السيرة
يمثل المفكر والمحلل النفسي المصري-الفرنسي محمود سامي علي (Mahmoud Sami-Ali) علامة فارقة ومنعطفاً إبستمولوجياً فريداً في تاريخ العلوم الإنسانية والتحليل النفسي المعاصر، ولا سيما في حقل الطب النفس-جسدي (السيكوسوماتيك). وُلد سامي علي في مصر عام 1925، واستطاع عبر مسيرة علمية وبحثية وسريرية امتدت لعقود طويلة أن يشيد صرحاً نظرياً وعيادياً مستقلاً أعاد من خلاله صياغة العلاقة الجدلية القائمة بين النفس والجسد، متجاوزاً الإرث الديكارتي الاختزالي الذي هيمن على الطب الغربي والمقاربات التحليلية الكلاسيكية لعقود طوال. إن مشروعه ليس مجرد إضافة تقنية إلى الترسانة التحليلية القائمة، بل هو إعادة تأسيس أنطولوجية وفينومينولوجية تنظر إلى الجسد بوصفه كينونة حية وعلائقية مسكونة بالمعنى والرغبة.
تكمن فرادة سامي علي في قدرته الاستثنائية على التجسير الخلاق بين الفلسفة الفينومينولوجية، وخاصة فينومينولوجيا الإدراك لدى موريس ميرلوبونتي، وبين الفكر التحليلي الفرويدي وما بعد الفرويدي، مغذياً هذا التمازج برؤية أنثروبولوجية عميقة تنصت لأبعاد اللغة والرمز وتصدعات الوجود البشري. انطلاقاً من مقاربته الرائدة المعروفة بـ “السيكوسوماتيك العلائقي” (Psychosomatique relationnelle)، قدّم مفاهيم جوهرية باتت تشكل اليوم أعمدة رئيسية في التشخيص والعلاج النفسي، مثل مفهوم “كف المتخيل” (L’impasse de l’imaginaire)، و”الابتذال” (Le banal) بوصفه دفاعاً مرضياً متطرفاً في التكيف، و”الجسد التخييلي” في مقابل “الجسد الحقيقي”.
إن قراءة فكر محمود سامي علي، الممتد من عشرينيات القرن الماضي وحتى الحاضر، تتطلب الغوص في طبقات متعددة من المعرفة تتقاطع فيها الفلسفة والطب النفسي ونظريات التواصل وعلم الجمال. يسعى هذا المقال التفكيكي الشامل إلى تقديم دراسة أكاديمية موسعة تغطي مختلف أبعاد مشروعه الفكري، بدءاً من ينابيعه الأولى وتكوينه الباريسي، مروراً بأسسه النظرية ومنهجه العيادي الصارم، ووصولاً إلى تأسيسه للمركز الدولي للسيكوسوماتيك وإرثه المتجدد في مواجهة تحديات الطب والعلوم العصبية المعاصرة.
1. النشأة والتكوين الفكري والأكاديمي لمحمود سامي علي
1.1 الجذور المصرية والبدايات الفلسفية والأدبية
وُلد محمود سامي علي في مصر عام 1925، في مرحلة تاريخية اتسمت بالنهضة الفكرية والسياسية والتفاعل الخلاق بين الأصالة الشرقية والحداثة الغربية. ترعرع في كنف بيئة ثقافية غنية بالتراث العربي والإسلامي، حيث تشرب منذ طفولته المبكرة بلاغة اللغة العربية وإيقاعاتها الدلالية العميقة، وهو ما صقل ذائقته اللغوية وحساسيته تجاه الحرف والرمز والمعنى الباطن للنصوص التراثية والشعرية. هذا التأسيس اللغوي المتين لم يكن مجرد مرحلة تعليمية عابرة، بل غدا محركاً أساسياً لفهمه اللاحق لـ “اللغة” بوصفها وعاءً للوجود البشري ووسيطاً لا ينفصل عن التعبير الجسدي.
خلال دراسته الجامعية الأولى في القاهرة، اتجه سامي علي نحو دراسة الفلسفة والأدب المقارن وعلم الجمال، مأخوذاً بالأسئلة الكبرى حول ماهية الوعي وطبيعة الإبداع الفني. تميزت قراءاته آنذاك بالانفتاح على التراث الفلسفي اليوناني والإسلامي، متأملاً كتابات ابن سينا والفارابي حول النفس وقواها وعلاقتها بالبدن، بالتوازي مع قراءة كانط وهيغل وفلسفات التنوير. مكنه هذا المزج الفلسفي الباكر من تشكيل عقلية نقدية ترفض التفسيرات الأحادية والمادية الصرفة للظواهر الإنسانية، وتتلمس الجذور الخفية للألم الإنساني والإبداع الرمزي.
بدأت بذور الوعي بالصراع النفسي تتشكل لدى سامي علي عبر ملاحظته للتناقضات الحادة بين المتخيل والواقع، وبين الطموحات الفردية والضغوط الجمعية السائدة في المجتمع المصري التقليدي. وقد رأى أن المعاناة النفسية ليست مجرد خلل وظيفي داخلي، بل هي انكسار في الجسر الدلالي الذي يربط الذات بذاتها وبالعالم المحيط. وهكذا شكلت هذه المرحلة المصرية اللبنة الأولى التي دفعته للسعي وراء فهم علمي وعميق للأغوار السحيقة للنفس البشرية، مما قاده لاتخاذ قرار الهجرة نحو معاقل الفكر التحليلي في أوروبا.
1.2 الانتقال إلى باريس والانخراط في الحركة التحلية الفرنسية
في أواخر أربعينيات القرن العشرين، شدّ محمود سامي علي الرحال إلى العاصمة الفرنسية باريس، التي كانت تشهد آنذاك ثورة فكرية عارمة تموج بالتيارات الوجودية والفينومينولوجية والتحليلية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. انخرط في الأوساط الأكاديمية الرفيعة في جامعة السوربون والمؤسسات المتخصصة، مواصلاً دراساته العليا في الفلسفة وعلم النفس وعلم النفس المرضي، حيث نال أعلى الشهادات الأكاديمية التي أهلته ليصبح أحد ألمع الباحثين والمحللين على الساحة الفرنسية.
تتلمذ سامي علي وتفاعل مع كوكبة من أقطاب الفلسفة والتحليل النفسي في فرنسا؛ إذ خاض تجربة التحليل الشخصي المعمق، واقترب من رواد الفكر التحليلي كجاك لاكان، وجان لابلانش، وبيير مارتي. غير أن هذا الاقتراب لم يتحول قط إلى تبعية عمياء، بل كان اشتباكاً نقدياً حاداً ومثمراً. استوعب طروحات لاكان حول “المتخيل” و”الرمزي” و”الواقعي”، لكنه سرعان ما اختلف معه حول أسبقية اللغة الصرفة ونفي الجسد الحي، مؤكداً أن اختزال الإنسان في البنية اللسانية يهمل الأبعاد السوماتية واللحمية الأصيلة للذات.
في المقابل، كان لتأثره بأستاذ الفينومينولوجيا موريس ميرلوبونتي وقع حاسم في توجيه بوصلته الإبستمولوجية. وجد سامي علي في كتاب “فينومينولوجيا الإدراك” ضالته المنشودة لتفكيك الثنائيات الكلاسيكية، مما فتح أمامه أفقاً واسعاً لإعادة النظر في الجسد ليس كآلة بيولوجية خارجية، بل كذات مدركة ومرتع للتجربة الوجودية، لتولد من هذا الصدام الخلاق بين الفينومينولوجيا والتحليل النفسي رؤيته الخاصة المتفردة للطب النفس-جسدي.
1.3 التدرج الأكاديمي والمهني في الجامعات والمؤسسات العلاجية
تكلل المسار العلمي لسامي علي بتبوئه مناصب أكاديمية رفيعة في فرنسا، حيث شغل لسنوات طويلة كرسي أستاذ علم النفس المرضي والتحليل النفسي في جامعة باريس السابعة (باريس ديدرو – Paris VII)، إحدى أرقى الجامعات الباريسية التي قادت التجديد في العلوم الإنسانية والتحليل النفسي. ومن خلال موقعه الأكاديمي، ساهم في تأسيس برامج دراسات عليا متخصصة ومختبرات بحثية رائدة عكفت على دراسة الباثولوجيا السوماتية من منظور سريري متجدد يربط بين النظرية والتطبيق.
لم يكتفِ سامي علي بالتدريس النظري والتنظير المجرد، بل رافق ذلك بممارسة سريرية يومية حثيثة في المستشفيات الجامعية والمصحات العلاجية النفسية والمؤسسات الطبية الكبرى في فرنسا وأوروبا. وقد أتاح له هذا الاحتكاك العيادي المباشر بالمرضى الذين يعانون من أمراض عضوية مستعصية وأعراض سوماتية غامضة فرصة اختبار فروضه النظرية وتطوير أدوات تشخيصية وعلاجية مبتكرة تمكن المعالج من الولوج إلى عوالم المريض المسدودة.
تخرج على يديه عبر مسيرته الأكاديمية الطويلة أجيال متعاقبة من المحللين النفسيين والأطباء والمعالجين متعددي الثقافات من مختلف بقاع الأرض، من فرنسا وإسبانيا وأمريكا اللاتينية والوطن العربي. وقد تميز تدريبه السريري بالتركيز الصارم على أخلاقيات الإنصات التحليلي، ورفض النزعات التنميطية الجاهزة، وتشجيع الباحثين على استكشاف البعد الإنساني الشامل للمريض بما يتجاوز الأعراض السطحية والتقارير الطبية الجافة.
