السيرة
يمثل البروفيسور مارك بوتينزا (Marc N. Potenza) علامة فارقة ونقطة تحول جوهرية في تاريخ الطب النفسي الحديث وعلوم الأعصاب السلوكية. فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود من البحث الأكاديمي والسريري المتواصل، استطاع هذا العالم الفذ أن يعيد صياغة المفاهيم الطبية المتعلقة بطبيعة الإدمان، محطماً الحواجز التقليدية التي كانت تفصل لعقود طويلة بين الاعتماد الكيميائي على المواد المخدرة وبين السلوكيات القهرية غير المرتبطة بالمواد. إن إسهاماته العلمية لم تقتصر على تقديم توصيفات نظرية للظواهر الإكلينيكية، بل امتدت لتشمل سبر أغوار الدوائر العصبية المعقدة في الدماغ البشري، مستعيناً بأحدث تقنيات التصوير العصبي الوظيفي والتحليلات الجينية والدوائية المتقدمة في كلية الطب بجامعة ييل.
لقد قاد بوتينزا ثورة علمية ومعرفية هادئة لكنها بالغة الأثر، تجسدت ذروتها في إعادة تصنيف الاضطرابات النفسية ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية في طبعته الخامسة (DSM-5) الصادر عن الرابطة الأمريكية للطب النفسي، حيث كان له الفضل الأكبر في نقل “اضطراب المقامرة” من فئة اضطرابات التحكم في الاندفاع ليصبح أول إدمان سلوكي معترف به رسمياً يوضع جنباً إلى جنب مع إدمان الكحول والمخدرات. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في التسميات والمواقع التصنيفية، بل كان تتويجاً لمسار بحثي مضنٍ أثبت من خلاله بوتينزا وفريقه البحثي أن الدوائر العصبية الخاصة بنظام المكافأة، وتوازنات النواقل العصبية مثل الدوبامين والسيروتونين، والآليات المعرفية المسؤولة عن كبح الاندفاع، تتطابق بشكل مذهل بين مدمني القمار ومدمني المواد الكيميائية.
تتجاوز أهمية مارك بوتينزا حدود المختبرات وقاعات المحاضرات الجامعية لتلامس السياسات الصحية العامة العالمية واستراتيجيات العلاج النفسي الموجهة لملايين البشر حول العالم. فمع تفجر الثورة الرقمية وظهور أنماط جديدة من السلوكيات الإشكالية، مثل اضطراب ألعاب الفيديو، والاستخدام القهري للإنترنت، ومنصات التواصل الاجتماعي، والسلوك الجنسي القهري، أصبحت النماذج البيولوجية والنفسية التي طورها بوتينزا المرجع الأساسي لفهم هذه المعضلات المستجدة والتعامل معها علاجياً ووقائياً. إن استعراض السيرة العلمية والمسيرة المهنية للبروفيسور بوتينزا هو بمثابة استكشاف شامل لتطور علم الإدمان المعاصر، ورحلة استثنائية تكشف كيف يمكن للبحث العلمي الرصين، الممزوج بالتعاطف الإنساني العميق، أن ينير أظلم زوايا النفس البشرية ويفتح آفاقاً علاجية واعدة كانت تبدو مستحيلة في الماضي القريب.
1. النشأة والخلفية الأكاديمية والتدريب الطبي
1.1 المراحل التعليمية الأولى والاهتمامات المبكرة
ولد مارك بوتينزا في عام 1965 في الولايات المتحدة الأمريكية، ونشأ في بيئة أسرية واجتماعية شجعت الفضول العلمي والتفكير التحليلي المنضبط منذ سنوات طفولته الأولى. تميز بوتينزا في مراحله التعليمية المبكرة بتفوق دراسي استثنائي، حيث أظهر ميلاً واضحاً نحو العلوم الطبيعية والبيولوجيا التجريبية، إلى جانب اهتمام لافت بالمسائل الفلسفية المتعلقة بآليات الوعي والسلوك الإنساني. هذا التمازج بين الدقة العلمية والرغبة في فهم النفس البشرية قاده إلى الالتحاق بالتعليم الجامعي بتفوق لافت، حيث حصل على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف العليا من جامعة عريقة، مركزاً دراسته على العلوم الحيوية والطبية والكيمياء العضوية.
خلال سنوات دراسته الجامعية الأولى، بدأ اهتمامه المعرفي يتبلور بشكل دقيق حول الكيمياء الحيوية للجهاز العصبي المركزي، والروابط الوثيقة التي تجمع بين التفاعلات الجزيئية الدقيقة والوظائف السلوكية الكبرى للكائنات الحية. كان يرى في الجهاز العصبي اللغز الأعظم الذي يستحق التفرغ التام للبحث والاستكشاف؛ إذ كيف يمكن لحفنة من النواقل العصبية والبروتينات الغشائية أن توجه مشاعر الرغبة والخوف والشغف والقرارات الإنسانية المعقدة؟ هذا الشغف المبكر دفعه إلى المشاركة في مشاريع بحثية طلابية ركزت على دراسة المستقبلات العصبية وآليات نقل الإشارة داخل الخلايا العصبية، مما مهد الطريق أمام قراره الحاسم بمتابعة تدريب طبي وأكاديمي متقدم يجمع بين الممارسة الإكلينيكية والبحث المخبري الصارم في أعلى مستوياته.
1.2 الدراسات العليا والتدريب الطبي المزدوج بجامعة ييل
إدراكاً منه للحاجة الماسة إلى جسر الهوة بين الطب السريري والعلوم الأساسية، اتخذ بوتينزا خطوة محورية بالتحاقه ببرنامج تدريب العلماء الطبيين المرموق (MD/PhD Program) في كلية الطب بجامعة ييل، وهو البرنامج المصمم لتدريب نخبة متميزة تجمع بين مهارات الطبيب الحاذق والباحث الاستقصائي الرائد. انغمس بوتينزا خلال هذه المرحلة المكثفة في أبحاث البيولوجيا الخلوية والجزيئية والدوائية، حيث قضى آلاف الساعات داخل المختبرات المتطورة يبحث في التعبير الجيني، وحركية الأدوية، والآليات الجزيئية التي تكمن وراء استجابة المستقبلات الدماغية للمركبات الكيميائية الخارجية والنواقل العصبية الداخلية.
توج هذا الجهد الأكاديمي المضني بحصوله على درجة الدكتوراه (PhD) في البيولوجيا الخلوية والجزيئية والدوائية من جامعة ييل، مقدماً أطروحة بحثية متميزة حظيت بإشادة واسعة نظراً لدقتها المنهجية ورؤيتها المبتكرة في فهم ديناميكيات المستقبلات العصبية. وبالتوازي مع هذا التميز البحثي، أتم متطلبات دراسته الإكلينيكية ليتخرج بدرجة دكتور في الطب (MD)، حاملاً معه رؤية تكاملية فريدة؛ فالطبيب فيه يرى المعاناة الإنسانية والأعراض السريرية للمرضى، بينما الباحث الخلوي والجزيئي يسعى لتفكيك تلك المعاناة إلى أسبابها العصبية الكامنة وتطوير علاجات دقيقة قادرة على تصحيح الخلل على المستوى البيولوجي الأكثر دقة.
1.3 التدريب الإكلينيكي في الطب النفسي والزمالة البحثية
بعد إتمام دراساته المزدوجة، باشر الدكتور بوتينزا فترة الإقامة الطبية (Residency) المتخصصة في الطب النفسي في مستشفى نيو هيفن الجامعي التابع لكلية الطب بجامعة ييل (Yale New Haven Hospital). وخلال هذه السنوات التكوينية الحاسمة، واجه مجموعة واسعة من الاضطرابات النفسية المعقدة، من الفصام والاكتئاب المقاوم للعلاج إلى اضطرابات القلق الحادة. ومع ذلك، كان مجاله الأكثر استقطاباً لاهتمامه هو طب الإدمان والاضطرابات العصبية والنفسية المتداخلة، حيث لاحظ النقص الفادح في الفهم العلمي الدقيق للاضطرابات التي تتسم بضعف التحكم في الدوافع والسلوكيات القهرية، وتحديداً تلك التي لا تتضمن تعاطي عقاقير كيميائية بشكل مباشر.
عقب إتمام الإقامة، انخرط بوتينزا في تدريب زمالة بحثية وسريرية متقدمة في تخصصات الطب النفسي وعلم الأعصاب وطب الإدمان في جامعة ييل. وقد حظي خلال هذه الفترة بفرصة استثنائية للتعلم والعمل تحت إشراف نخبة من كبار رواد الطب النفسي العصبي المعاصرين في الجامعة، والذين كان لهم الفضل في توجيه طاقاته البحثية نحو سبر أغوار دوائر المكافأة في الدماغ. ركزت أبحاث زمالته على استكشاف الفروق الفردية في الاندفاعية، مستفيداً من بيئة ييل الأكاديمية الخصبة التي وفرت له الوصول إلى أحدث تقنيات التحليل الجيني والتصوير الوظيفي، الأمر الذي وضع اللبنات الأساسية لمسيرته الرائدة اللاحقة كزعيم دولي في دراسة اضطرابات التحكم في الاندفاع والإدمان السلوكي.
