مارتن سيليجمان – 1942 حتى الحاضر

مارتن إدوارد بيتر سيليجمان (Martin E. P. Seligman)

  • 12 أغسطس 1942، ألباني، نيويورك – حتى الآن
  • أمريكي
  • علم النفس الإيجابي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 14 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 14 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • العجز المتعلم
  • تأسيس حركة علم النفس الإيجابي
  • نموذج الرفاه الخماسي (PERMA)
  • التصميم التجريبي الثلاثي المتكافئ

السيرة

يمثل البروفيسور مارتن إي. بي. سيليجمان (Martin E. P. Seligman) أحد أبرز التحولات المعرفية والمنهجية في تاريخ العلوم السلوكية المعاصرة. فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين وحتى العقود الأولى من الألفية الثالثة، استطاع سيليجمان أن يُعيد رسم خريطة علم النفس الحديث، متجاوزاً بذلك النموذج المرضي التقليدي الذي هيمن على المشهد السيكولوجي لعقود طويلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية. تجلت مسيرته العلمية كرحلة استكشافية جريئة؛ بدأت من الملاحظات التجريبية الدقيقة لسلوك الحيوان في مواجهة الصدمات غير القابلة للسيطرة، وتطورت إلى صياغة واحدة من أعظم النظريات المفسرة للاكتئاب الإنساني المتمثلة في نظرية “العجز المتعلم”، وصولاً إلى تأسيس وتأطير حركة “علم النفس الإيجابي” التي دعت إلى دراسة مكامن القوة والفضائل والازدهار البشري.

إن الأثر المعرفي لأعمال سيليجمان لم ينحصر في الأروقة الأكاديمية الضيقة أو المختبرات التجريبية المعزولة، بل تمدد ليحدث ثورة تطبيقية شاملة طالت ميادين التربية والتعليم، والطب النفسي الإكلينيكي، والتطوير المؤسسي والإداري، والمؤسسات العسكرية، وصولاً إلى استشراف تقاطعات العلوم النفسية مع الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة. يعود هذا الانتشار الواسع إلى قدرته الفائقة على الجمع بين الصرامة المنهجية التجريبية المستمدة من الفلسفة التحليلية والنزعة الوضعية المنطقية، وبين الانفتاح الفكري العميق على الأسئلة الفلسفية الوجودية الكبرى حول ماهية الحياة الطيبة (The Good Life)، ومصادر الرفاه الذاتي، وآليات بناء الأمل الإنساني في عالم يتسم بالاضطراب والتعقيد.

تستعرض هذه الدراسة الموسوعية الشاملة السيرة الفكرية والعملية لمارتن سيليجمان منذ ولادته عام 1942 وحتى الوقت الحاضر. نتتبع في هذا البحث مساراته الأكاديمية الأولى في جامعتي برينستون وبنسلفانيا، ونفكك تجاربه التأسيسية حول العجز والاشتراط الكلاسيكي، ثم نستعرض انتقاله الحاسم نحو النماذج المعرفية التفسيرية، وتتويج مساره برئاسة الجمعية الأمريكية لعلم النفس وإطلاقه الرسمي لعلم النفس الإيجابي ونموذج الرفاه الخماسي (PERMA)، مع الوقوف التحليلي الدقيق أمام الانتقادات والجدالات المنهجية والأخلاقية التي واكبت مسيرته الحافلة بالإنجازات والتحولات.

1. النشأة والتكوين الأكاديمي ومسار البدايات لمارتن سيليجمان

1.1 الخلفية الأسرية وسنوات التعليم المبكرة

ولد مارتن إدوارد بيتر سيليجمان في الثاني عشر من أغسطس عام 1942 في مدينة ألباني، عاصمة ولاية نيويورك الأمريكية، وسط بيئة عائلية تنتمي إلى الطبقة الوسطى المستقرة التي غرست في نفسه منذ نعومة أظفاره تقديراً بالغاً للتحصيل المعرفي والتفكير العقلاني النقدي. نشأ سيليجمان في مناخ اجتماعي اتسم بالحراك الثقافي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت الولايات المتحدة تشهد طفرة مؤسسية وأكاديمية عززت من تطلعات الجيل الشاب نحو ارتياد آفاق معرفية جديدة. تميز في سنوات دراسته الأولى في المدارس العامة المحلية بنباهة استثنائية ونهم لا ينقطع للمطالعة، حيث برز ميله المبكر نحو مجالات الفلسفة التحليلية والأدب الكلاسيكي العالمي، إذ وجد في كتابات أفلاطون وأرسطو وديكارت، فضلاً عن نصوص رواد الفلسفة الوضعية والتحليلية مثل لودفيغ فيتغنشتاين وبيرتراند راسل، مرآة تعكس رغبته في فهم البنية المنطقية للغة والوعي البشري.

قاده هذا الشغف الفكري العميق إلى الالتحاق بـ جامعة برينستون العريقة في مطلع الستينيات، حيث تخصص بصورة رئيسية في الفلسفة. وخلال دراسته الجامعية الأولى، تشبع سيليجمان بمبادئ التحليل المنطقي الصارم، والمنهجية الفلسفية القائمة على تفكيك المفاهيم اللغوية وفحص البناء المنطقي للبراهين والحجج، وهي المهارات التي انعكست لاحقاً على بنيته المنهجية في دراسة علم النفس. تخرج سيليجمان من برينستون بمرتبة الشرف الرفيعة عام 1964، محققاً تفوقاً لفت أنظار أساتذته الذين توقعوا له مساراً أكاديمياً لامعاً في حقل الفلسفة النظرية. ومع ذلك، بدأ وعيه المعرفي يشهد تحولاً جذرياً؛ إذ شعر بحدود الفلسفة التحليلية التي كانت تكتفي في كثير من الأحيان بالتحليل المفهومي المجرد دون النزول إلى معترك التحقق التجريبي الواقعي من السلوك البشري ومشكلاته الوجودية والمعاناة النفسية الملموسة.

كان هذا التحول المعرفي نقطة مفصلية أعادت توجيه بوصلته من الفضاءات التأملية المجردة إلى فضاءات علم النفس التجريبي الصاعد. أدرك سيليجمان أن الأسئلة الكبرى التي طرحها الفلاسفة عبر العصور حول الإرادة الحرة، وطبيعة الدافع الإنساني، وإمكانية تغيير المصير الشخصي، لا يمكن حسمها أو تقديم إجابات شافية عنها إلا من خلال أدوات القياس الإمبيريقي، والتصاميم التجريبية الصارمة، والملاحظة المنضبطة للمتغيرات السلوكية؛ الأمر الذي مهّد لانتقاله نحو الدراسات العليا لدراسة العقل والسلوك عبر المنهج العلمي التجريبي الحديث.

1.2 الدراسات العليا في جامعة بنسلفانيا وتشكيل التوجه التجريبي

في خريف عام 1964، التحق مارتن سيليجمان ببرنامج الدراسات العليا في قسم علم النفس بـ جامعة بنسلفانيا، وهي المؤسسة التي كانت تحتل موقع الريادة العالمية في أبحاث التعلم والنزعة السلوكية التجريبية. انضم سيليجمان إلى مختبر البروفيسور ريتشارد سولومون (Richard Solomon)، أحد أبرز علماء النفس التجريبيين ورواد نظريات الاشتراط الكلاسيكي والتجنب السلوكي ونظرية العملية الخصم (Opponent-Process Theory). كانت البيئة الأكاديمية في مختبر سولومون مشبعة بالصرامة العلمية والالتزام بالمناهج الوضعية التي ترى في سلوك الكائن الحي الموضوع الوحيد الجدير بالدراسة العلمية الرصينة، بعيداً عن التخمينات الاستبطانية أو التفسيرات التحليلية غير القابلة للقياس الإحصائي الدقيق.

خلال سنوات دراسته لنيل درجة الدكتوراه، انغمس سيليجمان في دراسة متعمقة لنماذج الاشتراط الكلاسيكي لبافلوف والاشتراط الإجرائي لسكينر، حيث عمل لساعات طوال في مراقبة استجابات الحيوانات المعملية للمثيرات المنفرة والمحفزة. واجه الباحث الشاب التحديات الكبرى التي كانت تعترض الفكر السلوكي السائد آنذاك؛ ولا سيما العجز عن تفسير بعض الظواهر السلوكية الشاذة التي بدت متعارضة مع القوانين الصارمة للتعزيز والعقاب. تميز سيليجمان بحس نقدي حاد مكّنه من التشكيك في المسلمات المنهجية التي كانت تختزل الكائن الحي في مجرد صندوق أسود يستجيب ميكانيكياً للمدخلات البيئية دون وجود عمليات معالجة داخلية. استطاع خلال هذه الفترة أن يطور مهارات فائقة في تصميم التجارب المعملية متعددة المجموعات، وضبط المتغيرات الدخيلة، وتطبيق التحليلات الإحصائية المتقدمة للبيانات السلوكية، وهي الأدوات التي شكلت عموده الفقري كباحث علمي لا يقبل بالنتائج غير المحسومة إحصائياً.

توجت هذه المسيرة الأكاديمية المكثفة بحصوله على درجة الدكتوراه في علم النفس التجريبي عام 1967، وهو في الخامسة والعشرين من عمره فقط. وكانت أطروحته الجامعية وبحوثه المرافقة لها تؤسس لمقاربة تجريبية جديدة ستتحول لاحقاً إلى كشف علمي مدوٍ. لقد غادر سيليجمان قاعات الدراسات العليا وهو مسلح بأرقى تقنيات البحث السيكولوجي المختبري، حاملاً معه في الوقت ذاته بذور التمرد العلمي على النموذج السلوكي الأرثوذكسي، ومؤسساً لمرحلة جديدة تدمج بين البراعة التجريبية وعمق التساؤل المعرفي حول محددات العجز والاستسلام لدى الكائنات الحية.

1.3 البدايات التدريسية وتأسيس الموقع الأكاديمي المستقل

عقب نيله درجة الدكتوراه عام 1967، بدأ مارتن سيليجمان مسيرته الأكاديمية والمهنية بالانضمام إلى هيئة التدريس في جامعة كورنيل المرموقة كأستاذ مساعد لعلم النفس. أتاحت له سنوات عمله في كورنيل فرصة ذهبية لبناء استقلاليته الفكرية، وتوسيع نطاق أبحاثه المختبرية، وتطوير رؤاه النظرية في فضاء أكاديمي حر. تميز أسلوبه التدريسي بالوضوح المفاهيمي، والقدرة الفائقة على تحفيز التفكير النقدي لدى الطلاب، والربط العضوي بين نتائج التجارب المعملية على الحيوانات وبين المشكلات الإكلينيكية المعقدة التي يعاني منها البشر، مما جعله سريع الحضور والتأثير في الأوساط الجامعية الأمريكية.

لم يدم ابتعاده عن جامعة بنسلفانيا طويلاً؛ ففي عام 1970، وجهت له الجامعة دعوة للعودة كأستاذ دائم لعلم النفس السريري، تقديراً لأبحاثه الرائدة ولإمكاناته القيادية الواعدة. ومع عودته إلى فيلادلفيا، استقر سيليجمان في موقع أكاديمي مكّنه من إدارة وتطوير برامج التدريب الإكلينيكي في الجامعة لعقود متتالية. عمل على تحديث مناهج علم النفس الإكلينيكي عبر إرساء معايير أكاديمية وتجريبية صارمة، مطالباً بأن تستند كافة الممارسات العلاجية النفسية إلى براهين علمية تجريبية قاطعة (Evidence-Based Practice)، بدلاً من الاعتماد على النظريات التأملية والانطباعات الشخصية للمعالجين التي كانت سائدة في بعض المدارس الدينامية والتحليلية آنذاك.

تدرج سيليجمان سريعاً في المراتب الأكاديمية ونال الترقية إلى درجة الأستاذية الكاملة، ليتم تعيينه لاحقاً في كراسي علمية رفيعة المستوى، من أبرزها كرسي روبرت فوكس (Robert A. Fox Leadership Professor) لعلم النفس ومدير برنامج أبحاث الاكتئاب في جامعة بنسلفانيا. وقد أسهم هذا الاستقرار المؤسسي والاعتراف المبكر بإسهاماته النظرية في منحه المنصة المثالية لإطلاق مشاريعه البحثية الكبرى، وجذب التمويلات التنافسية من المعاهد الوطنية للصحة والمؤسسات العلمية الدولية، وبناء مدرسة بحثية تخرج منها العشرات من أبرز علماء النفس في العالم المعاصر.

2. اكتشاف ظاهرة العجز المتعلم: التجارب المختبرية الأولى

2.1 التصميم التجريبي لأبحاث الصدمات الكهربائية ونظرية الاشتراط الثلاثي

في أواخر الستينيات من القرن العشرين، وداخل أروقة مختبر ريتشارد سولومون في جامعة بنسلفانيا، كان مارتن سيليجمان وزميلاه الباحثان ستيفن ماير (Steven F. Maier) وبروس أوفيرمير (J. Bruce Overmier) يعملون على دراسة تفاعلات الاشتراط الكلاسيكي والاشتراط الإجرائي. كان الهدف الأصلي للتجارب هو اختبار ما إذا كان تعريض الكلاب لصدمات كهربائية خفيفة مقترنة بنغمة صوتية محددة وفق مبادئ بافلوف سيجعلها لاحقاً تتعلم بسرعة أكبر القفز فوق حاجز خشبي صغير لتجنب الصدمة في جهاز يسمى “صندوق العبور المزدوج” (Shuttlebox). غير أن ما حدث داخل المختبر شكل مفاجأة مذهلة نسفت توقعات الباحثين السلوكيين؛ إذ لم تُظهر الحيوانات أي قدرة على التعلم السريع، بل سلكت سلوكاً غير مفهوم بالمرة تمثل في الاستسلام التام وتلقي الصدمات بصمت ودون أدنى محاولة للفرار.

