يعتمد على “المتغيرات المتداخلة” المصاغة صياغة رياضية دقيقة، محولاً المفاهيم النفسية غير المرئية كالحافز، وقوة العادة، والجهد الاستثاري، والتثبيط إلى دوال وظيفية قابلة للاختبار والتفنيد وفقاً لأرقى معايير الاستدلال الإحصائي والفيزيائي.
تستكشف هذه المقالة الأكاديمية الشاملة سيرة كينيث سبنس ومسيرته العلمية، متتبعة جذور تكوينه المعرفي في جامعتي ماكغيل وييل، وعمله التأسيسي في محطات أبحاث الرئيسيات مع روبرت يركيز، قبل أن تركز على نظريته الذائعة في تعلم التمييز، ومساهمته الثورية في إدخال الدافعية الباعثة (K)، وتطويره لبارادايم إشراط رمشة العين، وصولاً إلى تعاونه الأكاديمي مع زوجته جانيت تايلور سبنس في دراسة القلق والأداء الحركي والمعرفي. إن الغوص في تراث سبنس ليس مجرد استرجاع تاريخي لأحد أعمدة مدرسة آيوا السلوكية، بل هو تفكيك للآليات المنهجية التي شكلت البنية التحتية لعلم النفس المعاصر، وعلم الأعصاب السلوكي، ونماذج التعلم الحسابي والذكاء الاصطناعي اليوم.
1. النشأة والخلفية التاريخية والتكوين الأكاديمي المبكر لكينيث سبنس
1.1 السنوات الأولى والتعليم في جامعة ماكغيل
ولد كينيث وارتينبي سبنس في مدينة شيكاغو بولاية إلينوي الأمريكية في السادس من مايو عام 1907، لعائلة ذات جذور بريطانية، حيث كان والده مهندساً كهربائياً مرموقاً تطلبت طبيعة عمله التنقل المستمر بين المراكز الصناعية الكبرى في أمريكا الشمالية والمملكة المتحدة. في سن مبكرة، انتقل سبنس مع أسرته إلى إنجلترا، حيث تلقى تعليمه الأساسي في بيئة مدرسية بريطانية اتسمت بالانضباط الصارم والتركيز العالي على العلوم الكلاسيكية والرياضيات، وهو ما غرس في عقله الناشئ ميلاً بنيوياً نحو التفكير المنطقي والتحليل الرياضي الخالي من الاستطراد الأدبي العاطفي.
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، عادت العائلة لتستقر في كندا، حيث التحق سبنس بـ جامعة ماكغيل (McGill University) العريقة في مونتريال. في بداية مساره الجامعي، انصبت اهتمامات سبنس الأكاديمية على دراسة العلوم الفيزيائية والبيولوجية؛ فقد كان مسحوراً بالدقة المتناهية التي تتميز بها قوانين الديناميكا الحرارية والميكانيكا الكلاسيكية، فضلاً عن النماذج الفسيولوجية التي تفسر التنظيم الذاتي للكائنات الحية. إلا أن اتصاله بأستاذ علم النفس التجريبي الدكتور ويليام دي. تيت (William D. Tait) أحدث تحولاً مصيرياً في مساره الفكري، حيث أدرك سبنس أن أعظم تحدٍ معرفي يواجه العلم الحديث لا يكمن في سبر أغوار المادة غير الحية، بل في إخضاع السلوك الحيواني والإنساني المعقد للمناهج الرياضية والتجريبية الصارمة ذاتها المعمول بها في الفيزياء والكيمياء.
نال سبنس درجة البكالوريوس في الآداب بتفوق ملحوظ من جامعة ماكغيل عام 1929، وسرعان ما واصل دراسته في الجامعة نفسها ليحصل على درجة الماجستير عام 1930، حيث ركزت أبحاثه المبكرة على قياس الانعكاسات الحركية وعتبات الإدراك الحسي. خلال هذه المرحلة التكوينية في ماكغيل، تبلورت لدى سبنس القناعة الراسخة بأن علم النفس لن يحقق مرتبة العلم الطبيعي المكتمل ما لم يتخلص تماماً من بقايا الميتافيزيقا الفلسفية والمصطلحات الاستبطانية غير القابلة للرصد، مؤكداً أن القياس الدقيق للسلوك الموضوعي والضبط المعملي الدقيق للمتغيرات المستقلة هما السبيل الوحيد لبناء صرح سيكولوجي علمي رصين.
1.2 مرحلة جامعة ييل والعمل مع روبرت يركيز وكلارك هال
مدفوعاً برغبته العميقة في التعمق في دراسة آليات التعلم واكتساب السلوك وفق المعايير السلوكية الأشد صرامة، تقدم سبنس للالتحاق ببرنامج الدراسات العليا في جامعة ييل (Yale University) العريقة عام 1930، والتي كانت آنذاك تشهد عصراً ذهبياً جعل منها العاصمة الفكرية الأولى لعلم النفس التجريبي في العالم بفضل تأسيس معهد العلاقات الإنسانية (Institute of Human Relations).
في جامعة ييل، وجد سبنس نفسه في بؤرة تفاعل أكاديمي فريد؛ إذ عمل باحثاً ومساعداً ميدانياً في مختبرات عالم الحيوان والرئيسيات الشهير روبرت م. يركيز (Robert M. Yerkes) المخصصة لدراسة بيولوجيا وسلوك الرئيسيات، والتي كانت مقراتها تتوزع بين نيو هيفن ومحطة أورانج بارك في فلوريدا. كُرِّس عمل سبنس الميداني لدراسة التعلم البصري، وقدرات حل المشكلات، والاشتراط التمييزي لدى الشمبانزي والقردة العليا. وفرت له هذه التجربة فهماً عميقاً للخصائص الفسيولوجية والسلوكية للكائنات العليا، وأكسبته براعة فائقة في تصميم الأجهزة التجريبية المعقدة التي تحيد تماماً إمكانية التواصل الإشاري غير المقصود بين الباحث والحيوان الخاضع للتجربة.
بالتوازي مع عمله في مختبرات يركيز، وقع سبنس تحت التأثير الفكري المباشر لـ كلارك ل. هال (Clark L. Hull)، الذي كان يقود في ييل مشروعاً طموحاً يهدف إلى صياغة نظرية رياضية استنباطية شاملة للسلوك. أُعجب هال بالذكاء التحليلي الفذ للشاب سبنس وقدرته العالية على التجريد الرياضي والصياغة المنطقية، وسرعان ما تحولت العلاقة بين الأستاذ وتلميذه إلى شراكة علمية تاريخية صاغت أسس نظرية التعلم الحديثة. توج سبنس هذه المرحلة بنيل درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1933، بأطروحة تأسيسية رائدة تناولت “التعلم البصري والتمييزي لدى الشمبانزي”، والتي وضعت اللبنات الأولى لنظريته الشهيرة في التمييز وعممت استخدام الرياضيات في نمذجة مسارات الاكتساب والانطفاء الشرطي.
1.3 السياق التاريخي لظهور السلوكية الجديدة (Neo-Behaviorism)
لفهم المشروع العلمي لكينيث سبنس، لا بد من وضعه داخل السياق التاريخي الأوسع لتطور علم النفس السلوكي في ثلاثينيات القرن العشرين. كانت السلوكية الكلاسيكية (Classical Behaviorism) التي أسسها جون واطسون (John B. Watson) عام 1913 قد نجحت في إبعاد علم النفس عن مأزق الاستبطان التيتشنري، لكنها سرعان ما واجهت أزمة نظرية عميقة تمثلت في “سذاجة النموذج الميكانيكي للمثير والاستجابة البسيط” (S-R Mechanism). عجز نموذج واطسون العضوي المباشر عن تفسير التباين السلوكي الهائل؛ أي لماذا يستجيب الكائن الحي بطرق مختلفة لنفس المثير البيئي في أوقات متفرقة، وكيف تتداخل الحالات الفسيولوجية الداخلية والدوافع في توجيه السلوك وتحديد كفاءته.
في هذا التوقيت بالذات، شهدت فلسفة العلم صعود حركة الوضعية المنطقية (Logical Positivism) التي انطلقت من حلقة فيينا ومدرسة برلين، وانتقلت سريعاً إلى الأوساط الأكاديمية الأمريكية على يد فلاسفة مثل رودولف كارناب وهانز ريشنباخ، مقترنةً بمفهوم “العملياتية الإجرائية” (Operationalism) الذي صاغه الفيزيائي بيرسي بريدجمان. تلقف علماء النفس من جيل السلوكية الجديدة—وعلى رأسهم كلارك هال، وكينيث سبنس، وإدوارد تولمان—هذه التطورات الإبستمولوجية لإعادة بناء السلوكية على أسس أكثر تطوراً.
تحدد الموقع الفكري لسبنس في نقطة تقاطع استراتيجية وحاسمة: فقد رفض السلوكية الراديكالية الواطسونية لعجزها عن التفسير، ورفض في الوقت نفسه “السلوكية الغائية الإدراكية” لـ إدوارد تولمان (Edward C. Tolman) لاعتقاده أنها تفرط في إدخال مفاهيم عقلية غير مقننة رياضياً تشبه “الأشباح داخل الآلة”. بدلاً من ذلك، أسس سبنس رؤيته الخاصة للتنظير الرياضي الصارم، مقترحاً نموذجاً سلوكياً جديداً يستوعب “العمليات الداخلية الوسيطة” بين المثير والاستجابة، بشرط أن تُعرف هذه العمليات تعريفاً إجرائياً دقيقاً وتُصاغ كدوال رياضية صارمة ترتبط بمدخلات تجريبية محددة ومخرجات سلوكية قابلة للملاحظة والقياس الموضوعي.
2. الأسس الإبستمولوجية وفلسفة العلم في فكر كينيث سبنس
2.1 تبني الوضعية المنطقية والعملياتية الإجرائية
يُعد كينيث سبنس من أكثر علماء النفس في التاريخ التزاماً وتجسيداً للمنهج الإبستمولوجي المستمد من حلقة فيينا وفلسفة العملياتية لـ بيرسي بريدجمان (Percy W. Bridgman). رأى سبنس أن الأزمة الأزلية لعلم النفس كانت دائماً أزمة لغوية ومنهجية ناجمة عن استعارة مفاهيم مشتقة من لغة الحياة اليومية الفضفاضة، أو من التأملات الفلسفية الميتافيزيقية، واستخدامها كما لو كانت كيانات علمية ملموسة (مثل “الوعي”، و”الإرادة”، و”الأفكار”). ومن ثم، أكد سبنس أن علم النفس التجريبي يجب أن يخضع لنفس معايير التحقق الصارمة المفروضة في علوم الفيزياء والكيمياء.
تقتضي العملياتية الإجرائية في منظور سبنس ربط كل مصطلح أو مفهوم نظري بسلسلة محددة وغير قابلة للتأويل من العمليات التجريبية الفيزيائية المستخدمة لقياسه أو معالجته. فعلى سبيل المثال، لا يجوز تعريف “الدافع” أو “الجوع” بحالة شعورية ذاتية من الرغبة، بل يجب تعريفه إجرائياً بـ “عدد ساعات الحرمان من الطعام” أو “النسبة المئوية لانخفاض وزن الجسم عن وزنه الطبيعي في حالة التغذية الحرة”. هذا التحديد الإجرائي يضمن أمرين محوريين: الأول هو القضاء التام على اللغة الاستبطانية الغامضة والذاتية التي لا يمكن تعميمها، والثاني هو ضمان الموضوعية العلمية وإمكانية تكرار التجربة (Replicability) عبر مختلف المختبرات العالمية بدقة مطلقة، بحيث يحصل أي باحث يطبق نفس الإجراءات المعملية على نفس المخرجات السلوكية بالضرورة.