2. المسيرة المهنية في جامعة ييل والمناصب القيادية
2.1 التدرج الأكاديمي والتعيين كأستاذ كرسي
بدأ الدكتور مارك بوتينزا مسيرته المهنية كعضو في هيئة التدريس في قسم الطب النفسي بكلية الطب بجامعة ييل، وسرعان ما لفت الأنظار بإنتاجه العلمي الغزير وقدرته الفائقة على قيادة المشاريع البحثية المعقدة. تدرج بوتينزا بثبات واقتدار في السلم الأكاديمي، من أستاذ مساعد إلى أستاذ مشارك، وصولاً إلى حصوله على درجة الأستاذية الكاملة (Full Professor) في الطب النفسي، تقديراً لمساهماته التي أعادت تشكيل المفاهيم الراسخة في هذا التخصص. ولم يقتصر تعيينه على قسم الطب النفسي فحسب، بل شمل تعييناً مشتركاً كأستاذ في “مركز دراسات الطفولة” المرموق بجامعة ييل (Yale Child Study Center)، بالإضافة إلى قسم علوم الأعصاب، مما يعكس الطبيعة الشاملة والمتعددة التخصصات لأبحاثه التي تربط بين مراحل النمو العصبي المبكرة والوظائف العصبية المتقدمة في البالغين.
تولى بوتينزا مسؤوليات أكاديمية وإدارية رفيعة في الجامعة، حيث أشرف على إدارة العديد من برامج أبحاث الدراسات العليا وشارك بفاعلية في لجان الترقية والتطوير الأكاديمي. كرس وقتاً طويلاً لتدريس وتدريب أجيال متعاقبة من طلبة الطب والأطباء المقيمين وزملاء ما بعد الدكتوراه، غارساً فيهم مبادئ “الطب النفسي الانتقالي” (Translational Psychiatry) الذي ينقل الاكتشافات المخبرية الجزيئية مباشرة إلى سرير المريض، ويستمد من الملاحظات السريرية أسئلة بحثية تختبر في المختبرات التجريبية. هذا الدور القيادي رسخ مكانة ييل كواحدة من أهم القلاع العالمية في أبحاث السلوك الإدماني.
2.2 إدارة مركز التميز في أبحاث القمار التابع لجامعة ييل
في خطوة رائدة أسست لمرحلة جديدة في دراسة الإدمان غير الكيميائي، تولى البروفيسور بوتينزا إدارة وتأسيس مركز التميز في أبحاث القمار (Yale Center of Excellence in Gambling Research). كان هذا المركز واحداً من أوائل المراكز الأكاديمية المتخصصة في العالم التي كرست جهودها بالكامل لتطبيق مناهج علم الأعصاب والبيولوجيا الجزيئية لفهم اضطراب المقامرة، والذي كان يُنظر إليه في السابق بشكل خاطئ على أنه مجرد ضعف أخلاقي أو سوء تقدير مالي شخصي. نجح المركز تحت قيادته في اجتذاب منح بحثية ضخمة بملايين الدولارات من المعاهد الوطنية للصحة (NIH)، بما في ذلك المعهد الوطني لتعاطي المخدرات (NIDA) والمعهد الوطني للصحة العقلية (NIMH).
من خلال هذا المركز، أدار بوتينزا دراسات سريرية وتجريبية واسعة النطاق جمعت بين التصوير العصبي عالي الدقة، والتحاليل الوراثية المتقدمة، والتقييمات السلوكية العصبية الدقيقة للمرضى. نسق أبحاثاً تعاونية عابرة للتخصصات، استقطبت علماء من مجالات علم النفس المعرفي، والاقتصاد السلوكي، وعلم الأدوية النفسية، وعلم الوراثة الإحصائي. ولم تكن نتائج هذه الأبحاث مجرد أرقام إحصائية، بل أضاءت بشكل غير مسبوق على كيفية تفاعل النواة المتكئة، والقشرة الجبهية الحجاجية، واللوزة الدماغية لدى الأفراد المصابين باضطراب المقامرة، مما أثبت علمياً أن الدماغ يتفاعل مع الرهان والمكسب والخسارة بنفس الطريقة البيولوجية التي يتفاعل بها مع الكوكايين والكحول.
2.3 قيادة عيادة اضطرابات التحكم في الاندفاع وبرنامج صحة المرأة
بالتوازي مع جهوده البحثية الأكاديمية، أسس البروفيسور بوتينزا وقاد “عيادة اضطرابات التحكم في الاندفاع” (Impulse Control Disorders Clinic) التابعة لجامعة ييل. صُممت هذه العيادة المتخصصة لتكون بمثابة نموذج فريد يقدم أحدث خيارات الرعاية والتشخيص الإكلينيكي للأفراد الذين يعانون من سلوكيات اندفاعية وقهرية شديدة، مثل اضطراب المقامرة، والسرقة القهرية (Kleptomania)، وشد الشعر القهري (Trichotillomania)، والسلوكيات الجنسية القهرية، والتسوق القهري. وفرت العيادة منصة حية مكّنت بوتينزا وفريقه من اختبار وتطوير بروتوكولات علاجية دوائية ونفسية جديدة في بيئة سريرية واقعية، مستفيدين من الملاحظات المباشرة للمرضى لتحسين الاستراتيجيات العلاجية.
إلى جانب ذلك، لعب بوتينزا دوراً محورياً في قيادة برنامج أبحاث الإدمان والفروق الجنسية ضمن مركز أبحاث صحة المرأة المتخصص بجامعة ييل (Women’s Health Research at Yale). ركز في هذا البرنامج على معالجة فجوة علمية حرجة تمثلت في إهمال دراسة خصوصية الإدمان لدى النساء، حيث بينت أبحاثه وجود اختلافات بيولوجية وهرمونية واجتماعية عميقة تؤثر في كيفية نشوء السلوك الإدماني وتطوره وسرعته لدى الإناث مقارنة بالذكور. هذا التكامل الوثيق بين قيادة العيادات السريرية المتخصصة وتوجيه البرامج البحثية الموجهة للفئات الهشة ميز مسيرة بوتينزا وجعله مدافعاً شرساً عن العدالة الصحية والطب الدقيق القائم على فهم الخصوصيات الفردية للمرضى.
3. إعادة هيكلة تصنيف الإدمان السلوكي في الدليل التشخيصي (DSM-5)
3.1 المشاركة المحورية في لجان العمل الخاصة برابطة الطب النفسي الأمريكية
شكلت مشاركة الدكتور مارك بوتينزا في لجان مراجعة وتطوير الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية بطبعته الخامسة (DSM-5)، الصادر في عام 2013، إحدى أعظم محطاته المهنية تأثيراً على مستوى الممارسة الطبية العالمية. اختير بوتينزا كعضو فاعل ومحوري في مجموعة العمل المعنية بالاضطرابات المرتبطة بالمواد والإدمان (Substance-Related and Addictive Disorders Work Group). وكان تعيينه اعترافاً صريحاً بمكانته كأبرز خبير عالمي يجمع بين المعرفة العميقة بطب الإدمان التقليدي والأبحاث الرائدة في اضطرابات التحكم في الاندفاع.
خلال سنوات عمل اللجنة المضنية، خاض بوتينزا وزملاؤه نقاشات علمية مستفيضة لإعادة تقييم الأسس التصنيفية التي قامت عليها الطبعات السابقة (مثل DSM-IV). قدم بوتينزا للمجالس العلمية كميات هائلة من البيانات والأدلة البيولوجية العصبية، والتصويرية، والوراثية، والإكلينيكية التي تثبت بشكل قاطع أن السلوكيات القهرية، وتحديداً المقامرة، تشترك في جوهرها الفيزيولوجي المرضي مع إدمان الكحول والمواد الأفيونية والمنشطات. نجح في قيادة وساطة علمية رصينة بين المجموعات المشككة التي كانت تخشى توسيع مظلة مفهوم “الإدمان” ليشمل سلوكيات يومية، وبين التيارات العلمية الحديثة التي تصر على اتباع البراهين البيولوجية العصبية الموضوعية، مؤكداً أن معيار التصنيف يجب أن يستند إلى الآليات الدماغية والمسارات الوظيفية لا إلى شكل المادة المسببة للإدمان فقط.
3.2 التحول التاريخي: نقل اضطراب المقامرة إلى فئة الإدمان
أسفرت الجهود العلمية الاستثنائية التي قادها بوتينزا عن حدث تاريخي في تاريخ الطب النفسي، تمثل في نقل “المقامرة المرضية” (Pathological Gambling) رسمياً من فئة “اضطرابات التحكم في الاندفاع غير المصنفة في موضع آخر” إلى فئة جديدة أعيدت تسميتها لتصبح “الاضطرابات المرتبطة بالمواد واضطرابات الإدمان” (Substance-Related and Addictive Disorders)، مع تعديل مسمى الحالة ليصبح “اضطراب المقامرة” (Gambling Disorder). وقد مثل هذا التغيير أول اعتراف رسمي في تاريخ الطب بوجود ما يُعرف بـ “الإدمان السلوكي” (Behavioral Addiction) ضمن التصنيفات المعتمدة دولياً.
أرسى بوتينزا معايير تشخيصية دقيقة ومعدلة لاضطراب المقامرة، عكست التوازي التام مع معايير إدمان المواد؛ وشملت هذه المعايير ظواهر جوهرية مثل:
- التحمل (Tolerance): الحاجة إلى المقامرة بمبالغ مالية متزايدة بشكل مطرد لتحقيق الإثارة أو النشوة المنشودة.
- الانسحاب (Withdrawal): الشعور بالاضطراب وسرعة الانفعال والتوتر الشديد عند محاولة تقليص المقامرة أو التوقف عنها.
- فقدان السيطرة: بذل محاولات متكررة وفاشلة للسيطرة على السلوك أو وقفه.
- الانشغال المعرفي الشديد: التفكير المستمر في تجارب المقامرة السابقة، والتخطيط للرهان القادم، وكيفية توفير الأموال لذلك.
- المطاردة القهرية (Chasing Losses): العودة السريعة للمقامرة لتعويض الخسائر المالية السابقة، وهي سمة سريرية تميز هذا الاضطراب بشكل فريد.