ولفك لغز هذه الاستجابة غير المتوقعة، صمم سيليجمان وستيفن ماير ما بات يُعرف تاريخياً في أدبيات علم النفس باسم “التصميم التجريبي الثلاثي المتكافئ” (The Triadic Design)، وهو نموذج إمبيريقي شديد الإحكام والعبقرية الإحصائية. قُسمت عينات البحث إلى ثلاث مجموعات رئيسية متطابقة في الظروف الفيزيائية الأولية:

  • المجموعة الأولى (المجموعة المتحكمة – Control Group): تُوضع في حزام التثبيت لفترة زمنية محددة دون أن تتلقى أي صدمات كهربائية، ثم تُنقل إلى صندوق العبور.
  • المجموعة الثانية (مجموعة التحكم الإجرائي القابل للإيقاف – Escapable Shock Group): تتلقى صدمات كهربائية غير مريحة ولكنها تمتلك القدرة على إيقاف الصدمة فوراً بمجرد الضغط بأنفها أو أطرافها على لوحة مثبتة بجانبها؛ أي أن استجابتها السلوكية تتحكم مباشرة في بيئتها وتنهي الألم.
  • المجموعة الثالثة (مجموعة العجز غير القابل للتحكم – Inescapable Shock Group): تم ربط أفرادها بنظام توصيل كهربائي متزامن ومقترن بالمجموعة الثانية؛ حيث تتلقى المجموعة الثالثة نفس كمية الصدمات ونفس شدتها ونفس مدتها الزمنية بدقة متناهية، لكنها محرومة تماماً من أي وسيلة لإيقافها؛ فضغطها على اللوحة لا يؤدي إلى أي نتيجة، وتوقف الصدمة مرتبط حصراً باستجابة أفراد المجموعة الثانية.

في المرحلة الثانية من التجربة، تم نقل حيوانات المجموعات الثلاث بشكل فردي إلى “صندوق العبور”، حيث يكفي الحيوان أن يقفز قفزة بسيطة فوق حاجز منخفض جداً ليهرب من الصدمة الكهربائية التي يُسبق إطلاقها بوميض ضوئي. كانت النتائج حاسمة وفارقة في تاريخ العلم: فحيوانات المجموعة الأولى (التي لم تتلق صدمات سابقة) وحيوانات المجموعة الثانية (التي تعلمت أن استجابتها توقف الألم) تعلمت القفز في غضون ثوانٍ معدودة لتفادي الصدمة بنجاح باهر. أما حيوانات المجموعة الثالثة، التي عاشت تجربة الصدمات غير القابلة للإيقاف، فقد أظهرت سلوكاً عجيباً ومأساوياً؛ فعندما بدأت الصدمة وفتح باب الهروب، لم تبذل أدنى جهد للقفز فوق الحاجز، بل جثت على الأرض، وعوت بألم، واستسلمت للمصير الحتمي حتى توقفت الصدمة تلقائياً بانتهاء الوقت المخصص. لقد استنتج سيليجمان وزملاؤه أن الكائن الحي لا يتعلم مجرد ردود أفعال، بل يتعلم فكرة ميتا-معرفية خطيرة: “أن سلوكي لا قيمة له، وأنه لا توجد أي صلة سببية بين استجابتي والنتيجة الواقعية”، وهو ما أطلق عليه سيليجمان مصطلح العجز المتعلم (Learned Helplessness).

2.2 تفسير العجز المتعلم كنموذج إدراكي نفسي

شكل التفسير النظري الذي قدمه مارتن سيليجمان لظاهرة العجز المتعلم زلزالاً معرفياً في البناء السلوكي الراديكالي الذي كان يقوده بي إف سكينر والمخلصون لأطروحاته. فوفقاً للنموذج السلوكي التقليدي، ينبغي أن تؤدي الصدمة المؤلمة كحافز منفر إلى زيادة فورية في النشاط الحركي العشوائي حتى يتم العثور على مخرج. إلا أن ملاحظات سيليجمان الموثقة أثبتت أن التعرض السابق لغياب التحكم ينتج تأثيراً تثبيطياً عميقاً ومستداماً على مستويات متعددة في بنية الكائن الحي، مما دفع سيليجمان إلى تفكيك ظاهرة العجز إلى ثلاثة أركان إدراكية ونفسية متكاملة:

  • العجز الدافعي (Motivational Deficit): يتمثل في الانخفاض الحاد والدراماتيكي في المبادرة السلوكية، وتراجع الرغبة في إطلاق أي استجابة حركية طوعية لمحاولة السيطرة على الأحداث أو الهرب من المواقف المؤلمة؛ حيث يُصاب الكائن بحالة شلل إرادي ناجم عن اليقين بعدم جدوى الفعل.
  • العجز المعرفي (Cognitive Deficit): يتجلى في صعوبة أو استحالة تعلم علاقات الارتباط والسببية الجديدة؛ فحتى لو نجح الكائن العاجز بالصدفة المحضة في القفز فوق الحاجز وإيقاف الصدمة، فإنه يفشل في استيعاب العلاقة بين قفزته وتوقف الألم، ويظل مقتنعاً بأن الحدث كان مجرد عارض غير قابل للتكرار المنضبط.
  • العجز العاطفي والوجداني (Emotional Deficit): يظهر في استجابات انفعالية حادة تبدأ بحالة من القلق والاضطراب والتوتر الهائل، لتتحول بمرور الوقت وتكرار غياب السيطرة إلى تبلد شعوري كامل، واكتئاب سريري، وتدهور جسدي عام يشبه حالات الاحتضار النفسي.

أكدت الدراسة التاريخية المنشورة عام 1967 في مجلة علم النفس التجريبي (Journal of Experimental Psychology) أن العجز المتعلم ليس مجرد تعب فيزيولوجي أو تكيف عصبي مع الصدمة، بل هو تمثيل إدراكي داخلي يغير التوقعات المستقبلية للكائن. إن هذا الطرح أعاد الاعتبار للعمليات المعرفية الوسيطة (Expectancy and Representation) التي رفضها السلوكيون الصارمون طويلاً، حيث أثبت سيليجمان أن الكائنات الحية تبني “توقعات” عقلية حول إمكانية التحكم، وأن هذه التوقعات المعرفية هي المتغير المستقل الحاسم الذي يوجه السلوك النهائي ويحدد مصير التكيف مع الضغوط البيئية المحيطة.

2.3 الأسس البيولوجية والعصبية للعجز السلوكي

مع تطور أدوات القياس الفسيولوجي العصبي وعلم الغدد الصم العصبية (Neuroendocrinology)، انصبت أبحاث سيليجمان وفريقه بالتعاون مع مختبرات متقدمة على تفكيك البنية التحتية الدماغية المسؤولة عن إنتاج ظاهرة العجز المتعلم واستمرارها. كشفت الدراسات أن التعرض للضغوط والصدمات غير القابلة للتحكم يُحدث خللاً حاداً في مستويات النواقل العصبية الرئيسية داخل الجهاز العصبي المركزي، ولا سيما استنزاف مستويات النورإبينفرين (Norepinephrine) والدوبامين (Dopamine) في مراكز المكافأة والدافعية، إلى جانب فرط إفراز السيروتونين (Serotonin – 5-HT) في مناطق محددة من جذع الدماغ.

وقد كشفت أبحاث لاحقة قادها ستيفن ماير في العقود التالية تفاصيل مذهلة عن الدوائر العصبية المتحكمة؛ حيث تبين أن “النواة الظهرية الرفائية” (Dorsal Raphe Nucleus – DRN) الموجودة في جذع الدماغ تمثل المركز الحرج الذي يستشعر الصدمات المنفرة الحادة ويطلق كميات هائلة من السيروتونين نحو اللوزة الدماغية (Amygdala) المسؤولة عن الخوف، ونحو المخطط البطني (Ventral Striatum) المسؤول عن الحركة، مما يؤدي إلى تثبيط الحركة وظهور نوبة العجز والاستسلام التام. والأكثر إثارة في هذا السياق هو الاكتشاف الثوري الذي أثبت أن العجز المتعلم ليس حالة مكتسبة بالمعنى الإيجابي، بل هو “الاستجابة التلقائية الافتراضية” للدماغ للتعامل مع أي ألم أو ضغط شديد.

أظهرت الدراسات المجهرية الوظيفية أن التحكم البيئي لا يُلغي الألم، لكنه ينشط مسارات عصبية نازلة تنطلق من “القشرة الجبهية الحجاجية البطنية الإنسية” (Ventromedial Prefrontal Cortex – vmPFC). تقوم هذه القشرة المتقدمة بإرسال إشارات تثبيطية سريعة عبر ألياف عصبية غلوتاماتية إلى النواة الظهرية الرفائية في جذع الدماغ، لتقول لها حرفياً: “الحدث تحت السيطرة، لا تفعلي الاستجابة العاجزة”. وبالتالي، فإن ما يُتعلم حقيقة في المختبر ليس العجز بحد ذاته؛ بل هو تعلم التحكم والسيطرة الذي تشرف عليه القشرة الجبهية، وعندما يغيب هذا النشاط القشري الإرادي، يسقط الدماغ فريسة للاستجابة البيولوجية التلقائية البدائية للعجز والاستسلام.

3. إعادة صياغة نظرية العجز المتعلم لدى البشر والنموذج المعرفي

3.1 حدود النموذج الحيواني وضرورة الوساطة المعرفية

في مطلع السبعينيات، حاول مارتن سيليجمان وزملاؤه نقل تجارب العجز المتعلم من حيز المختبرات الحيوانية إلى البيئة الإنسانية، باستخدام مثيرات مزعجة غير ضارة كالأصوات العالية الصاخبة أو الألغاز المعرفية المستحيلة الحل. غير أن التطبيق على البشر سرعان ما اصطدم بتباينات سلوكية وإدراكية بالغة التعقيد لم يستطع النموذج الحيواني الخطي البسيط تفسيرها أو استيعابها؛ إذ لاحظ الباحثون أن بعض الأشخاص، عند حرمانهم من السيطرة وتعريضهم للأصوات المزعجة المستمرة، يستسلمون بالفعل ويظهرون أعراض العجز الشبيهة بحيوانات المختبر، في حين أن فئة أخرى من المشاركين يُظهرون رد فعل معاكساً تماماً يتمثل في زيادة الإصرار، والمثابرة، وتصعيد المحاولات لكسر القيد والسيطرة على الموقف، وهي الظاهرة التي وصفتها جاك بريهم بنظرية “المقاومة النفسية” (Psychological Reactance).

أدرك سيليجمان أن النموذج السلوكي الكلاسيكي للعجز يتسم بقصور هيكلي جوهري؛ فهو عاجز عن الإجابة عن أسئلة ملحة من قبيل: لماذا يعمم بعض البشر تجربة الفشل في مجال واحد لتشمل جميع مفاصل حياتهم بينما يحصرها آخرون في سياقها الضيق؟ ولماذا يدوم العجز لدى أفراد لأشهر وسنوات في حين يزول لدى غيرهم بعد دقائق من انتهاء الموقف الضاغط؟ ولماذا يصاحب العجز البشري في أغلب الأحيان تدهور مدمر في تقدير الذات والشعور بالدونية، وهو ما لا يمكن قياسه أو افتراضه لدى الكائنات غير البشرية؟

لمواجهة هذا المأزق النظري، عقد سيليجمان تحالفاً علمياً استثنائياً مع عالمي النفس المعرفيين لين أبرامسون (Lyn Abramson) وجون تيسديل (John Teasdale). وفي عام 1978، نشر الثلاثي ورقتهم البحثية المرجعية التي غيرت مسار علم النفس الإكلينيكي تحت عنوان: “العجز المتعلم لدى البشر: نقد وإعادة صياغة” (Learned Helplessness in Humans: Critique and Reformulation) المنشورة في مجلة علم النفس الشاذ (Journal of Abnormal Psychology). قامت هذه الصياغة الجديدة على دمج مفاهيم نظرية الإسناد المعرفي (Attribution Theory) التي أرساها فريتز هايدر وبرنارد وينر، مؤكدين أن النتيجة النفسية لغياب التحكم لا تعتمد على الحدث البيئي في حد ذاته، بل على الطريقة والأسلوب المعرفي الذي يستخدمه الإنسان في تأويل وتفسير أسباب ذلك الحدث.

3.2 الأبعاد الثلاثية لأسلوب التفسير المعرفي

قامت النظرية المعرفية المعاد صياغتها على افتراض جوهري مفاده: عندما يواجه الإنسان إخفاقاً مؤلماً أو حدثاً يخرج عن نطاق سيطرته، يطرح عقله تلقائياً سؤالاً تفسيرياً: “لماذا حدث هذا؟”. والإجابة التي يقدمها المرء ترتكز على ثلاثة أبعاد سببية رئيسية تحدد ما إذا كان سيتحول الحدث إلى عجز واكتئاب مستدام أم إلى عثرة مؤقتة يمكن تجاوزها:

1. البعد الداخلي مقابل الخارجي (Internal vs. External / الشخصنة): يتعلق هذا البعد بموضع السببية ومصدر الفشل؛ فهل يعزو الإنسان فشله إلى عيب متأصل في ذاته ونقص في قدراته وذكائه (إسناد داخلي: “أنا غبي، أنا فاشل”)، أم يعزوه إلى عوامل بيئية وسياقية خارجة عن إرادته أو لظروف الموقف ذاته وصعوبة المهمة (إسناد خارجي: “كان الاختبار صعباً للغاية، كانت التعليمات مبهمة”). يرتبط هذا البعد ارتباطاً وثيقاً بتقدير الذات؛ فالإسناد الداخلي للفشل هو العامل الحاسم والوحيد الذي يسحق احترام الذات ويشعر الفرد بالدونية والخزي.