2.2 طبيعة المتغيرات المتداخلة (Intervening Variables)
في عام 1938، قدم إدوارد تولمان مفهوم “المتغيرات المتداخلة” (Intervening Variables)، لكن كينيث سبنس هو من منح هذا المفهوم نقاءه المنطقي والرياضي الأكمل، مقيماً تمييزاً إبستمولوجياً حاسماً بين نوعين من المفاهيم الوسيطة: “المتغيرات المتداخلة الخالصة” (Pure Intervening Variables) و”البناءات الفرضية” (Hypothetical Constructs)، وهو التمييز الذي فصّله لاحقاً ماكوركوديل وميهل (MacCorquodale & Meehl) تأثراً بكتابات سبنس.
أصر سبنس على أن المتغيرات المتداخلة في نظريته ليست كيانات فسيولوجية حقيقية كامنة داخل الجهاز العصبي، وليست آليات سيكولوجية عقلية خفية تمتلك وجوداً أنطولوجياً مستقلاً، بل هي “دوال رياضية مجردة” (Mathematical Functions) تربط الشروط التجريبية السابقة (المدخلات المستقلة: كعدد محاولات التدريب، وفترة الحرمان، وشدة المثير) بالاستجابات السلوكية الناتجة (المخرجات التابعة: كالسرعة، وزمن الرجع، وسعة الانعكاس). حذر سبنس بشدة من “الإفراط في إضفاء الطابع الفسيولوجي المباشر” (Neuro-reductionism) في غياب الأدلة التجريبية الاختزالية القاطعة؛ إذ اعتبر أن محاولة ربط كل متغير سلوكي بمسار عصبي افتراضي غير مرئي في ذلك الوقت هو هروب من بناء القوانين السلوكية الصارمة على مستواها الوظيفي الخاص. لقد رأى سبنس في الصياغات الصورية التجريدية وسيلة مثالية لتوحيد لغة البحث النفسي التجريبي، تماماً كما وحدت الرموز الجبرية والمعادلات الرياضية قوانين الميكانيكا الكلاسيكية دون الحاجة لتفسير ماهية الجاذبية ذاتها أبعد من معادلتها الرياضية.
2.3 بناء النماذج الاستنباطية-الفرضية (Hypothetico-Deductive Method)
آمن كينيث سبنس بأن الملاحظة الاستقرائية البسيطة وتجميع البيانات المعملية العشوائية—على غرار المنهج الباكوني الكلاسيكي أو السلوكية الوصفية لـ ب. ف. سكينر (B. F. Skinner)—غير كافية لبناء علم ناضج. وبدلاً من ذلك، كان المدافع الشرس عن المنهج الاستنباطي الفرضي (Hypothetico-Deductive Method). يتألف هذا المنهج في نظر سبنس من خطوات محكمة تبدأ بوضع مجموعة من المسلمات والبديهيات الأولية (Postulates) المصاغة رياضياً، والتي تحدد العلاقات الكمية المفترضة بين المتغيرات المستقلة، والمتغيرات المتداخلة، والاستجابات الظاهرة.
من هذه المسلمات الأولية، يقوم الباحث باشتقاق نظري واستنباط منطقي رياضي دقيق لتنبؤات ونتائج محددة تصف ما ينبغي أن يحدث في مواقف تجريبية جديدة لم تُختبر بعد. تُعرض هذه التنبؤات بعد ذلك لمحك الاختبار المعملي القاسي؛ فإذا توافقت البيانات الكمية مع التنبؤ، تعززت الثقة في النموذج النظري، وإذا جاءت البيانات متناقضة مع التنبؤ الرياضي، وُجب دحض النظرية فوراً أو إدخال تعديلات جوهرية ومحددة على مسلماتها الأولية لحساب الانحراف الملاحظ. تميز سبنس بحرصه الاستثنائي على التوازن بين النماذج الرياضية الصارمة والواقع التجريبي في المختبر؛ فقد كان مستعداً دائماً للتخلي عن أي معادلة نظرية أنيقة إذا أظهرت القياسات المعملية الدقيقة خللاً في دقتها التنبؤية. ومن هذا المنطلق، اتخذ سبنس موقفاً معارضاً بشدة لجميع المقاربات الوصفية غير المقننة وغير الرياضية في دراسة التعلم، معتبراً إياها مرحلة ما قبل علمية تعيق تقدم علم النفس وتجعله أسيراً للجدل الفلسفي العقيم.
3. نظرية هال-سبنس في التعلم: الصياغة والمراجعات الجوهرية
3.1 الشراكة الفكرية بين كلارك هال وكينيث سبنس
تُعد الشراكة العلمية بين كلارك هال وكينيث سبنس من أخصب وأهم الشراكات في تاريخ العلوم الإنسانية؛ إذ نتج عنها ما بات يُعرف في تاريخ السيكولوجيا باسم “منظومة هال-سبنس” (Hull-Spence Theory of Learning). بدأت هذه الشراكة في جامعة ييل واستمرت حتى بعد انتقال سبنس لتولي قيادة قسم علم النفس في جامعة آيوا عام 1938. كان هال المنظر الجسور صاحب الرؤية الكلية التوسعية والمخططات الرياضية الشاملة التي تهدف لتفسير كل جوانب السلوك البشري والحيواني، بينما كان سبنس العقل الناقد الصارم والمحلل المنطقي والرياضي الذي شذب أفكار هال، وعزل الثغرات المنهجية في فرضيته، وصمم التجارب الحاسمة لاختبارها.
قدم سبنس مساهمات محورية في تعديل وتبسيط معادلات هال البالغة التعقيد، محولاً الكثير من صياغات هال الافتراضية المرهقة إلى نماذج رياضية وظيفية أكثر وضوحاً وقابلية للاختبار والتكرار المعملي. تمتع سبنس باستقلالية فكرية تامة؛ فلم يكن تابعاً لهال بل كان نداً فكرياً وجّه نقداً لاذعاً لبعض تعميمات هال غير المدعومة بالبيانات المعملية الدقيقة، وخاصة المتعلقة بربط التعلم حصراً بآلية خفض الدافع الفسيولوجي المباشر، وتعميم معادلات المنحنيات الأسية دون تمييز كافٍ بين خصائص المهام التجريبية المختلفة. هذا التفاعل الجدلي قاد إلى تحول جوهري من النموذج الأحادي الميكانيكي الجامد الذي تبناه هال في كتابه الكلاسيكي “مبادئ السلوك” (Principles of Behavior, 1943)، إلى صيغة أكثر مرونة وواقعية، تمثلت في أبحاث سبنس المعملية المكثفة التي توجت بمؤلفه التأسيسي “نظرية السلوك والاشتراط” (Behavior Theory and Conditioning) الصادر عام 1956.
3.2 معادلة جهد الاستجابة وتحليل مكوناتها الرياضية
في قلب منظومة هال-سبنس يقبع مفهوم مركزي هو “جهد الاستجابة التوليدي” أو “الجهد الاستثاري” ويرمز له بالرمز الرياضي ($E$ أو $_sE_R$). يمثل هذا المتغير المتداخل المحصلة الدافعة والنهائية التي تحدد ما إذا كان السلوك سيظهر في الواقع الفيزيائي أم لا، وتتحكم بشكل مباشر في الخصائص الكمية للسلوك مثل سعة الاستجابة (Amplitude)، وسرعتها (Latency/Speed)، ومقاومتها للانطفاء (Resistance to Extinction). وفقاً للتعديل الرياضي الجوهري الذي قدمه سبنس، تتشكل قيمة $_sE_R$ من خلال الدالة التفاعلية التالية:
_sE_R = f(_sH_R times (D + K)) – (I_R + _sI_R)
حيث يخضع كل مكون في هذه المنظومة الحسابية لتعريف وقياس إجرائي دقيق للغاية:
- قوة العادة ($_sH_R$ – Habit Strength): تمثل العامل البنائي أو الرابطة الارتباطية الدائمة بين المثير والاستجابة. تتحدد حصراً بعدد محاولات التعزيز والاقتران السابقة ($N$). صاغها سبنس كدالة أسية تزايدية تقترب من حد أقصى وفق المعادلة: _sH_R = M(1 – 10^{-aN})، حيث $M$ يمثل الحد الأقصى النظري للعادات، و$a$ يمثل معدل النمو لكل محاولة.
- الدافع الداخلي العام ($D$ – Drive): يمثل مستوى الاستثارة الفسيولوجية العامة للكائن الحي الناتجة عن حالات الحرمان البيولوجي (مثل الجوع أو العطش)، أو المحفزات التجنبية المؤلمة (مثل الصدمات الكهربائية). يعمل $D$ كمعامل تضخيم وتنشيط للعادات القائمة وليس كعامل موجه بحد ذاته.
- الحافز الباعث ($K$ – Incentive Motivation): وهو المتغير الذي صاغه سبنس بصورة ثورية ليمثل الخصائص الفيزيائية للمكافأة الخارجية (حجمها، نوعيتها، وقيمتها التوقعية)، وتفاعلها مع حالة الكائن الداعمة.
- كف الاستجابة والكف الشرطي ($I_R + _sI_R$ – Inhibitory Potential): تمثل قوى التثبيط السلوكي؛ حيث يمثل $I_R$ (الكف التفاعلي) حالة شبيهة بالإجهاد الفسيولوجي الناتج عن بذل الجهد الحركي ويتراكم مع تكرار الاستجابة ويزول بالراحة، بينما يمثل $_sI_R$ (الكف الشرطي) تثبيطاً متعلماً ومرتبطاً بالمثيرات البيئية نتيجة غياب التعزيز. يُطرح مجموع هذين الكفين من الجهد الاستثاري الإجمالي للوصول إلى “الجهد الاستثاري الفعال” ($_s\bar{E}_R$).
تنبثق الاستجابة القابلة للملاحظة فقط إذا تجاوز الجهد الاستثاري الفعال “عتبة الاستجابة” ($L$ – Reaction Threshold)، وخضع للذبذبة التذبذبية العشوائية العصبية ($O$ – Behavioral Oscillation)، وهو ما يفسر تقلب السلوك الفردي حتى في ظل الظروف التجريبية الموحدة.
3.3 مفهوم التعزيز والاشتراط المعزز عند سبنس
من أهم النقاط الخلافية التي ميزت فكر كينيث سبنس عن كلارك هال ومدرسة ثورندايك الكلاسيكية هي نظرته لطبيعة وميكانيكية “التعزيز” (Reinforcement). كان هال متمسكاً بفرضية فسيولوجية اختزالية مؤداها أن التعزيز هو بالضرورة وبشكل حصري “خفض مباشر للدافع البيولوجي الأولي” (Drive-Reduction Theory) أو خفض لمثيرات الدافع الحشوية المؤلمة ($S_D$).