هذا التحول فتح الباب واسعاً أمام الاعتراف بمعاناة ملايين المرضى، وتوفير التغطيات التأمينية للعلاجات، وتوجيه التمويل البحثي لاستكشاف التدخلات الدوائية والنفسية ذات الكفاءة العالية.
3.3 الأثر الممتد على التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)
لم تتوقف إسهامات مارك بوتينزا التصنيفية عند حدود الولايات المتحدة ورابطة الطب النفسي الأمريكية، بل امتدت لتشمل العمل كخبير ومستشار لمنظمة الصحة العالمية (WHO) أثناء إعداد النسخة الحادية عشرة من التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11). ساعدت الأدلة السريرية والبيولوجية التي جمعها بوتينزا خبراء المنظمة في إدراج فئة مخصصة تحت عنوان “الاضطرابات الناجمة عن السلوكيات الإدمانية” (Disorders Due to Addictive Behaviours)، والتي ضمت كلاً من اضطراب المقامرة (Gambling Disorder) واضطراب الألعاب الإلكترونية (Gaming Disorder).
أكد بوتينزا في مداولاته مع منظمة الصحة العالمية على أهمية وضع معايير عيادية صارمة تميز بوضوح بين الهواية المكثفة أو الاستخدام الترويحي من جهة، وبين الاضطراب السلوكي المرضي المعطل للحياة من جهة أخرى؛ لتفادي المبالغة في تصنيف السلوكيات الإنسانية اليومية كأمراض نفسية. أدى عمله هذا إلى توحيد لغة الحوار السريري والمفاهيم التشخيصية على النطاق العالمي، مما مكّن الدول النامية والمتقدمة على حد سواء من صياغة استراتيجيات وقائية وأنظمة علاجية متوافقة تسهم في تقليل الأعباء الاقتصادية والاجتماعية والصحية الناتجة عن الإدمانات السلوكية المتزايدة في العصر الرقمي.
4. البيولوجيا العصبية لاضطرابات التحكم في الاندفاع والدوائر الدماغية
4.1 التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) واستجابة المكافأة
يعد البروفيسور مارك بوتينزا من أوائل الرواد الذين وظفوا تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لاستكشاف النشاط العصبي اللحظي في أدمغة المصابين باضطرابات التحكم في الاندفاع وإدمان المقامرة. من خلال تصميم مهام إدراكية وتجريبية مبتكرة داخل جهاز الرنين المغناطيسي، مثل مهام معالجة المكافآت المالية والمخاطرة، تمكن بوتينزا من رسم خريطة وظيفية دقيقة لاستجابة مراكز الدماغ العميقة، وفي مقدمتها النواة المتكئة (Nucleus Accumbens) والجسم المخطط البطني (Ventral Striatum)، وهي المكونات المركزية لشبكة المكافأة الدماغية.
أظهرت دراسات بوتينزا الرائدة نتيجة غير متوقعة شكّلت صدمة للأوساط العلمية في بدايتها: فبدلاً من إظهار نشاط مفرط في نظام المكافأة لدى المقامرين القهريين، كشفت الفحوصات عن وجود نقص نسبي في تنشيط (Blunted Activation) الجسم المخطط البطني والقشرة الجبهية الحجاجية (Orbitofrontal Cortex – OFC) أثناء توقع وتلقي المكافآت الطبيعية أو النقدية المعتادة مقارنة بالأفراد الأصحاء. فسّر بوتينزا هذه الظاهرة بوجود ما يُعرف بـ “متلازمة نقص المكافأة” (Reward Deficiency Syndrome)؛ حيث يعاني هؤلاء الأفراد من خدر أو هبوط بيولوجي في مسارات اللذة الطبيعية، مما يدفعهم قهرياً نحو الانخراط في سلوكيات مخاطرة بالغة الشدة وغير تقليدية، كالمقامرة بمبالغ هائلة، في محاولة يائسة لتحفيز تلك الدوائر العصبية الخاملة والوصول إلى مستويات الإثارة والرضا التي يشعر بها الشخص الطبيعي في مواقف الحياة اليومية المعتادة.
4.2 دور الناقلات العصبية في السلوكيات الاندفاعية والقهرية
قدمت أبحاث بوتينزا فهماً جزيئياً عميقاً لكيفية تفاعل منظومات النواقل العصبية الكيميائية لتوليد السلوك الاندفاعي والقائم على المخاطرة. ركز بشكل خاص على الدور المعقد لمسارات الدوبامين الوسطية الطرفية (Mesolimbic Dopaminergic Pathways)؛ حيث أثبت أن الدوبامين في حالات الإدمان السلوكي لا يعمل كناقل بسيط للذة الحسية، بل يعمل كإشارة كيميائية لتحديد “الأهمية التحفيزية” (Incentive Salience) والتنبؤ بالأخطاء المعرفية (Prediction Error). عند التعرض لمثيرات مرتبطة بالمقامرة (كأصوات ماكينات القمار أو إعلانات المراهنات)، يحدث تدفق دوباميني هائل يعزز الرغبة الإلحاحية الشديدة (Craving) ويوجه الانتباه السلوكي نحو المقامرة حصراً، مهمشاً كافة الأنشطة الحياتية الحيوية الأخرى.
علاوة على ذلك، فحص بوتينزا وفريقه الدور الحرج لمنظومة السيروتونين (5-HT) في تنظيم السلوك وكبحه. أظهرت الأبحاث أن الخلل الوظيفي في نقل السيروتونين في القشرة أمام الجبهية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بضعف “كبح الاستجابة” (Response Inhibition) وزيادة الاندفاعية الحركية والمعرفية، مما يجعل المريض عاجزاً عن التوقف حتى عندما يدرك العواقب الكارثية لأفعاله. كما أضاءت أبحاثه على دور النظام الأفيوني الداخلي (Endogenous Opioid System)، وتحديداً مستقبلات مو (μ) وكابا (κ) الأفيونية، في التوسط في تجارب النشوة والارتياح والتعزيز الإيجابي والسلبي، حيث بين أن الإفراز المفرط للإندورفينات الداخلية أثناء أحداث المقامرة يلعب دوراً محورياً في ترسيخ الرابطة الإدمانية وتهدئة مشاعر التوتر والخلل الانفعالي الكامن لدى المرضى.
4.3 الشبكات الدماغية للتحكم التنفيذي والمعرفي
لم يقتصر عمل بوتينزا على مراكز المكافأة والانفعال العميقة، بل امتد ليفكك وظائف شبكات التحكم التنفيذي المعرفي في قشرة الدماغ العليا. ركزت دراساته على رسم خرائط القشرة أمام الجبهية الظهرانية الوحشية (Dorsolateral Prefrontal Cortex – dlPFC) والقشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex – ACC)، وهما المنطقتان المسؤولتان عن تقييم المخاطر، واتخاذ القرارات الإستراتيجية، وحل النزاعات الإدراكية، ومراقبة الأخطاء. كشفت صور الرنين المغناطيسي الوظيفي عن ضعف واضح في الاتصال الوظيفي والتنشيط داخل هذه المناطق التنفيذية لدى الأفراد المصابين باضطرابات الإدمان السلوكي أثناء خضوعهم لمهام معرفية تتطلب كبح الدوافع مثل مهمة “ستروب” (Stroop Task) ومهمة “إشارة التوقف” (Stop-Signal Task).
أوضح بوتينزا أن هذا الخلل التنفيذي يترجم سريرياً إلى ظاهرة “قصر النظر نحو المستقبل” (Myopia for the Future)؛ حيث يصبح الفرد غير قادر على وزن العواقب السلبية بعيدة المدى في مقابل المكاسب الفورية العابرة. كما استكشف ديناميكيات “شبكة الوضع الافتراضي” (Default Mode Network – DMN)، موضحاً كيف يؤدي فرط نشاط هذه الشبكة أثناء الفترات الخاملة إلى اجترار الأفكار السلبية والتركيز القهري على الذات ومشاعر النقص، وهو ما يدفع المريض بدوره للهروب عبر السلوك الإدماني لتشتيت وعيه الداخلي المؤلم، مما يكشف عن الأساس العصبي العميق للخلل المشترك بين الاندفاعية والقهرية.
5. الأبحاث الرائدة في مجال اضطراب المقامرة (Gambling Disorder)
5.1 السمات السريرية والظواهر المرضية لاضطراب المقامرة
يعد التوصيف الإكلينيكي لاضطراب المقامرة الذي صاغه مارك بوتينزا من أدق التوصيفات في الطب النفسي الحديث. درس بوتينزا آلاف الحالات السريرية عبر مسارات طولية ممتدة، موثقاً مراحل التحول التدريجي من المقامرة الاجتماعية الترويحية إلى المرحلة الإشكالية، وصولاً إلى المقامرة القهرية التدميرية. وحدد ظاهرة “مطاردة الخسائر” (Chasing Losses) كعلامة فارقة ومعيار سيكوباثولوجي أساسي يميز اضطراب المقامرة عن كافة السلوكيات الإنسانية الأخرى؛ حيث يدخل المريض في حلقة مفرغة يعتقد فيها واهماً أن الاستمرار في المراهنة وإنفاق المزيد من الأموال هو السبيل الوحيد لاستعادة ما فقده، متجاهلاً قوانين الاحتمالات الرياضية والواقع الاقتصادي المتردي.
كما سلطت أبحاثه الضوء على الأثر التدميري للتكنولوجيا الحديثة وتسارع وتيرة المراهنات الرقمية؛ حيث أثبت أن ألعاب القمار الإلكترونية وتطبيقات المراهنات الرياضية على الهواتف الذكية تزيد من احتمالية الإدمان بدرجات تفوق القمار التقليدي في صالات الكازينو. يرجع ذلك إلى القرب الزمني الفائق بين وضع الرهان ومعرفة النتيجة (Temporal Contiguity)، وانعدام فترات التفكير والتأمل، والتوفر المستمر على مدار الساعة، مما يؤدي إلى تشبع الدوائر العصبية بإشارات المكافأة المتكررة وتسريع وتيرة الانزلاق نحو التدهور السريري الحاد في فترات زمنية وجيزة للغاية.