2. البعد المستقر مقابل غير المستقر (Stable vs. Unstable / الديمومة): ينظر هذا البعد إلى المدى الزمني الذي يُتوقع أن يستمر فيه السبب المفسر للحدث السلبي؛ فهل السبب عطل دائم غير قابل للتغيير والتلاشي عبر الزمن (إسناد مستقر: “أنا لا أمتلك موهبة الرياضيات ولن أمتلكها أبداً”)، أم أنه سبب مؤقت وعابر يرتبط بلحظة زمنية محددة وقابلة للتبدل (إسناد غير مستقر: “كنت مرهقاً اليوم، لم أستعد جيداً لهذا الاختبار بعينه”). يحدد هذا البعد استمرارية وديمومة العجز؛ فالإسناد المستقر ينتج عجزاً مزمناً يدوم طويلاً، بينما يؤدي الإسناد غير المستقر إلى عجز وقتي عابر يزول سريعاً بزوال الموقف.

3. البعد الشامل مقابل النوعي (Global vs. Specific / الانتشار): يبحث هذا البعد في نطاق ومساحة تأثير السبب عبر مختلف مجالات الحياة؛ فهل السبب يمتد ليفسد كل شيء ويتعدى الموقف المحدد إلى كافة النشاطات اليومية (إسناد شامل: “أنا إنسان غير كفء في كل شيء، ولا أستطيع إنجاز أي عمل”)، أم أنه محصور بدقة في مسار جزئي ومجال ضيق لا علاقة له ببقية القدرات والأنشطة (إسناد نوعي: “أنا ضعيف في حل المعادلات التفاضلية، لكنني متميز في بقية العلوم وفنان موهوب”). يتحكم هذا البعد في انتشار وتعميم العجز؛ فالإسناد الشامل ينقل الإحساس بالعجز من غرفة الصف أو المكتب ليشل الحياة الأسرية والاجتماعية والرياضية، في حين يحاصر الإسناد النوعي الفشل ويمنع تمدده التدميري.

توصل سيليجمان وأبرامسون وتيسديل إلى تحديد ما أسموه الأسلوب التفسيري المدمر أو التشاؤمي؛ وهو التركيبة المعرفية القاتلة التي تميل تلقائياً إلى عزو الأحداث السلبية إلى أسباب: داخلية، ومستقرة، وشاملة. هذا الثالوث التفسيري يمثل الوصفة المعرفية المثالية لتوليد أعمق أشكال العجز المتعلم، وتدمير الدافعية، وتكريس مشاعر الدونية التامة.

3.3 العجز المتعلم كنموذج مفسر للاكتئاب أحادي القطب

فتح هذا التطور المعرفي الباب على مصراعيه لتوظيف نظرية العجز المتعلم كنموذج مخبري وإكلينيكي لفهم وتشخيص الاكتئاب أحادي القطب (Unipolar Depression) لدى البشر. وجد مارتن سيليجمان تشابهاً هيكلياً وتشريحياً مذهلاً بين الأعراض السلوكية والفسيولوجية التي تظهر على الأفراد المصابين بنوبات الاكتئاب الكبرى، وتلك التي تم توثيقها بدقة لدى الكائنات التي خضعت لظروف العجز المتعلم في المختبر، بما في ذلك:

  • انخفاض معدلات إطلاق الاستجابات السلوكية والحركية والتبلد العام.
  • فقدان الشهية العصبي والتغيرات الحادة في الوزن وأنماط النوم.
  • انخفاض الدافعية الجنسية وتراجع النشاطات الاستكشافية والممتعة (فقدان التلذذ – Anhedonia).
  • صعوبات حادة في التركيز ومعالجة المعلومات وحل المشكلات التكيفية.

أكد سيليجمان أن جوهر الاكتئاب السريري لا ينبع فقط من الحزن أو الألم العاطفي، بل ينشأ بالأساس من اقتران عنصريْن معرفيين مدمرين: توقع غياب السيطرة في المستقبل مع أسلوب إسناد داخلي مستقر وشامل للفشل. يُنتج هذا الاقتران حالة عميقة من “فقدان الأمل” (Hopelessness)، وهي المرحلة المرضية القصوى التي يعتقد فيها الفرد جازماً أن أحداثاً سلبية كارثية ستقع حتماً، وأنه عاجز تماماً عن فعل أي شيء لدرئها، وأن هذا العجز متأصل في هويته الذاتية إلى الأبد.

تلاقت أطروحات سيليجمان في هذه المرحلة مع النظرية المعرفية الثورية للاكتئاب التي كان يصيغها في نفس الفترة صديقه وزميله في جامعة بنسلفانيا، الدكتور آرون بيك (Aaron T. Beck)، مؤسس العلاج المعرفي السلوكي (CBT). وقد أثمر هذا التلاقي الفكري عن تدعيم الأسس الإمبيريقية للعلاجات المعرفية، حيث أكدت أبحاث سيليجمان التجريبية صحة فرضیات بيك حول “الثالوث المعرفي السلبي” (النظرة السلبية للذات، وللعالم، وللمستقبل)، مما شكل ثورة علاجية نقلت الطب النفسي من التركيز الحصري على النماذج الدوائية والتحليلية إلى إعادة الهيكلة المعرفية وتعديل أنماط التفكير المشوهة.

4. نظرية أسلوب التفسير والتفاؤل المكتسب

4.1 تفكيك مفهوم التفاؤل والتشاؤم إجرائياً ونظرياً

شهد العقد الثامن والتاسع من القرن العشرين انعطافة حاسمة في المسار الفكري لمارتن سيليجمان؛ إذ بدأ ينتقل بجرأة من دراسة العجز، والاستسلام، والأمراض النفسية إلى التساؤل المعاكس تماماً: لماذا ينجو بعض البشر من الاكتئاب رغم تعرضهم لنفس الصدمات والظروف البيئية القاسية؟ وما هي العوامل النفسية التي تمنح فئة من الناس مناعة صلبة ضد الانهيار النفسي؟ قاد هذا البحث سيليجمان إلى صياغة نظريته التأسيسية حول “التفاؤل والتشاؤم كأنماط تفسير معرفية مكتسبة”، متجاوزاً المفهوم الشعبي الساذج للتفاؤل الذي يختزله في مجرد الابتسام وترديد الشعارات الإيجابية الجوفاء.

عرف سيليجمان أسلوب التفسير (Explanatory Style) بأنه عادة عقلية راسخة وطريقة نمطية يلجأ إليها العقل البشري لتأويل الأحداث الحياتية اليومية أوتوماتيكياً. ويتضح الفرق الجوهري بين المتفائل والتشاؤمي في كيفية تعاملهما مع المعادلة المزدوجة للأحداث السلبية والإيجابية عبر الأبعاد الثلاثية (الشخصنة، الديمومة، والانتشار):

ففي مواجهة الأحداث السلبية (الإخفاقات والمحن): يميل المتشائم إلى تفسيرها بأنها داخلية (“أنا السبب وعيبي شخصي”)، ومستقرة (“ستستمر هذه المصيبة للأبد”)، وشاملة (“لقد تدمرت حياتي بالكامل”). في المقابل، يفسر المتفائل نفس الحدث السلبي بأنه خارجي أو سياقي (“كان الموقف معقداً والظروف معاكسة”)، وغير مستقر (“هذه أزمة مؤقتة ستمر وسأعوضها غداً”)، ونوعي ومحصور (“أخفقت في هذا المشروع بالذات، لكن بقية مجالات حياتي تسير بشكل ممتاز”).

أما في مواجهة الأحداث الإيجابية (النجاحات والانتصارات): تنقلب المعادلة تماماً في مشهد معرفي لافت؛ فالإنسان المتفائل يفسر النجاح بأنه داخلي (“نجحت بفضل كفاءتي وموهبتي وجهدي”)، ومستقر ودائم (“أنا شخص ناجح وسأظل قادراً على الإنجاز مستقبلاً”)، وشامل (“تميزي هنا يعكس قدرتي العامة على النجاح في أي تحدٍ”). بينما يمارس المتشائم تخريباً معرفياً لنجاحاته الخاصة، فيفسر الحدث الإيجابي بأنه خارجي (“محض حظ وصدفة عابرة”)، وغير مستقر (“لن يتكرر هذا الأمر مجدداً”)، ونوعي ضيق (“حالفني التوفيق فقط لأن هذه المسألة التافهة كانت سهلة للغاية”).

ولقياس هذه الأنماط المعرفية بدقة إمبيريقية، طور سيليجمان بالتعاون مع فريقه أدوات سيكومترية معيارية رائدة، من أبرزها “استبيان أسلوب العزو” (Attributional Style Questionnaire – ASQ) للبالغين، و”استبيان أسلوب التفسير للأطفال” (Children’s Attributional Style Questionnaire – CASQ). أثبتت هذه المقاييس تمتعها بمعاملات ثبات وصدق إحصائي بالغة الارتفاع، ومكنت الباحثين من قياس وتوقع احتمالية تعرض الأفراد لنوبات الاكتئاب والأداء المدرسي والمهني بدقة علمية لم تكن متاحة من قبل.

4.2 تقنية تحليل المحتوى للخطاب والتفسير اللغوي (CAVE)

لم يقتصر طموح سيليجمان على قياس أسلوب التفسير عبر الاستبيانات التقليدية التي تتطلب ملء إجابات مباشرة من المشاركين، بل ابتكر منهجية ثورية لتحليل السلوك المعرفي دون الحاجة إلى التفاعل المباشر مع الأفراد، أطلق عليها اسم تقنية تحليل المحتوى للتفسيرات الحرفية والمعروفة اختصاراً بـ (Content Analysis of Verbatim Explanations – CAVE). تعتمد هذه التقنية على استخراج وتحليل العبارات التفسيرية والسببية العفوية التي يدلي بها الأفراد في خطاباتهم العامة، أو مذكراتهم الشخصية، أو رسائلهم المكتوبة، أو المقابلات الصحفية والإعلامية، ومن ثم تفكيك تلك العبارات وتقييمها عبر مُحكّمين مستقلين ومقاييس معيارية لتحديد درجات الشخصنة والديمومة والانتشار بدقة بالغة.

فتحت هذه الأداة آفاقاً استثنائية للتحليل النفسي بأثر رجعي (Retrospective Psychological Analysis)؛ إذ مكنت سيليجمان وفريقه من تحليل خطابات شخصيات تاريخية وسياسية بارزة عبر العصور لدراسة تأثير حالتهم النفسية في قراراتهم المصيرية. وقد تجلت البراعة التنبؤية الفائقة لتقنية CAVE في دراسات سيليجمان حول الانتخابات الرئاسية الأمريكية؛ حيث أجرى تحليلات كمية مكثفة لخطابات المرشحين للرئاسة الأمريكية في الحملات الانتخابية منذ مطلع القرن العشرين وحتى العقود الأخيرة. وأسفرت النتائج عن قدرة مذهلة على التنبؤ بالفائز في الانتخابات الرئاسية بنسب دقة قاربت 85%، استناداً فقط إلى معدل تفاؤل أسلوب التفسير في الخطاب؛ فالمرشح الذي كانت خطاباته تعكس تفسيرات أكثر تفاؤلاً للأزمات الوطنية وأكثر رسوخاً في ديمومة القوة الأمريكية كان يظفر بأصوات الناخبين بصورة حاسمة في الغالبية الساحقة من السباقات الرئاسية.

كما امتدت تطبيقات تقنية CAVE إلى الميادين الرياضية الاحترافية؛ حيث حلل سيليجمان المقابلات الصحفية وتصريحات مدربي ولاعبي دوري البيسبول الأمريكي وكرة السلة للمحترفين (NBA). أظهرت النتائج أن الفرق واللاعبين الذين يمتلكون أساليب تفسير تفاؤلية عقب الهزائم المدوية استطاعوا العودة بقوة وتحقيق انتصارات باهرة في المباريات التالية تحت وطأة الضغوط، في حين سقطت الفرق التي غلب عليها أسلوب التفسير التشاؤمي في سلسلة متتالية من الهزائم والانكسارات، مما أثبت أن اللغة اليومية المنطوقة والمكتوبة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي بصمة إدراكية حية تكشف عن البنية العميقة للمناعة النفسية الجمعية والفردية.

4.3 التطبيقات الإكلينيكية لأسلوب التفاؤل المكتسب

انطلاقاً من القناعة المعرفية بأن أسلوب التفسير التشاؤمي ليس قدراً جينياً محتوماً بل هو “عادة تفكير مكتسبة” عبر التنشئة والتجارب البيئية، صاغ سيليجمان أطروحته الجريئة في كتابه الشهير “التفاؤل المكتسب” (Learned Optimism) الصادر عام 1991. أكد سيليجمان أن الأنماط الفكرية التي تم تعلمها واكتسابها يمكن تفكيكها وإعادة تعلم بدائل أكثر مرونة وواقعية عنها، مستعيراً ومطوراً النموذج المعرفي الأيقوني (ABC) الذي ابتكره ألبرت إليس في العلاج العقلاني الانفعالي، ومحولاً إياه إلى نظام علاجي وتدريبي متكامل يُعرف بنموذج (ABCDE) لإعادة الهيكلة المعرفية:

  • المحنة (Adversity – A): تمثل الحدث الضاغط الواقعي أو الإخفاق المحدد الذي يواجهه الإنسان بموضوعية وتجرد دون تهويل (مثل: رفض طلب وظيفة).
  • الاعتقاد (Belief – B): يمثل الترجمة والتفسير التلقائي الفوري الذي يُسقطه العقل على تلك المحنة، والذي غالباً ما يتخذ طابعاً تشاؤمياً تدميرياً (مثل: “تم رفضي لأنني عديم الكفاءة ولن أحصل على أي وظيفة أبداً”).
  • النتيجة (Consequence – C): تمثل المشاعر الانفعالية (حزن، إحباط، قلق) والسلوكيات المترتبة مباشرة على الاعتقاد وليس على الحدث نفسه (مثل: البقاء في الفراش، التوقف عن تقديم السير الذاتية).
  • الدحض والمناقشة المنطقية (Disputation – D): يمثل هذا العنصر قلب النموذج والتدخل الإكلينيكي الأكثر فاعلية؛ حيث يتعلم الفرد عدم التعامل مع أفكاره التلقائية كحقائق مقدسة، بل كافتراضات مشوهة تحتاج إلى تفنيد حازم عبر البحث عن البراهين والأدلة الواقعية المعاكسة، واستكشاف التفسيرات البديلة الأقل شمولية، وتفكيك الآثار الكارثية المتخيلة.
  • تنشيط الطاقة الإيجابية (Energization – E): تمثل شحنة الأمل والراحة النفسية والتحفز السلوكي التي يختبرها الفرد نتيجة نجاحه في دحض اعتقاداته التشاؤمية الباطلة، والانتقال نحو اتخاذ خطوات عملية فعالة لحل المشكلة الواقعية.