2. الأسس الإبستمولوجية لنظرية سامي علي السيكوسوماتية
2.1 تجاوز الثنائية الديكارتية (النفس والجسد)
تنطلق نظرية سامي علي من نقد جذري وشامل للإرث الديكارتي الفلسفي والوضعي الطبي الذي شطر الكائن البشري شطرين متعارضين: جوهر مفكر (Res cogitans) وجوهر ممتد (Res extensa). يرى سامي علي أن هذا الانقسام المنهجي، وإن كان قد ساعد العلوم الفيزيائية والتشريحية في بدايات الحداثة، قد تحول إلى عائق معرفي خطير أفقر الطب وحرمه من فهم حقيقة الإنسان؛ إذ أدى إلى تجزيء المرضى إما إلى أعطاب عضوية ميكانيكية تعالج بالعقاقير والجراحة، وإما إلى اضطرابات وجدانية لا صلة لها باللحم الحي والدم.
يعيد سامي علي صياغة مفهوم “الوحدة النفسية-الجسدية” (Psyche-Soma) مستلهماً التقليد الفينومينولوجي، مؤكداً أن النفس والجسد ليسا قطبين منفصلين يحتاجان إلى وصل أو ترجمة، بل هما وجهان غير قابلين للتجزئة لكينونة واحدة تتفاعل في العالم وبواسطته. لا يمكن الحديث عن نفس تسبح في الفراغ الروحي دون استناد سوماتي، كما يستحيل تصور جسد بشري حي يعمل بمعزل عن تدفقات المعنى والتاريخ الشخصي والتفاعل الرمزي المستمر مع الآخرين.
وبناءً على ذلك، يرفض سامي علي رفضاً قاطعاً المقاربات التي تحصر السيكوسوماتيك في ثنائية “السبب والنتيجة” الخطية الآلية، كأن يُقال إن التوتر النفسي هو السبب المباشر للقرحة أو الربو. إن السيكوسوماتيك عنده ليس تفسيراً سببياً لمرض عضوي، بل هو فهم لكيفية تحول الجسد ككل إلى الحيز الأول لتسجيل الصدمات الوجودية والعلائقية، فعندما يستعصي المعنى على الرمز واللفظ، يتحدث الجسد عبر لغة الاضطراب العضوي الخالص.
2.2 الامتداد النقدي للتحليل النفسي الفرويدي التقليدي
في حواره المعرفي المعمق مع فرويد، يعيد سامي علي قراءة النموذج التحليلي الكلاسيكي، وتحديداً مفهوم “التحول الهستيري” (Conversion hystérique). ميز فرويد ببراعة كيف يحول المريض الهستيري صراعه اللاشعوري المكبوث إلى عرض حركي أو حسي (مثل الشلل الهستيري أو فقدان البصر النفسي). غير أن سامي علي يضع خطاً فاصلاً حاسماً بين هذا العرض الهستيري الرمزي، وبين “العرض السوماتي” (Somatic symptom) الصرف كاحتشاء القلب أو التهاب المفاصل الرثياني.
يوضح سامي علي أن العرض الهستيري يظل محتفظاً ببنيته الرمزية؛ إنه يمثل لغة بديلة ومجازاً خفياً يُفصح عن الرغبة من خلال تشويهها، ويمكن تفكيكه تأويلياً كما تُفكك الأحلام وزلات اللسان. أما في المرض السيكوسوماتي الحقيقي، فإننا لا نقف إزاء مجاز أو رمز غائب يبحث عن مترجم، بل أمام فشل ذريع في عملية الرمزنة نفسها (Échec de la symbolisation). العرض السوماتي يقع خارج دائرة التمثيل النفسي، إنه حضور خام للفجوة وغياب للغة، مما يستدعي إعادة النظر في كفاية الترسانة الفرويدية التقليدية لعلاج هؤلاء المرضى.
يتطلب هذا التمييز أيضاً مراجعة نقدية لنظرية النزوات الفرويدية؛ فبدلاً من رؤية الطاقة النفسية ككمية بيولوجية محبوسة تبحث عن تصريف مادي، يعيد سامي علي تأطير النزوة ضمن السياق العلائقي الخالص. فالنزوة لا تتولد في فراغ فردي، بل تنشأ وتتشكل وتتحول عبر التجربة المعيشة المشتركة مع موضوعات الرعاية الأولى، مما يجعل انحرافاتها أو تعطلها سوماتياً دليلاً على أزمة بنيوية في الرابطة مع الآخر.
2.3 الدمج الفينومينولوجي في فهم الجسد والوجود
يشكل التوظيف الإبداعي لفينومينولوجيا الإدراك لدى ميرلوبونتي الركيزة الفلسفية الأكثر إشراقاً في نموذج سامي علي. يستعير المفهوم الفينومينولوجي المحوري: “الجسد الحي المعاش” (Le corps propre) في تمايزه عن “الجسد الموضوعي” أو التشريحي (Le corps objectif). فالأخير هو الجسد الذي يراه الجراح ويفحصه الطبيب بالمجهر، وهو جثة محتملة مقسمة إلى أجهزة وأعضاء، في حين أن الجسد الحي هو المنظور الذي نرى العالم من خلاله ونتحرك به ونحبه ونتألم به في آنٍ معاً.
يوظف سامي علي مفهوم مارتن هايدغر وميرلوبونتي حول “الوجود-في-العالم” (Être-au-monde) كمدخل عيادي أساسي لفهم التعبيرات السوماتية الصامتة. فالمرض الجسدي لا يداهم العضو من الخارج بمحض الصدفة البيولوجية فحسب، بل يمثل تعديلاً جذرياً في أسلوب انغراس الذات في عالمها الزماني والمكاني والعلائقي. المريض السوماتي يعيش تجربة اغتراب مضاعف؛ إذ يتحول جسده الحي المعاش إلى مجرد شيء مادي يثقل كاهله ويعجز عن التعبير عن قلقه الوجودي الصامت.
هذه الجدلية بين الجسد كذات حية والجسد كموضوع ميت هي قلب المعاناة السيكوسوماتية؛ فالانهيار البيولوجي يعقب في أغلب الأحيان تجريد الذات لجسدها من شحنته العاطفية والتخييلية، ليصبح أداة إجرائية تخضع لمتطلبات الإنتاجية والتكيف الاجتماعي القسري، حتى تنفجر العضوية من الداخل بفعل الاحتقان الخالي من التمثيل النفسي والروحي.
3. مفهوم الجسد العلائقي والتمثلات النفسية
3.1 الجسد الحقيقي والجسد التخييلي
في عمله المرجعي البارز Corps réel, corps imaginaire، يبلور سامي علي إحدى أهم فرضياته التحليلية عبر التمييز البنيوي الدقيق بين الجسد الحقيقي والجسد التخييلي. الجسد الحقيقي هو الوعاء البيولوجي والتشريحي الخاضع لقوانين الكيمياء الحيوية وعلم وظائف الأعضاء، بينما الجسد التخييلي هو البناء النفسي المتكامل الذي يشيده الفرد حول جسده عبر الاستيهامات والتمثلات والتجارب الإدراكية والعاطفية منذ ولادته.
لا يستطيع الإنسان أن يعيش في جسده الحقيقي مباشرة، بل هو يعيش دوماً في جسده التخييلي ومن خلاله. يتحول الجسد التشريحي عبر سياقات التربية والتفاعل إلى مسرح دائم للإسقاطات النفسية؛ فكل عضو وكل فتحة وكل حاسة تُشحن بمعانٍ رمزية تحدد إحساس الذات بهويتها وتماسكها الداخلي. إن الجسد التخييلي هو الدرع الواقي للـ “أنا”، وهو الذي يمنح الفرد شعوره بالامتلاء والاستمرارية في المكان والزمان، ويحميه من مخاطر التفتت والتلاشي الوجودي.
تكمن الكارثة السوماتية، وفق سامي علي، عندما يحدث شرخ أو قطيعة بين هذين البعدين؛ حيث يتوارى الجسد التخييلي أو يتعطل عن أداء وظيفته التوسطية والحمائية، فتنكشف الذات مباشرة أمام الواقع البيولوجي الخام. في هذه اللحظة، يصبح الجسد عارياً من استثماراته النفسية، ويتحول العطب العضوي إلى حدث مجرد لا يجد له صدى في الذاكرة التخييلية، وهو ما يفسر برود المريض السوماتي الظاهري وغياب القلق العصابي المألوف لديه إزاء مرضه الجسيم.
3.2 البعد العلائقي بين الأنا والآخر في التكوين الجسدي
لا ينبثق الجسد التخييلي من فراغ فردي معزول، بل هو ثمرة مباشرة للعلاقة البين-ذاتية التأسيسية بين الرضيع والبيئة الحاضنة، المتمثلة أساساً في الأم أو بديلها الأولي. يستعير سامي علي ويطور مفاهيم دونالد وينيكوت وديدييه أنزيو حول وظيفة الحمل والاحتواء (Holding and Handling)، ليؤكد أن الملامسة الجسدية، والنظرة، ونبرة الصوت، تشكل مجتمعة السطح الذي يرسم الحدود السوماتية الأولى للطفل ويفصل بين داخله وخارجه.