رفض سبنس هذا الموقف الحتمي استناداً إلى أدلة تجريبية جمعها من دراسات الإشراط والتعلم التمييزي؛ حيث لاحظ أن الكائنات الحية تتعلم استجابات جديدة وتثبتها حتى عندما تكون المكافأة مادة غير قابلة للهضم الفسيولوجي (مثل السكرين الذي يوفر إحساس التذوق دون توفير طاقة حرارية تخفض جوع الخلايا)، أو عندما تُقدم المكافأة في مواقف تجريبية تحول دون الخفض الفعلي للدافع الأولي في وقت حدوث الاستجابة. بناءً على ذلك، أعاد سبنس تفسير التعزيز ليس كآلية ضرورية لترسيخ الروابط العصبية بين المثير والاستجابة—حيث مال للاعتقاد بأن الاقتران الزمني الكافي (Contiguity) قد يكون مسؤولاً عن تكوين الرابطة التأسيسية—بل اعتبر التعزيز عاملاً حيوياً لتحفيز الأداء عبر آلية استجابات التوقع الشرطية وتوليد الباعث ($K$).
فسر سبنس آليات الثواب وتأثيراتها التراكمية على استقرار السلوك بأنها تغير حالة التوقع الحافزي لدى الكائن الحي؛ فالمكافأة المتكررة تعزز شبكة من الاستجابات التكيفية التي تُشترط مع مثيرات سياق التجربة. كما توسع في التطبيقات المعملية لجدولة التعزيز في التجارب المقارنة، مبرهناً رياضياً على أن التعزيز الجزئي (Partial Reinforcement) يخلق صراعاً استثارياً وكفياً يجعل السلوك الناتج أكثر مقاومة للانطفاء لاحقاً (ظاهرة مقاومة التعزيز الجزئي للانطفاء PREE)، نظراً لأن غياب الثواب يصبح جزءاً من النسيج الإشراطي المولد لجهد الاستجابة الفعال.
4. ديناميات الدافعية والتحفيز: إسهام سبنس في إدخال متغير (K)
4.1 إعادة صياغة الدافعية الباعثة (Incentive Motivation – K)
يُعد إدخال متغير الدافعية الباعثة (Incentive Motivation) وتعيينه بالرمز الرياضي ($K$) تكريماً للباحث كينيث سبنس نفسه، النقلة الأكثر راديكالية وتأثيراً في مسار نظرية التعلم السلوكية في منتصف القرن العشرين. قبل أبحاث سبنس، كان نموذج هال ينظر إلى المكافأة بوصفها متغيراً يؤثر حصراً في الماضي؛ أي أن وظيفتها تقتصر على ترسيخ قوة العادة ($_sH_R$) للارتباطات التي حدثت للتو.
غير أن سبنس لاحظ وجود تناقض صارخ في هذه الفرضية: إذا تم تدريب مجموعتين من الفئران في مسار الجري (Runway) تحت نفس مستوى الحرمان الفسيولوجي (الجوع)، ولكن قُدمت لإحدى المجموعتين كمية طعام صغيرة وقُدمت للأخرى كمية ضخمة، فإن المجموعة ذات المكافأة الأكبر تبدي سرعة ركض فائقة وأداءً حركياً أقوى بكثير منذ المحاولات الأولى. والأهم من ذلك، أنه إذا قُلبت كميات المكافأة بين المجموعتين بصورة مفاجئة، فإن سرعة الجري تتغير بشكل فوري وشبه آني يتجاوز أي تفسير يستند إلى النمو التراكمي البطيء لقوة العادة. هذا التغير الدراماتيكي—الذي وثقته تجارب “كرسبي” (Crespi Effect)—دفع سبنس إلى الفصل الحاسم والنهائي بين الدافع الفسيولوجي الداخلي ($D$) والجاذبية التحفيزية لمكافأة السلوك الخارجية ($K$). أثبت سبنس أن خصائص المعزز (حجمه، نوعيته، سرعة تقديمه) تعدل السلوك آنياً عن طريق تغيير متغير الأداء ($K$) دون الحاجة لتغيير قوة العادة التحتية فوراً، وهو ما مهد الطريق لإنشاء نظريات الدافعية الحديثة القائمة على توقع الحافز.
4.2 التفاعل الرياضي: النماذج الجمعية مقابل النماذج الضربّية
أشعل إدخال المتغير ($K$) سجالاً رياضياً وفلسفياً عميقاً بين هال وسبنس حول طبيعة المعادلة الحسابية التي تجمع بين الدافع الأولي ($D$) والحافز الباعث ($K$). في نموذج هال المعدل لعام 1952، افترض هال أن العلاقة بينهما ضربية بحتة، أي أن الدافعية الكلية تساوي حاصل ضرب الدافع في الحافز $(D \times K)$. كان مبرر هال هو أن الكائن إذا كان في حالة حرمان صفرية ($D = 0$)، فإن الحافز الخارجي لن يثير أي سلوك، وبالتالي فإن $(0 \times K = 0)$.
على النقيض من ذلك، قاد سبنس سلسلة من التجارب المعملية المحكمة لاختبار هذه الفرضية، متسائلاً: هل الصيغة الرياضية المثلى هي الضرب $(D \times K)$ أم الجمع والتفاعل المستقل $(D + K)$؟ أجرى سبنس تجارب معقدة على فئران خضعت لمستويات متفاوتة من الحرمان من الطعام أو الماء، مع تغيير منتظم ومتقاطع لمقادير المكافأة المقدمة في نهاية مسار الجري، محللاً سرعات الانطلاق وسرعات الجري الكلية. كشفت بيانات سبنس التجريبية أن العلاقة الجمعية $(D + K)$ تفسر البيانات المعملية بدقة متناهية تفوق الصيغة الضربية في معظم مواقف التعلم الوسيلي التنافسي؛ فالدافع الفسيولوجي العام والحافز الباعث يعملان كرافدين مستقلين يصبان في بركة دافعية مشتركة ترفع الجهد الاستثاري الإجمالي ($_sE_R$). كان لهذه المناظرة الرياضية آثار نظرية بعيدة المدى؛ إذ فتحت الباب لتحليل كيفية تفاعل الرغبات الداخلية العضوية مع الإغراءات الخارجية الموقفية في توجيه السلوك الحيواني والبشري، مبرهنة على تفوق التحليل الرياضي لسبنس في التقاط التعقيدات السلوكية التي عجزت عنها النماذج الضربية التبسيطية.
4.3 الاستجابة التوقعية الكسرية للهدف كبناء مادي وسيط
لم يكتفِ سبنس بالمعالجة الرياضية المجردة لمتغير ($K$)، بل بحث عن آلية فسيولوجية-سلوكية مادية يمكن ملاحظتها إجرائياً لتفسير كيف يمكن للمكافأة المستقبلية أن تؤثر في السلوك الحاضر دون الانزلاق إلى مستنقع التفسيرات “الغائية العقلانية” (Teleology) غير السلوكية التي تفترض أن الكائن “يفكر في المستقبل ويخطط له”. وكان الحل العبقري الذي تبناه وطوره سبنس هو ميكانيزم “الاستجابة التوقعية الكسرية للهدف” (Fractional Anticipatory Goal Response)، والتي يُرمز لها اصطلاحياً بالرمز ($r_g – s_g$).
تستند هذه الآلية المادية إلى قواعد الإشراط الكلاسيكي البافلوفي الصارم:
- عندما يصل الكائن إلى صندوق الهدف (Goal Box) ويلتهم الطعام، تحدث استجابة استهلاك كلية ($R_G$) تشمل المضغ والبلع والإفرازات اللعابية والمعدية.
- تتألف هذه الاستجابة من أجزاء حركية وانعكاسية مستقلة. تسمى هذه الأجزاء المصغرة من استجابة الهدف بـ “الاستجابة الكسرية للهدف” ($r_g$).
- بفضل الاقتران الشرطي المتكرر، تصبح المثيرات البيئية المميزة للمسار والمتاهة (الأرضية، الجدران، الروائح) مثيرات شرطية قادرة على استدعاء هذه الاستجابات الكسرية ($r_g$) قبل وصول الحيوان إلى صندوق الهدف الفعلي.
- تولد استجابة $r_g$ التلقائية بدورها نبضات ومثيرات حشوية وعضلية داخلية تسمى “مثيرات النبضات الحركية للهدف” ($s_g$).
يعمل هذا المركب الحركي الداخلي الدقيق ($r_g – s_g$) كجسر مادي يربط نهاية المسار السلوكي ببدايته؛ حيث تصبح هذه المثيرات الداخلية ($s_g$) بمثابة دوافع وبواعث موضعية تحث الكائن على تسريع حركته. وبذلك استطاع سبنس أن يفسر العمليات التي تبدو ظاهرياً “معرفية وتوقعية” بلغة ميكانيكية سلوكية وفيزيقية خالصة، مقدماً الرد الأكثر إحكاماً على الانتقادات الغائية ومحدثاً ثورة في تفسير بحوث المتاهات المركبة والتعلم الحركي المتسلسل.
5. نظرية سبنس في تعلم التمييز: النموذج الرياضي والتطبيقات
5.1 منحنيات الاستثارة والكف التفاعلية
تُعد نظرية كينيث سبنس في “تعلم التمييز” (Discrimination Learning)، التي صاغها في أوراقه الكلاسيكية الرائدة المنشورة في مجلة Psychological Review عام 1936 و1937، أحد أعظم الإنجازات النظرية والتجريبية في تاريخ علم النفس السلوكي برمته. كانت المعضلة تكمن في تفسير كيف يتعلم الكائن الحي الاستجابة لمثير معين (كقرص رمادي ذي سطوع محدد أو شكل هندسي معين) والإحجام عن الاستجابة لمثير آخر متقارب معه على نفس المتصل الفيزيائي الحسي.
صاغ سبنس نموذجاً رياضياً تفاعلياً يستند إلى افتراضين متكاملين:
- منحنى التعميم الاستثاري حول ($S+$): عندما يستجيب الكائن للمثير المعزز إيجابياً ($S+$) ويحصل على المكافأة، يتولد حول هذا المثير جهد استثاري ($E$)، ولا ينحصر هذا الجهد عند المثير المعزز فقط، بل ينتشر ويتعمم على المثيرات الحسية المشابهة على امتداد البعد الفيزيائي وفق منحنى جرسي (Normal/Gaussian Generalization Gradient) تتناقص قيمته تدريجياً كلما ابتعدنا عن المثير الأصلي.
- منحنى التعميم الكفي حول ($S-$): في المقابل، عندما يقدم المثير غير المعزز سلباً ($S-$) ولا يكافأ الكائن، يتولد حوله كف شرطي ($I$). يعمم هذا الكف بدوره على المثيرات المحيطة وفق منحنى تعميم كفي انحداري مشابه.
أكد سبنس أن السلوك التمييزي النهائي للكائن لا يتحدد بواسطة الاستثارة بمفردها ولا الكف بمفرده، بل يتحدد بالـ “المحصلة الجبرية للاستثارة مطروحاً منها الكف” ($Net E = E – I$) عند كل نقطة على المتصل الحسي. ومن خلال هذا الجمع الجبري التفاعلي، استطاع سبنس أن يتنبأ رياضياً وبشكل مسبق بنقاط القوة والضعف في الاستجابة للمثيرات الوسيطة والجديدة، مبيناً كيف أن الكائن لا يحتاج لتكوين مفاهيم مجردة ليتعلم التمييز، بل إن السلوك هو مجرد انقياد أوتوماتيكي لمحور القوة الاستثارية الصافية الأكبر.