أثبتت التجارب الإكلينيكية المضبوطة أن تدريب الأفراد المعرضين للاكتئاب على تقنية (ABCDE) لا يساهم فقط في تسريع الشفاء من النوبات الحالية، بل يعمل بمثابة “لقاح معرفي” وقائي يُحصن الأفراد ويقلل احتمالية انتكاسهم بنوبات اكتئاب مستقبلية بنسب تصل إلى أكثر من 50% مقارنة بالعلاجات الدوائية التقليدية المفردة، مما حول مفهوم التفاؤل من مجرد ترف فلسفي إلى أداة طبية وسلوكية وقائية راسخة الصدق والفاعلية.

5. رئاسة الجمعية الأمريكية لعلم النفس والمنعطف نحو علم النفس الإيجابي

5.1 انتخابات عام 1998 والبيان الرئاسي التحويلي

في عام 1996، دخل مارتن سيليجمان السباق الانتخابي لرئاسة الجمعية الأمريكية لعلم النفس (American Psychological Association – APA)، وهي كبرى المنظمات المهنية الممثلة لعلماء النفس في العالم وتضم في عضويتها أكثر من مائة ألف باحث وممارس. خاض سيليجمان الانتخابات عبر برنامج غير تقليدي دعا فيه إلى إحداث زلزال فكري داخل التخصص وتوسيع مهمته التاريخية. وفي عام 1997، أُعلنت النتائج محققة سابقة تاريخية؛ إذ فاز سيليجمان برئاسة الجمعية للعام 1998 بأعلى نسبة تصويت سُجلت لمرشح في تاريخ الجمعية المعاصر، مما عكس توقاً جارفاً لدى جموع الباحثين والأطباء لإعادة تعريف الهوية المهنية لعلم النفس.

في بيانه الرئاسي الافتتاحي وخطابه التاريخي أمام الجمعية العمومية، قدم سيليجمان تشخيصاً نقدياً جريئاً وصادماً لمسار علم النفس طوال النصف الثاني من القرن العشرين. جادل سيليجمان بأن علم النفس، قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، كان يستند إلى ثلاث مهام تأسيسية متوازنة ومتكاملة:

  1. علاج الأمراض النفسية والعقلية وتخفيف آلام البشر.
  2. جعل حياة سائر البشر العاديين أكثر إشباعاً وإنتاجية وسعادة.
  3. اكتشاف ورعاية المواهب الفذة والعبقرية الإنسانية الاستثنائية.

غير أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية—ومع تأسيس إدارة المحاربين القدامى (VA) عام 1946 وتأسيس المعهد الوطني للصحة العقلية (NIMH) عام 1947—شهدت توجيه كافة التمويلات البحثية والمنح الفيدرالية حصرياً نحو دراسة الاضطرابات النفسية وعلاج صدمات الجنود والضحايا. اعترف سيليجمان بأن هذا التركيز حقق نجاحات باهرة في إنتاج تصنيفات تشخيصية دقيقة مثل الدليل التشخيصي والإحصائي (DSM) وتطوير أدوية وعلاجات نفسية ناجعة لما يقارب أربعة عشر اضطراباً نفسياً رئيسياً كانت مستعصية على العلاج. ومع ذلك، كان الثمن الفكري باهظاً ومشوهاً؛ إذ تحول علم النفس كلياً إلى “علم للأمراض النفسية” (Pathology Science)، واختزل الكائن البشري في نموذج “الضحية المنكسرة” أو “العطب البيولوجي” الذي يبحث المعالج فقط عن إعادته من خط الصفر السالب (المرض) إلى خط الصفر المحايد (غياب المرض)، متجاهلاً بالكامل النصف الآخر من التجربة الإنسانية المتمثل في القوة، والازدهار، والفضيلة، والحياة الإنسانية الملهمة. أعلن سيليجمان من منصة الرئاسة أن الأوان قد حان لإطلاق حركة علمية تصحيحية شاملة تعيد التوازن المفقود للعلوم السلوكية، معلناً ولادة علم النفس الإيجابي (Positive Psychology).

5.2 الركائز الأساسية لبيان تأسيس علم النفس الإيجابي

ولكي لا يظل هذا الطرح مجرد نداء خطابي عابر، عكف سيليجمان على بناء البنية المعرفية التأسيسية للحركة الوليدة. وفي مطلع الألفية الجديدة، وتحديداً في يناير عام 2000، نشر سيليجمان بالتعاون مع عالم النفس الشهير ميهالي تشيكسنت ميهالي (Mihaly Csikszentmihalyi) الورقة الافتتاحية التاريخية لعدد خاص من مجلة “أمريكان سيكولوجيست” (American Psychologist)، تحت عنوان: “علم النفس الإيجابي: مقدمة” (Positive Psychology: An Introduction). تُعد هذه الورقة الوثيقة التأسيسية الرسمية التي صاغت البيان الفكري والمحددات الإبستمولوجية لحقل علم النفس الإيجابي، محققة أرقاماً قياسية في معدلات الاستشهاد الأكاديمي العالمي.

حدد سيليجمان وتشيكسنت ميهالي في هذا البيان ثلاثة مستويات مترابطة ومتكاملة ينبغي أن ينصب عليها البحث العلمي في علم النفس الإيجابي:

  • المستوى الذاتي (Subjective Level): يركز على دراسة التجارب الذاتية الإيجابية في أبعادها الزمنية الثلاثة: الرضا والقناعة والسكينة تجاه الماضي؛ والتفاؤل والأمل والإيمان تجاه المستقبل؛ والبهجة، والحبور، والتدفق النفسي (Flow)، والسعادة المعاشة في اللحظة الراهنة.
  • المستوى الفردي (Individual Level): ينصب على دراسة السمات والخصائص الشخصية الإيجابية ومكامن القوة والفضائل الإنسانية؛ مثل القدرة على الحب والعمل، والشجاعة، والتعاطف، والعدالة، والمثابرة، والمسامحة، والنزاهة، والحكمة والروحانية.
  • المستوى الجمعي والمؤسسي (Group/Institutional Level): يبحث في الفضائل المدنية والمؤسسات الاجتماعية الديمقراطية التي تمكن الأفراد من التحول إلى مواطنين صالحين؛ بما في ذلك المسؤولية الاجتماعية، والتربية الأسرية الإيجابية، وبيئات العمل الداعمة للإبداع والعدالة، وثقافة الإيثار والتسامح التي تنمي رأس المال الاجتماعي.

شدد سيليجمان في بيانه بصرامة لا هوادة فيها على التمايز الجوهري بين حركته العلمية الجديدة وبين حركات “التفكير الإيجابي” الشعبية أو كتب “التنمية البشرية” التجارية غير المنضبطة. أكد سيليجمان أن علم النفس الإيجابي ليس أيديولوجيا تبشيرية أو وعظاً أخلاقياً، بل هو علم تجريبي دقيق يتبنى نفس معايير المنهج العلمي الصارم، واستخدام التحليلات الإحصائية المتقدمة، وبناء الفرضيات القابلة للدحض، واستخدام تقنيات القياس السيكومتري والتصاميم التجريبية العشوائية المضبوطة (RCTs). وقد دعم سيليجمان هذا التوجه الرصين بتأمين تمويلات بحثية استراتيجية ضخمة من مؤسسات رائدة، مثل “مؤسسة تمبلتون” (John Templeton Foundation) و”مؤسسة ماك آرثر”، مما أتاح تدشين شبكات بحثية ومنح سخية لدعم جيل كامل من الباحثين والعلماء الشبان في مختلف الجامعات العالمية لاستكشاف آفاق مكامن القوة الإنسانية.

5.3 مؤتمرات أكابولكو وتشكيل شبكة الرواد الأوائل

لتحويل هذا البيان النظري إلى حركة مؤسسية متماسكة ونابضة بالحياة، أطلق سيليجمان سلسلة من اللقاءات الفكرية والمؤتمرات المغلقة المكثفة، كان أشهرها سلسلة مؤتمرات “أكابولكو” في المكسيك، التي بدأت في شتاء عام 1999 واستمرت لعدة سنوات متتالية. وجه سيليجمان الدعوة إلى ثلة من ألمع العقول السيكولوجية والباحثين التجريبيين الذين كانوا يعملون بالفعل في مسارات علمية واعدة ولكن في جزر بحثية منعزلة، بهدف دمج جهودهم وصهرها في بوتقة نظرية ومنهجية موحدة لعلم النفس الإيجابي.

جمعت تلك المؤتمرات شخصيات وازنة صاغت فيما بعد المفاصل الرئيسية لهذا العلم، من أبرزهم:

  • إد دينر (Ed Diener): رائد أبحاث “الرفاه الذاتي” (Subjective Well-Being) وقياس السعادة وجودة الحياة عالمياً، الملقب بـ “دكتور سعيد”.
  • كريستوفر بيترسون (Christopher Peterson): أستاذ علم النفس بجامعة ميشيغان والمنظر المنهجي الفذ الذي قاد مشروع تصنيف الفضائل الإنسانية.
  • باربرا فريدريكسون (Barbara Fredrickson): صاحبة نظرية “البناء والتوسيع” (Broaden-and-Build Theory) الثورية التي كشفت الوظائف التطورية للمشاعر الإيجابية.
  • جورج فايلانت (George Vaillant): مدير دراسة هارفارد الشهيرة لتطور البالغين (Harvard Study of Adult Development)، أطول دراسة طولية في تاريخ العلوم السلوكية.

تداولت هذه النخبة الفكرية خطة عمل بحثية عشرية شاملة تهدف إلى ملء الفراغات الإبستمولوجية في دراسة الازدهار الإنساني، ووضع معايير دقيقة لتدريب الباحثين والطلاب. وتمخض عن هذا الزخم تدشين مركز علم النفس الإيجابي (Positive Psychology Center) في جامعة بنسلفانيا، ليكون المقر الأكاديمي الرئيسي والمنارة البحثية الأولى في العالم المخصصة لتطوير النظريات، وتصميم التدخلات الإيجابية، وتقديم الدبلومات وبرامج الماجستير التطبيقية (MAPP)، لتبدأ مرحلة تاريخية جديدة أصبحت فيها جامعة بنسلفانيا قبلة علمية يقصدها الدارسون من شتى بقاع الأرض لدراسة علم الرفاه والازدهار البشري.

6. تصنيف الفضائل وقوى الشخصية (مشروع VIA)

6.1 التعاون المعرفي مع كريستوفر بيترسون وصياغة الدليل المضاد

واجه مارتن سيليجمان وعلم النفس الإيجابي منذ البداية معضلة تصنيفية ولغوية حرجة؛ ففي حين يمتلك الطب النفسي وعلم النفس الإكلينيكي مرجعاً موسوعياً موحداً ولغة تشخيصية عالمية لتسمية وتصنيف الاضطرابات النفسية والانحرافات السلوكية—وهو الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM) الصادر عن الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين—لم يكن لدى علماء النفس أي تصنيف علمي متفق عليه أو لغة موحدة لوصف جوانب الصحة، والكمال، والقوة، والفضيلة الإنسانية. كان الحديث عن الفضيلة والسمات الإيجابية يبدو مشتتاً بين الأدبيات الفلسفية القديمة والوعظ الديني الانطباعي دون أي تأطير تجريبي رصين.

لمعالجة هذه الثغرة الإبستمولوجية الهائلة، أطلق سيليجمان بالتعاون مع صديقه الحميم وأستاذ علم النفس بجامعة ميشيغان كريستوفر بيترسون، مشروعاً بحثياً عملاقاً برعاية “مؤسسة مانويل دي مايو” استمر قرابة أربع سنوات كاملة (2000–2004)، بهدف تشييد نظير علمي مضاد ومعادل للـ DSM، أطلقوا عليه اسم “مشروع القيم قيد التطبيق” (Values in Action – VIA). قاد بيترسون وسيليجمان فريقاً بحثياً متعدد التخصصات ضم أكثر من أربعين مؤرخاً وعالماً نفسياً وأنثروبولوجياً وفيلسوفاً، قاموا بمسح تاريخي وأنثروبولوجي استثنائي وشامل لأهم الثقافات والحضارات الإنسانية والتقاليد الدينية والفلسفية الكبرى عبر ثلاثة آلاف عام من تاريخ البشرية؛ شملت أطروحات الفلسفة اليونانية (أفلاطون وأرسطو)، والديانات الإبراهيمية (الإسلام، والمسيحية، واليهودية)، والحكم الشرقية القديمة (الكونفوشيوسية، والبوذية، والهندوسية، والطاوية)، بالإضافة إلى ملاحم وثقافات شعوب البوشمن والإنكا والمحاربين القدامى.