يكتسي “الجلد” في تنظير سامي علي أهمية مركزية بوصفه ليس مجرد عضو بيولوجي للتغطية، بل كحد فاصل ومجال اتصال مشترك، أو ما يمكن تسميته بـ “الوعاء النفسي” الذي يحفظ تماسك الهوية السوماتية. فإذا كانت الرابطة الأولية مشبعة بالدفء والاستجابة المتناغمة، تكرس لدى الطفل جلد نفسي متين يسمح له بالانفصال الصحي عن الآخر دون خوف من الانثقاب أو التمزق الداخلي. أما إذا اتسمت الرابطة بالإهمال أو التطفل المرضي، فإن الحدود الجسدية تظل هشة وغير مستقرة.
عندما تتفكك هذه الإسنادات العلائقية في مراحل لاحقة من العمر، عبر الفقد المفاجئ، أو الهجر، أو خيبة الأمل القاتلة، تتصدع وظيفة الجلد النفسي والوعاء التخييلي. وإذا عجزت الذات عن استيعاب هذا الانهيار العلائقي رمزياً، فإن الجسد ينكفئ على ذاته في مسار تدميري يرتد نحو العطب العضوي الداخلي، متجلياً في اضطرابات المناعة أو الأمراض الجلدية كصرخة بيولوجية يائسة لاستعادة الرابطة المفقودة.
3.3 مفهوم الرابطة المزدوجة والتناقض الوجداني المتجسد
استلهم سامي علي نظرية “الرابطة المزدوجة” (Double Bind) التي صاغها غريغوري بيتسون ومدرسة بالو ألتو للتواصل، وقام بإعادة غرسها في أعماق السريرية السيكوسوماتية. يشير هذا المفهوم إلى وضعية تواصلية مشوهة يتلقى فيها الفرد رسالتين متناقضتين في آنٍ واحد وعلى مستويين مختلفين (مثلاً: أمر لفظي يحث على الاستقلال، مصحوب بتلميح جسدي ونبري لاشعوري يعاقب على أي محاولة للاستقلال بالهجر والنبذ)، مع حظر أي تعليق على التناقض القائم.
في مثل هذه المآزق العلائقية، يجد الشخص نفسه محاصراً في فخ مستحيل الحل: فأي اختيار يقوم به يعد خاطئاً ومداناً. ونظراً لعجزه عن الثورة اللفظية أو الهروب النفسي نتيجة التبعية العاطفية المطلقة للموضوع المزدوج، يتعطل التفكير الواعي ويحتجز هذا التناقض الوجداني الحاد داخل الأنسجة البيولوجية ذاتها. يصبح الجسد هو الساحة الوحيدة التي تبتلع الصراع وتمتصه بالنيابة عن العقل المشلول.
يتجلى الصراع السوماتي هنا كتعبير مشوه وملموس عن الصراع بين النزوع إلى الانفصال والتمايز الذاتي، وبين الرعب الماحق من فقدان الرابطة الحيوية مع الآخر. فالأعراض الجسدية، كالربو الحاد ونوبات الشرى المتكررة، تمثل تجسيداً مادياً مأساوياً لهذا الاختناق التواصلي؛ حيث يعجز اللسان عن قول الرفض، فينوب عنه الجهاز التنفسي أو الوعائي ليعلن حالة الحصار القاتلة.
4. نظرية التخييل (L’Imaginaire) وإشكاليات الكف الرمزي
4.1 طبيعة المتخيل ودوره المركزي في التوازن النفسي
يحتل مفهوم “المتخيل” أو “التخييل” (L’Imaginaire) مركز الثقل الفلسفي والإكلينيكي في المشروع الإبستمولوجي لمحمود سامي علي. يرفض سامي علي المفهوم السائد الذي يختزل التخييل في مجرد أوهام لاغية للواقع أو استيهامات تضليلية تبعد المرء عن الحقيقة الموضوعية؛ بل يعتبره النشاط النفسي الوسيط الأكثر نبلاً وتأسيسية، والذي يربط بين الإدراك الحسي المباشر والتفكير المجرد المعقد.
المتخيل عند سامي علي هو قدرة توليدية ديناميكية تمكن الكائن البشري من معالجة الواقع وإعادة تشكيله ذاتياً. إنه الحقل الخصب الذي تنبثق منه الأحلام الليلية، والقدرة على التخيل الإبداعي، ولعب الأدوار الرمزية، والتسامي بالفقدان والحرمان. بدون المتخيل، يصبح الواقع الخارجي كتلة صلبة صامتة ومحقونة بالتهديد تسحق الذات، فالمتخيل هو الفضاء الهوائي الحر الذي يمتص صدمات الوجود ويسمح للرغبة بالدوران والتحول إلى منتجات ثقافية وجمالية.
يخلص سامي علي إلى استحالة قيام صحة نفسية متكاملة دون مرونة وتدفق حر لمساحة المتخيل. فالمتخيل ليس ترفاً ذهنياً بل هو صمام الأمان الأول للجسد العضوي؛ إذ يعمل كجهاز ترشيح رمزي يحول التوترات الوجدانية الخام والضغوط الغريزية إلى صور وأفكار ورؤى قابلة للتصريف النفسي، حامياً الخلايا والأعضاء من التعرض المباشر لصواعق الانفعالات غير المفككة.
4.2 ظاهرة الكف التخييلي (L’Impasse de l’imaginaire)
يعد مفهوم “كف المتخيل” أو “انسداد المتخيل” (L’impasse de l’imaginaire) الإسهام الإكلينيكي الأكثر شهرة ورسوخاً لسامي علي. يشير هذا المفهوم إلى حالة من الجمود والشلل النفسي تصيب الملكة التخييلية، حيث تضمر القدرة على إنتاج الأوهام الخصبة، وتجف الأحلام، وتتحول الحياة الداخلية للفرد إلى صحراء قاحلة تخلو من المشاعر الحية والاستيهامات والتأملات الذاتية.
عندما يصاب المتخيل بالكف، يتحول نمط التفكير البشري إلى تفكير واقعي جاف وإجرائي آلي؛ فالمرضى هنا لا يتحدثون إلا عن الوقائع والأحداث اليومية الصرفة دون أي نفاذ للأبعاد النفسية أو الرمزية. إنهم يصفون أحداثهم ببرود تقريري يشبه تقارير الأجهزة الحسابية: ماذا فعلوا، ومتى خرجوا، وأين ذهبوا، دون ربط هذه الأفعال بدوافع وجدانية أو رغبات باطنية، وكأن لغتهم قد سُلخت تماماً من لحمها العاطفي.
يميز سامي علي تمييزاً إبستمولوجياً عميقاً بين “الكبت” الفرويدي (Refoulement) و”الكف التخييلي”؛ فالكبت آلية دفاعية تبعد الفكرة غير المقبولة عن الوعي لتبقيها حية في اللاشعور، متجلية في الأعراض العصابية، والزلات، والأحلام الرمزية. أما الكف التخييلي فهو شلل يصيب مصنع الرمز ذاته، ومحو للقدرة على التعبير الرمزي، مما يحرم الذات من أي ملاذ وسيط، فلا يتبقى أمام التوتر النفسي المكبوت سوى مخرج وحيد: الارتطام باللحم البيولوجي وتفجيره في هيئة مرض سوماتي مهدد للحياة.
4.3 التطابق والمطابقة (La Conformité) والابتذال النفسي
في كتابه الاستثنائي Le Banal (الابتذال)، يفكك سامي علي واحدة من أخطر الظواهر السريرية الحديثة: مفهوم التكيف المفرط والتطابق المطلق (La conformité). يرى سامي علي أن الابتذال والتفاهة المفروضة مجتمعياً ليسا مجرد خلو من الإبداع، بل هما آلية دفاعية مرضية شديدة التعقيد والخطورة، يلجأ إليها الفرد لمقاومة القلق عبر الامتثال التام والسكون الصارم لمعايير الجماعة والنظام القائم.
إن الشخصية المتطابقة أو “المبتذلة” تظهر ظاهرياً كنموذج للمواطن الصالح فائق السواء والنجاح؛ فهو إنسان منضبط للغاية في عمله، ودود في علاقاته، متفانٍ في واجباته الاجتماعية والأسرية، وخالٍ تماماً من الصراعات النفسية العصابية الشائعة. غير أن هذا السواء الظاهري يخفي وراءه بنية نفسية شديدة الهشاشة والاستلاب؛ إذ تم التخلي عن الذات الحقيقية وعن الرغبات العميقة في سبيل التماهي مع نموذج ميكانيكي خالٍ من التناقض والتفرد.
يطلق سامي علي جرس الإنذار إزاء هذه الشخصيات “السوية ظاهرياً”، معتبراً إياها الفئة الأكثر هشاشة وعرضة للانهيار السوماتي المفاجئ؛ فالغياب الكامل للأعراض العصابية، والقدرة المفرطة على كبت الألم والتسليم للمحددات الخارجية، يحرمان الفرد من تفريغ صراعاته تدريجياً، ليبقى الجسد هو الضحية الصامتة التي تحتمل هذا التكيف الزائف إلى أن تنهار المناعة العضوية في ذروة الاستقرار الظاهري.
5. السيكوسوماتيك العلائقي: التمايز عن مدرسة باريس التقليدية
5.1 أوجه الخلاف الفكري مع بيير مارتي والمدرسة الباريسية
تأسست مدرسة باريس للسيكوسوماتيك (IPSO) على يد بيير مارتي (Pierre Marty)، وميشيل فاين، وميشيل فاشيك، وشكلت لسنوات النموذج السائد في فرنسا. ورغم إقرار سامي علي بأهمية ملاحظاتهم السريرية حول “التفكير الإجرائي” (Pensée opératoire) و”الاكتئاب الأساسي” (Dépression essentielle)، فإنه دخل معهم في سجال نظري معمق وجذري، رافضاً المنطلقات المعرفية التي حكمت أبحاثهم الميكانيكية والتطورية.