5.2 حل معضلة انتقال أثر التعلم وظاهرة التحويل (Transposition)
لقي نموذج سبنس اختباراً وجودياً حاسماً في مواجهة الهجوم الضاري الذي شنته مدرسة علم نفس الجشتالت (Gestalt Psychology). كان علماء الجشتالت (مثل فولفغانغ كوهلر وكورت كوفكا) يسخرون من النظرية السلوكية القائمة على عناصر المثير والاستجابة المنفصلة، مستشهدين بظاهرة “التحويل” (Transposition) أو إدراك العلاقات:
إذا دُرِّب حيوان على الاختيار بين صندوقين من الورق الرمادي، أحدهما رمادي فاتح بمساحة 100 سم² ($S-$) والآخر رمادي أفتح بمساحة 160 سم² ($S+$)، فإن الحيوان يتعلم اختيار الـ 160 سم². ولكن إذا وُضع الحيوان في اختبار انتقال جديد بين الصندوق (160 سم²) وصندوق جديد كلياً وأكبر بمساحة 256 سم²، فإن الحيوان—وفقاً لملاحظة الجشتالتيين—يختار فوراً الصندوق الجديد الأكبر (256 سم²)! ادعى الجشتالتيون أن هذا السلوك يدمر النظرية السلوكية تماماً؛ لأن الكائن لم يربط استجابته بالقيمة المطلقة للمثير الأصلي المعزز (160 سم²)، بل أدرك “العلاقة المجردة” (الاستجابة للأكبر حجماً أو الأفتح لوناً).
هنا تجلت عبقرية كينيث سبنس التحليلية؛ إذ قدم برهاناً رياضياً وبيانياً أسقط به التفسير الجشتالتي وأذهل المجتمع العلمي. رسم سبنس منحنيات التعميم الاستثاري حول المثير ($S+ = 160$) ومنحنيات التعميم الكفي حول المثير ($S- = 100$). ومن خلال إجراء الطرح الجبري الرياضي الدقيق لقيم المنحنيين عند كل نقطة على متصل المساحة، أثبت سبنس أن أعلى نقطة استثارة صافية ($E – I$) لم تكن تقع عند المثير الأصلي المعزز (160 سم²)، بل كانت “تنزاح” رياضياً بعيداً عن المثير المنفر، لتسقط بالضبط فوق المثير الجديد الأكبر حجماً (256 سم²)! وبذلك أثبت سبنس أن ظاهرة التحويل، بدلاً من أن تكون دليلاً على إدراك عقلي جشتالتي كلي، هي في الواقع النتيجة الحتمية والحسابية لتراكب منحنيات التعميم السلوكية المطلقة.
لم يكتفِ سبنس بذلك، بل تنبأ نموذجه الرياضي بظاهرة تجريبية مذهلة لم يكن الجشتالتيون أنفسهم قادرين على تصورها، وهي ظاهرة “التحول في قمة الاستجابة” (Peak Shift): وهي أنه إذا ابتعدنا كثيراً على المتصل الحسي نحو مثيرات شديدة الكبر (مثلاً 500 سم²)، فإن الاستجابة ستنهار وتفشل، وهو ما أثبتته التجارب المعملية اللاحقة بالمليمتر، محققاً نصراً ساحقاً للنظرية السلوكية الكمية.
5.3 التطبيقات التجريبية لنظرية التمييز على الثدييات والطيور
لم تظل نظرية سبنس مجرد معادلات ورسوم بيانية على الورق، بل انطلق سبنس وتلاميذه لاختبار حدودها الميدانية في مئات التجارب المصممة بعناية على الثدييات (كالشمبانزي، والجرذان، والقطط) والطيور (خاصة الحمام). استخدم سبنس أجهزة التمييز الآلية المعقدة، مثل “صندوق تمييز يركيز” و”جهاز القفز للاشلي” (Lashley Jumping Stand)، متلاعباً بأبعاد المثيرات كالحجم، والسطوع اللوني، والتردد الصوتي.
أظهرت النتائج تطابقاً إحصائياً مذهلاً بين التنبؤات الرياضية لاشتقاقات سبنس الجبرية وبين التوزيع التكراري لاستجابات الكائنات في مواقف الاختيار الثنائية والمتعددة. وعندما واجهت النظرية تحديات في التمييز متعدد الأبعاد (Multidimensional Discrimination)—حيث يختلف المثيران في اللون والحجم والنمط الهندسي في وقت واحد—قام سبنس بتعديل وتوسيع النموذج ليدمج أوزان الانتباه الانتقائي والمحددات الحسية للأجهزة المستقبلة لدى الكائن الحي. ترك هذا النموذج أثراً تاريخياً خالداً في السيكولوجيا، حيث صُنفت نظرية سبنس في تعلم التمييز كواحدة من أعظم وأكمل الإنجازات الصورية في علم النفس المعملي، وظلت الأساس الذي انبثقت منه النماذج الرياضية المعاصرة لشبكات الإدراك الاصطناعية وتصنيف الأنماط.
6. المناظرة الكبرى بين سبنس وتولمان: السلوكية الآلية ضد الإدراكية الغائية
6.1 محاور الخلاف الجوهري: الخرائط المعرفية مقابل روابط المثير-الاستجابة
شهد علم النفس الأمريكي في الفترة ما بين 1935 و1955 واحدة من أشرس وأعمق المناظرات الفكرية في تاريخه، والتي تجسدت في الصدام الأكاديمي الحامي بين كينيث سبنس، ممثلاً لتيار السلوكية الآلية المنظومة في جامعة آيوا، وإدوارد تشيس تولمان (Edward C. Tolman)، متزعماً مدرسة السلوكية الغائية الإدراكية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
تمحور الخلاف الجوهري حول السؤال الوجودي لعلم النفس: “ما الذي يتعلمه الكائن الحي حقاً؟”. رأى تولمان أن الكائن الحي ليس آلة عمياء؛ فهو لا يكتسب مجرد روابط عضلية وحركية صلبة بين مثيرات واستجابات، بل يكتسب “توقعات” (Expectancies) وروابط دلالية وعلامات تشكل في مجموعها ما أسماه بـ “الخريطة المعرفية” (Cognitive Map) المرنة للبيئة المحيطة. في المقابل، انتصب كينيث سبنس كحائط صد منيع أمام هذه الرؤية الإدراكية؛ حيث رأى أن استدعاء مصطلحات مثل “الخرائط المعرفية” و”الغايات” يعيد إدخال الأرواحية والعقلانية القديمة من الباب الخلفي لعلم النفس، مشتتاً الانضباط العلمي الصارم. أصر سبنس على أن كل سلوك يبدو ظاهرياً “هادفاً” أو “ذكياً” أو “تخطيطياً” يمكن رده واختزاله تحليلياً إلى سلاسل محكمة من الروابط الإشراطية، ونواتج القوى الاستثارية والكفية المتراكمة عبر التغذية الراجعة البيئية، وأن وظيفة العالم تكمن في كشف القوانين الرياضية لهذه الروابط بدلاً من افتراض تمثيلات عقلية داخلية غير خاضعة للقياس الفيزيائي المباشر.
6.2 تجارب التعلم الكامن (Latent Learning) وإعادة تفسير سبنس
وجه تولمان وتلاميذه ضربة بدت قاضية لنظرية التعزيز السلوكية من خلال تجاربهم الشهيرة على “التعلم الكامن” (Latent Learning). في هذه التجارب، سُمح لمجموعة من الفئران باستكشاف متاهة معقدة لعدة أيام متتالية دون تقديم أي طعام أو تعزيز في النهاية، وكان أداء الفئران يظهر تحسناً بطيئاً وعشوائياً في تقليل الأخطاء. ولكن، بمجرد وضع مكافأة طعام في صندوق الهدف في اليوم الحادي عشر، انخفضت أخطاء الفئران وسرعة وصولها للهدف بصورة دراماتيكية ومفاجئة لتطابق أداء مجموعة الفئران التي كانت تُعزز يومياً منذ البداية! استنتج تولمان بانتشاء أن التعلم يحدث دون حاجة لأي دافع أو تعزيز عبر تشكيل خريطة معرفية للمتاهة أثناء الاستكشاف، وأن التعزيز يؤثر فقط على “إظهار الأداء” وليس على “حدوث التعلم”.
لم يستسلم سبنس لهذا الاستنتاج المعرفي، بل رد بحملة تجريبية ونقدية لا ترحم. صمم سبنس وفريقه في آيوا تجارب عزل متناهية الدقة للتحكم بالمتغيرات المربكة؛ وأوضح أن الكائنات في أيام الاستكشاف غير المعززة لم تكن خالية من التعزيز والدافع كما ظن تولمان بسذاجة؛ بل كانت تتعرض لدوافع استكشافية أصيلة، وتتعرض لعوامل خفض التوتر، وتتخلص من كف الحصر البيئي. علاوة على ذلك، استخدم سبنس معادلته المعدلة للجهد الاستثاري:
_sE_R = _sH_R times (D + K)
ليفسر الظاهرة تفسيراً ميكانيكياً مبهراً: فبينما كانت قوة العادة الارتباطية ($_sH_R$) تتشكل ببطء عبر الاقتران الزمني أثناء التجوال، كانت قيمة الباعث ($K$) منعدمة تقريباً ($K = 0$) مما جعل الجهد الاستثاري الإجمالي غير قادر على تجاوز عتبة التعبير الحركي السريع. وبمجرد إدخال الطعام، قفزت قيمة ($K$) فورياً إلى مستوى هائل، فضُربت أو جُمعت مع العادات المتراكمة بالفعل مسببة القفزة المفاجئة في الأداء. أثبت سبنس تجريبياً أن ما حدث لم يكن دليلاً على خريطة معرفية تجريدية، بل كان البرهان الساطع على تمايز آليات العادة التراكمية عن محركات الدافعية الباعثة الراهنة.
6.3 تجربة المكان مقابل الاستجابة (Place vs. Response Learning)
انتقلت المناظرة إلى ساحة أكثر تعقيداً تمثلت في معضلة “تعلم المكان في مقابل تعلم الاستجابة” (Place vs. Response Learning)، والتي صُممت لحسم ما إذا كان الحيوان يتعلم سلسلة من الحركات العضلية التشنجية المحددة (مثل: انطلق للأمام ثم انعطف يميناً دائماً)، أم يتعلم موقعاً جغرافياً في الفضاء (مثل: الطعام يقع دائماً في الغرفة الشمالية الشرقية بغض النظر عن نقطة البدء).
استخدم الباحثون متاهات متقاطعة على شكل حرف T مقلوب أو صليب ($T$-Maze / Cross-Maze) لاختبار هذه الفرضية. أظهرت تجارب مدرسة بيركلي التولمانية أن الحيوانات تميل لتعلم “المكان” أسرع من تعلم “الاستجابة الحركية”. لكن كينيث سبنس فكك هذا التصميم التجريبي بشراسة منهجية نادرة؛ إذ كشف أن تجارب تولمان كانت مليئة بالمؤشرات البصرية والمثيرات البيئية الإضافية خارج المتاهة (Extra-maze cues) كالنوافذ، والأبواب، وإضاءة الغرفة، والتي وفرت في الواقع مثيرات بصرية محددة مشروطة ومباشرة وجهت استجابات الكائن وفق نموذج المثير-الاستجابة، دون أن يدرك تولمان ذلك.