كانت النتيجة المذهلة لهذا المسح الحضاري غير المسبوق هي اكتشاف إجماع إنساني كوني يمتد عبر كل الثقافات والأزمنة حول ست فضائل جوهرية كبرى (Core Virtues) تُجمع البشرية على أنها تمثل معالم الشخصية الخيرة والحياة الفاضلة:

  1. الحكمة والمعرفة (Wisdom and Knowledge): القوى الإدراكية التي تتضمن اكتساب واستخدام المعلومات.
  2. الشجاعة (Courage): القوى الانفعالية التي تنطوي على ممارسة الإرادة لتحقيق الأهداف في مواجهة المعارضة الخارجية أو الداخلية.
  3. الإنسانية (Humanity): القوى بين-شخصية التي تنطوي على رعاية الآخرين ومصادقتهم والتعاطف معهم.
  4. العدالة (Justice): القوى المدنية التي تدعم الحياة المجتمعية الصحية المتوازنة.
  5. الاعتدال وضبط النفس (Temperance): القوى التي تحمي الفرد من الإفراط والتطرف.
  6. التسامي والروحانية (Transcendence): القوى التي تصنع روابط عميقة مع الكون الفسيح وتمنح الحياة المعنى والغاية.

توج هذا العمل الملحمي بنشر المرجع الموسوعي الخالد عام 2004 تحت عنوان: “قوى الشخصية والفضائل: دليل وكتيب تصنيفي” (Character Strengths and Virtues: A Handbook and Classification) في أكثر من 800 صفحة، وهو العمل الذي يُعد بحق “إنجيل علم النفس الإيجابي” وأحد أضخم الإنجازات التصنيفية في تاريخ العلوم الإنسانية الحديثة.

6.2 قوى الشخصية الأربع والعشرون ومقاييسها التجريبية

حرص سيليجمان وبيترسون على ألا تظل الفضائل الست الكبرى مفاهيم فلسفية مجردة وفضفاضة يصعب إخضاعها للمختبر والقياس الإحصائي، ولذلك قاموا بتفكيك هذه الفضائل الست إلى 24 قوة شخصية محددة وقابلة للقياس السلوكي المباشر (Character Strengths). تتوزع هذه القوى الـ 24 ضمن الفضائل الست وفق البناء الهيكلي الدقيق التالي:

1. فضيلة الحكمة والمعرفة: تضم قوى الإبداع والابتكار (Creativity)، والفضول واستكشاف العالم (Curiosity)، والتفكير النقدي والانفتاح العقلي (Judgment/Open-mindedness)، وحب التعلم (Love of Learning)، والحكمة والمنظور الشمولي (Perspective).

2. فضيلة الشجاعة: تضم قوى البسالة والإقدام (Bravery)، والمثابرة والجلد (Perseverance)، والصدق والنزاهة والأصالة (Honesty/Integrity)، والحيوية والنشاط والشغف بالحياة (Zest).

3. فضيلة الإنسانية: تضم قوى القدرة على الحب وتلقيه (Love)، واللطف والإيثار والكرم (Kindness)، والذكاء الاجتماعي والعاطفي (Social Intelligence).

4. فضيلة العدالة: تضم قوى العمل الجماعي والمواطنة الصالحة (Teamwork)، والإنصاف والعدالة الموضوعية (Fairness)، والقيادة الحكيمة (Leadership).

5. فضيلة الاعتدال: تضم قوى المسامحة والرحمة (Forgiveness)، والتواضع ونكران الذات (Humility)، والحصافة والحذر والتروي (Prudence)، والتنظيم الذاتي وضبط النفس (Self-Regulation).

6. فضيلة التسامي: تضم قوى تذوق الجمال والتميز (Appreciation of Beauty and Excellence)، والامتنان والشكر (Gratitude)، والأمل والتفاؤل المستقبلي (Hope)، والمرح وروح الدعابة (Humor)، والروحانية والإحساس بالمعنى العميق (Spirituality).

ولقياس هذه القوى بصورة علمية دقيقة، صمم الفريق “استبيان قوى الشخصية” المعياري (VIA Inventory of Strengths – VIA-IS)، وهو اختبار سيكومتري متقدم يتألف من 240 بنداً يقيس بدقة تراتبية هذه القوى لدى الفرد. صاغ سيليجمان مفهوماً محورياً مشتقاً من هذه القياسات وهو “القوى المميزة” (Signature Strengths)؛ وهي أعلى أربع أو خمس قوى تظهر في التقرير الشخصي للفرد وتكون متماهية تماماً مع هويته الذاتية الحقيقية وتمنحه شعوراً بالنشوة والتدفق والنشاط الطبيعي أثناء ممارستها. أثبتت الدراسات التجريبية المكثفة لسيليجمان أن الأفراد الذين يتم تشخيص قواهم المميزة وتدريبهم على استخدامها يومياً بطرق جديدة ومبتكرة في العمل والدراسة والعلاقات الأسرية، يسجلون انخفاضاً مستداماً في أعراض القلق والاكتئاب، وارتفاعاً كبيراً في مؤشرات الرفاه والرضا التام عن الحياة لمدة تمتد لأكثر من ستة أشهر بعد انتهاء التدخل، مما أحدث تحولاً راديكالياً في العلاج النفسي نحو بناء القوة بدلاً من الاقتصار على ترقيع نقاط الضعف.

6.3 التمايز المفاهيمي بين المواهب والقوى الأخلاقية

أولى مارتن سيليجمان وكريستوفر بيترسون عناية فائقة لترسيم الحدود المعرفية والفلسفية الصارمة بين مفهومين كثيراً ما يختلطان في الأدبيات السيكولوجية واللغة الدارجة: المواهب والقدرات الطبيعية (Talents and Abilities) في مقابل قوى الشخصية والفضائل (Character Strengths). هذا التمييز ليس مجرد ترف اصطلاحي، بل ينطوي على أبعاد تربوية وأخلاقية عميقة تمس جوهر التطور الإنساني والحرية الشخصية.

وفقاً لرؤية سيليجمان، تتميز “الموهبة” بأنها سمة فطرية وراثية في المقام الأول؛ مثل الذكاء الرياضي الخارق، أو السرعة العضلية، أو امتلاك نبرة صوت موسيقية نادرة. فالموهبة غير قابلة للاكتساب الإرادي الكامل؛ إما أن يولد بها المرء أو لا يولد، كما أن ممارسة الموهبة غالباً ما تكون تلقائية ولا تنطوي بالضرورة على خيار أخلاقي واعي، ولا يشعر الإنسان بالذنب أو التقصير الأخلاقي إذا لم يكن موهوباً في العزف أو الرسم، ولا يوجه اللوم للآخرين لغياب موهبة العدو السريع لديهم.

في المقابل التام، تقع “قوى الشخصية” في دائرة البناء الأخلاقي والإرادة الحرة (Moral Grounding and Free Will). فقوى الشخصية مثل النزاهة، والشجاعة، واللطف، وضبط النفس، والإنصاف، تتطلب دائماً جهداً إرادياً واعياً ومواجهة مع الذات والضغوط البيئية. كما أن قوى الشخصية قابلة للتعلم، والاكتساب، والصقل بالتربية والممارسة الدؤوبة عبر مراحل العمر المختلفة. فضلاً عن ذلك، تحمل قوى الشخصية وزناً أخلاقياً كونياً؛ فالإنسان يُمتدح ويُكرم على اتصافه بالشجاعة والصدق لأنها تعكس خياراً قيمياً نبيلاً، في حين يوجه إليه اللوم والتقريع المجتمعي والوجداني إذا تصرف بجبن أو خيانة أو قسوة. وقد أثبتت أبحاث سيليجمان أن استثمار قوى الشخصية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدافع الإنجاز الذاتي الجوهري (Intrinsic Motivation) والشعور بالمعنى والمسؤولية، في حين أن الاعتماد الحصري على المواهب الفطرية دون تدعيمها بقوى الشخصية والمثابرة الأخلاقية كثيراً ما يؤدي إلى الإحباط والضياع وتشتت الطاقات البشرية الواعدة.

7. تطور نظرية السعادة: من السعادة الحقيقية إلى نموذج الرفاه (PERMA)

7.1 نظرية السعادة الحقيقية الأولى ونقدها الذاتي

في عام 2002، أصدر مارتن سيليجمان كتابه التأسيسي واسع الانتشار “السعادة الحقيقية” (Authentic Happiness)، الذي سعى فيه إلى تقديم أول إطار نظري شامل يدمج أبحاث المشاعر الإيجابية والقوى الشخصية في نموذج سيكولوجي موحد. افترض سيليجمان في هذه النظرية الأولى أن السعادة الإنسانية الأصيلة لا تنبع من ملاحقة المتع الحسية الرخيصة أو اللهث خلف اللذة الاستهلاكية (Hedonism)، بل تتحقق من خلال ارتقاء الفرد عبر ثلاثة أنماط ومستويات متمايزة من الحياة المعاشة:

  1. الحياة الممتعة (The Pleasant Life): وتتمثل في اختبار أقصى قدر ممكن من المشاعر والانفعالات الإيجابية حول الماضي والحاضر والمستقبل، وإتقان مهارات التلذذ باللحظة وتذوق مباهج الحياة اليومية البسيطة.
  2. الحياة المنخرطة (The Engaged Life): وتتحقق من خلال الاندماج التام في العمل والأسرة والهوايات، وتفعيل القوى الشخصية المميزة للوصول إلى حالة “التدفق” والاستغراق الذي يغيب معه الإحساس بالذات والزمن.
  3. الحياة الهادفة أو ذات المعنى (The Meaningful Life): وهي أعلى وأسمى المراتب؛ وتتحقق عندما يوظف الفرد قواه الشخصية المميزة وخبراته في خدمة قضية ومؤسسة أسمى وأعظم من حدود الذات الفردية الأنانية (مثل خدمة المجتمع، أو العدالة، أو المعرفة، أو الإيمان الديني).

على الرغم من النجاح الأكاديمي والانتشار الجماهيري الهائل لكتاب “السعادة الحقيقية”، إلا أن سيليجمان، وبدافع من نزاهته الفكرية الصارمة وحسه النقدي المتوقد، سرعان ما شعر بقصور جوهري في نظريته الأولى. وجد سيليجمان أن حصر أهداف علم النفس الإيجابي في مصطلح “السعادة” (Happiness) كان خطأ استراتيجياً وتاريخياً فادحاً؛ فكلمة السعادة في الوعي الجمعي واللغات العالمية مثقلة بإرث تاريخي يربطها بالابتهاج المرح والمزاج المبتهج والضحك السطحي العابر (Cheerful Mood). وهذا الربط الظالم أدى إلى إقصاء واستبعاد الملايين من البشر الانطوائيين أو ذوي الأمزجة الهادئة وغير الاستعراضية، الذين يعيشون في الواقع حيوات عميقة وغنية ومنتجة للغاية ولكنهم ليسوا “مبتهجين” بالمعنى الصاخب للمفردة.

علاوة على ذلك، أقر سيليجمان بأن نظريته الأولى كانت تعتمد على قياس السعادة بمؤشر وحيد وهو “الرضا عن الحياة” (Life Satisfaction)، وهو مقياس متقلب وغير موثوق كفاية؛ إذ يتأثر بشكل مفرط بالحالة المزاجية الآنية للفرد وقت الإجابة عن الاستبيان. وانطلاقاً من هذا النقد الذاتي الراديكالي، أعلن سيليجمان في كتابه المرجعي “الازدهار: فهم جديد وجذري للسعادة والرفاه” (Flourish: A Visionary New Understanding of Happiness and Well-being) الصادر عام 2011، التخلي الرسمي عن مفهوم “السعادة” الأحادي كهدف أسمى، مستبدلاً إياه بمفهوم أكثر شمولية وعمقاً وموضوعية وهو الرفاه النفسي والازدهار البشري (Well-Being and Flourishing)، ومقدماً للعالم نظريته المتوجة المتمثلة في نموذج (PERMA).

7.2 تفكيك عناصر نموذج الرفاه النفسي الخماسي (PERMA)

يمثل نموذج (PERMA) الذروة المعرفية والتطبيقية لمسيرة مارتن سيليجمان؛ حيث أرسى من خلاله بناءً نظرياً خماسياً يفسر مقومات الازدهار الإنساني المتكامل. لم يعد الرفاه مفهوماً بسيطاً أحادياً، بل تحول إلى “بناء مركب” (Construct) يتألف من خمسة عناصر حيوية ومستقلة، يساهم كل منها في تحقيق الازدهار البشري، ويسعى إليها الإنسان الواعي لذاتها وليس كوسيلة لتحقيق غيرها:

1. المشاعر الإيجابية (Positive Emotion – P): ويشمل هذا الركن كل الطيف العاطفي الإيجابي؛ من بهجة، وامتنان، وسكينة، وفرح، ورضا عن الماضي، وأمل تجاه المستقبل. وعلى الرغم من أن المشاعر الإيجابية وحدها لا تصنع الرفاه الكامل، إلا أنها تمثل الوقود العاطفي والمحرك البيولوجي الذي يوسع مدارك التفكير والإبداع ويدعم صحة القلب والجهاز المناعي وفقاً لأبحاث باربرا فريدريكسون.

2. الاندماج والاستغراق (Engagement – E): يشير هذا العنصر إلى حالة التوحد والذوبان التام في النشاط الذي يمارسه الإنسان؛ حيث تتطابق متطلبات المهمة مع القوى المميزة للفرد، مما يدخله في حالة “التدفق النفسي” (Flow) التي ينعدم فيها الإحساس بمرور الوقت وتتلاشى فيها المشاعر الواعية؛ فالشخص أثناء العزف المتقن أو حل المسألة الرياضية المعقدة لا يشعر بـ “السعادة” بل يكون عقله في حالة تركيز إدراكي استثنائي ونشوة إنتاجية تفوق المتع السطحية.