يكمن الاعتراض الجوهري لسامي علي في نقد النزعة النشوئية الخطية التي تبناها بيير مارتي، والتي تفسر المرض العضوي بوصفه “نكوصاً اقتصادياً” متدرجاً يبدأ من المستويات النفسية الرفيعة وينحدر عبر مسارات تطورية عكسية نحو التنظيمات البيولوجية البدائية. يرى سامي علي أن هذه المقاربة تعيد إنتاج الديكارتية في ثوب فرويدي اقتصادي؛ إذ تتعامل مع الطاقة النفسية ككمية فيزيائية مجردة وتتجاهل تعقيد التجربة المعاشة والشبكة العلائقية الحية.
كما يعيد سامي علي تقييم مفهوم التفكير الإجرائي ذاته؛ فبينما اعتبره مارتي عجزاً عضوياً أو نمواً نفسياً غير مكتمل، يثبت سامي علي أن التفكير الإجرائي والمطابقة هما سلوك علائقي استراتيجي نشأ استجابة لبيئة تواصلية محددة فرضت قمع المتخيل. وبذلك يخرج المفهوم من حيز التوصيف الباثولوجي الجامد إلى فضاء التفاعل البين-ذاتي الديناميكي، مؤكداً أن الجسد لا ينكص نحو طفولة بيولوجية، بل يستجيب لمأزق راهن ومستعصٍ في المعنى والارتباط بالآخر.
5.2 خصوصية المقاربة العلائقية لسامي علي
تتأسس فرادة مدرسة سامي علي على إحلال “العلاقة” في قلب التنظير والتدخل السيكوسوماتي؛ فالمرض العضوي ليس مجرد عطب بيولوجي أعمى أو فشل دفاعي سلبي كما ذهبت المدارس التقليدية، بل هو محاولة تكيفية أخيرة ذات معنى وجودي عميق يلجأ إليها الكائن الحي حين تغلق كافة المسارات الرمزية والتواصلية الأخرى أمامه. الجسد يمرض لأنه يحاول أن يجد حلاً لمستحيل، وليس لأنه تعطل كآلة مهترئة.
تحتل علاقة التحويل (Transference) والتحويل المقابل (Countertransference) موقع الصدارة في الموقف السيكوسوماتي لدى سامي علي. فالمريض لا يعالج بوصفه حالة مرضية معزولة تدرس عبر مقاييس طبية، بل من خلال التجربة المشتركة التي تُبنى داخل الغرفة التحليلية. إن ما يطرحه المريض السوماتي من جفاف لفظي وتبلد حسي يستدعي تفاعلاً نوعياً من المعالج؛ إذ يجب على الأخير أن ينصت لارتدادات هذا الصمت في جسده ومشاعره هو، موظفاً التحويل المقابل كأداة تشخيصية وحيدة لالتقاط ما عجز المريض عن تمثيله.
تتسع دائرة البحث في المقاربة العلائقية لتشمل التاريخ البيوغرافي والسياق التواصلي الأوسع للمريض، رافضة التصنيفات الإحصائية الباردة. يبحث سامي علي عن البعد الإنساني المنسي في التجربة السوماتية: كيف تحب هذه الذات؟ كيف تعاني من الفقد؟ ما هي طبيعة الأواصر التي تربطها بالواقع؟ وبهذا التحول المعرفي، يعيد الاعتبار للمريض كشخص يروي تاريخه بأعضائه، بدلاً من التعامل معه كملف سريري مجرد مقيد في سجلات التصنيف الطبي.
5.3 إعادة إحياء وظيفة الحلم لدى المريض السوماتي
أولى محمود سامي علي اهتماماً استثنائياً لدراسة “الحلم” لدى المرضى السيكوسوماتيين، باعتباره حجر الزاوية لاختبار حيوية المتخيل. لاحظت مدرسة باريس التقليدية أن أحلام هؤلاء المرضى تتسم بالفقر الشديد والرتابة، وكررت فكرة أنهم عاجزون عن الحلم. غير أن سامي علي أعاد تفكيك هذه الظاهرة مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بفقر في القدرة على الحلم بقدر ما هو اختلاف نوعي في التشفير النفسي؛ فأحلامهم ليست خالية من الصراع، لكنها تفتقر إلى الغطاء الاستعاري وتتخذ شكلاً فوتوغرافياً واقعياً مفرطاً.
يرى سامي علي أن استعادة القدرة على الحلم هي المؤشر الإكلينيكي الأول والحاسم على بدء مرحلة الشفاء واستعادة النشاط التخييلي؛ فعندما ينتقل المريض من التكرار الآلي للوقائع اليومية أثناء النوم إلى نسج صور سريالية أو رؤى تحتوي على قلق وغرابة وانفعال حقيقي، يكون جدار الكف التخييلي قد بدأ يتصدع لصالح الرمز، مما يعني أن الطاقة النفسية بدأت تجد مسارات تصريف داخل الجهاز النفسي بدلاً من استنزاف الجهاز المناعي والبيولوجي.
يرتكز العمل السريري في هذه النقطة على مصاحبة حذرة ومكثفة من قبل المحلل النفسي لمساعدة المريض على تحويل هذه الصور البصرية الحلمية الأولية والبدائية إلى تمثلات لغوية ومجازية. لا يقدم المعالج تأويلات جاهزة أو فجة للأحلام، بل يعمل كشريك تخييلي يعيد غرس البذور الرمزية في حكايات المريض الحلمية، مما يعيد بناء الجسر المهدم بين المتخيل والجسد المعاش تدريجياً.
6. الفضاء والمكان في البنية النفسية السوماتية
6.1 الفضاء المعاش والفضاء الهندسي
يقدم محمود سامي علي في مؤلفه التأسيسي L’Espace imaginaire مساهمة رائدة في فينومينولوجيا المكان عبر التمييز الفلسفي والعيادي بين الفضاء الهندسي الإقليدي الموضوعي، والفضاء المعاش الذاتي (L’espace vécu). الفضاء الهندسي هو المساحة الفيزيائية المجردة القابلة للقياس بالأمتار والدرجات، في حين أن الفضاء المعاش هو المكان كما تختبره الذات وتستثمره برغباتها وقلقها وذكرياتها، وهو فضاء متغير ينكمش ويتسع وفق الحالة الوجدانية والعلائقية للذات.
يوضح سامي علي كيف تسقط الصراعات النفسية الداخلية على تنظيم المكان الخارجي وتجربة المحيط. فالإنسان لا يسكن غرفة أو مدينة بالمعنى الهندسي فحسب، بل يسكن المعاني التي أودعها في تلك الجدران والطرقات. وعندما يتعرض التوازن النفسي للخطر، فإن أولى العلامات تبدو في تصدع إدراك المكان؛ إذ يتحول الفضاء الخارجي فجأة إلى صحراء موحشة أو بيئة خناقة تهاجم الذات، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استقرار الجسد العضوي.
تعد اضطرابات إدراك الفضاء نذيراً مبكراً على احتمال حدوث الانهيار السيكوسوماتي؛ ففقدان القدرة على استثمار المكان ذاتياً وتخييلياً، والشعور بالغربة المكانية أو بالخواء الجغرافي، يتطابق بنيوياً مع كف المتخيل. فالذات التي تعجز عن استيطان مكانها النفسي تفقد بالتبعية قدرتها على استيطان جسدها الحي، ليصبح كلاهما موضوعين مهجورين يسهل اختراقهما بالأمراض والعلل.
6.2 إشكاليات الحدود والانغلاق والانفتاح
ترتبط جغرافيا المكان لدى سامي علي بمسألة “الحدود” (Les frontières) ارتباطاً عضوياً؛ فالحدود المكانية بين “الداخل” و”الخارج” هي المعادل الرمزي المباشر للحدود النفسية والجسدية الفاصلة بين الذات والموضوع. إن بناء هوية متماسكة يقتضي وجود حدود مرنة تسمح بالتبادل الحي مع العالم مع الاحتفاظ بالأمان والخصوصية في آنٍ واحد، وهي وظيفة تناظر تماماً الوظيفة الحيوية لغشاء الخلية البيولوجية وللجلد البشري.
يرصد سامي علي باثولوجيا حادة في مسألة الحدود لدى المرضى السوماتيين تتأرجح بين تطرفين مدمرين: إما “الانفتاح المفرط” حيث تنهار الحدود تماماً فتغدو الذات مستباحة لكل مؤثرات البيئة والآخرين دون أي فلتر حمائي (مما يقود لأمراض الحساسية والمناعة)، وإما “الانغلاق المرضي” المتصلب حيث تتكلس الحدود في قوقعة دفاعية خشنة تعزل الذات عن العالم وتحرمها من أي تغذية علائقية (كما في بعض الأمراض الجلدية التصلبية وأمراض التكلس العضوي).
هذا الفهم الفينومينولوجي للحدود ينير الظواهر البيولوجية بأضواء نفسية حاسمة؛ فالأجهزة المناعية التي تهاجم أنسجة الجسم ذاته في أمراض المناعة الذاتية، أو الجلد الذي يشتعل بالالتهابات، هي تجليات ملموسة لانهيار التمييز الرمزي والمكاني بين ما هو “ذاتي” وما هو “غريب”، مما يثبت أن الحفاظ على المناعة العضوية يمر حتماً عبر سلامة الحدود المكانية والتخييلية للأنا.