5.2 الآليات المعرفية وأوهام السيطرة ومغالطة المقامر
كرس البروفيسور بوتينزا حيزاً كبيراً من أبحاثه لتحليل التشوهات المعرفية (Cognitive Distortions) التي تسود تفكير المقامر القهري، مبيناً أنها ليست مجرد جهل رياضي بل نتاج تحيزات عصبية معرفية عميقة الجذور. من أبرز ما درسه بوتينزا بالتفصيل ظاهرة “تأثير الاقتراب من الفوز” (Near-miss Effect)؛ وهي الحالة التي يتوقف فيها مؤشر ماكينة القمار على مسافة رمز واحد فقط من تحقيق الجائزة الكبرى. أثبت بوتينزا وفريقه باستخدام أجهزة التصوير الدماغي أن حدث “الاقتراب من الفوز” ينشط نفس الدوائر العصبية للمكافأة في الدماغ (مثل النواة المتكئة) بنفس القوة والشدة التي ينشط بها “الفوز الحقيقي”، على الرغم من أن النتيجة الموضوعية والمالية للحدث هي الخسارة الكاملة!
تؤدي هذه الاستجابة العصبية الخادعة إلى تعزيز وهمي يدفع اللاعب للاعتقاد بأنه يمتلك “مهارة” متزايدة وأن الفوز أصبح وشيكاً، مما يطيل فترة اللعب ويعجل بالخسائر المالية الكبرى. كما حلل بوتينزا ظواهر معرفية أخرى خطيرة مثل “وهم السيطرة” (Illusion of Control)، حيث يتوهم المقامر أن طقوساً معينة أو حركات يد معينة أثناء رمي النرد أو ضغط الأزرار يمكن أن تؤثر في أحداث عشوائية تماماً، بالإضافة إلى “مغالطة المقامر” (Gambler’s Fallacy) القائمة على الاعتقاد الخاطئ بأن سلسلة من الخسائر المتتالية تعني بالضرورة اقتراب حدوث الفوز. وقد طوّر بوتينزا أدوات قياس استبيانية ونفسية عصبية لتقييم هذه التشوهات، مما ساهم في بناء تدخلات معرفية موجهة لتصحيح هذه الأنماط الفكرية المعطوبة.
5.3 الاستعداد الوراثي والتفاعلات الجينية البيئية
في مسار بحثي متقدم، قاد الدكتور بوتينزا دراسات وراثية وبائية متعمقة، بما في ذلك دراسات التوائم المتطابقة وغير المتطابقة من خلال قواعد بيانات السجلات الوطنية للتوائم في الولايات المتحدة، لتقدير معدلات التوريث في اضطراب المقامرة. أظهرت نتائجه التاريخية أن العوامل الجينية مسؤولة عن نسبة تتراوح بين 40% إلى 60% من قابلية الإصابة باضطراب المقامرة، وهي نسبة تضاهي تماماً معدلات التوريث الجيني المشاهدة في اضطرابات إدمان الكحول والنيكوتين، مما دحض نهائياً المزاعم التي تحصر هذا الاضطراب في السياقات الاجتماعية وحدها.
علاوة على ذلك، ساهم بوتينزا في تحديد الأشكال المتعددة للجينات (Gene Polymorphisms) المرتبطة بقابلية الإدمان؛ وركزت أبحاثه على الجينات المشفرة لمستقبلات الدوبامين من النوع الثاني والرابع (DRD2 و DRD4)، والجين الناقل للسيروتونين (5-HTTLPR)، والجينات المشفرة لإنزيمات تفكيك النواقل العصبية مثل الكاتيكول-أو-ميثيل ترانسفيراز (COMT). بيد أن بوتينزا شدد دوماً على النموذج التفاعلي (Gene-Environment Interaction)؛ موضحاً أن الاستعداد الوراثي لا يعمل في فراغ، بل يتطلب في الغالب محفزات بيئية ضاغطة ليعبر عن نفسه، مثل التعرض للصدمات النفسية وسوء المعاملة في مرحلة الطفولة، أو العيش في بيئات اجتماعية تشجع على المراهنات، مما يفتح آفاقاً رحبة لبرامج الوقاية المستندة إلى حماية البيئات الأسرية والاجتماعية المعرضة للخطر.
6. إدمان الإنترنت والألعاب الرقمية والسلوكيات الإلكترونية الحديثة
6.1 تأطير اضطراب ألعاب الفيديو عبر الإنترنت (Internet Gaming Disorder)
مع التطور التقني الهائل وتسارع انتشار ألعاب الفيديو عبر الشبكة العنكبوتية، كان البروفيسور مارك بوتينزا في طليعة العلماء الذين نبهوا إلى المخاطر السريرية للإفراط الشديد في هذه الألعاب. شارك بفاعلية في صياغة المعايير المقترحة لـ “اضطراب ألعاب الفيديو عبر الإنترنت” (Internet Gaming Disorder – IGD) المدرج في القسم الثالث من الدليل التشخيصي (DSM-5) كحالة تستوجب المزيد من البحث السريري، قبل أن يتم اعتماده رسمياً كمرض في التصنيف الدولي (ICD-11). ركزت دراسات بوتينزا على توضيح التشابه الميكانيكي العصبي بين ألعاب الفيديو والمواد المسببة للإدمان؛ حيث بينت أبحاثه أن مواجهة المثيرات البصرية والصوتية للألعاب المفضلة تؤدي إلى استثارة شديدة في الفص الجبهي والجسم المخطط لدى المراهقين المدمنين، تتطابق مع استجابة مدمني الكوكايين للصور المرتبطة بالتعاطي.
كما فحص بوتينزا بدقة بالغة آليات التصميم السلوكي والنفسي داخل الألعاب الحديثة، وخاصة ظاهرة “صناديق الغنائم” (Loot Boxes) وعمليات الشراء داخل الألعاب (Microtransactions). وأثبت في العديد من أوراقه البحثية المحكمة أن هذه الآليات تمثل تقاطعاً خطيراً وتزاوجاً مباشراً بين ألعاب الفيديو والمقامرة الحقيقية؛ إذ تعتمد صناديق الغنائم على نفس جداول التعزيز الإيجابي المتقطع والمتغير (Variable-Ratio Reinforcement Schedules) التي تستخدمها ماكينات القمار في الكازينوهات لتعليق دماغ اللاعب والحفاظ على انخراطه المستمر، وهو ما جعل بوتينزا يدعو المؤسسات الصحية والتشريعية في العالم لفرض رقابة صارمة على هذه الصناعة لحماية الأطفال والمراهقين من الاستغلال البيولوجي والنفسي.
6.2 الاستخدام الإشكالي لشبكات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية
وسع بوتينزا دائرة تحقيقاته العلمية لتشمل الظاهرة المستجدة المتمثلة في الاستخدام الإشكالي للإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية. قاد دراسات وبائية وسريرية مكثفة بينت وجود علاقة ارتباطية وثيقة بين الاستخدام القهري لمنصات التواصل وبين ارتفاع معدلات الاكتئاب، واضطرابات النوم الحادة، وتدني احترام الذات، والقلق الاجتماعي، خاصة بين فئتي المراهقين والشباب. أوضح بوتينزا أن تصميم هذه المنصات يستغل بدقة الدوائر العصبية المسؤولة عن المكافأة الاجتماعية والتواصل البشري؛ حيث يعمل “إشعار الإعجاب” (Like Notification) كمكافأة اجتماعية سريعة ومتقطعة تفرز دفقة دوبامينية قصيرة في الدماغ، مما يدفع المستخدم لتفقد هاتفه عشرات المرات في الساعة سعياً وراء المزيد من التعزيز.
أشار بوتينزا في أبحاثه إلى أن الخطر الأكبر يكمن في مرحلة المراهقة، وهي المرحلة العمرية التي تتميز بعدم اكتمال نضج القشرة أمام الجبهية المسؤولة عن ضبط النفس وكبح الاندفاع، في مقابل النضج المبكر والحساسية المفرطة للجهاز الحوفي (Limbic System) المسؤول عن العواطف والمكافأة. هذا الاختلال في التوازن النمائي يجعل المراهقين هشين للغاية أمام التصاميم الرقمية الإدمانية، وقد وضع بوتينزا إرشادات إكلينيكية لمساعدة العائلات والأطباء في التعرف على العلامات التحذيرية المبكرة للاستخدام الإشكالي للوسائط الرقمية، وتطوير استراتيجيات للديتوكس الرقمي والحد من الانغماس المرضي في العوالم الافتراضية.
6.3 السلوك الجنسي القهري والمواد الإباحية عبر الإنترنت
يعد مجال “اضطراب السلوك الجنسي القهري” (Compulsive Sexual Behaviour Disorder – CSBD) من أكثر المجالات إثارة للجدل والحساسية في الطب النفسي، وقد كان للدكتور بوتينزا دور ريادي في إخراجه من دائرة الأحكام الأخلاقية والوصمة المجتمعية إلى رحاب البحث العصبي الإكلينيكي الرصين. ساهم بوتينزا في صياغة المعايير التشخيصية لهذا الاضطراب ضمن التصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، موضحاً أنه يتميز بنمط مستمر من الفشل المتكرر في السيطرة على الدوافع الجنسية الشديدة والمتكررة، مما يؤدي إلى انخراط قهري في أنشطة جنسية مفرطة، أو استهلاك غير منضبط للمواد الإباحية عبر الإنترنت، على الرغم من العواقب الشخصية والزوجية والمهنية والقانونية المدمرة.