3. العلاقات الإيجابية (Relationships – R): يعكس هذا المكون الحقيقة التطورية الراسخة بأن الإنسان كائن اجتماعي بامتياز. يؤكد سيليجمان أنه نادراً ما يوجد ازدهار أو معنى حقيقي في عزلة تامة؛ فالعلاقات الإنسانية الدافئة، القائمة على الثقة المتبادلة، والدعم غير المشروط، والقدرة على منح الحب وتلقيه، والاحتفاء المشترك بالنجاحات، تمثل أقوى حصن سيكولوجي ومؤشر قاطع على المناعة النفسية وطول العمر والوقاية من الانهيارات العصبية؛ إذ يلخص سيليجمان هذا البعد بعبارة بليغة: “الآخرون هم الترياق الحقيقي للمحن والمنصة الأولى لكل ازدهار”.

4. المعنى والغاية (Meaning – M): يتمثل في إدراك الإنسان أن حياته لها هدف وقيمة تتجاوز الرغبات البيولوجية والأطماع الذاتية المحدودة، وذلك من خلال الانتماء الحقيقي والخدمة المتفانية لكيان أو قضية يراها الفرد أكبر وأعظم من الأنا الفردية؛ سواء تجسد ذلك في النضال السياسي التحرري، أو التفاني الأسري، أو الخدمة المجتمعية والإنسانية، أو الإيمان الديني والروحاني العميق. يمنح المعنى للإنسان القدرة الوجودية الصلبة على تحمل أعتى الآلام والشدائد مسترشداً بحكمة نيتشه: “من يمتلك سبباً يحيا لأجله، يمكنه تحمل أي كيف تقريباً”.

5. الإنجاز والتحصيل (Accomplishment / Achievement – A): يمثل هذا العنصر إضافة سيليجمان الرائدة التي تميز نموذجه عن الفلسفات التأملية السابقة؛ إذ لاحظ سيليجمان أن البشر يسعون بضراوة وراء الكفاءة، والإتقان، والانتصار، وتحقيق الأهداف الطموحة لذاتها المجردة، حتى لو لم يقترن ذلك بمشاعر إيجابية مباشرة أو راحة بدنية. فالرياضي الذي ينهك جسده لسنوات في تدريبات قاسية للفوز بميدالية أولمبية، أو العالم الذي يسهر لعقود لحل لغز كوني، لا يطلبون المتعة السهلة، بل تدفعهم غريزة إنسانية متأصلة نحو الإنجاز والتمكن وإثبات الكفاءة الذاتية.

7.3 المعايير المنهجية لاختيار عناصر النموذج وقياس الازدهار

حرص سيليجمان على إرساء أسس إبستمولوجية ومعايير منهجية صارمة لاختيار وتضمين أي عنصر ضمن منظومة (PERMA)، مؤكداً أن النموذج ليس تجميعاً عشوائياً لمفردات رنانة، بل يخضع كل عنصر من العناصر الخمسة لثلاثة شروط علمية قطعية لا تقبل المساومة:

  1. أن يساهم العنصر بشكل مباشر وقابل للقياس الإحصائي في تحقيق الرفاه والازدهار البشري الشامل.
  2. أن يسعى قطاع عريض من البشر وراء هذا العنصر لذاته وكغاية مستقلة، وليس كوسيلة خادمة لتحصيل عنصر آخر من العناصر.
  3. أن يكون العنصر قابلاً للتعريف والإجرائية والقياس النفسي السيكومتري بشكل مستقل تماماً عن بقية العناصر الأربعة الأخرى في النموذج.

بناءً على هذه المعايير، طور سيليجمان وفريقه البحثي “مقياس بيرما المعياري” (The PERMA-Profiler)، وهو أداة قياس نفسية مركبة وشاملة تتكون من مقاييس فرعية تقيس كلاً من الأبعاد الخمسة بموضوعية إحصائية متميزة. يمنح هذا المقياس الفرد أو المؤسسة “ملفاً تشخيصياً للرفاه” (Well-being Profile) يوضح بدقة مكامن القوة والنقص في كل بعد، بدلاً من إعطاء رقم كلي مضلل لا يفصح عن مسببات الخلل.

تجاوزت تطبيقات نموذج PERMA الأطر الفردية والعيادات النفسية لتحدث ثورة حقيقية في رسم السياسات العامة للدول (Public Policies)؛ حيث تبنت منظمات دولية كبرى وهيئات حكومية في دول مثل بريطانيا، وأستراليا، ونيوزيلندا، والإمارات العربية المتحدة، نموذج سيليجمان كإطار مرجعي وطني لقياس “مؤشر الازدهار الجمعي”. وقد دعا سيليجمان الحكومات وصناع القرار إلى التوقف عن الاعتماد الحصري على “الناتج المحلي الإجمالي” (GDP) كمؤشر وحيد على تقدم الأمم ونجاح السياسات التنموية، مؤكداً أن النمو الاقتصادي المجرد لا يضمن بالضرورة حياة كريمة أو صحة نفسية مستقرة، ومطالباً بدمج “مؤشرات الرفاه القومي” (Gross National Well-Being) المبنية على معايير PERMA لتقييم مدى ازدهار المجتمعات وجودة حياة مواطنيها بصورة إنسانية شاملة.

8. التعليم الإيجابي: تطبيقات أفكار سيليجمان في البيئات التربوية

8.1 فلسفة التعليم الإيجابي وأهدافه المزدوجة

شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تحذيرات متصاعدة أطلقتها منظمة الصحة العالمية واليونسكو إزاء الارتفاع الوبائي والمخيف في معدلات الاكتئاب، والقلق النفسي، والتسرب الدراسي، والسلوكيات الانتحارية بين صفوف المراهقين والأطفال في مختلف قارات العالم. وأمام هذا الواقع التربوي المأزوم، طرح مارتن سيليجمان تساؤلاً راديكالياً على قيادات التعليم في العالم: “ما الذي يريده الآباء في جوهر قلوبهم لأبنائهم؟ وما الذي تدرسه المدارس بالفعل لهؤلاء الأبناء؟”. أظهرت استطلاعات سيليجمان أن إجابات الآباء تتجه دائماً وبشبه إجماع نحو: السعادة، وراحة البال، والنزاهة، وبناء العلاقات الطيبة، والمرونة، والصحة النفسية. في حين تنحصر مناهج المدارس بصورة شبه كلية في: التحصيل الأكاديمي، واجتياز الاختبارات المعيارية، واكتساب المهارات المهنية، ومحو الأمية الرقمية واللغوية.

انطلاقاً من هذا التناقض الصارخ، صاغ سيليجمان فلسفة التعليم الإيجابي (Positive Education)، مؤكداً أن التعليم في القرن الحادي والعشرين يجب ألا يضطر للمفاضلة القاتلة بين التحصيل المعرفي وبين الصحة النفسية، بل يجب أن يتبنى “أهدافاً مزدوجة” ومتوازنة: تعليم مهارات الإنجاز الأكاديمي الصارم بالتوازي والتكامل العضوي التام مع تعليم مهارات الرفاه وجودة الحياة. شدد سيليجمان على أن الرفاه النفسي ليس جائزة يحصل عليها الطالب بعد التخرج، بل هو الشرط والبيئة المعرفية المسبقة لتعزيز التركيز، والذاكرة العاملة، والإبداع، وتثبيت التفوق الأكاديمي ذاته.

تجسد التطبيق الإمبيريقي الأبرز لهذه الرؤية في “برنامج بنسلفانيا للمرونة” (Penn Resiliency Program – PRP)، وهو منهاج تربوي وتدخلي وقائي صممه سيليجمان وفريقه واستهدف طلاب المدارس المتوسطة والثانوية. ركز البرنامج على تزويد الناشئة بمهارات إعادة الهيكلة المعرفية، وتفكيك التشوهات العقلية، وتنمية أسلوب التفسير التفاؤلي، وإدارة النزاعات الشخصية عبر تقنيات نموذج (ABCDE). أظهرت عشرات الدراسات التتبعية الطولية التي أجريت على مدار أكثر من عقدين في مدارس حكومية وخاصة، أن الطلاب الذين تلقوا تدريبات PRP سجلوا انخفاضاً حاداً وذا دلالة إحصائية في مستويات القلق واليأس وأعراض الاكتئاب، مصحوباً بانخفاض في المشكلات السلوكية كالتنمر وتعاطي المخدرات، وتحسن ملموس في معدلات التحصيل الدراسي مقارنة بالمجموعات الضابطة.

8.2 تجربة مدرسة جيلونج لقواعد اللغة (Geelong Grammar School)

في عام 2008، خطا مارتن سيليجمان خطوة بالغة الجرأة والتحدي لنقل التعليم الإيجابي من مجرد حصص إرشادية منعزلة أو ورش عمل موسمية إلى نموذج مدرسي وثقافي شامل ومتكامل. جاءت هذه الفرصة التاريخية عندما وجهت له إدارة مدرسة “جيلونج لقواعد اللغة” (Geelong Grammar School) في أستراليا—وهي واحدة من أرقى وأقدم المدارس الداخلية في نصف الكرة الجنوبي والتي تلقى فيها الملك تشارلز الثالث جزءاً من تعليمه—دعوة لتطبيق مبادئ علم النفس الإيجابي على كامل البنية المؤسسية للمدرسة.

قبل سيليجمان التحدي، وانتقل برفقة زوجته ماندي وفريقه البحثي الأساسي من جامعة بنسلفانيا للإقامة الكاملة في حرم مدرسة جيلونج لمدة قاربت العام. وقد طبق الفريق استراتيجية تربوية ثلاثية الأبعاد تميزت بالعبقرية التخطيطية:

  1. تدريب الكادر التدريسي والإداري أولاً (Learn It and Live It): رفض سيليجمان البدء بتدريس الطلاب مباشرة، بل كرس الشهور الأولى لتدريب أكثر من مائة معلم وموظف وسائق وإداري في المدرسة تدريباً مكثفاً ومباشراً على استيعاب وتطبيق مبادئ الرفاه وقوى الشخصية ونموذج PERMA في حيواتهم الشخصية وعلاقاتهم الأسرية والمهنية أولاً؛ إيماناً منه بأن المعلم الفاقد للرفاه لا يمكن أن ينقله لتلاميذه.
  2. التدريس المباشر لمهارات الرفاه (Teach It): صياغة مناهج دراسية أسبوعية مخصصة لتدريس مهارات المرونة النفسية، والامتنان، وأساليب التفكير التفاؤلي، وفهم القوى الشخصية لجميع المراحل العمرية للطلاب.
  3. التضمين المؤسسي والثقافي الشامل (Embed It): صهر عناصر الرفاه في كافة تفاصيل الحياة المدرسية اليومية؛ بدءاً من المناهج الأكاديمية (كتدريس الأدب والتاريخ من منظور قوى الشخصية والقرارات التفسيرية للقادة)، والأنشطة الرياضية التي تركز على الروح المعنوية والصلابة الذهنية، مروراً بلغة الحوار في السكن الداخلي، وصولاً إلى معايير التقييم والاحتفاء بالإنجازات الإنسانية والفضائل وليس فقط العلامات الامتحانية.

أثمرت هذه التجربة الملحمية نجاحاً باهراً؛ إذ أظهرت التقييمات الطولية المستقلة ارتفاعاً غير مسبوق في الرفاه الذاتي والروابط الاجتماعية للطلاب، مع تراجع كبير في معدلات التوتر والضغوط الامتحانية، دون أي تأثر سلبي بنتائج التفوق الأكاديمي بل على العكس سجلت المدرسة أعلى درجات في تاريخها الأكاديمي. تحولت مدرسة جيلونج بفضل هذا الإنجاز إلى “مكة للتعليم الإيجابي” ومركز إشعاع دولي يزوره سنوياً مئات التربويين والوزراء من شتى أنحاء العالم للاقتباس من هذا النموذج الرائد، وألهمت التجربة سيليجمان لتأليف فصول كاملة من كتابه “الازدهار” لتوثيق هذا التحول التاريخي.

8.3 التوسع العالمي لبرامج التعليم الإيجابي وتحديات التطبيق

شهدت السنوات التي تلت نجاح تجربة جيلونج انفجاراً عالمياً في الإقبال على برامج التعليم الإيجابي ومبادراته؛ ففي المملكة المتحدة، دعم سيليجمان تأسيس برامج الرفاه في كلية ويلينغتون (Wellington College) تحت إشراف مديرها أنتوني سيلدون، وسرعان ما امتدت التجربة لتشمل عشرات المدارس في القطاعين العام والخاص في إنجلترا واسكتلندا. وفي أمريكا اللاتينية، حققت المكسيك قفزة نوعية عندما أطلقت “جامعة تيكميلينيو” (Tecmilenio University) في عام 2013 أول نموذج جامعي متكامل للتعليم الإيجابي في العالم يستند كلياً إلى إطار (PERMA)، ليشمل أكثر من ثلاثين ألف طالب جامعي وعضو هيئة تدريس، مما جعلها أول جامعة في العالم تجعل من “رفاه وإسعاد الطلاب وتنمية قواهم” هدفها الاستراتيجي الأول والمكتوب في رؤيتها المؤسسية.