6.3 الرهاب المكاني وأعراض الجسد
يقارب سامي علي ظواهر الرهاب المكاني، وبخاصة رهاب الأماكن الفسيحة (Agoraphobia) ورهاب الأماكن المغلقة (Claustrophobia)، ليس بوصفها مجرد عصابات قلق كلاسيكية، بل كأزمات بنيوية عميقة تضرب صميم صورة الجسد وتموضعه في الوجود. يرتبط رهاب الفضاء المفتوح ارتباطاً وثيقاً بالرعب من التفكك الجسدي؛ إذ يشعر المريض أن الفضاء الواسع عنصر مهدد بابتلاعه، أو بتفريغه من محتواه الداخلي، وتبديد تماسكه السوماتي في العدم.
تترافق هذه النوبات الرهابية المكانية بأعراض جسدية عنيفة فورية: خفقان القلب، وضيق التنفس، والدوخة، والتعرق البارد، وهي أعراض تمثل محاولة الجسد المذعورة لتشييد جدار عضوي بديل ومؤلم يذكر الذات بأنها لا تزال موجودة في حيزها المادي ولم تتلاشَ بعد. الفضاء الفارغ يواجه الذات بفراغها التخييلي الخاص، فيصرخ الجسد بالهلع ليملأ هذا الفراغ المهدد.
يتركز العلاج السيكوسوماتي العلائقي هنا على “ترميم الفضاء الشخصي الآمن” داخل الجلسة العلاجية. لا يكتفي المعالج بالتحليل اللفظي، بل يؤسس لوجود مكاني مطمئن، يكون فيه الفضاء العلاجي بمثابة مساحة وسيطة مرنة تتيح للمريض اختبار الانفتاح والابتعاد دون خوف من الابتلاع أو الفقد، مما يعيد للجسد التخييلي سكينته ويحرره من ردود الفعل العضوية الذعورية.
7. الزمنية والصيرورة النفسية السوماتية
7.1 الزمن المعاش في مقابل الزمن الموضوعي
بالموازاة مع تفكيكه للمكان، يعكف سامي علي على مساءلة إشكالية “الزمن” في البنية السيكوسوماتية، مفرقاً بين الزمن الموضوعي والفيزيائي (زمن الساعة والتقويم المتتالي خطياً) والزمن المعاش (Le temps vécu) بوصفه صيرورة ذاتية وديمومة نفسية تتدفق فيها الخبرات وتتشابك فيها الأبعاد الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، كما شرحها هنري برغسون وإدموند هوسرل.
يكشف التحليل الإكلينيكي أن المريض السوماتي يعاني غالباً من اضطراب عميق في معايشة الزمان، يتجسد في ظاهرة “توقف الزمن النفسي” والتكرار القهري الصامت. يعيش هؤلاء المرضى في ما يشبه “الحاضر الأبدي” المفرغ من أي أفق تاريخي؛ فالماضي مقفل بحصون النسيان والكف، والمستقبل ملغى تماماً لصالح تسيير شؤون اللحظة الراهنة بأقصى كفاءة عملية ممكنة، مما يجعل الحياة مجرد توالٍ ميكانيكي للحركات دون أي عمق وجودي أو صيرورة حقيقية.
هذا التجميد للزمن النفسي يمثل عائقاً رئيساً أمام استدماج الصدمات السابقة ومعالجتها؛ فالصدمة التي لا تجد لها مكاناً في خط زمني تطوري تظل محبوسة في اللحظة الراهنة، مستمرة في استنزاف الطاقة الحيوية. ويتبدى اضطراب الزمن المعاش أحياناً في تسارع جنوني للإيقاع الحياتي، أو تباطؤ اكتئابي خانق، وكلاهما دلالة مباشرة على ثقل العبء النفسي غير المصرف الذي يهدد استقرار الأجهزة العضوية.
7.2 الإيقاعية البيولوجية والنفسية
يمثل مفهوم “الإيقاعية” (La rythmicité) جسراً حيوياً في تنظير سامي علي للربط بين الجوانب النفسية والبيولوجية للإنسان. فالطبيعة الحية كلها محكومة بإيقاعات دورية منتظمة: دقات القلب، وتردد التنفس، والدورات الهرمونية، وتناوب النوم واليقظة. غير أن هذه الإيقاعات البيولوجية الصرفة ليست معزولة، بل هي متداخلة بعمق مع الإيقاعات النفسية والتواصلية التي تتشكل في فجر الحياة.
يرجع سامي علي جذور بعض الاضطرابات السيكوسوماتية إلى تفكك التناغم الإيقاعي الباكر بين الرضيع وبيئته الحاضنة؛ فالأم تمنح طفلها، عبر إيقاع الرضاعة، والهدهدة، وأوقات النوم، إحساساً بالنظام والأمان والاستمرارية الحيوية. وإذا أصيب هذا التناغم الباكر بالاضطراب والفوضى، أو بالقسوة والتيبس غير المرن، يفقد الطفل القدرة على ضبط إيقاعاته الداخلية، ويصبح جهازه العصبي الذاتي عرضة للتخبط والخلل المزمن.
من هنا، تغدو استعادة التناغم والضبط الإيقاعي الداخلي هدفاً علاجياً محورياً في السيكوسوماتيك العلائقي. فالعمل السريري يتضمن إرساء إيقاع علاجي ثابت ومنتظم داخل الجلسات، مما يتيح للجهاز العصبي والوجداني للمريض إعادة التموضع في زمن تنفسي منتظم يخفف من الهياج التدميري للتوترات البيولوجية الصامتة، ويمهد لترميم التوافق بين الإيقاعين النفسي والجسدي.
7.3 الصدمة التراكمية وأثرها عبر الزمان
يطور سامي علي فهماً متميزاً لما يُعرف بـ “الصدمة التراكمية” (Cumulative Trauma) وأثرها الزمني البطيء والقاتل على البنية السوماتية. فبخلاف الصدمة الحادة الوحيدة التي تحدث دوياً نفسياً هائلاً (كالكوارث والحروب والحوادث المفاجئة)، تعمل الصدمة التراكمية في صمت مطبق ودون لفت للأنظار، عبر سلسلة لامتناهية من الإحباطات الدقيقة والتنازلات التكيفية غير المرئية التي تتراكم على مدار سنوات العمر.
إن الإنسان الذي يُجبر طوال حياته على التكيف القسري مع بيئات علائقية مجحفة، متنازلاً تلو الآخر عن رغباته ومتخيله وأصالته الذاتية من أجل الحفاظ على رضا الآخرين ومطابقة النموذج المبتذل، يتعرض لاستنزاف تدريجي ومستمر لمناعته النفسية والجسدية. كل تنازل صامت يمثل شرخاً مجهرياً إضافياً في جداره الحيوي، لا يُحدث عارضاً آنياً، لكنه يثقل كاهل الكيان العضوي بما يفوق طاقته على الاحتمال.
تصل هذه السلسلة الزمنية من الإحباطات الصامتة إلى “اللحظة الحرجة” (Le moment critique)؛ حيث يقع حدث قد يبدو بسيطاً وتافهاً في ظاهره (كتغيير طفيف في العمل، أو نزلة برد عابرة، أو خلاف عائلي سطحي)، لكنه يشكل “القشة التي تقصم ظهر البعير”، ليتفجر المرض السوماتي الجسيم بغتة. لا يكون هذا المرض وليد اللحظة الحاضرة، بل هو ذروة مسار زمني طويل من الموت الرمزي البطيء والمؤجل.
8. المنهجية الإكلينيكية وأدوات التقييم والتشخيص
8.1 اختبار الإسقاط وتطبيقاته السيكوسوماتية
يوظف محمود سامي علي الاختبارات الإسقاطية، ولا سيما اختبار رورشاخ (Rorschach) واختبار تفهم الموضوع (TAT)، وفق منظور سريري وفينومينولوجي متفرد يخرج بهذه الأدوات من دائرة القياس السلوكي الكمي إلى فضاء الاستقصاء النوعي لمرونة المتخيل وقدرة الذات على استثمار الرموز.
في تطبيق اختبار الرورشاخ على المرضى السيكوسوماتيين، يركز سامي علي على رصد العلامات الدالة على “كف التخييل”؛ كفقر الاستجابات الكلية، والغياب التام للحركات الإنسانية (K)، وهيمنة الاستجابات التشريحية والجغرافية الجافة والباردة، والالتصاق الشديد بالشكل الواقعي للبقعة (F+ المفرط) دون أي خيال مرافق. يعكس هذا النمط الإسقاطي عجزاً بنيوياً عن إضفاء الحياة والديناميكية على المثيرات المبهمة، ويكشف مباشرة عن نمط التفكير الإجرائي والمطابق للواقع الخارجي.
ولا يقتصر التقييم لدى سامي علي على الإجابات اللفظية المدونة، بل يمتد بصرامة إلى تحليل “لغة الجسد” والحركات التعبيرية الدقيقة أثناء إجراء الاختبار: تشنج العضلات، وتبدل وتيرة التنفس، وطريقة إمساك اللوحات، والارتباك الصامت في حركات اليدين والعينين. هذه الإشارات السوماتية المجهرية توفر للمحلل نافذة مباشرة على القلق الجسدي الكامن الذي يعجز اللفظ عن حمله والإفصاح عنه.