أعاد سبنس تصميم التجارب في غرف معتمة ومتماثلة الأبعاد تماماً ومطوقة بستائر سوداء دائرية للقضاء على أي مثير مكاني خادع. وفي ظل هذا الضبط التجريبي المحكم، أثبت سبنس أن الحيوانات تفشل تماماً في إظهار أي “تعلم مكاني مجرد”، بل تتعلم بصرامة تامة “الاستجابات الحركية المشروطة” المرتبطة بالمثيرات اللمسية والحشوية للجهاز العضلي. وضعت أبحاث سبنس هذه معايير تصميمية غير مسبوقة في بحوث التعلم المقارن، مجبرة الخصوم الإدراكيين على الاعتراف بأن السلوك الظاهري الموجه نحو الأهداف لا ينفصل عن الضبط الحسي الصارم الذي توفره البيئة المعملية.
7. بارادايم الإشراط الرمشي (Eyeblink Conditioning) والبحث في السلوك البشري
7.1 تطوير جهاز ومنهجية إشراط رمشة العين في جامعة آيوا
لتحقيق طموحه في بناء نظرية عامة للسلوك تشمل الإنسان كما تشمل الحيوان، أدرك كينيث سبنس أن استخدام الحيوانات في المتاهات، رغم فائدته، يظل عرضة لمتغيرات دخيلة كصعوبة قياس الدافع بدقة ميكانيكية وتباين المسارات الحركية للأطراف. ولذلك، قرر سبنس نقل ثقل أبحاثه نحو بارادايم تجريبي يتميز بالنقاء الفيزيائي المطلق، والقدرة على القياس المجهري الدقيق: وهو نموذج “إشراط رمشة العين الكلاسيكي” (Classical Eyeblink Conditioning) لدى البشر.
في مختبرات جامعة آيوا، ابتكر سبنس بالتعاون مع مهندسي القسم نظام تسجيل وتثبيت شديد التطور والتعقيد في أربعينيات القرن العشرين:
- صُمم مقياس متناهي الدقة يتصل بجفن العين البشري بواسطة خيط حريري بالغ الرقة متصل بمقاومة متغيرة خفيفة الوزن أو خلية كهروضوئية، قادرة على تسجيل أدنى حركة ارتعاشية أو انطباق للجفن وتحويلها إلى تيار كهربائي متصل.
- يُسجل هذا التيار على راسم إشارات أسطواني كيموغرافي، مما أتاح قياس حركة الجفن بدقة أجزاء من الألف من الثانية (Millisecond Precision).
- استُخدمت نفخة هواء خفيفة ومعايرة ميكانيكياً وموجهة بدقة إلى القرنية كمثير غير شرطي (UCS) يؤدي تلقائياً وبشكل انعكاسي غير متعلم إلى رمشة العين (UCR).
- استُخدمت نغمة صوتية محددة التردد أو وميض ضوئي خافت كمثير شرطي محايد (CS) يسبق نفخة الهواء بفواصل زمنية محددة.
تم عزل المشاركين البشريين داخل غرف مظلمة، معزولة صوتياً وكهرومغناطيسياً، مع وضع ضوضاء بيضاء مستمرة في الخلفية لمنع أي تشتيت حسي، مما حول بارادايم إشراط رمشة العين في آيوا إلى النموذج القياسي المعياري عالمياً في دراسة التعلم البشري والاشتراط المنعكس.
7.2 المعايير الرياضية لتشكل المنعكس الشرطي وانطفائه
مكن هذا الجهاز سبنس من إخضاع السلوك البشري لمصفوفة رياضية لم يشهدها علم النفس من قبل. عكف سبنس على تحليل المعالم الفيزيائية للمنعكس الشرطي: “احتمالية الحدوث” (Response Probability)، و”زمن الرجع” (Latency)، و”سعة حركة الجفن” (Amplitude)؛ كدوال رياضية صارمة تتبع عدد محاولات التدريب المتكررة.
أجرى سبنس تجارب رائدة لدراسة تأثير “الفترة الزمنية الفاصلة بين المثيرات” (Interstimulus Interval – ISI) على سرعة التعلم، مبرهناً رياضياً على أن الفترة الفاصلة المثلى لتشكل المنعكس الشرطي لدى البشر تقع بدقة متناهية حول 450 إلى 500 ملي ثانية؛ حيث يؤدي تقصير الفترة الزمنية إلى الصفر (الاشتراط المتزامن) أو إطالتها لأكثر من ثانية إلى تدهور حاد في تكون المنعكس الشرطي. كما قام سبنس برسم منحنيات دقيقة لعمليات “الانطفاء” (Extinction) عند تقديم المثير الشرطي بمفرده دون نفخة الهواء، ودرس “الاسترجاع التلقائي” (Spontaneous Recovery) وفقاً لنماذج تراكم الكف التفاعلي والكف الشرطي المنبثقة من معادلاته النظرية. وبالمقارنة الكمية، أثبت سبنس أن ديناميات تشكل المنعكس البشري تتطابق بصورة تطابقية مذهلة مع مسارات التعلم المشروطة لدى الثدييات الدنيا في أقفاص سكينر ومتاهات الجري، محطماً بذلك أي ادعاء يزعم أن التعلم البشري الأولي ينفصل في قوانينه التأسيسية عن القوانين البيولوجية الحاكمة للمملكة الحيوانية.
7.3 الأهمية الفسيولوجية والسريرية اللاحقة للنموذج
رغم أن سبنس تعامل مع بارادايم رمشة العين من منظور سلوكي وظيفي مجرد مستند إلى الوضعية الإجرائية ودون الدخول في تفاصيل الفسيولوجيا العصبية الدماغية العميقة التي لم تكن تقنياتها متاحة في عصره، إلا أن دقته المنهجية الفذة مهدت الطريق لأعظم الاكتشافات في تاريخ علم الأعصاب المعاصر.
ففي العقود اللاحقة لوفاة سبنس، اختار رواد علم الأعصاب السلوكي—وعلى رأسهم العالم الكبير ريتشارد ف. طومسون (Richard F. Thompson)—بارادايم سبنس لإشراط رمشة العين على وجه التحديد لفك لغز “الإنغرام” (Engram) أو الأثر البيولوجي للذاكرة في الدماغ. وبفضل المعايير الزمنية والمكانية شديدة الدقة التي وضعها سبنس، استطاع طومسون وفريقه إثبات أن تشكل هذا المنعكس الشرطي وتخزينه يتم داخل دوائر عصبية دقيقة جداً في المخيخ (Cerebellum)، وخاصة في خلايا بوركينجي ونواة التداخل (Interpositus Nucleus). كما امتدت تطبيقات بارادايم سبنس الرمشي إلى الحقول الإكلينيكية والطبية الحديثة؛ حيث أصبح أداة تشخيصية رئيسية لتقييم الخلل المبكر في وظائف المخيخ، ودراسة اضطرابات الفصام، ومرض الزهايمر، ومتلازمة داون، والتوحد. لقد تحول ابتكار سبنس المعملي في آيوا من مجرد اختبار لنظرية سلوكية إلى نافذة عالمية يطل منها العلم الحديث على بيولوجيا الدماغ البشري واللدونة العصبية التكيفية.
8. نظرية الدافع والقلق: التعاون المثمر بين كينيث سبنس وجانيت تايلور سبنس
8.1 مقياس تايلور للقلق الصريح (Taylor Manifest Anxiety Scale – TMAS)
في أواخر أربعينيات وأوائل خمسينيات القرن العشرين، دخل كينيث سبنس في تعاون علمي وتاريخي استثنائي مع الباحثة المرموقة وتلميذته في جامعة آيوا، والتي أصبحت لاحقاً زوجته، الدكتورة جانيت تايلور سبنس (Janet Taylor Spence). كان الهدف من هذا التعاون هو حل إحدى أكبر المعضلات التي واجهت السلوكية الصارمة: كيف يمكن قياس وتطبيق مفهوم “الدافع الداخلي العام” ($D$) تجريبياً ومباشرة على البشر دون اللجوء لحرمانهم الطويل من الطعام أو الماء أو تعريضهم لصدمات كهربائية شديدة لا تسمح بها المعايير الأخلاقية والإنسانية؟
انبثق الحل من خلال فكرة رائدة طورتها جانيت تايلور تمثلت في ابتكار مقياس نفسي دقيق عُرف باسم “مقياس تايلور للقلق الصريح” (Taylor Manifest Anxiety Scale – TMAS). استمد المقياس بنوده الأولية من اختبار الشخصية متعدد الأوجه الشهير (MMPI)، لكنه خضع لفلترة إحصائية صارمة ليعكس استجابات فسيولوجية وجسدية صريحة للتوتر والانفعال (مثل: تسارع ضربات القلب، تعرق الراحتين، الأرق، الارتجاف العضلي). والتحول الإبستمولوجي العبقري الذي صاغه كينيث سبنس هنا هو أنه لم يتعامل مع القلق كمفهوم تحليلي فرويدي مبهم، ولا كصفة نفسية ذاتية باطنية، بل تعامل مع درجات مقياس القلق الصريح بوصفها مؤشراً إجرائياً ومباشراً على “مستوى الدافع الداخلي العام” ($D$) المتوطن داخل الكائن البشري. وبذلك، دمج الزوجان سبنس سيكولوجية الفروق الفردية والقياس النفسي الإكلينيكي في قلب معادلات علم النفس التجريبي السلوكي في إنجاز تاريخي غير مسبوق.
8.2 فرضية تايلور-سبنس حول القلق والتعلم البسيط مقابل المركب
بمجرد قياس الدافع العام ($D$) لدى البشر إجرائياً عبر مقياس (TMAS)، صاغ الزوجان ما بات يُعرف في أدبيات السيكولوجيا العالمية باسم “فرضية تايلور-سبنس” (Taylor-Spence Drive Theory of Anxiety)، والتي تمثل إعادة صياغة كمية ورياضية بالغة الدقة للقانون النفسي الكلاسيكي الشهير المعروف بقانون يركيز-دودسون (Yerkes-Dodson Law) لعام 1908.
تنبثق الفرضية من معادلة سبنس الأساسية: $_sE_R = _sH_R \times D$. ونظراً لأن الدافع ($D$) يعمل كمضاعف غير تمايزي لجميع الاستجابات المتاحة في مخزون الكائن، فقد تنبأ الزوجان بما يلي:
- في المهام البسيطة (Simple Conditioning / Non-competitive tasks): حيث توجد استجابة صحيحة واحدة مهيمنة وواضحة (مثل إشراط رمشة العين المنعكس البسيط)، فإن ارتفاع القلق (الدافع $D$) سيؤدي حتماً إلى مضاعفة قوة العادة الفردية الوحيدة، مما ينتج عنه تسهيل للأداء وتسريع وتيرة التعلم، بحيث يتفوق الأفراد ذوو القلق المرتفع بوضوح على ذوي القلق المنخفض.