ومع هذا التوسع الكوكبي الهائل، واجه تطبيق التعليم الإيجابي تحديات بنيوية ومنهجية بالغة التعقيد، تطلبت مراجعات مستمرة من سيليجمان وتلاميذه، ومن أبرز هذه التحديات:

  • المواءمة والتكيف الثقافي (Cultural Adaptation): واجهت البرامج تحدياً كبيراً عند نقل المفاهيم المصممة في بيئات غربية أنجلوساكسونية لتطبيقها في ثقافات آسيوية أو لاتينية أو في الشرق الأوسط ذات بنيات جمعية وروحية مختلفة، مما تطلب إعادة ضبط وتوطين لأدوات القياس ولغة التدخلات السلوكية لتلائم الخصوصيات الدينية والثقافية المحلية.
  • التفاوت في الموارد الاقتصادية للمدارس: وُجهت انتقادات لمبادرات التعليم الإيجابي بأنها طُبقت في بداياتها في مدارس النخبة ذات الموارد المالية الضخمة كجيلونج وويلينغتون؛ الأمر الذي دفع فريق سيليجمان لإطلاق مشاريع كبرى في المدارس العامة والفقيرة في بوتان والهند والمكسيك والمناطق النائية في أمريكا، محققين نتائج إيجابية أثبتت جدوى التعليم الإيجابي حتى في أقسى البيئات حرماناً.
  • مقاومة البيروقراطية التعليمية وتحدي الساعات الدراسية: احتدم الجدل في العديد من وزارات التربية والتعليم حول جدوى اقتطاع ساعات دراسية ثمينة من المواد العلمية التقليدية كالرياضيات والفيزياء لتخصيصها لـ “تعليم السعادة والمرونة”، وهو الجدل الذي حسمته الدراسات المسحية التي أثبتت أن استثمار ساعة واحدة أسبوعياً في تنمية المهارات النفسية يرفع كفاءة استيعاب الطلاب لبقية العلوم ويزيد إنتاجيتهم المعرفية العامة بشكل يفوق بمراحل الإبقاء على الحفظ والتلقين المفرط.

9. اللياقة النفسية الشاملة والمشاريع العسكرية والمؤسسية

9.1 برنامج اللياقة الشاملة للجندي (Comprehensive Soldier Fitness)

في أواخر عام 2008، وفي خضم النزاعات العسكرية المعقدة والمستمرة في حربي العراق وأفغانستان، كان الجيش الأمريكي يواجه أزمة داخلية كارثية وغير مسبوقة في تاريخه؛ تمثلت في التصاعد المخيف لمعدلات اضطراب كرب ما بعد الصدمة (PTSD)، وانهيار العلاقات الأسرية للجنود، والارتفاع الحاد في معدلات الانتحار التي فاقت لأول مرة أعداد القتلى في ساحات القتال الفعلية. وأمام هذا التحدي الوطني الوجودي، تلقى مارتن سيليجمان اتصالاً مباشراً من الجنرال جورج كيسي (George Casey)، رئيس أركان الجيش الأمريكي آنذاك، يطلب منه التدخل العاجل لإنقاذ المؤسسة العسكرية عبر طرح سؤال حاسم: “كيف يمكن لعلم النفس الإيجابي أن يبني درعاً نفسياً صلباً للجندي كما تبني التمارين العسكرية درعه الجسدي؟”.

استجاب سيليجمان للطلب التاريخي، وصمم بالتعاون مع كبار القادة العسكريين ونخبة من علماء النفس ما بات يُعرف تاريخياً بأكبر تدخل وقائي نفسي إمبيريقي تم تطبيقه في التاريخ الإنساني: برنامج اللياقة الشاملة للجندي (Comprehensive Soldier Fitness – CSF)، بميزانية تأسيسية تجاوزت 125 مليون دولار، واستهدف البرنامج تدريب وإعداد أكثر من 1.1 مليون جندي سنوياً من القوات العاملة وقوات الاحتياط والضباط، ليمتد لاحقاً إلى عائلاتهم تحت مسمى “اللياقة الشاملة للجندي والأسرة”.

قام البرنامج العسكري الرائد على ركيزتين علميتين رئيسيتين:

أولاً: أداة التقييم العالمية (Global Assessment Tool – GAT): وهي منظومة قياس واختبار سيكومتري رقمي متقدم تتكون من أكثر من مائة بند، صُممت لقياس اللياقة النفسية الشاملة للجندي عبر أربعة أبعاد غير بدنية متوازية: اللياقة العاطفية، واللياقة الاجتماعية، واللياقة الأسرية، واللياقة الروحية والمعنوية. يملأ كل جندي هذا التقييم دورياً بمجرد التحاقه بالخدمة وبشكل سنوي مشفر، مما يمنحه ملفاً تفصيلياً يحدد مواطن هشاشته وقوته، ويوجهه تلقائياً نحو برامج تدريبية وتثقيفية مخصصة عبر الإنترنت لتقوية جوانب الضعف المرصودة.

ث второе: تدريب ضباط الصف كمدربي مرونة (Master Resilience Trainers – MRT): رفض سيليجمان الاعتماد الحصري على الأطباء النفسيين المدنيين ذوي البزات البيضاء الذين ينظر إليهم الجنود بحذر وريبة؛ بل ابتكر استراتيجية تعتمد على استدعاء خيرة ضباط الصف والرقباء من الخطوط الأمامية وإخضاعهم لدورة تدريبية مغلقة وشديدة الكثافة في جامعة بنسلفانيا لمدة شهر كامل. تدرب هؤلاء القادة الميدانيون مباشرة على أيدي سيليجمان وكبار علماء علم النفس الإيجابي على مهارات التفكير التفاؤلي، ونموذج (ABCDE)، وتجنب أخطاء التفكير الكارثي، واكتشاف القوى الشخصية، والتدريب على فنون التواصل الإيجابي البناء. وعقب تخرجهم، عاد هؤلاء الضباط إلى وحداتهم العسكرية المقاتلة في أفغانستان وحول العالم لتدريب جنودهم ونقل ثقافة المرونة والصلابة الذهنية بلغة الميدان العسكري المشتركة.

9.2 نمو ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth) ومواجهة اضطراب كرب ما بعد الصدمة

أحدث تدخل سيليجمان في البيئة العسكرية تحولاً بارادايغمياً جذرياً في كيفية تعامل المجتمع الطبي والعسكري مع “الصدمة والحروب”. لعقود طويلة، كانت العقيدة السائدة تفترض أن التعرض للقتال الشرس والمناظر المروعة يؤدي حتماً إلى أحد مسارين لا ثالث لهما: إما الانهيار والسقوط في هاوية “اضطراب كرب ما بعد الصدمة” (PTSD)، أو في أحسن الأحوال النجاة التكيفية بالعودة إلى خط التوازن الأصلي وهو ما يُعرف بـ “المرونة النفسية” (Resilience). أعلن سيليجمان أن هذا الطرح قاصر وغير مكتمل، متكئاً على الأبحاث الرائدة لعالمي النفس ريتشارد تيديشي (Richard Tedeschi) ولورانس كالهون (Lawrence Calhoun) حول ظاهرة نمو ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Growth – PTG).

أكد سيليجمان للجنود والقادة أن الصدمة والمعاناة، برغم قسوتهما الفظيعة وغير المرغوبة، لا تدمران الإنسان بالضرورة، بل يمكن أن تصبحا محفزاً ومحطة تاريخية لتحول نوعي وولادة جديدة للشخصية؛ حيث تشير البيانات الإمبيريقية إلى أن قطاعاً واسعاً من البشر الذين واجهوا صدمات حادة (كالحروب، والحرائق، والفقدان المؤلم، والأسر) استطاعوا بعد تجاوز مرحلة الألم العاصف أن يسجلوا قفزات نوعية في النضج لم تكن لتحدث لولا تلك المحنة، وتجلت هذه القفزات في:

  • تعميق تقدير قيمة الحياة وتغير الأولويات الوجودية بصورة أكثر نضجاً وإنسانية.
  • تعزيز الروابط والعلاقات العاطفية وإدراك الأهمية القصوى للعائلة والأصدقاء.
  • اكتشاف مكامن قوة وصلابة ذاتية غير مكتشفة من قبل (“إن نجوت من هذا الجحيم، فبإمكاني مواجهة أي شيء”).
  • فتح مسارات وخيارات جديدة في الحياة والتحرر من الروتين التافه والأناني.
  • حدوث نضج روحي ووجداني وفلسفي يعيد تعريف معنى الوجود.

تضمن برنامج التدريب العسكري وحدات متخصصة تدرب الجنود على كيفية توجيه الاستجابة الانفعالية عقب الكوارث نحو مسارات “النمو” بدلاً من الانهيار. وقد أظهرت التقارير الإحصائية الطولية المنشورة في المجلات العلمية المحكمة من قبل باحثين مستقلين تابعين للجيش، أن الوحدات العسكرية التي خضعت لبرامج تدريب المرونة الشاملة سجلت انخفاضاً معنوياً ملحوظاً في معدلات الإصابة باضطراب كرب ما بعد الصدمة الحاد، وتراجعاً كبيراً في تعاطي العقاقير المهدئة وإساءة استخدام الكحول، وارتفاعاً في مؤشرات التكيف الأسري بعد عودة الجنود إلى أوطانهم.

9.3 تطبيقات الرفاه وعلم النفس الإيجابي في بيئات العمل والشركات

لم يقتصر الزخم التطبيقي لأفكار سيليجمان على قاعات المدارس وثكنات الجيوش، بل سرعان ما لفت أنظار مجالس الإدارات وكبار المديرين التنفيذيين في كبريات الشركات العالمية والمؤسسات الاقتصادية ضمن قائمة فورتشن 500 (Fortune 500). أدرك قادة الأعمال أن الثقافة المؤسسية التقليدية القائمة حصراً على الضغط النفسي، وساعات العمل الطويلة، والترهيب بالعقاب، لم تعد قادرة على الحفاظ على الكفاءات في عصر اقتصاد المعرفة؛ بل أدت إلى وباء اقتصادي مستتر يُعرف بـ الاحتراق الوظيفي (Job Burnout)، وتراجع المشاركة الوجدانية للموظفين، والغياب المرضي المتكرر الذي يكلف الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات سنوياً.

دخل علم النفس الإيجابي إلى عالم المؤسسات كأداة إدارية واستثمارية استراتيجية تسعى إلى تحقيق المعادلة المزدوجة: “موظف مزدهر نفسياً = مؤسسة أعلى إنتاجية وربحية”. استندت هذه التطبيقات إلى نموذج PERMA وقوى الشخصية لتطوير ما بات يُعرف بـ القيادة الإيجابية (Positive Leadership) وبيئات العمل المزدهرة، وركزت التدخلات المؤسسية على الجوانب التالية:

1. إعادة تشكيل الوظائف وفق القوى المميزة (Job Crafting): تشجيع الموظفين والمديرين على إعادة تصميم مسؤولياتهم اليومية بما يتقاطع مع قواهم الشخصية المميزة (Signature Strengths)؛ فالشخص الذي يمتلك قوة اللطف وحب التعلم يتم إشراكه في مهام تدريب الكوادر الجديدة وخدمة العملاء الصعبة، مما يرفع معدلات الرضا الداخلي والشعور بالتدفق النفسي (Engagement) ويقضي على مشاعر الاغتراب الوظيفي.

2. بناء الأمان النفسي والتواصل البناء (Psychological Safety and Active-Constructive Responding): تدريب القيادات على فنون التفاعل مع أخبار ومبادرات الموظفين؛ حيث أثبتت أبحاث سيليجمان وتلاميذه أن الطريقة التي يستجيب بها المدير لنجاحات مرؤوسيه هي العامل الأكثر حسماً في بناء الثقة المؤسسية. تم تدريب المديرين على ممارسة “الاستجابة الإيجابية النشطة” (Active-Constructive Responding) التي تقوم على الاحتفاء الحقيقي الصادق بإنجاز الموظف ومشاركته الاستفسار والاهتمام، بدلاً من التجاهل أو الاستجابة السلبية المثبطة للهمم.

3. تعزيز المعنى والغاية المؤسسية (Work as a Calling): مساعدة الموظفين على إعادة إدراك وظائفهم ليس كـ “مجرد عمل” لكسب الراتب (Job)، ولا كـ “مهنة” للتسلق الوظيفي والمكانة (Career)، بل كـ “رسالة ونداء إنساني” (Calling) يخدم المجتمع ويسهم في تحسين جودة الحياة العامة؛ حيث أظهرت الدراسات المسحية التي قادتها إيمي فريزينوسكي بتعاون منهجي مع سيليجمان، أن الموظفين الذين ينظرون لوظائفهم كرسالة (حتى في الوظائف البسيطة كعمال نظافة المشافي) يسجلون أعلى معدلات الرفاه، وأقل نسب الغياب، وأعظم مستويات الولاء والإنتاجية للمؤسسة.

أكدت تحليلات العائد على الاستثمار (ROI) لبرامج الرفاه النفسي المؤسسي المبنية على أطروحات سيليجمان، أن كل دولار يُستثمر في تعزيز اللياقة النفسية والصحة الوجدانية للموظفين يدر عائداً يتراوح بين 3 إلى 5 دولارات تتمثل في زيادة الإنتاجية، وتراجع معدلات دوران العمل واستقالة الكفاءات، وانخفاض تكاليف التأمين الصحي، مما رسخ حضور علم النفس الإيجابي كركن أساسي في استراتيجيات الموارد البشرية العالمية الحديثة.

10. علم النفس الإيجابي وعصر البيانات الضخمة والاستبصار المستقبلي

10.1 مشروع الرفاه العالمي (World Well-Being Project) وتحليل اللغة الرقمية

مع انفجار الثورة الرقمية وتدفق البيانات الضخمة (Big Data) عبر شبكات التواصل الاجتماعي في العقد الثاني من الألفية الثالثة، لم يقف مارتن سيليجمان في برج أكاديمي تقليدي، بل قاد تحالفاً علمياً رائداً عابر للتخصصات جمع بين علماء النفس الإيجابي في جامعة بنسلفانيا، ونخبة من علماء الحاسوب، وخبراء الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية (NLP). تمخض هذا التحالف عن تأسيس مشروع الرفاه العالمي (World Well-Being Project – WWBP)، كأول مبادرة علمية كبرى تهدف إلى قياس الصحة النفسية والرفاه الجمعي والسمات الشخصية عبر التحليل الخوارزمي المباشر لملايين الكلمات والنصوص الرقمية المكتوبة عفوياً على منصات مثل فيسبوك وتويتر (X حالياً).