أجرى بوتينزا دراسات متقدمة في التصوير الدماغي قارنت بين النشاط العصبي لدى الأفراد المصابين باضطراب السلوك الجنسي القهري والنشاط المشاهد في إدمان المواد التقليدية؛ وكشفت أبحاثه عن وجود آليات متطابقة في إبراز الأهمية التحفيزية للمثيرات (Cue Reactivity) وتنشيط مسارات الدوبامين عند التعرض للمواد الإباحية. ومع ذلك، شدد بوتينزا دائماً على الدقة والمسؤولية العلمية العالية؛ فحرص على وضع معايير فارقة ومبادئ توجيهية تميز بدقة بين السلوك الجنسي الطبيعي المتنوع أو فرط الرغبة الجنسية التوافقي، وبين الاضطراب السلوكي القهري الحقيقي المصحوب بضيق نفسي سريري شديد وتعطل وظيفي واضح، مانعاً بذلك إضفاء الطابع المرضي على السلوكيات الإنسانية الفطرية خارج السياق المرضي المحدد.
7. الفروق بين الجنسين في قابلية الإدمان وتطوره
7.1 ظاهرة التسارع الإدماني (Telescoping Effect) لدى النساء
من أبرز الإسهامات العلمية التي خلدت اسم الدكتور مارك بوتينزا في علم الإدمان توثيقه وتوصيفه لظاهرة “التسارع الإدماني” أو ما يعرف بـ (Telescoping Effect) لدى النساء المصابات باضطراب المقامرة والإدمانات السلوكية. لاحظ بوتينزا من خلال أبحاثه المقارنة أن النساء يبدأن في ممارسة المقامرة أو الانخراط في السلوكيات الإدمانية في سن متأخرة نسبياً مقارنة بالرجال؛ إلا أن الفترة الزمنية الفاصلة بين بدء السلوك الترويحي والانزلاق نحو الإدمان القهري التام، وفقدان السيطرة، وتراكم العواقب المالية والاجتماعية المدمرة، تكون أقصر بكثير وبشكل دراماتيكي لدى الإناث مقارنة بنظرائهن من الذكور.
أوضح بوتينزا في أوراقه البحثية المنشورة في كبرى الدوريات الطبية أن هذا التدهور السريع لا يعود إلى عوامل نفسية واجتماعية فحسب، بل يرتكز على آليات بيولوجية ونمائية معقدة. فالنساء غالباً ما ينخرطن في السلوك الإدماني كآلية هروب (Escape-driven) من صدمات نفسية عميقة، أو مشاعر اكتئاب وقلق غير معالجة، أو عنف أسري، بينما يميل الرجال للانخراط بدافع الإثارة والمخاطرة (Action-seeking). وقد أحدث هذا الاكتشاف وعياً سريرياً غير مسبوق دفع الأطباء النفسيين حول العالم إلى تكثيف جهود التدخل المبكر لدى النساء بمجرد ظهور البوادر الأولى للمقامرة الإشكالية لتفادي العواقب الوخيمة التي تحدث في وقت قياسي.
7.2 التأثيرات الهرمونية والبيولوجية على سلوك المخاطرة
في إطار أبحاثه بمركز صحة المرأة بجامعة ييل، تعمق بوتينزا في دراسة التفاعل الحيوي بين الهرمونات الجنسية الستيرويدية (خاصة الإستروجين والبروجستيرون) والناقلات العصبية الدماغية في تشكيل سلوك المخاطرة والاندفاعية. أثبت بوتينزا وفريقه أن تقلب مستويات هرمون الإستروجين عبر مراحل الدورة الشهرية لدى المرأة يمارس تأثيراً مباشراً وملموساً على حساسية مستقبلات الدوبامين في دوائر المكافأة (النواة المتكئة والقشرة الجبهية)؛ حيث وُجد أن ارتفاع مستويات الإستروجين يرتبط بزيادة استجابة الدماغ للمثيرات التعزيزية وارتفاع القابلية للاندفاع وخوض الرهانات الخطرة.
كما فحصت أبحاثه فترات التحول الهرموني الكبرى في حياة المرأة، مثل مرحلة ما بعد الولادة ومرحلة انقطاع الطمث (Menopause)، كاشفة عن وجود “نوافذ هشاشة بيولوجية” (Windows of Vulnerability) تتزايد فيها احتمالية الانتكاس أو بدء السلوكيات الإدمانية نتيجة الاضطرابات الحادة في التوازن الهرموني والتفاعلات العصبية المرافقة. هذا الفهم الهرموني البيولوجي العميق شكل نقلة نوعية في علم الأدوية النفسية؛ حيث مهد السبيل للتفكير في علاجات تأخذ بعين الاعتبار توقيت الدورة الشهرية والملف الهرموني للمرأة لتحسين نتائج العلاج الدوائي والنفسي لاضطرابات التحكم في الاندفاع.
7.3 تصميم برامج علاجية مخصصة تراعي النوع الاجتماعي
ترجمةً لاكتشافاته البيولوجية والسريرية، قاد الدكتور بوتينزا جهوداً حثيثة لتطوير وتطبيق بروتوكولات علاجية تراعي الفروق بين الجنسين (Gender-Responsive Treatments). حدد بوتينزا العوائق الهيكلية والنفسية الفريدة التي تحول دون طلب النساء للعلاج المتخصص في الإدمان السلوكي، وتأتي في مقدمتها وصمة العار المجتمعية المزدوجة والمشاعر الجارفة بالذنب والخزي، بالإضافة إلى المسؤوليات العائلية ورعاية الأطفال، والخوف من فقدان الحضانة أو الدعم الأسري.
دعا بوتينزا إلى إنشاء مراكز وبرامج علاجية متخصصة ومستقلة للنساء توفر بيئة آمنة وداعمة، وتعتمد على مناهج “الرعاية المراعية للصدمات” (Trauma-Informed Care) التي تتعامل مع الجروح النفسية وسوابق الإيذاء الجسدي أو العاطفي بالتوازي مع علاج السلوك الإدماني نفسه. كما بينت دراساته الإكلينيكية المقارنة أن النساء يحققن معدلات استبقاء أعلى ونتائج تعافٍ أفضل بكثير عندما يتلقين العلاج في مجموعات علاجية نسائية خالصة تركز على مهارات تنظيم الانفعالات وبناء شبكات الدعم التمكينية، مما ساهم في تغيير جذري للسياسات السريرية المتبعة في عيادات الإدمان العالمية.
8. الاضطرابات المصاحبة والمراضة النفسية المزدوجة
8.1 التزامن مع اضطرابات المزاج والقلق والاكتئاب
كرس البروفيسور بوتينزا جانباً جوهرياً من أبحاثه لدراسة المراضة النفسية المزدوجة (Psychiatric Comorbidity)؛ إذ نادراً ما يأتي اضطراب المقامرة أو الإدمان السلوكي بمعزل عن اضطرابات نفسية أخرى. أظهرت المسوح الوبائية والسريرية التي أجراها بوتينزا أن أكثر من 70% من الأفراد الذين يعانون من اضطراب المقامرة يعانون في الوقت ذاته من اضطراب مزاجي متزامن، ويحتل الاكتئاب الجسيم (Major Depressive Disorder) واضطراب المزاج ثنائي القطب الصدارة في هذا السياق، يليهما طيف اضطرابات القلق المتنوعة.
صاغ بوتينزا نموذجاً تفسيرياً يوضح الطبيعة التبادلية لهذه العلاقة؛ حيث يستخدم العديد من المرضى السلوك الإدماني كشكل من أشكال “التطبيب الذاتي” (Self-Medication) لتخدير الآلام النفسية ومشاعر الفراغ الداخلي والكآبة الحادة عبر الدفقات المؤقتة من الإثارة والدوبامين التي توفرها المقامرة. ولكن مع حتمية الخسائر المالية وتراكم الضغوط، تنفجر نوبات الاكتئاب بشكل أشد ضراوة. ودق بوتينزا ناقوس الخطر في المجتمع الطبي بدراساته التي وثقت وجود ارتباط وثيق ومروع بين اضطراب المقامرة الشديد والتفكير والسلوك الانتحاري؛ حيث ترتفع معدلات محاولات الانتحار بين مدمني القمار إلى نسب تتجاوز معظم الاضطرابات النفسية الأخرى، مما جعل تقييم مخاطر الانتحار عنصراً إلزامياً في كل بروتوكول علاجي يضعه بوتينزا.
8.2 التداخل مع اضطرابات تعاطي المواد الكحولية والمخدرة
أثبتت أبحاث بوتينزا الاستقصائية أن التواكب بين إدمان المواد الكيميائية والإدمان السلوكي يمثل قاعدة عيادية وليس استثناءً. فالأفراد المصابون باضطراب المقامرة لديهم احتمالية تفوق بستة أضعاف للإصابة باضطرابات تعاطي الكحول والمخدرات مقارنة بعامة السكان. استكشف بوتينزا الآليات العصبية لهذا التزامن، مبيناً وجود أرضية بيولوجية مشتركة تتمثل في اختلال دوائر تثبيط السلوك ونظام المكافأة الدماغي.
أوضح بوتينزا التحديات السريرية المعقدة لهذه الازدواجية التشخيصية؛ حيث يؤدي تعاطي الكحول أو المنشطات أثناء المقامرة إلى شل ما تبقى من وظائف القشرة أمام الجبهية، مما يطلق العنان لقرارات اندفاعية كارثية ومراهنات طائشة تسرع من الدمار المالي للمريض. كما شدد على خطورة ظاهرة “استبدال الإدمان” (Cross-Addiction or Addiction Transfer)، والتي تحدث عندما يتعافى المريض من إدمان الكحول ليجد نفسه ينزلق لا شعورياً نحو المقامرة القهرية أو ألعاب الفيديو كبديل سلوكي، مؤكداً أنه لا يمكن تحقيق تعافٍ مستدام دون معالجة الهشاشة الإدمانية الجذرية الكامنة في الدماغ البشري بشكل شمولي متكامل.