- في المهام المركبة والمعقدة (Complex Learning / Competitive tasks): حيث توجد تسلسلات سلوكية معقدة وخيارات متنافسة متعددة وتكون احتمالية الخطأ واردة (مثل تعلم قوائم الكلمات المعقدة، أو المتاهات المكانية، أو حل المشكلات الرياضية المتقاطعة)، فإن تسلسل العادات (Habit-Family Hierarchy) يحتوي على استجابات خاطئة تتنافس بقوة مع الاستجابة الصحيحة المستهدفة. وهنا، فإن ارتفاع القلق والدافع ($D$) سيؤدي إلى مضاعفة قوة كل العادات التنافسية الخاطئة، مما يشعل صراعاً كفياً واستثارياً داخلياً يؤدي إلى تدهور حاد في الأداء المعرفي وارتباك الكائن، فيتفوق ذوو القلق المنخفض بجدارة.
8.3 التجارب السريرية والتجريبية لاختبار فرضيات القلق والأداء
أُخضعت فرضية تايلور-سبنس لمئات الاختبارات المعملية الصارمة في مختبرات جامعة آيوا وجامعات أخرى عديدة، مقسمين عينات المشاركين إلى مجموعتين متطرفتين إحصائياً: مجموعة ذوي القلق الصريح المرتفع (أعلى 20% في التوزيع التكراري لمقياس TMAS) ومجموعة ذوي القلق الصريح المنخفض (أدنى 20%).
جاءت البيانات التجريبية لتؤكد تنبؤات سبنس بدقة لافتة؛ ففي تجارب إشراط رمشة العين البسيطة، أظهرت الرسوم البيانية أن أفراد مجموعة القلق المرتفع اكتسبوا المنعكس الشرطي بسرعة فائقة وأبدوا نسب انطباق أعلى بكثير لجفن العين مقارنة بمجموعة القلق المنخفض. وفي المقابل، عندما طُبق على نفس المشاركين اختبار “تعلم الأزواج المترافقة” (Paired-Associate Learning) وقوائم الكلمات التي تم التلاعب فيها بدرجة التشابه اللفظي والتداعي التنافسي، انقلبت النتيجة تماماً؛ حيث عانى أفراد مجموعة القلق المرتفع من تشويش حاد وتداخل استثاري خاطئ، بينما أظهر منخفضو القلق تفوقاً ملحوظاً في دقة التذكر وسرعة التعلم.
أحدثت هذه النتائج ثورة علمية واسعة؛ إذ فتحت الباب لظهور حقل أبحاث “القلق المعرفي” وربطت لأول مرة بين العمليات الانفعالية وحالات التوتر النفسي من جهة، والعمليات المعرفية والأداء المهاري الحركي من جهة أخرى، ولا تزال هذه الفرضية وتطبيقاتها تُدرس حتى اليوم في مجالات علم النفس الإكلينيكي، وسيكولوجيا الرياضة، وعلم النفس التربوي المعني بقلق الاختبارات والتحصيل الدراسي.
9. جامعة آيوا وبناء مدرسة بحثية تجريبية رائدة
9.1 قيادة قسم علم النفس وتحويله إلى مركز عالمي للسلوكية
في عام 1938، انضم كينيث سبنس إلى هيئة التدريس في جامعة آيوا (University of Iowa)، وسرعان ما برزت مهاراته القيادية والأكاديمية الفذة، ليتم تعيينه رئيساً لقسم علم النفس عام 1942، وهو المنصب الذي شغله بحزم واقتدار استثنائيين لما يقرب من ربع قرن حتى عام 1964. تحت قيادة سبنس، شهد قسم علم النفس في آيوا تحولاً جذرياً غير مسبوق، منتقلاً من قسم أكاديمي إقليمي عادي إلى القلعة الحصينة والأبرز للسلوكية الجديدة في العالم، ومنافساً شرساً لجامعات النخبة مثل هارفارد، وييل، وبيركلي.
أعاد سبنس هيكلة المناهج التعليمية وبرامج الدراسات العليا في القسم على أسس بالغة الصرامة؛ ففرض على طلاب الدراسات العليا دراسة متعمقة وموسعة للرياضيات، ونظرية الاحتمالات، وتصميم التجارب، والإحصاء الرياضي المتقدم، وفلسفة العلم المنطقية. كما قاد حملة ضخمة لجذب التمويلات البحثية الفيدرالية وإنشاء بنية تحتية معملية مذهلة ضمت عشرات الغرف المعزولة صوتياً، ومختبرات الإشراط الآلية، ومصانع دقيقة لتصنيع الأجهزة التجريبية المعايرة. اتسم قسم آيوا في عهد سبنس بروح علمية لا تعرف المساومة، حيث كان القسم خلية نحل لا تهدأ تعمل على مدار الساعة لاختبار النماذج الاستنباطية، واقفاً كسد منيع في وجه التيارات السيكودينامية والتحليلية التي كانت تفتقر إلى القياس المعملي، وفي وجه التيارات المعرفية المبكرة التي كانت تفتقر إلى النقاء الإجرائي.
9.2 تخريج جيل من كبار علماء النفس التجريبيين والمشرف الأكاديمي
لم يكن تأثير كينيث سبنس مقتصراً على أبحاثه الفردية، بل تجسد في قدرته النادرة على نقل شعلة الصرامة العلمية إلى أجيال متعاقبة من الباحثين؛ فقد أشرف سبنس شخصياً خلال مسيرته في آيوا على العشرات من أطروحات الماجستير والدكتوراه التي شكلت لاحقاً ملامح علم النفس التجريبي في أمريكا الشمالية والعالم. تميز أسلوبه الإرشادي بالحزم الشديد والتشكيك النقدي البناء؛ إذ لم يكن يقبل من طلابه أي ادعاء نظري ما لم يكن مشتقاً منطقياً من نموذج رياضي ومعززاً ببيانات إحصائية حاسمة من المختبر، منبهاً إياهم دوماً من فخ التفسيرات السريعة والقفز إلى استنتاجات لا تدعمها الأدلة.
تخرج من “مدرسة آيوا” تحت قيادة سبنس قامات وعلماء كبار تركوا بصمات تاريخية في حقولهم، ومن أبرزهم:
- أبرام أسل (Abram Amsel): الذي طور نظرية الإحباط الإشراطية (Frustration Theory) التي فسرت السلوك التجنبي ومقاومة الانطفاء استناداً إلى مبادئ سبنس.
- هاورد كيندلر وتريسي كيندلر (Howard & Tracy Kendler): اللذان قادا أبحاثاً كلاسيكية في انتقال التحول والانعكاس (Reversal Shift) في التعلم المفاهيمي عبر مراحل النمو المعرفي.
- جانيت تايلور سبنس (Janet Taylor Spence): التي أصبحت لاحقاً رئيسة لجمعية علم النفس الأمريكية (APA) ومن رواد أبحاث سمات الشخصية والدوافع.
- نورمان أندرسون (Norman H. Anderson): مؤسس نظرية تكامل المعلومات (Information Integration Theory).
انتشر خريجو مدرسة آيوا في كبريات الجامعات الأمريكية حاملين معهم منهج سبنس الصارم ومعاييره الإجرائية، مما ساهم في صبغ علم النفس التجريبي الأمريكي بطابع وضعي منهجي دقيق امتد لعقود.
9.3 مؤلفات سبنس الكلاسيكية ومحاضرات سيلفان
توجت إسهامات كينيث سبنس الفكرية بمجموعة من المؤلفات والأوراق العلمية التي غدت كلاسيكيات لا غنى عنها في مكتبة علم النفس العلمي. في عام 1956، نشر سبنس كتابه المحوري ذائع الصيت “نظرية السلوك والاشتراط” (Behavior Theory and Conditioning)، والمستند إلى سلسلة محاضرات سيلفان (Silliman Lectures) المرموقة التي ألقاها في جامعة ييل عام 1955، ليكون أحد قلائل علماء النفس الذين نالوا شرف إلقاء هذه المحاضرات الفيزيائية والبيولوجية الرفيعة بعد عمالقة مثل نيلز بور وتشارلز شرينغتون.
في هذا الكتاب، لخص سبنس مراجعته الشاملة لنظرية هال، مقدماً الصيغة الناضجة والنهائية لنظريته في التعلم والدافعية والتمييز، والتي أصبحت المرجع الأساسي المعتمد في بحوث علم النفس الحيواني والمقارن. تلا ذلك نشره لكتابه التأسيسي الآخر عام 1960 بعنوان “الأسس النظرية والتجريبية لعلم النفس” (Theoretical and Empirical Foundations of Psychology)، والذي جمع فيه مقالاته الإبستمولوجية الحاسمة حول طبيعة المفاهيم النظرية، والمتغيرات المتداخلة، وفلسفة القياس الإجرائي في السلوكية. حظيت أوراق سبنس العلمية المنشورة في كبريات الدوريات المحكمة، مثل *Psychological Review* و*Journal of Experimental Psychology*، بمعدلات استشهاد ببليومترية هائلة، مما جعله في خمسينيات وستينيات القرن العشرين أكثر علماء النفس تأثيراً وحضوراً في الإنتاج البحثي التجريبي في العالم.
10. المنهجية التجريبية الدقيقة: التصميم، الضبط، والتحليل الإحصائي
10.1 الصرامة في عزل المتغيرات الدخيلة والتحكم المعملي
كان كينيث سبنس تجسيداً للمهندس المعملي الحريص على طرد العشوائية من أبواب العلم؛ فقد كانت قناعته الإبستمولوجية أن الاختلافات السلوكية التي يعزوها الباحثون الكسالى إلى “حرية الإرادة” أو “الغموض النفسي” ليست في حقيقتها سوى نتاج الفشل في عزل وضبط المتغيرات الدخيلة والملوثات البيئية المحيطة بالتجربة. ولتحقيق النقاء التجريبي الكامل، وضع سبنس معايير تشغيل معملية قياسية كانت الأكثر صرامة في تاريخ السيكولوجيا:
صمم غرف اختبار معزولة صوتياً بواسطة جدران مزدوجة ومطاطية تمتص الاهتزازات الميكانيكية الأرضية، ومزودة بأنظمة تهوية صامتة لا تصدر تيارات هوائية تدركها شعيرات الحيوانات اللمسية. كما استبدل تماماً التدخل اليدوي للباحث—مثل إمساك الحيوان ووضعه في مسار المتاهة—بأنظمة ميكانيكية وأبواب منزلقة أوتوماتيكية تُدار بواسطة مفاتيح زمنية كهربائية لتقليل أي تأثير محتمل للتحيز البشري للباحث أو ما يُعرف لاحقاً بـ “تأثير كليفر هانز” (Clever Hans Effect). وفيما يخص الحالة البيولوجية، وحد سبنس بدقة متناهية جداول الحرمان؛ حيث كانت الحيوانات توزن يومياً بموازين دقيقة لضمان ثبات نسبة الحرمان عند 80% أو 85% من وزن الجسم الحر بالضبط، مع توحيد أوقات التدريب في نفس الساعة والدقيقة يومياً لحساب أثر الإيقاعات البيولوجية اليومية (Circadian Rhythms)، مما مكنه من نمذجة حدود الخطأ العشوائي في القياسات السلوكية وحصره في أضيق نطاق فيزيائي ممكن.