8.2 المقابلة السريرية السيكوسوماتية المتخصصة
تكتسي المقابلة السريرية في نموذج سامي علي طابعاً فريداً يختلف جذرياً عن المقابلة الطبية الاستجوابية أو المقابلة التحليلية النفسية النمطية. يتمثل الهدف الأول في تشييد مناخ سريري نوعي يسوده الأمان المطلق وحسن الإنصات، مما يشجع المريض بلطف على مغادرة الخطاب الوقائعي الصارم، والتحرر من أسر التقارير الطبية والأرقام المخبرية التي اعتاد التترس وراءها لتجنب مواجهة ذاته.
يولي سامي علي انتباهاً فائقاً للحظات “الصمت” والانفعالات الجسدية غير الملفوظة؛ فالصمت في المقابلة السيكوسوماتية ليس مجرد مقاومة عصابية، بل هو في كثير من الأحيان فجوة وجودية أو غياب للقدرة على التعبير. هنا، يتعين على المحلل ألا يسارع بملء الصمت بالتأويلات الفجة، بل عليه أن يتحمله ويحتويه، ويمنحه زمناً دافئاً لعل أولى الكلمات الذاتية تولد من رحمه.
يركز الاستقصاء الإكلينيكي على التقاط التناقضات الصارخة بين البنية الظاهرية السوية للمريض؛ حيث يبدو هادئاً، ومتماسكاً، وراضياً عن حياته، وبين المعاناة السوماتية العميقة والمهددة التي تفتك بأعضائه. هذه الفجوة بين الخطاب الهادئ المتوافق والجسد المنهار هي البوصلة التي توجه المحلل نحو مكامن الصدمة غير الممثلة، وتفضح زيف التكيف السطحي الذي شيده المريض على حساب صحته البيولوجية.
8.3 استراتيجيات الاستقصاء البيوغرافي العلائقي
يعتمد المنهج التشخيصي عند سامي علي على إعادة بناء دقيقة وشاملة لـ “الخط الزمني الموازي”؛ حيث يضع المعالج التطور التاريخي للمرض العضوي (تاريخ ظهور الأعراض، والنكسات، والاستجابات للعلاج) في خط أفقي موازٍ للخط التاريخي للأحداث الحياتية والعلائقية للمريض. يكشف هذا التقاطع الزمني غالباً عن تزامنات مذهلة بين الانفجارات السوماتية وبين أحداث وجودية كبرى مرت دون أن يمنحها المريض حقها من التعبير العاطفي.
يحتل البحث في تاريخ “الفقدان غير المعترف به” (Unrecognized Loss) و”الحداد المستحيل” موقع الصدارة في هذا الاستقصاء؛ فكثير من المرضى السوماتيين يربطون بداية تدهورهم العضوي بفترات أعقبت وفاة قريب، أو طلاق، أو خسارة مكانة اجتماعية، مروا بها دون أن يذرفوا دمعة واحدة أو يشعروا بالانهيار الاكتئابي الطبيعي. هذا الحداد الممنوع أو المؤجل هو الوقود الأكثر خطورة للأمراض العضوية الفتاكة.
كما يعنى الاستقصاء بتقييم شبكة العلاقات الراهنة للمريض، وكيفية توظيف العرض الجسدي داخل هذه الديناميكية. فالعرض السوماتي، رغم طابعه التدميري، قد يؤدي وظيفة حيوية في الحفاظ على تماسك الأسرة أو منع تفكك رابطة زوجية محتضرة، ليصبح المرض هو اللغة الوحيدة المتبقية التي تمسك بأوصال العلاقات المهددة بالانهيار.
9. التطبيقات المرضية في الطب السيكوسوماتي المعاصر
9.1 أمراض الحساسية والمناعة والجلد
تشكل أمراض الجلد (كالإكزيما والصدفية والشرى) واضطرابات الجهاز التنفسي التحسسية (كالربو القصبي) النموذج الأوضح لتطبيقات السيكوسوماتيك العلائقي لدى سامي علي؛ فالجلد والجهاز التنفسي يمثلان السطحين الحيويين المباشرين للتواصل مع العالم الخارجي؛ إنهما الحيز الذي تتبادل الذات عبره اللمس والهواء مع المحيط، مما يجعلهما الأكثر حساسية لأزمات الهوية والحدود.
يحلل سامي علي حالات الإكزيما المتفاقمة والربو الشعبي بوصفها اضطرابات في “وظيفة الاتصال والحدود”؛ فالجلد الملتهب هو مرآة عاكسة لصراعات تلامسية حادة لم تجد حلاً: رغبة عارمة ومحرومة في الملامسة والحنان الآمن، تتصارع مع رعب مماثل من الابتلاع والانتهاك من قبل الآخر. والربو هو تجسيد درامي للاختناق داخل علاقة تبتلع مساحة الاستقلال النفسي للفرد، حيث يغدو الزفير مستحيلاً كالرفض الممنوع تماماً.
أما في أمراض المناعة الذاتية (كداء الذئبة الحمراء والتهاب المفاصل الروماتويدي)، فإن المقاربة تأخذ أبعاداً أنطولوجية؛ إذ يتم تفكيك آليات التدمير الذاتي المناعي كتمثيل بيولوجي لانهيار التمييز الرمزي بين “الذاتي” و”اللاذاتي”. فعندما تفشل الذات في توجيه عدوانيتها المشروعة نحو الخارج دفاعاً عن استقلالها التخييلي، يرتد هذا العدوان إلى الداخل، موجهاً أسلحة الجهاز المناعي لمهاجمة خلايا الجسد نفسها في عملية تصفية ذاتية عمياء.
9.2 الأمراض المزمنة واعتلالات القلب والأوعية الدموية
في دراسته لمرضى القلب والأوعية الدموية، وبخاصة ارتفاع ضغط الدم الشرياني واحتشاء عضلة القلب (الجلطة القلبية)، يتجاوز سامي علي المفهوم الطبي التقليدي لـ “الشخصية من النمط أ” (Type A Personality)، ليعيد قراءة هذه الاعتلالات كاحتباس خطير للشحنات الانفعالية والعدوانية داخل الشرايين الحيوية للجسد.
يتميز هؤلاء المرضى غالباً بما يسميه سامي علي “الإفراط الوظيفي في التكيف”؛ فهم قادة، ومنجزون، ويتحملون أعباءً تفوق طاقة البشر بصرامة أسطورية، متقنين إنكار التعب والحزن والضعف البشري. غير أن هذا النمط السلوكي الصارم ليس دليلاً على القوة النفسية، بل هو آلية دفاعية مبتذلة وجافة تحظر تفريغ القلق الوجودي، فيتحول الاحتقان النفسي إلى احتقان هيدروليكي يرفع ضغط الدم وينهك الأوعية التاجية.
يتواطأ صمت الجسد المطبق والإنكار النفسي الممنهج في إخفاء التدهور في مراحله المبكرة؛ فالشخص لا يشعر بشيء، ويعتقد أنه في ذروة عافيته، حتى تحل الكارثة فجأة بتمزق وعائي أو توقف قلبي مفاجئ. يرى سامي علي في هذا السقوط المفاجئ دليلاً على الانفصال التام بين الذات الواعية وجسدها المعاش؛ حيث يموت الجسد تحت وطأة خدمة نموذج عقلي قاهر لا يرحم الضعف ولا يعترف بالحدود.
9.3 السرطان وأمراض التكاثر الخلوي غير المنضبط
خاض محمود سامي علي واحدة من أجرأ المحاولات في تاريخ التحليل النفسي المعاصر لمقاربة مرض “السرطان” والاضطرابات التكاثرية الخلوية الخبيثة؛ رافضاً التفسير المادي الصرف للمرض دون السقوط في فخ اللوم الأخلاقي الساذج للمريض بأنه “هو من سبب مرضه”.
يحلل سامي علي مرض السرطان من زاوية “الانهيار الفجائي للآليات الدفاعية الرمزية”؛ فالأورام الخبيثة تنبثق في كثير من الأحيان عقب تجارب مريرة من “اليأس المزمن” (L’impasse existentielle) والاستسلام الباطني الصامت الذي يسبق التشخيص الطبي بأشهر أو سنوات. يفقد الفرد أسباب الحياة ورغبته في الاستمرار إثر فقدان محوري أو انسداد كامل لمشروعه التخييلي، ولكنه بدلاً من الانتحار الواعي أو الانهيار الاكتئابي الصريح، يسلم الجسد زمامه للتكاثر العشوائي والفوضى البيولوجية.
يرتكز التدخل النفسي المساند لمرضى السرطان وفق منظور سامي علي على مهمة مصيرية: “تنشيط الرغبة في الحياة وإعادة إطلاق المتخيل”؛ فالجلسات العلاجية تسعى إلى فتح كوة رمزية وسط ظلمات اليأس العضوي، وتمكين المريض من التعبير عن غضبه وإحباطاته المدفونة، مما يساهم في فك الارتباط بين الاستسلام النفسي والتدهور المناعي، ويعزز من كفاءة استجابة الجسم للعلاجات الطبية الحيوية المتقدمة.
10. الممارسة العلاجية وفنيات التدخل في التحليل السيكوسوماتي
10.1 إدارة التحويل والتحويل المقابل النوعي
تتطلب السريرية السيكوسوماتية صياغة فريدة ومغايرة لإدارة ديناميكية “التحويل والتحويل المقابل” مقارنة بالتحليل النفسي الكلاسيكي؛ فالمرضى المصابون بأمراض سوماتية حادة لا يستحضرون صراعاتهم عبر الكلمات والخيالات العصابية المشحونة بالرغبة، بل عبر جسد متهالك وخطاب واقعي صارم وخالٍ من الانفعال.