8.3 اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) والاندفاعية المرضية
أرسى مارك بوتينزا روابط علمية وثيقة بين اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD) وزيادة التعرض للإدمانات السلوكية في مراحل العمر المختلفة. أظهرت أبحاثه الرائدة أن الأطفال والبالغين المصابين بـ ADHD يمتلكون خطراً مضاعفاً بشكل كبير لتطوير اضطراب المقامرة واضطراب ألعاب الفيديو عبر الإنترنت لاحقاً في حياتهم، مرجعاً ذلك إلى القصور الوظيفي المشترك في الدوائر العصبية التي تربط بين القشرة أمام الجبهية والجسم المخطط (Frontostriatal Circuits)، وهي الدوائر المسؤولة عن الانتباه المستمر، وتأخير المكافأة (Delay Discounting)، وكبح الاستجابات الحركية غير الملائمة.
بين بوتينزا أن العالم الافتراضي وألعاب الفيديو وماكينات القمار توفر بيئة محفزة اصطناعياً تتوافق بشكل خطير مع الدماغ المصاب بنقص الانتباه؛ نظراً لتدفق المثيرات الحسية السريعة والمكافآت الفورية التي لا تتطلب صبراً طويلاً، مما يجعل هؤلاء الأفراد أسرى لهذه الشاشات. وكان لاكتشافات بوتينزا أثر إكلينيكي مباشر، حيث أثبت أن التشخيص المبكر وعلاج اضطراب ADHD لدى المراهقين والبالغين (سواء بالتدخلات السلوكية أو العلاجات الدوائية المنشطة وغير المنشطة) يقلل بشكل ملموس من احتمالية انزلاقهم نحو الإدمانات السلوكية، مما يمثل نموذجاً ساطعاً للوقاية النفسية المستندة إلى البراهين العصبية.
9. المقاربات العلاجية والدوائية لاضطرابات السلوك الإدماني
9.1 العلاجات الدوائية ومضادات الأفيون (Opioid Antagonists)
قاد البروفيسور مارك بوتينزا أحدث التجارب السريرية العشوائية المزدوجة التعمية والمضبوطة بالغفل (Randomized Controlled Trials) لتقييم فعالية التدخلات الدوائية في علاج اضطراب المقامرة والتحكم في الاندفاع. وتعد أبحاثه حول مضادات الأفيون، وخاصة عقار النالتريكسون (Naltrexone) والنالميفين (Nalmefene)، حجر الزاوية في علم الأدوية النفسية للإدمان السلوكي. انطلق بوتينزا من فرضية بيولوجية مفادها أن حجب مستقبلات الأفيون في الدماغ سيؤدي إلى منع إفراز الدوبامين غير المباشر في النواة المتكئة أثناء ممارسة المقامرة، مما يحرم المريض من الشعور بتلك النشوة الخادعة ويخمد الرغبة الشديدة القهرية.
أثبتت دراسات بوتينزا المنشورة في دوريات طبية رفيعة أن إعطاء النالتريكسون بجرعات محددة يؤدي إلى انخفاض إحصائي وسريري كبير في الرغبة الملحة للمقامرة وعدد أيام اللعب والمبالغ المالية المفقودة مقارنة بالعلاج الوهمي. ولم يكتفِ بوتينزا بإثبات الفعالية العامة، بل كان رائداً في مجال “الطب النفسي الدقيق” (Precision Psychiatry)؛ حيث حدد علامات بيولوجية وسريرية تتنبأ بالاستجابة الممتازة لمضادات الأفيون، ومن أهمها وجود تاريخ عائلي قوي لإدمان الكحول أو شدة الرغبة الملحة كعرض رئيسي للمرض، مما مكن الأطباء من وصف هذا العلاج للمرضى الأكثر ترشيحاً للاستفادة منه بيولوجياً.
9.2 معدلات النواقل العصبية ومثبتات المزاج والأدوية الحديثة
استكشف الدكتور بوتينزا وفريقه فئات دوائية متعددة للتصدي لمختلف الجوانب السيكوباثولوجية للإدمان السلوكي. أجرى تقييمات سريرية دقيقة لمثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، مثل الباروكستين والسيرترالين، مبيناً أنها تقدم فائدة ملحوظة لا سيما في الحالات التي تتسم بدرجات عالية من القلق واضطرابات المزاج المتزامنة والاندفاعية الوسواسية، على الرغم من أن فعاليتها كعلاج أحادي لاضطراب المقامرة في غياب الاكتئاب كانت أقل اتساقاً من مضادات الأفيون.
بالإضافة إلى ذلك، فتح بوتينزا آفاقاً علاجية واعدة للغاية عبر استكشاف معدلات الجلوتامات (Glutamatergic Agents)، مع التركيز الخاص على مركب ن-أسيتيل سيستين (N-Acetylcysteine – NAC). أثبت أن هذا المركب يمتلك القدرة على تصحيح اللدونة العصبية واختلال توازن الجلوتامات في النواة المتكئة، مما يساعد على استعادة السيطرة التنفيذية وتقليل الاندفاع القهري دون التسبب في آثار جانبية كبرى. كما بحث في دور مثبتات المزاج ومضادات الاختلاج (مثل التوبيرامات وحمض الفالبرويك) لدى المرضى الذين يظهرون تقلبات مزاجية عنيفة أو يقعون ضمن طيف الاضطراب ثنائي القطب المتداخل مع المقامرة، راسماً بروتوكولات دوائية مركبة وشديدة التخصيص للمرضى المستعصين على العلاجات التقليدية.
9.3 العلاج المعرفي السلوكي (CBT) والتدخلات النفسية النفس-اجتماعية
على الرغم من إسهاماته البيولوجية العميقة، ظل مارك بوتينزا يؤكد دوماً أن العلاج المتكامل للإدمان السلوكي لا يمكن أن يكتمل دون تدخلات نفسية ونفس-اجتماعية قائمة على الدليل العلمي الرصين. كان له دور بارز في تكييف وتطوير بروتوكولات العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy – CBT) المخصصة لاضطراب المقامرة والتحكم في الاندفاع. ركزت هذه البروتوكولات على استهداف وتفكيك “أوهام السيطرة” والتشوهات المعرفية حول الحظ والمصادفة، وإعادة بناء التفكير المنطقي السليم لدى المرضى.
تتضمن البرامج العلاجية التي صممها بوتينزا تدريب المرضى على استراتيجيات منع الانتكاس (Relapse Prevention)، وتحديد المثيرات البيئية والعاطفية المرتبطة بالرغبة الملحة وتطوير مهارات تكيفية بديلة للتعامل مع التوتر والضغوط الحياتية دون اللجوء للمقامرة أو الشاشات الرقمية. كما دعم بوتينزا بقوة دمج أسلوب “المقابلات الدافعية” (Motivational Interviewing) لتعزيز دافعية المريض للتغيير وحل حالة التردد الكامنة، وأثبت الفائدة الكبيرة للدمج بين العلاج المعرفي السلوكي ومجموعات الدعم الذاتي المستندة إلى خطوات التعافي مثل زمالة المقامر المجهول (Gamblers Anonymous – GA)، مؤكداً أن النهج التكاملي الذي يجمع بين الدواء والنفس والمجتمع هو السبيل الوحيد لتحقيق التعافي المستدام.
9.4 تقنيات التحفيز الدماغي غير الجراحية (Neuromodulation)
في إطار سعيه المستمر لتوظيف أحدث الابتكارات التكنولوجية في خدمة الطب النفسي، انخرط البروفيسور بوتينزا في استكشاف وتطبيق تقنيات التعديل والتحفيز الدماغي غير الجراحية (Non-invasive Neuromodulation) كأداة علاجية ثورية لاضطرابات السلوك الإدماني. تركزت أبحاثه على استخدام التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة المتكرر (rTMS) والتحفيز بالتيار المباشر عبر الجمجمة (tDCS)، مستهدفاً بشكل رئيسي القشرة أمام الجبهية الظهرانية الوحشية (dlPFC).
أظهرت تجارب فريقه السريرية أن التحفيز عالي التردد لهذه المناطق القشرية التنفيذية يسهم بشكل فعال في تعزيز السيطرة التنازلية (Top-down Control) لكبح النشاط الزائد في الدوائر الحوفية العميقة للمكافأة، مما ينعكس سريرياً في انخفاض مباشر للرغبة الشديدة في المقامرة أو الألعاب الإلكترونية وتراجع ملموس في السلوك الاندفاعي. كما يستكشف بوتينزا وفريقه التطبيقات المتقدمة للارتجاع العصبي الوظيفي بالرنين المغناطيسي (Real-time fMRI Neurofeedback)، حيث يتم تدريب المرضى على رؤية النشاط العصبي لدوائر المكافأة في أدمغتهم على شاشة حاسوب لحظياً وتعلم استراتيجيات ذهنية لتهدئة هذا النشاط عند التعرض للمثيرات الإدمانية، وهو ما يمثل قمة التقارب بين علم الأعصاب الإدراكي والممارسة العلاجية الذاتية.
10. التأثير في السياسات الصحية العامة والاعتبارات الأخلاقية
10.1 صياغة استراتيجيات الصحة العامة والوقاية من أضرار القمار
لم يكتفِ الدكتور بوتينزا بالعمل داخل أسوار الجامعة والمستشفيات، بل وضع ثقله العلمي في خدمة قضايا الصحة العامة على المستوى الدولي والمحلي. عمل كمستشار علمي موثوق للعديد من الحكومات، والوزارات الصحية، والهيئات التشريعية والتنظيمية في الولايات المتحدة ودول متعددة عبر العالم، مقدماً تقييمات علمية موضوعية حول الأضرار الصحية والاجتماعية المترتبة على تشريع وتوسيع نطاق المقامرة والمراهنات الرياضية الرقمية.