10.2 استخدام التحليل الإحصائي كأداة نظرية استدلالية
في عصر كان الكثير من علماء النفس يكتفون فيه بعرض الجداول الوصفية الأولية والرسوم البيانية الانطباعية لمتوسطات السلوك، كان كينيث سبنس رائداً فذاً في إدخال وتطبيق النماذج الإحصائية الاستدلالية المتقدمة لخدمة التنظير السيكولوجي. يُعد سبنس من أوائل الذين تبنوا تقنيات “تحليل التباين” (Analysis of Variance – ANOVA) والتصميمات العاملية المتقاطعة (Factorial Designs) التي طورها رونالد فيشر في العلوم الزراعية، وتطبيقها بعمق على الظواهر السلوكية المركبة.
بالنسبة لسبنس، لم يكن التحليل الإحصائي مجرد أداة روتينية للتأكد من القيمة الاحتمالية ($p < .05$)، بل كان سلاحاً منطقياً حاسماً لاختبار صدق النماذج النظرية المتنافسة؛ فمن خلال تحليل التباين العاملي، استطاع سبنس اختبار الفرضيات الرياضية المتعلقة بما إذا كانت المتغيرات تتفاعل ضربياً أم جمعياً عبر دراسة دلالة مصطلح التفاعل (Interaction Term). كما كان من أشد المدافعين عن ضرورة حساب "حجم التأثير" (Effect Size) والاهتمام بـ "قوة الاختبار الإحصائي" (Statistical Power) لحسم النزاعات المعملية وتجنب الأخطاء من النوع الأول والنوع الثاني. لقد فرض سبنس هذه المعايير الإحصائية العالية على طلابه وهيئة تحرير المجلات التي ترأسها، مساهماً بشكل فعال في رفع المعايير القياسية العالمية للنشر العلمي في مجلات علم النفس التجريبي المحكمة وتحويلها إلى أبحاث كمية بالغة الرصانة.
10.3 فلسفة القياس: من الترتيب إلى القياس النسبي المتصل
انخرط سبنس بعمق في قضايا “فلسفة القياس” السيكوفيزيائي، متأثراً بأعمال ستانلي سميث ستيفنز حول مستويات القياس (الاسمي، والرتبي، والفئوي، والنسبي). ورأى سبنس أن عجز علم النفس عن بلوغ مرتبة الفيزياء يرجع بالأساس إلى ركونه للمقاييس الذاتية والتقديرات الانطباعية والمقاييس الرتبية الترتيبية البسيطة التي لا تسمح بإجراء العمليات الحسابية الجبرية المتقدمة كالتفاضل والتكامل.
عمل سبنس بدأب منهجي على تحويل الاستجابات السيكولوجية إلى متغيرات كمية مستمرة تخضع لـ “مقاييس النسبة” (Ratio Scales) ذات الصفر المطلق الحقيقي المستعار من الفيزياء الكلاسيكية:
- فقاس سرعة الاستجابة الحركية بمقلوب زمن الرجع الفيزيائي ($Speed = 1/Latency$).
- قاس قوة الانعكاس بالمليفولت الكهربائي لسعة حركة العضلة أو ميكروميترات انطباق جفن العين.
- حوّل مسارات التعلم التراكمية عبر جلسات التدريب المتكررة إلى دوال رياضية مستمرة ومنحنيات أسية ولوجستية محددة البارامترات، يمكن اشتقاق معدلات تغيرها اللحظية بدقة متناهية.
هذا التحول المنهجي مكن سبنس من تطبيق مسلمات القياس الفيزيائي على الظواهر السيكولوجية الحركية، مؤسساً أرضية صلبة برهنت على أن السلوك الإنساني والحيواني ليس تياراً هلامياً يستعصي على الصياغة، بل هو ظاهرة طبيعية تقبل التكميم الدقيق والنمذجة الرياضية المستمرة.
11. الانتقادات الموجهة لأعمال سبنس وحدود نموذجه السلوكي
11.1 صعود الثورة المعرفية وتراجع السلوكية الاستنباطية
رغم الصرامة المنهجية والأناقة الرياضية لنظرية هال-سبنس، إلا أن أواخر خمسينيات وستينيات القرن العشرين شهدت تحولاً إبستمولوجياً كاسحاً عُرف باسم “الثورة المعرفية” (Cognitive Revolution)، والتي قادت تدريجياً إلى تراجع هيمنة النموذج السلوكي الاستنباطي الكلاسيكي.
وجه اللغوي الشهير نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) في مراجعته التاريخية النارية عام 1959 لكتاب سكينر “السلوك اللفظي” ضربة مدمرة شملت كل النماذج السلوكية بما فيها منظومة سبنس؛ حيث برهن تشومسكي على أن السلوك البشري المعقد—وعلى رأسه اكتساب اللغة واستخدامها التوليدي اللامتناهي—يستحيل تفسيره عبر سلاسل من روابط المثير والاستجابة المشروطة المتتالية، أو من خلال تاريخ التعزيز الأعمى. وتزامن ذلك مع أبحاث علماء نفس بارزين مثل جورج ميلر (George Miller) وجيروم برونر، الذين أثبتوا وجود قيود بنيوية على سعة الذاكرة البشرية (الرقم السحري $7 \pm 2$)، واستحالة فهم المعالجة العقلية دون افتراض تمثيلات وخطط واستراتيجيات داخلية نشطة تقوم بمعالجة المعلومات وترميزها وفك شفرتها على غرار الحواسيب الرقمية الناشئة.
أصبح النموذج الميكانيكي لسبنس عاجزاً عن تفسير العمليات الذهنية العليا، كالتفكير الإبداعي، والتجريد المنطقي، واتخاذ القرارات المعقدة في ظل الغموض. وسرعان ما تحول اهتمام الباحثين من النماذج الرياضية المغلقة للجهد الاستثاري وقوة العادة، إلى النماذج الحاسوبية المعرفية ونظريات معالجة المعلومات، معتبرين أن إصرار سبنس على تفريغ العمليات الداخلية من محتواها الإدراكي التمثيلي كان تقييداً تعسفياً أعاق علم النفس عن دراسة جوهر العقل البشري.
11.2 مشكلات القيود البيولوجية والاستعداد الوراثي للتعلم
انطلقت السلوكية الجديدة عند هال وسبنس من فرضية صامتة ومركزية تُعرف بـ “فرضية تكافؤ الإمكانات” (Equipotentiality Premise)، والتي تفترض أن قوانين التعلم المشروط تسري بشكل عام وعالمي متطابق عبر جميع الكائنات الحية، وأنه يمكن ربط أي مثير حسي محايد تعسفي بأي استجابة حركية أو عضوية بالسهولة ذاتها، شريطة تطبيق قواعد الاقتران الزمني والتعزيز الرياضية.
لكن هذا الصرح الكلي تعرض لتصدع هائل في ستينيات القرن العشرين على يد علم سلوك الحيوان المقارن (Ethology) وتجارب العالم جون غارسيا (John Garcia). في تجاربه الشهيرة حول “النفور المكتسب من الطعم” (Taste Aversion Learning) أو ما بات يُعرف بـ “تأثير غارسيا” (Garcia Effect)، أثبت غارسيا أن الجرذان تتعلم النفور من طعم معين وربطه بالشعور بالغثيان حتى لو كان الفاصل الزمني بينهما يصل إلى ثماني ساعات كاملة (وهو ما يسحق تماماً افتراض سبنس بضرورة الاقتران الزمني في أجزاء من الثانية)، في حين عجزت الجرذان تماماً عن ربط المثيرات الضوئية أو الصوتية بالغثيان، لكنها ربطت المثيرات البصرية بالألم الخارجي الناتج عن الصدمة الكهربائية بيسر وسرعة.
أثبتت هذه التجارب وتجارب كيلاند وماريان بريلاند في “الانجراف الغريزي” (Instinctive Drift) وجود “قيود بيولوجية واستعدادات وراثية تطورية” (Biological Constraints on Learning) شكلها الانتقاء الطبيعي لخدمة بقاء النوع، بحيث لا يمكن محوها أو صياغتها وفق معادلات رياضية عامة تعامل الكائن الحي كـ “صفحة بيضاء” (Tabula Rasa). كان تجاهل سبنس للتطور البيولوجي والخصائص التكيفية النوعية الخاصة بكل كائن سبباً جوهرياً في فشل تعميم نتائج مختبرات القوارض المكثفة على السياقات الطبيعية الحرة للحيوانات والبشر.
11.3 الإفراط الصوري والجمود الرياضي في نظرية هال-سبنس
من بين أعمق الانتقادات الإبستمولوجية التي وُجهت لمشروع كينيث سبنس هو الوقوع في فخ “الإفراط الصوري” (Excessive Formalism) والجمود الرياضي التعسفي. جادل فلاسفة العلم ونقاد السلوكية—مثل سيغموند كوخ (Sigmund Koch)—بأن نظرية هال-سبنس بدت في مراحلها الأخيرة وكأنها تحاكي علم الفيزياء في مظهره الرمزي وشكله الخارجي دون جوهره التفسيري الحقيقي.
فعندما كانت البيانات التجريبية المعملية تخالف التنبؤات الرياضية للنموذج، كان سبنس وهال يلجآن غالباً—بدلاً من الاعتراف بعجز الفرضيات المركزية—إلى إنقاذ المنظومة عبر إضافة متغيرات متداخلة جديدة، أو إدخال بارامترات اعتباطية، وتعديل صيغ المعادلات الرياضية، وهو ما يماثل في تاريخ العلم محاولات بطليموس المستميتة لإنقاذ نموذج مركزية الأرض عبر إضافة “أفلاك التدوير” (Epicycles) المتتالية لتفسير حركة الكواكب الشاذة. قاد هذا التعقيد الرياضي المصطنع إلى اتهام المنظومة بالسقوط في “الحشو المنطقي والمصادرة على المطلوب” (Tautology)؛ حيث أصبح من شبه المستحيل قياس المتغيرات المتداخلة (مثل قوة العادة وقوة الدافع) بشكل مستقل تماماً عن السلوك الحركي النهائي الذي وُضعت هذه المتغيرات لتفسيره أصلاً!
وقد اعترف سبنس نفسه بمرارة ونزاهة علمية لافتة في سنواته الأخيرة بوجود هذا المأزق، مؤكداً في بعض مراجعاته المتأخرة أن الطموح المبكر لبناء نظرية رياضية استنباطية موحدة وشاملة لكل جوانب السلوك كان ربما سابقاً لأوانه، وأن علم النفس يحتاج إلى مزيد من النماذج المصغرة (Miniature Models) المتواضعة بدلاً من النسق الصوري الشامل المفرط في الجمود.
12. الإرث العلمي لكينيث سبنس وتأثيره الدائم في السيكولوجيا المعاصرة
12.1 التحول إلى جامعة تكساس والسنوات الأخيرة (1964-1967)
في عام 1964، وبعد مسيرة أسطورية امتدت لأكثر من ستة وعشرين عاماً في جامعة آيوا رسخ خلالها مكانة قسمها كرمز عالمي للسلوكية التجريبية، اتخذ كينيث سبنس قراراً مفاجئاً بالانتقال مع زوجته جانيت تايلور سبنس إلى جامعة تكساس في أوستن (University of Texas at Austin). كان الهدف من هذه الخطوة هو خوض تحدٍ أكاديمي جديد للمساهمة في بناء وتطوير قسم علم النفس في تكساس وتحويله إلى مركز استقطاب بحثي بارز، فضلاً عن التفرغ الأكبر للبحث النظري والكتابة دون أعباء الرئاسة الإدارية الثقيلة التي أرهقته في آيوا.