يواجه المعالج في مثل هذه الحالات خطراً داهماً يتمثل في “التحويل السلبي الصامت” أو “التحويل الجسدي المباشر”؛ حيث لا يعبر المريض عن غضبه أو قلقه من العلاج عبر المقاومة اللفظية، بل عبر تدهور فجائي في تحاليله الطبية أو تفاقم أعراضه العضوية إثر جلسة حامية أو قبل إجازة المعالج. كما يختبر المعالج في المقابل مشاعر ثقيلة من التحويل المقابل؛ كالعجز الشديد، والملل القاتل أمام رتابة الخطاب الإجرائي، أو رغبة جارفة في التصرف كطبيب عضوي بدلاً من الإنصات التحليلي.
يعلم سامي علي المعالجين ضرورة استخدام هذه المشاعر الذاتية (الملل، العجز، الخنق) كـ “بوصلة إبستمولوجية” وحيدة؛ فما يشعر به المعالج في جسده ونفسه أثناء الجلسة هو التجسيد الحي لما عجز المريض عن قوله والشعور به. ومن خلال احتواء هذه المشاعر وتفكيكها ذاتياً داخل المعالج دون إلقائها كقذائف تأويلية على المريض، تبدأ مساحة تواصلية جديدة في التشكل تسمح بكسر الحصار الصامت.
10.2 تقنيات تحفيز التخييل والرمزنة
نظراً لانسداد المتخيل وتكلس التعبير اللفظي لدى المرضى السوماتيين، يبتكر سامي علي فنيات تدخل مرنة تتجاوز الصمت التحليلي النمطي والحياد البارد، متجهاً نحو تحفيز نشط وتدريجي لعملية الرمزنة (Remobilisation de l’imaginaire).
يشجع سامي علي توظيف الوسائط الفنية والتعبيرية كأدوات مساعدة لتجاوز الاستعصاء اللفظي الأولي؛ مثل الرسم الحر، وتشكيل الصلصال، والمسرحة الرمزية، وكتابة اليوميات المفتوحة. هذه الوسائط المادية توفر للمريض سطحاً آمناً لإسقاط طاقاته التخييلية المكبوتة وتجسيد صراعاته غير المفككة عبر الألوان والأشكال دون تهديد مباشر لدفاعاته الهشة، لتكون خطوة وسيطة تمهد الطريق نحو صياغتها اللفظية اللاحقة.
يتعامل المعالج مع الأعراض العضوية بحذر بالغ، فلا يسعى إلى تفسيرها قسرياً بوصفها “إدانة نفسية” للمريض (كأن يقول له: مرضك بالقلب سببه أنك قاسي القلب)، بل يعمل على مصاحبته لنسج “قصة ذاتية جديدة” حول جسده ومرضه. يتم تفكيك المفهوم الطبي الآلي للعرض ليتحول إلى حدث بيوغرافي ذي دلالة في سياق حياة المريض، مما يعيد ربط العضو المنفصل بالكلية النفسية والوجودية للإنسان.
10.3 العمل التكاملي مع الفرق الطبية متعددة التخصصات
يصر محمود سامي علي صراحة على خطورة العزلة بين التحليل النفسي والطب البيولوجي؛ مؤكداً أن الممارسة السيكوسوماتية الرشيدة تقتضي عملاً تكاملياً صارماً وتواصلاً مستمراً بين المحلل النفسي والأطباء المعالجين بمختلف تخصصاتهم (أطباء المناعة، وأطباء الأورام، وأطباء القلب، وأطباء الجلد).
يرفض سامي علي رفضاً قاطعاً أي نزعة صوفية أو ادعاء ساذج بإمكانية الاستغناء عن التدخلات الطبية الحيوية؛ فالأدوية والجراحة والعلاجات الكيميائية أمور مصيرية لإنقاذ حياة المريض وتثبيت حالته العضوية. ينحصر دور المحلل النفسي في تقديم الدعم التأسيسي المساند الذي يحمي البنية الرمزية للمريض أثناء مواجهته لعدوانية العلاجات الطبية ولصدمة المرض، ويهيئ المناخ المناسب لتعافي الجسد الذاتي.
يتضمن هذا العمل التكاملي أيضاً مهمة تثقيفية شاقة يقودها السيكوسوماتي داخل الأوساط الاستشفائية؛ لمساعدة الكوادر الطبية والتمريضية على تجاوز النظرة الميكانيكية البحتة للمرضى، وفهم الأبعاد النفسية والعلائقية التي تقف وراء “الشكاوى المزمنة” أو “رفض العلاج”، مما يساهم في إضفاء البعد الإنساني على بيئة المستشفى وتحويلها من ورشة تصليح بيولوجية إلى فضاء استشفائي متكامل.
11. تأسيس المركز الدولي للسيكوسوماتيك وتطوير المدرسة الفكرية
11.1 إنشاء المركز الدولي للسيكوسوماتيك (CIPS)
تتويجاً لمسيرته العلمية وتكريساً لاستقلالية نموذجه الإبستمولوجي، أسس محمود سامي علي في باريس المركز الدولي للسيكوسوماتيك (Centre International de Psychosomatique – CIPS)، ليكون مؤسسة بحثية وتدريبية وسريرية رائدة تجمع المختصين المهتمين بتطوير السيكوسوماتيك العلائقي بعيداً عن دوغمائية المدارس الكلاسيكية وجمود النظريات الأحادية.
انبثقت رؤية المركز من ضرورة كسر العزلة المزمنة بين الفكر التحليلي والعلوم الطبية والبيولوجية؛ حيث صُممت برامج CIPS لتكون ملتقى حقيقياً يجلس فيه المحلل النفسي بجوار الطبيب البيولوجي، والفيلسوف، وأخصائي العلاج الطبيعي، لبحث معضلات الجسد الإنساني برؤية عابرة للتخصصات. وقد حرص سامي علي من خلال المركز على توفير بيئة علمية نقية تشجع الابتكار والمساءلة النقدية للفروض السريرية المستقرة.
دأب المركز على تنظيم مؤتمرات وندوات علمية سنوية دورية يشارك فيها باحثون وممارسون من مختلف قارات العالم، مما حول CIPS إلى خلية بحثية لا تهدأ تُنشر عبرها أحدث الدراسات الإكلينيكية، وتُختبر فيها النماذج التشخيصية والعلاجية لسامي علي على أوسع نطاق ممكن، مؤسساً بذلك لمدرسة فكرية فرنسية عالمية تقف نداً حراً لأعتى التيارات النفسية المعاصرة.
11.2 نشر النموذج النظري دولياً والتأثير في أوروبا وأمريكا اللاتينية
لم تتوقف أفكار محمود سامي علي عند حدود العاصمة الفرنسية باريس، بل سرعان ما لاقت صدى معرفياً وعيادياً واسعاً في أرجاء أوروبا، وخاصة في إسبانيا والبرتغال وإيطاليا، ثم امتدت بقوة استثنائية نحو قارة أمريكا اللاتينية؛ ولا سيما في البرازيل والأرجنتين، اللتين تتميزان بتقاليد تحليلية عريقة ومنفتحة على الأطروحات المجددة.
تأسست فروع وشبكات بحثية متعددة تابعة للمركز الدولي للسيكوسوماتيك في العديد من العواصم والجامعات اللاتينية، حيث تبنى كبار المحللين هناك أطروحات “الجسد التخييلي” و”كف المتخيل” في معالجة الأمراض المزمنة وأزمات العنف والجسد في مجتمعاتهم. وقد ساهمت ترجمة كتب سامي علي إلى الإسبانية والبرتغالية في ترسيخ منهجه كأحد أهم المراجع السيكوسوماتية في العالم الناطق بهاتين اللغتين.
يعزو النقاد هذا القبول العالمي الواسع لنموذج سامي علي إلى المرونة الأنطولوجية لمفهوم “الجسد المعاش”؛ فالنموذج لا يرتكز على مفاهيم مركزية غربية ضيقة، بل يرتكز على الجسد الإنساني في أبعاده الوجودية الشاملة، مما جعله ملائماً للغاية للتطبيق والدراسة في سياقات ثقافية متنوعة وغير غربية، حيث يحتفظ الجسد بحضوره الرمزي والطقوسي القوي في الحياة اليومية والاعتلالات المرضية.
11.3 برامج التدريب والتأهيل للمحللين والمعالجين النفسيين
حرص محمود سامي علي عبر مؤسسته CIPS على هيكلة برامج تكوين سريري متقدمة وشديدة الصرامة مخصصة للأطباء والمحللين النفسيين والمعالجين الراغبين في التخصص في الطب السيكوسوماتي العلائقي. تميزت هذه البرامج بالدمج العميق بين التحليل الذاتي، والفلسفة الفينومينولوجية، والمهارات العيادية السوماتية الدقيقة.
يقوم بروتوكول التدريب على إرساء نظام “الإشراف السريري المستمر” (Clinical Supervision)؛ حيث يُلزم المتدرب بعرض حالاته العيادية المعقدة على لجان متخصصة يقودها سامي علي ومعاونوه، لتفكيك تعقيدات التحويل والتحويل المقابل، وتدريب حواس المعالج على التقاط الإشارات السوماتية الصامتة، ومراقبة مسارات كف المتخيل في الخطاب السريري للمرضى.