دعا بوتينزا إلى تبني نموذج “الصحة العامة” (Public Health Framework) للتعامل مع القمار والإدمانات السلوكية، وهو النموذج الذي لا يركز فقط على علاج الحالات الشديدة، بل يستهدف الوقاية الأولية عبر تقييد انتشار المحفزات في البيئة العامة. وساهم في تطوير أدوات مسح مبكر بسيطة وسريعة تم اعتمادها في مراكز الرعاية الصحية الأولية والعيادات الطبية العامة لاكتشاف السلوكيات الإدمانية الخفية لدى المرضى قبل تفاقمها. كما قاد حملات توعوية تطالب بفرض قيود تشريعية صارمة على الإعلانات الترويجية للمراهنات الرياضية، ومنع استهداف صغار السن والمراهقين عبر المنصات الرقمية ووسائل الإعلام، مؤكداً أن حماية الدماغ النامي تمثل أولوية صحية وطنية تفوق أي مكاسب ضريبية أو تجارية.
10.2 الاعتبارات الأخلاقية وتجنب وصم وتطبيع المرض النفسي
خاض البروفيسور بوتينزا نقاشات أخلاقية وفلسفية معمقة حول قضية دقيقة في الطب النفسي المعاصر، وهي تحقيق التوازن الدقيق بين تقديم المساعدة للمتضررين وبين تجنب “إضفاء الطابع المرضي” (Pathologization) غير المبرر على السلوكيات الحياتية اليومية للناس. حذر بوتينزا مراراً من التسرع في إطلاق وصف “المرض” أو “الإدمان” على كل انخراط مكثف في هواية أو نشاط ترفيهي كالرياضة أو التسوق أو اللعب، مؤكداً أن التشخيص الطبي يجب أن يرتبط حصراً بوجود معايير سريرية بيولوجية محددة، واختلال وظيفي جسيم، وضيق نفسي لا لبس فيه.
في الوقت نفسه، كرس بوتينزا جزءاً كبيراً من حياته المهنية لمحاربة “وصمة العار” (Stigma) التي تلحق بالمصابين باضطرابات الإدمان؛ حيث بين أن الفهم العلمي للأساس العصبي والوراثي لهذه الاضطرابات يساهم بشكل جذري في إزالة مشاعر الذنب غير المبررة، وتغيير نظرة المجتمع للمريض من كونه شخصاً ضعيف الإرادة أو سيئ الأخلاق إلى كونه يعاني من اضطراب بيولوجي عصبي يستوجب العلاج الطبي المتخصص كأي مرض جسدي آخر. كما ناقش بوتينزا المسؤولية الأخلاقية للشركات التقنية ومصممي الألعاب، مشدداً على أن “التصميم الإدماني” المتعمد للمنتجات التجارية يستغل الثغرات العصبية في الدماغ البشري لتحقيق أرباح مادية، مما يطرح تساؤلات قانونية وأخلاقية تتجاوز مجرد فكرة المسؤولية الفردية للمستهلك.
10.3 أخلاقيات تمويل الأبحاث وعلاقة الوسط الأكاديمي بالصناعة
تتميز مسيرة مارك بوتينزا بنزاهة أكاديمية واستقلالية علمية لا تلين، خاصة في مجال معقد وشديد الحساسية يرتبط بصناعات عملاقة ذات مصالح مالية هائلة كصناعة الكازينوهات والمراهنات وشركات ألعاب الفيديو والتقنية. اتخذ بوتينزا موقفاً صارماً وواضحاً فيما يتعلق بالشفافية وتجنب تضارب المصالح (Conflict of Interest)؛ واضعاً معايير أخلاقية صارمة تحكم قبول أي دعم أو منح بحثية، مقتصراً بالدرجة الأولى على التمويل الفيدرالي المستقل من المعاهد الوطنية للصحة (NIH) والمنظمات الأكاديمية غير الربحية.
أصر بوتينزا على الاستقلالية التامة للنتائج البحثية، ورفض أي محاولات من قبل الصناعات الترفيهية لتوجيه الأبحاث أو التدخل في نشر النتائج التي تدين الآليات التصميمية الخبيثة لماكينات القمار وتطبيقات الألعاب. كما قام بتقييم نقدي صارم لمفهوم “المقامرة المسؤولة” (Responsible Gambling) الذي تروج له الشركات التجارية، مبيناً في أبحاثه أن وضع المسؤولية الكاملة على عاتق اللاعب المدمن وتجاهل أثر تصميم الألعاب الخادع ومعدلات الرهان السريعة يمثل تضليلاً علمياً، مؤكداً أن مهمة العالم تقتضي الانحياز المطلق للحقيقة والعدالة الإنسانية وصحة المرضى وسلامتهم فوق كل اعتبار مادي.
11. الإنتاج العلمي والإشراف الأكاديمي والجوائز التقديرية
11.1 غزارة النشر العلمي والتأثير في الأوساط الأكاديمية
يعتبر البروفيسور مارك بوتينزا واحداً من أكثر العلماء غزارة في الإنتاج البحثي وتأثيراً في تاريخ الطب النفسي وعلوم الأعصاب؛ حيث تزخر سيرته الذاتية بنشر ما يزيد عن 700 ورقة بحثية محكمة في كبريات الدوريات والمجلات الطبية العالمية المرموقة، مثل American Journal of Psychiatry، وJAMA Psychiatry، وNeuropsychopharmacology، وBiological Psychiatry، وLancet Psychiatry. تميزت أوراقه العلمية بالدقة المنهجية المتناهية وابتكار النماذج التجريبية والتصويرية التي أصبحت مراجع قياسية لا يستغني عنها أي باحث في مجال الإدمان.
انعكس هذا الإنتاج الاستثنائي على مؤشرات الاقتباس العلمي؛ حيث يمتلك بوتينزا مؤشر استشهادات هائل (H-index يتجاوز 120)، مما يضعه ضمن قائمة النخبة المطلقة للعلماء الأكثر استشهاداً بأبحاثهم على مستوى العالم (Highly Cited Researchers) لسنوات متتالية. وبالإضافة إلى أبحاثه الأصلية، ألف وحرر بوتينزا العديد من الكتب والموسوعات المرجعية الكبرى في الطب النفسي، ومن أشهرها كتبه المرجعية حول اضطرابات التحكم في الاندفاع والإدمانات السلوكية المنشورة عبر دار نشر جامعة أكسفورد والجمعية الأمريكية للطب النفسي، والتي تعد اليوم المراجع التدريبية الأساسية للأطباء في مختلف القارات.
11.2 توجيه الأجيال الجديدة من الأطباء والعلماء الباحثين
يحتل دور الأستاذ والموجه (Mentor) مكانة مركزية في مسيرة بوتينزا؛ إذ يؤمن بأن أعظم إنجازات العالم تتجسد في إعداد أجيال تخلفه في حمل راية البحث العلمي وتطويره. على مدار مسيرته في جامعة ييل، أشرف بوتينزا على توجيه ورعاية عشرات من طلبة الدكتوراه، وأطباء الإقامة، وباحثي زمالات ما بعد الدكتوراه، الذين قدموا من كافة أرجاء المعمورة للتعلم داخل مدارسه البحثية التفاعلية.
حرص بوتينزا على تدريب تلاميذه على المنهج التكاملي الذي يربط بين دقائق الكيمياء الحيوية والظواهر السريرية الحية، وشجعهم على التفكير النقدي الجريء وتحدي المسلمات السائدة في الطب. يشغل العديد من تلاميذه اليوم مناصب أكاديمية مرموقة ورئاسة أقسام طب نفسي ومختبرات أبحاث رائدة في جامعات عالمية كبرى في الولايات المتحدة، وأوروبا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية. كما عُرف بوتينزا بدعمه الاستثنائي للباحثين الشباب من الأقليات والفئات المجتمعية غير الممثلة في العلوم الطبية، حريصاً على خلق بيئة علمية حاضنة ومتنوعة تعكس العدالة والفرص المتكافئة للجميع.
11.3 الجوائز العالمية وعضويات الشرف الأكاديمية
تتويجاً لمسيرته البحثية الحافلة وإسهاماته غير المسبوقة، نال الدكتور مارك بوتينزا طيفاً واسعاً من أرفع الجوائز التقديرية والمكافآت التكريمية على الساحة الطبية الدولية؛ ومن أبرزها:
- جائزة الإنجاز البحثي المتميز في الطب النفسي من الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA).
- جائزة التميز العلمي مدى الحياة في أبحاث القمار من المركز الوطني للمقامرة المسؤولة (National Center for Responsible Gaming – NCRG).
- انتخابه زميلاً متميزاً (Fellow) في الكلية الأمريكية لعلم الأدوية النفسية والعصبية (ACNP)، وهي واحدة من أرفع الهيئات العلمية وأكثرها انتقائية في العالم.
- جائزة جويل إلفيكس التذكارية في علم الأدوية السلوكي تقديراً لأبحاثه المبتكرة في تصنيف وعلاج السلوكيات القهرية.
- عضويات شرفية في مجالس تحرير عشرات الدوريات الطبية العالمية الرائدة، وتكريمات متعددة من منظمات الصحة النفسية في كندا، وأوروبا، وآسيا.
هذه الجوائز والأوسمة تجسد إجماع المجتمع العلمي الدولي على القيمة التاريخية للجهود التي بذلها ويبذلها بوتينزا لخدمة الطب والإنسانية.