خلال مسيرته العلمية الحافلة، نال سبنس أرفع التكريمات الأكاديمية التي يمكن لعالم أمريكي أن يحظى بها:
- انتُخب عضواً بارزاً في الأكاديمية الوطنية للعلوم (National Academy of Sciences) عام 1955، ليكون واحداً من أوائل علماء النفس التجريبيين الذين نالوا هذا التكريم العلمي الرفيع تقديراً لدقته الرياضية الفذة.
- منحته جمعية علم النفس الأمريكية (APA) في عام 1956 جائزة “المساهمة العلمية المتميزة” (Distinguished Scientific Contribution Award) في دورتها الأولى التأسيسية تقديراً لإسهاماته في نظرية التعلم والتمييز.
- دُعي لإلقاء العشرات من المحاضرات التذكارية والمفتاحية في أرجاء العالم، مكرساً كأحد كبار منظري السلوك في العصر الذهبي للعلوم السلوكية.
غير أن هذه المرحلة الختامية المشرقة في أوستن لم تدم طويلاً؛ ففي الثاني عشر من يناير عام 1967، توفي كينيث سبنس بصورة مفاجئة عن عمر ناهز التاسعة والخمسين عاماً إثر إصابته بمرض عضال لم يمهله كثيراً. شل خبر وفاته المفاجئ المجتمع السيكولوجي الدولي، وتوالت برقيات التأبين من كبريات المؤسسات العلمية والجامعات، ناعية رحيل أحد أعظم بناة الصروح التجريبية في القرن العشرين، والعالم الذي علم السيكولوجيين كيف يفكرون بمنطق الرياضيات الصارمة ويختبرون فروضهم على منصات المعامل المنضبطة.
12.2 بصمات سبنس في علم الأعصاب المعرفي والسلوكي الحديث
رغم تراجع السلوكية كحركة أيديولوجية فلسفية شاملة لصالح البارادايم المعرفي، فإن النماذج التحليلية والأجهزة المنهجية التي ابتكرها كينيث سبنس لم تمت، بل دُعيت من جديد وأُعيد إحياؤها في قلب علم الأعصاب المعرفي والسلوكي المعاصر، وبرهنت على صلاحيتها التنبؤية الفائقة في مستويات بيولوجية لم يكن سبنس نفسه قادراً على رصدها بأجهزة عصره.
يتجلى هذا الإرث الحي في عدة مسارات علمية حاسمة:
- أبحاث المخيخ والتعلم الحركي: يظل بارادايم “إشراط رمشة العين” المعياري الذي صممه سبنس النموذج التجريبي الأول عالمياً لرسم الدوائر العصبية للقوس المنعكس، واللدونة العصبية في المشابك العصبية (Synaptic Plasticity)، والتثبيط طويل الأمد (LTD) في خلايا المخيخ، والذي أكد صحة معادلات سبنس حول المعالم الزمنية للمثيرات بدقة الملي ثانية.
- نظام المكافأة الدماغي والدوبامين: إن الفصل الثوري الذي أجراه سبنس بين الدافع الفسيولوجي ($D$) والحافز الباعث ($K$)، وتأكيده على أن الحافز يعمل كاستجابة توقعية لمثيرات الهدف ($r_g – s_g$)، يمثل الأساس النظري المباشر لاكتشاف عالم الأعصاب ولفام شولتز (Wolfram Schultz) لآلية إشارات خلايا الدوبامين في الدماغ المتوسط؛ حيث تُطلق خلايا الدوبامين نبضاتها ليس عند استهلاك المكافأة ذاتها، بل عند ظهور “المثير الشرطي المنبئ بالمكافأة”، وهو التطابق البيولوجي الحرفي لنموذج سبنس التوقعي بعد أكثر من نصف قرن من صياغته نظرياً!
- التعلم المعزز في الذكاء الاصطناعي (Reinforcement Learning): استعارت خوارزميات التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي المعاصرة (مثل معادلات فرق التوقيت Temporal Difference Learning) البنى الرياضية لمنظومة سبنس، وخاصة معادلات الاستثارة التراكمية، ومصفوفات التمييز الجبرية، والخصم الحافزي الزمني لتعظيم المكاسب في النظم الحاسوبية المستقلة وشبكات التعلم العميق.
12.3 المكانة المعرفية لسبنس في فلسفة وتاريخ علم النفس
عند تقييم التاريخ الفكري لعلم النفس في القرن العشرين، يحتل كينيث سبنس مكانة إبستمولوجية بالغة الخصوصية والفرادة؛ فهو يمثل “النموذج الأعلى والأنقى للمنظّر التجريبي” (The Quintessential Experimental Theorist) الملتزم بأطروحة وحدة العلم الفيزيائية الصارمة. في مرحلة تاريخية اتسم فيها علم النفس بالسيولة المفاهيمية والمصطلحات الفضفاضة، علم سبنس مجتمعه العلمي درساً لا يُنسى في الشجاعة المنهجية: وهو أن السلوك، برغم كل تعقيداته وتنوعه الظاهري، ليس لغزاً صوفياً غارقاً في الميتافيزيقا، بل هو ظاهرة طبيعية حتمية تحكمها قوانين وظيفية دقيقة يمكن كشفها وصياغتها جبرياً واختبارها معملياً بدقة متناهية متى ما تسلح الباحث بالأداة الإجرائية المنضبطة والنزاهة الرياضية الخالية من الترقيع.
وقف سبنس كجسر انتقال استراتيجي وتاريخي حاسم؛ إذ قاد علم النفس بعيداً عن الفلسفة التأملية والاستبطان التيتشنري ليضعه على المسار العلمي الكمي المنضبط، وفي الوقت ذاته، بنى بدقته التجريبية البنية التحتية التي مكّنت علم الأعصاب المعاصر ونظريات التعلم الحسابي من الانطلاق والازدهار. لقد كان كينيث سبنس مهندس السلوك المعملي بلا منازع، والعقل المنطقي الذي أثبت للعالم أن دراسة العادات، والدوافع، والتعلم الإنساني والحيواني يمكن أن ترتقي لأعلى مراتب الدقة والجمال الصوري التي ميزت أعظم العلوم الطبيعية في العصر الحديث.
خاتمة
في ختام هذه القراءة الاستقصائية الشاملة لسيرة وفكر العالم الكبير كينيث سبنس (1907-1967)، يتضح لنا بجلاء أن هذا العالم الفذ لم يكن مجرد شخصية عابرة في صفحات تاريخ السلوكية، بل كان معلماً مؤسساً وأحد أبرز المهندسين الإبستمولوجيين الذين أعادوا رسم المشهد العلمي السيكولوجي في القرن العشرين. لقد تمكن سبنس، من خلال التزامه المطلق بالوضعية المنطقية والعملياتية الإجرائية، من تخليص علم النفس من ازدواجية العقل والجسد والمصطلحات الميتافيزيقية الغائمة، مقدماً نموذجاً علمياً استنباطياً فرضياً رفيع المستوى برهن على قدرة السيكولوجيا على محاكاة أكثر العلوم الطبيعية صرامة وانضباطاً.
إن إسهاماته التأسيسية الخالدة—بدءاً من نظريته الرياضية الباهرة في تعلم التمييز وتفسيره الجبري العبقري لظاهرة التحويل (Transposition) والقمة المزاحة، مروراً بتعديله الثوري لمعادلات هال بإدخال الدافعية الباعثة ($K$) وآلية الاستجابة التوقعية الكسرية للهدف ($r_g – s_g$)، وتطويره لبارادايم إشراط رمشة العين، وصولاً إلى تعاونه الأكاديمي مع زوجته جانيت تايلور سبنس في تفكيك ديناميات القلق والدافع والأداء الحركي—تظل كلها شواهد حية على عقلية علمية جبارة استطاعت الجمع بين التجريد الرياضي الأنيق والتحكم المعملي الأقصى في المتغيرات.
ورغم الانتقادات المشروعة التي وجهتها الثورة المعرفية وعلم سلوك الحيوان المقارن لمحدودية النماذج السلوكية الآلية وعجزها عن استيعاب العمليات اللغوية والتمثيلات العقلية والقيود التطورية البيولوجية، إلا أن المفارقة التاريخية الكبرى تكمن في أن تلك النماذج الرياضية والإجرائية التي بناها سبنس هي ذاتها التي وفرت الأرضية التجريبية والمادية التي قام عليها علم الأعصاب السلوكي المعاصر، وأبحاث اللدونة العصبية والذاكرة المخيخية، ونظم التعلم المعزز في الذكاء الاصطناعي اليوم. لقد رسخ كينيث سبنس تقاليد التجريب الصارم والتفكير النقدي الخالي من المساومة؛ تاركاً إرثاً أكاديمياً ومنهجياً سيظل محفوراً في ذاكرة العلم كواحد من أروع المحاولات في تاريخ الفكر البشري لإخضاع السلوك لقوانين العقل والمنطق والقياس الكمي الصارم.
المراجع
- Amsel, A. (1967). Kenneth Wartenbee Spence: 1907-1967. The American Journal of Psychology, 80(3), 447–453. https://www.jstor.org/stable/1420387
- Hilgard, E. R., & Bower, G. H. (1966). Theories of learning (3rd ed.). Appleton-Century-Crofts.
- Hull, C. L. (1943). Principles of behavior: An introduction to behavior theory. Appleton-Century-Crofts.
- Kendler, H. H. (1967). Kenneth W. Spence: 1907-1967. Psychological Review, 74(5), 335–341. https://doi.org/10.1037/h0020297
- MacCorquodale, K., & Meehl, P. E. (1948). On a distinction between hypothetical constructs and intervening variables. Psychological Review, 55(2), 95–107. https://doi.org/10.1037/h0056029
- Spence, J. T., & Spence, K. W. (1966). The motivational components of manifest anxiety: Drive and drive stimuli. In C. D. Spielberger (Ed.), Anxiety and behavior (pp. 291–326). Academic Press. https://doi.org/10.1016/B978-1-4832-3131-0.50017-9
- Spence, K. W. (1936). The nature of discrimination learning in animals. Psychological Review, 43(5), 427–449. https://doi.org/10.1037/h0056975
- Spence, K. W. (1937). The differential response in animals to stimuli varying within a single dimension. Psychological Review, 44(5), 430–444. https://doi.org/10.1037/h0062885
- Spence, K. W. (1944). The nature of theory construction in contemporary psychology. Psychological Review, 51(1), 47–68. https://doi.org/10.1037/h0061504
- Spence, K. W. (1950). Cognitive versus stimulus-response theories of learning. Psychological Review, 57(3), 159–165. https://doi.org/10.1037/h0057864
- Spence, K. W. (1956). Behavior theory and conditioning. Yale University Press.
- Spence, K. W. (1960). Behavior theory and learning: Selected papers. Prentice-Hall.
- Taylor, J. A. (1953). A personality scale of manifest anxiety. The Journal of Abnormal and Social Psychology, 48(2), 285–290. https://doi.org/10.1037/h0056264
- Thompson, R. F. (1986). The neurobiology of learning and memory. Science, 233(4767), 941–947. https://doi.org/10.1126/science.3738519
- Tolman, E. C. (1948). Cognitive maps in rats and men. Psychological Review, 55(4), 189–208. https://doi.org/10.1037/h0061626