يتمثل المبدأ الجوهري في تدريب سامي علي في “الحفاظ على مرونة التفكير ورفض الدوغمائية المدرسية”؛ فالمحلل السيكوسوماتي في نظره يجب ألا يتترس وراء النظريات الجاهزة ولا يسعى لقولبة المريض داخل المفاهيم، بل يجب أن يكون قادراً على الاندهاش، والإنصات لكل مريض بوصفه لغزاً مستقلاً وكوناً خاصاً يتطلب ابتداع أسلوب علاجي يناسب فرادة معاناته الوجودية والجسدية.
12. المؤلفات الكبرى والإرث الفكري والآفاق المستقبلية
12.1 قراءة تحليلية في أبرز كتب محمود سامي علي
أثرى محمود سامي علي المكتبة النفسية والفلسفية العالمية بعشرات المؤلفات المرجعية التي تُرجمت إلى لغات عدة وباتت تصنف ككلاسيكيات في الفكر المعاصر. في طليعة هذه الأعمال يقف كتابه التأسيسي: Corps réel, corps imaginaire (الجسد الحقيقي والجسد التخييلي – 1977)، الذي أرسى فيه القواعد المعرفية للتمييز بين الوظيفة البيولوجية والتمثل النفسي، مبيناً كيف يُبنى الجسد الإنساني ككيان مجازي يحفظ هوية الذات ويقيها من التفكك.
ويأتي كتابه الفلسفي الفذ: L’Espace imaginaire (الفضاء التخييلي – 1974) ليؤسس لفينومينولوجيا تحليلية أصيلة للمكان، مستكشفاً كيفية ارتباط إدراك الفضاء ببناء صورة الجسد وظهور الأعراض الرهابية والسوماتية. أما كتابه الصادم: Le Banal (الابتذال – 1980)، فيمثل نقداً لاذعاً للمعيارية النفسية المعاصرة وتفكيكاً لأوهام “السواء المصطنع”، كاشفاً كيف يتحول التكيف الاجتماعي المفرط إلى آلية مرضية مميتة تسبق الانهيار الجسدي.
وفي مؤلفه الضخم: La Psychosomatique et la psychanalyse (السيكوسوماتيك والتحليل النفسي)، يقدم سامي علي الخلاصة الشاملة لتنظيراته السريرية ومنهجه العلائقي، مقارناً إياه بالمدارس الكلاسيكية، ومقدماً دليلاً عيادياً رفيعاً لكيفية إدارة العلاج، وإحياء المتخيل، وتفكيك العطب السوماتي، مما يجعله الإنجيل المهني لكل مشتغل بالطب النفس-جسدي المعاصر.
12.2 التقاطعات المعاصرة مع العلوم العصبية وطب الجسد الحديث
في تطور معرفي لافت، تلتقي طروحات محمود سامي علي، التي صاغها عبر التحليل النفسي والفينومينولوجيا في الربع الأخير من القرن العشرين، بشكل مذهل مع أحدث مكتشفات “العلوم العصبية الحديثة” (Modern Neuroscience) وبخاصة أبحاث “اللدونة العصبية” (Neuroplasticity) وطب الدماغ المعاصر؛ مما يؤكد العمق الاستباقي لفكره وتجاوزه لعصره.
تثبت أبحاث العلوم العصبية اليوم أن الدماغ البشري يعيد تشكيل مساراته العصبية والتشريحية بناءً على التجارب العلائقية والعاطفية المستمرة، وهو ما يدعم تماماً فرضية سامي علي حول بناء الجسد الحقيقي عبر متواليات التفاعل التخييلي والعلائقي. كما جاءت أبحاث “علم المناعة العصبي النفسي” (Psychoneuroimmunology) لتؤكد بصورة تجريبية قاطعة وحدة المسارات الرابطة بين مراكز معالجة المشاعر في الجهاز الحوفي والجهاز العصبي الذاتي وجهاز المناعة؛ مما يثبت أن “كف المتخيل” والاحتقان الوجداني يقودان بالفعل إلى كبت مناعي مباشر يفتح الباب أمام الأورام والالتهابات.
تتجلى حيوية مفاهيم سامي علي كذلك في فهم متلازمات العصر الحديثة المستعصية على الطب التقليدي؛ كـ “متلازمة الألم العضلي الليفي” (Fibromyalgia)، و”متلازمة التعب المزمن” (Chronic Fatigue Syndrome)، ومتلازمات الحساسية البيئية المتعددة. هذه الاعتلالات، التي تقف أمامها التحاليل المخبرية حائرة لعجزها عن العثور على عطب نسيجي واضح، تجد تفسيرها الأكثر إقناعاً في فكر سامي علي بوصفها تجسيداً حياً لأزمة الحدود، وتجميد الزمن المعاش، وتفجر الضغوط العلائقية في عضلات الجسد الصامتة.
12.3 استشراف مستقبل النظرية السيكوسوماتية العلائقية
مع دخول البشرية عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي وثقافة الشاشات وتصاعد هيمنة “الجسد الافتراضي” (Virtual Body)، تكتسب نظرية محمود سامي علي السيكوسوماتية العلائقية راهنية استثنائية وأهمية مصيرية لم يسبق لها مثيل؛ فالإنسان المعاصر يواجه اليوم خطراً حقيقياً بتآكل جسده الحي المعاش لصالح الصور الرقمية الجافة والتواصل الآلي المجرد من الملامسة الحسية الحقيقية.
إن استلاب الإنسان الحديث في بيئات إجرائية مفرطة في التقنية والامتثال الاستهلاكي هو إعادة إنتاج معممة لظاهرة “الابتذال” و”كف المتخيل” على نطاق مجتمعي عالمي، مما ينذر بانفجار غير مسبوق في الأوبئة السوماتية المزمنة واضطرابات المناعة الذاتية نتيجة حرمان الكائن الحي من أصالته التخييلية والعلائقية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لإعادة إحياء أطروحات سامي علي وتدريسها للأجيال الشابة من الأطباء والمعالجين والمفكرين لصيانة الإنسانية المهددة.
يقف محمود سامي علي، من مولده عام 1925 وحتى حاضره الفكري المتجدد، كطود شامخ ورائد تاريخي أحدث “انعطافة كوبرنيكية” إنسانية في تاريخ الطب النفسي والتحليل النفسي. لقد استطاع هذا المفكر الاستثنائي أن يعيد للجسد روحه المسلوبة، وأن يحرر الألم الإنساني من قيود المختبرات الباردة ليعيده إلى فضائه الأصيل: كينونة علائقية تنبض بالمعنى، وتتوق إلى التحرر، وتكتب تاريخ وجودها بمداد اللحم والروح معاً.
خاتمة
في الختام، يبرهن المشروع الفكري والعيادي لمحمود سامي علي على أن الفهم الحقيقي للإنسان لا يمكن أن يكتمل إلا بنظرة كلية تدمج الجسد بالروح، والفلسفة بالطب، والذات الفردية بالشبكة العلائقية الحاضنة لها. لقد حطم سامي علي الحواجز الوهمية بين ما هو سوماتي وما هو نفسي، مقدماً للبشرية إطاراً نظرياً وسريرياً متكاملاً يتصدى لأعقد الأزمات الصحية والوجودية في عصرنا الحاضر.
إن إرث سامي علي لا ينتمي إلى الماضي، بل هو بوصلة للمستقبل؛ ففي عالم تتهدده النزعات المادية التقنية والتجريد الرقمي، يظل نداؤه بضرورة إحياء المتخيل، وحماية الفضاء المعاش، وصيانة كرامة الجسد الحي، صرخة وجودية للدفاع عن جوهر الإنسان. سيبقى محمود سامي علي علامة مضيئة في سماء الفكر المعاصر، وملهماً لكل من يسعى إلى مداواة آلام النفس والجسد برؤية تجمع بين صرامة العلم وعمق الحكمة الإنسانية.
المراجع
- Sami-Ali, M. (1974). L’Espace imaginaire. Éditions Gallimard. https://www.gallimard.fr/Catalogue/GALLIMARD/Connaissance-de-l-inconscient/L-Espace-imaginaire
- Sami-Ali, M. (1977). Corps réel, corps imaginaire: Pour une épistémologie psychanalytique. Dunod. https://www.dunod.com
- Sami-Ali, M. (1980). Le Banal. Éditions Gallimard. https://www.gallimard.fr/Catalogue/GALLIMARD/Connaissance-de-l-inconscient/Le-Banal
- Sami-Ali, M. (1984). De la projection: Une étude psychanalytique. Payot.
- Sami-Ali, M. (1987). Penser le somatique: Imaginaire et pathologie. Dunod.
- Sami-Ali, M. (1998). Le Corps, l’espace et le temps: Recherches en psychosomatique relationnelle. Dunod.
- Sami-Ali, M. (2002). La Psychosomatique et la psychanalyse. Dunod.
- Sami-Ali, M. (2010). L’Impasse relationnelle: De la pathologie somatique à la clinique de l’imaginaire. Éditions EDP Sciences.
- Merleau-Ponty, M. (1945). Phénoménologie de la perception. Éditions Gallimard. https://www.gallimard.fr/Catalogue/GALLIMARD/Bibliotheque-des-Idees/Phenomenologie-de-la-perception
- Marty, P. (1980). L’Ordre psychosomatique. Payot.
- Centre International de Psychosomatique. (n.d.). Présentation et fondements de la psychosomatique relationnelle. CIPS. https://cips-psychosomatique.org
- Anzieu, D. (1985). Le Moi-peau. Dunod. https://www.dunod.com
- Bateson, G. (1972). Steps to an Ecology of Mind. University of Chicago Press.