12. الآفاق المستقبلية والإرث العلمي المستمر لمارك بوتينزا
12.1 تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في الطب النفسي الدقيق
يواصل البروفيسور مارك بوتينزا قيادة المسار المستقبلي لعلوم الأعصاب والطب النفسي عبر تبني وتطوير أحدث التطبيقات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي (Machine Learning). يركز فريقه البحثي حالياً على تطوير خوارزميات تعلم آلي متقدمة قادرة على تحليل البيانات الضخمة المستمدة من صور الرنين المغناطيسي المتعددة الوسائط، والخرائط الجينية المعقدة، والملفات السريرية للمرضى، بهدف التنبؤ الدقيق بمسار المرض واحتمالية الانتكاس، وتحديد العلاج الدوائي أو السلوكي الأمثل لكل مريض على حدة قبل البدء فيه (Personalized Addiction Medicine).
كما يقود بوتينزا مشاريع رائدة في مجال “التنميط الظاهري الرقمي” (Digital Phenotyping)؛ وتعتمد هذه التقنية على استخدام المستشعرات المدمجة والبيانات الحيوية السلوكية في الهواتف الذكية والساعات الذكية للمرضى لرصد وتتبع التغيرات اللحظية في أنماط النوم، والتنقل الجغرافي، وسرعة النقر، والتفاعل الاجتماعي. يتيح هذا التحليل الذكي للبيانات اكتشاف علامات الضغط النفسي وتصاعد الرغبة الملحة قبل أن يدركها المريض نفسه، مما يسمح بإرسال تدخلات نفسية وقائية مباشرة وعبر الهاتف في اللحظة الحرجة (Just-In-Time Adaptive Interventions)، وهو ما يمثل ثورة تكنولوجية في إعادة صياغة الرعاية النفسية المعاصرة.
12.2 التصدي للتهديدات السلوكية الناشئة في العصر الرقمي الفائق
في عصر يتسم بالتطور التكنولوجي فائق السرعة، يوجه بوتينزا بوصلته البحثية نحو دراسة وتحليل التهديدات السلوكية المستحدثة التي بدأت تفرزها البيئات الرقمية المعاصرة. يركز بشكل مكثف على ظاهرة “إدمان التداول اليومي والعملات المشفرة” (Day-Trading and Cryptocurrency Addiction)؛ حيث كشفت دراساته الأولية أن منصات وتطبيقات التداول الحديثة صُممت بخصائص تضفي عليها طابع اللعب (Gamification)، وتحمل آليات إدمانية مطابقة تماماً للمراهنات السريعة، مستقطبة فئات عمرية شابة تتوهم تحقيق الثراء السريع لتقع في شباك الإدمان السلوكي المدمر والخسائر المالية الكارثية.
كما يستشرف بوتينزا وفريقه التحديات العصبية والنفسية القادمة مع بزوغ العوالم الافتراضية الغامرة (Virtual Reality) وتقنيات الواقع المعزز والميتافيرس (Metaverse). يدرس بوتينزا كيف يمكن لهذه البيئات الافتراضية متناهية الواقعية أن تتلاعب بآليات التواجد الحضوري والمكافأة العصبية في الدماغ البشري بشكل يفوق بمراحل تأثير الشاشات التقليدية، محذراً من إمكانية نشوء أنماط هجينة من الإدمانات السلوكية التي تجمع بين العزلة التامة، والاستهلاك الحسي المفرط، والمقامرة الافتراضية. ويواصل جهوده في تحديث النظريات البيولوجية العصبية لتكون مرجعاً استباقياً جاهزاً للتعامل مع تحديات الصحة النفسية في المستقبل القريب.
12.3 الإرث المستدام: التحول النموذجي في فهم الطبيعة البشرية للإدمان
إن الإرث العلمي الذي صنعه ويواصل بناءه البروفيسور مارك بوتينزا يتجاوز كونه مجموعة من الأوراق البحثية والكتب القيمة؛ إنه يمثل تحولاً نموذجياً شاملاً (Paradigm Shift) في الفكر الطبي والإنساني حول طبيعة الإدمان والتحكم في النفس البشرية. لقد أزال بوتينزا بصرامته المنهجية الحدود الوهمية المصطنعة التي ظلت تفصل لعقود طويلة بين الإدمان الكيميائي على المواد والإدمان السلوكي، مرسخاً مفهوماً عصبياً حيوياً شاملاً ينظر إلى الإدمان باعتباره خللاً وظيفياً في شبكات المكافأة والتحكم التنفيذي والمعرفي في الدماغ، أياً كانت المادة أو السلوك الذي حفز هذا الخلل.
إن هذا التحول لم ينقذ مئات الآلاف من المرضى من براثن الوصمة المجتمعية والإهمال الطبي فحسب، بل أعاد صياغة فهمنا للإرادة الإنسانية وحدودها البيولوجية. لقد علم بوتينزا أجيالاً من الأطباء والمعالجين النفسيين أن النظر إلى المريض يجب أن يتأسس على العلم الدقيق والتعاطف غير المشروط؛ فالدماغ الذي يقع فريسة للإدمان هو دماغ يعاني من اضطراب وظيفي يستحق الفهم والرعاية الطبية لا الإدانة الأخلاقية. ومع استمرار مسيرته الحافلة بالعطاء حتى يومنا هذا، يقف مارك بوتينزا كمنارة علمية شامخة في سماء الطب النفسي وعلوم الأعصاب، ملزماً العالم بمواصلة السعي الدؤوب لاكتشاف أسرار الدماغ البشري وتسخير المعرفة للتخفيف من آلام البشر في كل مكان.
خاتمة
إن استعراض السيرة العلمية والمسيرة المهنية الحافلة للبروفيسور مارك بوتينزا منذ ولادته في عام 1965 وحتى الوقت الحاضر يكشف بوضوح عن قامة علمية استثنائية تركت بصمات لا تمحى على خريطة الطب النفسي العالمي وعلوم الأعصاب الحديثة. لقد نجح بوتينزا، عبر جمعه الفريد بين عبقرية العالم المخبري وخبرة الطبيب الإكلينيكي الميداني، في قيادة ثورة مفاهيمية أعادت تعريف طبيعة “الإدمان” وحدوده، مبرهناً للأوساط الطبية والمجتمعية أن السلوكيات القهرية، كالمقامرة وغيرها، تمتلك نفس الجذور البيولوجية والعصبية التي تحرك الاعتماد الكيميائي على المواد المخدرة.
من أروقة كلية الطب بجامعة ييل إلى لجان تعديل الدليل التشخيصي (DSM-5) والتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، أضاءت أبحاث بوتينزا الدوائر العصبية الدقيقة للمكافأة والتحكم المعرفي، وفتحت آفاقاً غير مسبوقة للعلاجات الدوائية والنفسية الموجهة، ودافعت بشجاعة عن حقوق الفئات المهمشة صحياً عبر تسليط الضوء على خصوصيات الإدمان لدى النساء والتصدي للمخاطر الإدمانية المستحدثة في العصر الرقمي. إن إرث مارك بوتينزا المتواصل هو برهان حي على قوة العلم الرصين المستند إلى الأدلة البيولوجية الصارمة حين يلتقي بالقيم الإنسانية النبيلة؛ إنه إرث سيظل يلهم أجيالاً قادمة من العلماء والأطباء لمواصلة سبر أغوار النفس البشرية، وتقديم يد العون والشفاء لكل من وقعوا في أسر السلوكيات الإدمانية في عالم يزداد تعقيداً وتسارعاً كل يوم.
المراجع
- American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). American Psychiatric Publishing. https://doi.org/10.1176/appi.books.9780890425596
- Grant, J. E., & Potenza, M. N. (Eds.). (2012). The Oxford handbook of impulse control disorders. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780195389715.001.0001
- Potenza, M. N. (2006). Should addictive disorders include non-substance-related conditions? Addiction, 101(s1), 142–151. https://doi.org/10.1111/j.1360-0443.2006.01591.x
- Potenza, M. N. (2008). The neurobiology of pathological gambling and drug addictions: An overview and new findings. Philosophical Transactions of the Royal Society B: Biological Sciences, 363(1507), 3181–3189. https://doi.org/10.1098/rstb.2008.0100
- Potenza, M. N. (2013). Neurobiology of gambling behaviors. Current Opinion in Neurobiology, 23(4), 660–667. https://doi.org/10.1016/j.conb.2013.03.004
- Potenza, M. N., Balodis, I. M., Derevensky, J., Grant, J. E., Petry, N. M., Verdejo-Garcia, A., & Yip, S. W. (2019). Gambling disorder. Nature Reviews Disease Primers, 5(1), 51. https://doi.org/10.1038/s41572-019-0099-7
- Potenza, M. N., Higuchi, S., & Brand, M. (2018). Call for clear definitions of terms to promote cross-disciplinary consensus on problematic online behaviors. Journal of Behavioral Addictions, 7(2), 201–204. https://doi.org/10.1556/2006.7.2018.59
- Potenza, M. N., Leung, H. C., Blumberg, H. P., Peterson, B. S., Fulbright, R. K., Lacadie, C. M., Skudlarski, P., & Gore, J. C. (2003). An fMRI Stroop task study of ventromedial prefrontal cortical function in pathological gamblers. American Journal of Psychiatry, 160(11), 1990–1994. https://doi.org/10.1176/appi.ajp.160.11.1990
- World Health Organization. (2019). International statistical classification of diseases and related health problems (11th ed.). World Health Organization. https://icd.who.int/
- Yau, Y. H., & Potenza, M. N. (2015). Gambling disorder and other behavioral addictions: Recognition and treatment. Harvard Review of Psychiatry, 23(2), 134–146. https://doi.org/10.1097/HRP.0000000000000051