اعتمد المشروع على تجاوز الاستبيانات السيكومترية التقليدية—التي تعاني دوماً من تحيزات الإجابة الواعية وضيق حجم العينات—نحو تحليل السلوك اللغوي الطبيعي في الفضاء الرقمي على نطاق كوكبي فوري (Real-time). قام الفريق بتطوير خوارزميات تعلم آلي فائقة الدقة قامت بمسح وتحليل مليارات المنشورات والتغريدات لملايين المستخدمين في مئات المقاطعات في الولايات المتحدة وحول العالم. وبفضل هذه المنهجية، نجح سيليجمان وزملاؤه في رسم “خرائط نفسية جغرافية” فائقة الدقة تكشف مستويات الرفاه، والاكتئاب، والتفاؤل، والانبساط في كل مقاطعة ومدينة.

والأكثر دهشة في نتائج هذا المشروع هو الاختراق العلمي التاريخي المنشور في كبريات المجلات الطبية؛ حيث أثبتت الدراسات أن تحليل “لغة الغضب، والعزلة، والعدائية، وتكرار مفردات الكراهية” على منصات التواصل الاجتماعي في مقاطعة جغرافية معينة كان المؤشر الإحصائي الأكثر دقة للتنبؤ بمعدلات الوفيات الناتجة عن أمراض القلب التاجية (Atherosclerotic Heart Disease) في تلك المقاطعة، متفوقاً في دقته التنبؤية على المؤشرات الطبية والبيولوجية التقليدية المعتمدة مثل: معدلات التدخين، ومستويات السمنة، وارتفاع ضغط الدم، ومتوسط دخل الفرد مجتمعة! برهن هذا الإنجاز الثوري على أن لغة المجتمع الرقمية ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي بصمة فسيولوجية حية تنبئ عن الصحة البدنية وطول العمر، فاتحةً عصراً جديداً لعلم الأوبئة النفسي الرقمي (Digital Psychological Epidemiology).

10.2 الاستبصار الزمني ونظرية ‘الإنسان المستبصر’ (Homo Prospectus)

في عام 2016، توج مارتن سيليجمان مسيرته النظرية بصياغة تحول فلسفي ونفسي عميق، طرحه في كتاب مرجعي كتبه بالاشتراك مع الفيلسوف البارز بيتر رايلتون (Peter Railton)، وعالم النفس روي باومايستر (Roy Baumeister)، والكاتب العلمي جون تيرني (John Tierney)، تحت عنوان استثنائي: “الإنسان المستبصر” (Homo Prospectus). قدم سيليجمان في هذا العمل نقداً راديكالياً لتسمية الجنس البشري عبر التاريخ العلمي بـ “الإنسان العاقل” (Homo Sapiens)، مؤكداً أن التفكير العقلاني المنطقي ليس هو السمة الأكثر تمييزاً للبشر عن سائر الكائنات، بل إن الميزة التطورية الفريدة والمطلقة التي صنعت الحضارة الإنسانية هي القدرة على الاستبصار ومحاكاة المستقبل (Prospection).

شن سيليجمان هجوماً فكرياً شرساً على النموذج الحتمي الذي هيمن على تاريخ علم النفس الكلاسيكي؛ سواء النزعة التحليلية الفرويدية التي تختزل الإنسان وسلوكه في صدمات الطفولة ورواسب الماضي المدفونة في اللاوعي، أو النزعة السلوكية الراديكالية التي ترى في السلوك مجرد استجابة مشروطة لأحداث وتعزيزات بيئية سابقة. أعلن سيليجمان أن البشر لا تدفعهم أحداث الماضي من الخلف، بل تجذبهم وتوجههم السيناريوهات والمشاريع المستقبلية المتخيلة من الأمام. فالإنسان هو الكائن الحي الوحيد على وجه الأرض الذي يقضي الجزء الأكبر من يقظته العقلية في توليد ملايين الاحتمالات والسيناريوهات الافتراضية لما يمكن أن يحدث غداً وفي السنوات القادمة، واختبار مشاعره حيال تلك السيناريوهات مسبقاً، واختيار أفعاله الحالية بناءً على تلك المحاكاة المستقبلية.

أعاد سيليجمان وزملاؤه في هذا الكتاب قراءة وظيفة “الذاكرة” بالكامل؛ فالذاكرة البشرية لم تتطور عبر ملايين السنين لتكون مجرد “أرشيف فوتوغرافي جامد” لحفظ وقائع الماضي، بل تطورت كأداة خلاقة ومرنة لإعادة تفكيك التجارب السابقة وإعادة تركيبها لإنتاج وابتكار مسارات مستقبلية جديدة. وبناءً على هذا التحول، أعاد سيليجمان صياغة مفهوم الاكتئاب والاضطراب النفسي؛ فالإنسان المكتئب ليس مجرد شخص يتألم من ماضيه، بل هو إنسان أُصيبت قدرته الاستبصارية بالعطب والشلل، فأصبح عاجزاً عن توليد سيناريوهات مستقبلية إيجابية، ولا يرى أمامه سوى أفق مستقبلي مسدود ومظلم؛ وبالتالي فإن الشفاء الحقيقي لا يتأتى بنبش الماضي والتحسر عليه، بل بإعادة إشعال “حاسة الاستبصار” وتدريب العقل على صياغة وبناء آفاق وأهداف مستقبلية ملهمة.

10.3 الذكاء الاصطناعي ومستقبل التدخلات النفسية الإيجابية

مع تسارع التطورات في مجالات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتعلم العميق، كرس مارتن سيليجمان أحدث أبحاثه لاستكشاف الإمكانات اللامحدودة لهذه التقنيات في خدمة الرفاه الإنساني. ينظر سيليجمان إلى الذكاء الاصطناعي ليس كتهديد وجودي بالضرورة، بل كأداة غير مسبوقة يمكنها “دمقرطة الصحة النفسية” وإتاحة أرقى أشكال التدخلات النفسية الإيجابية لمليارات البشر الذين يعجزون عن دفع تكاليف العلاج النفسي التقليدي أو يعيشون في مناطق نائية تفتقر إلى المتخصصين.

يعمل مختبر سيليجمان حالياً على تطوير “أنظمة ذكاء اصطناعي إيجابية داعمة” تعتمد على نماذج لغوية ضخمة (LLMs) مُدربة ومضبوطة بدقة على نظريات علم النفس الإيجابي ونموذج PERMA وتقنيات دحض التفكير التشاؤمي (ABCDE). تتميز هذه الأنظمة الذكية بقدرتها على:

  • تقديم تدخلات دعم نفسي مخصصة لحظة بلحظة (Just-in-Time Adaptive Interventions)، تتدخل بدقة عندما تلتقط المستشعرات الرقمية أو الساعات الذكية ارتفاعاً في نبضات القلب أو مؤشرات توتر شديدة لدى المستخدم، لتقدم له فوراً تمريناً موجهاً لإعادة التنظيم المعرفي أو تذكيره بقواه الشخصية.
  • الكشف المبكر والاستباقي عن مؤشرات الانتكاس الاكتئابي أو الميول الانتحارية عبر تحليل التغيرات الدقيقة في المفردات ونبرة الكتابة والأنشطة الرقمية، وتنبيه الدوائر الصحية أو المقربين للتدخل قبل وقوع الكارثة.
  • تصميم برامج إرشاد تربوي ومهني مخصصة للأطفال والشباب تساعدهم على رسم مساراتهم الحياتية بناءً على خوارزميات تقاطع قواهم المميزة مع الفرص العلمية والوظيفية المستقبلية.

وفي الوقت ذاته، يبرز سيليجمان كصوت أكاديمي حكيم يُحذر من المخاطر الأخلاقية المرافقة لهذه الثورة؛ مشدداً على ضرورة فرض قيود أخلاقية صارمة لحماية الخصوصية الرقمية ومنع الشركات من استخدام الخوارزميات للتلاعب السلوكي الإدماني أو المتاجرة بالهشاشة العاطفية للمستخدمين. إن رؤية سيليجمان لمستقبل الذكاء الاصطناعي تتلخص في تحويل التكنولوجيا من كونها مصدراً للعزلة والاغتراب إلى “مرآة معرفية” ومحفز كوكبي يدعم الازدهار البشري الشامل والاتصال الإنساني الأصيل.

11. الانتقادات والجدل الأكاديمي والمنهجي حول أعمال سيليجمان

11.1 المآخذ الإبستمولوجية والمنهجية على حركة علم النفس الإيجابي

لم تخلُ مسيرة مارتن سيليجمان الحافلة وتأسيسه لعلم النفس الإيجابي من معارك فكرية حامية وانتقادات أكاديمية لاذعة وجهها له علماء نفس وفلاسفة وباحثون منهجيون بارزون. انصبت أبرز هذه الانتقادات الإبستمولوجية من قبل أستاذة علم النفس الأمريكية باربرا هيلد (Barbara Held)، التي صاغت مصطلحها الشهير “طغيان النزعة الإيجابية” (The Tyranny of the Positive Attitude)، متبوعة بكتابات ريتشارد لازاروس وجيمس كوين. جادل هؤلاء النقاد بأن علم النفس الإيجابي، في حماسته التبشيرية الأولى، وقع في فخ “الإيجابية السامة” (Toxic Positivity)، ومارس ضغطاً نفسياً وإدانة أخلاقية مبطنة ضد الأفراد الذين يمرون بمشاعر سلبية طبيعية كالحزن، والغضب، والحداد؛ مما يولد لدى هؤلاء شعوراً مضاعفاً بالذنب وفقدان الكفاءة لمجرد أنهم غير قادرين على البقاء “متفائلين” طوال الوقت.

من الناحية المنهجية، واجهت الأبحاث المبكرة لعلم النفس الإيجابي اتهامات بالاعتماد المفرط على دراسات الارتباط المستعرضة (Cross-sectional Correlational Studies) واستبيانات التقرير الذاتي (Self-Report Measures) التي يشوبها تضخيم النتائج وانحياز الرغبة الاجتماعية، مع ضعف نسبي في الدراسات الطولية السببية الصارمة. كما طالت علم النفس الإيجابي ارتدادات “أزمة قابلية التكرار” (Replication Crisis) التي عصفت بعلم النفس الحديث؛ حيث فشلت بعض المختبرات المستقلة في إعادة إنتاج نفس النتائج المبهرة لبعض التدخلات الإيجابية السريعة والمفرطة في التبسيط—مثل تمرين “زيارة الامتنان” أو “تدوين ثلاثة أشياء جيدة يومياً”—مما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه التدخلات تمتلك تأثيراً علاجياً حقيقياً مستداماً أم أنها مجرد تأثير وهمي عابر (Placebo Effect) يتلاشى سريعاً بمرور الوقت.

وقد قادت هذه الانتقادات الحصيفة إلى ولادة ما يُعرف اليوم بـ “الموجة الثانية لعلم النفس الإيجابي” (Second Wave Positive Psychology – PP2.0)، بقيادة علماء مثل بول وونغ (Paul T. P. Wong) وإيتو إيفزاريتش؛ وهي حركة تصحيحية نضجت داخل الحقل واستوعبت انتقادات الخصوم، مؤكدة على جدلية الوجود الإنساني المعقدة، ورافضة الفصل الثنائي الساذج بين المشاعر “الإيجابية” والمشاعر “السلبية”، ومعترفة بأن الألم، والحزن، ومواجهة الفناء والموت، هي عناصر لا غنى عنها لصناعة النضج الإنساني وبناء المعنى الحقيقي للازدهار.

11.2 التحيزات الثقافية والفردانية الليبرالية

من بين أشرس الانتقادات التي وُجهت لأطروحات سيليجمان ونموذجه، ذلك النقد الموجه من علماء النفس الثقافي والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع النقدي، وفي مقدمتهم كريستوفر وستيرمان وإيدو تسور ومفكرو مدرسة فرانكفورت الحديثة. تركز هذا النقد على اتهام حركة علم النفس الإيجابي بأنها تعاني من تحيز إبستمولوجي متأصل نابع من خصوصية الفضاء الذي ولدت فيه؛ فهي انعكاس خالص لثقافة الطبقة الوسطى والثرية البيضاء في المجتمع الأمريكي المعاصر، أو ما يُعرف في الأدبيات السلوكية بمجتمعات (WEIRD: Western, Educated, Industrialized, Rich, Democratic).

جادل النقاد بأن تركيز سيليجمان المطلق على “المسؤولية الفردية” والإسناد الداخلي والتفاؤل الذاتي ينطوي على نزعة فردانية ليبرالية مفرطة (Hyper-Individualism)، تعزل الفرد عن سياقه الاجتماعي والتاريخي. يرى علماء الاجتماع أن هذا التركيز يمارس تعمية خطيرة وتجاهلاً للمحددات الهيكلية والاقتصادية والسياسية للمعاناة الإنسانية؛ فالفقر المدقع، والتمييز العنصري الممنهج، والقمع السياسي، والبطالة الهيكلية، ليست مجرد “أفكار تشاؤمية” يحلها تمرين (ABCDE) في رأس الفرد، بل هي واقع ظالم يتطلب نضالاً اجتماعياً وتغييراً سياسياً للمؤسسات. وبالتالي، حذر النقاد من إمكانية توظيف علم النفس الإيجابي كأيديولوجيا تبريرية خادمة للأنظمة النيوليبرالية؛ حيث يُحمَّل الموظف أو الفقير مسؤولية بؤسه لافتقاره إلى “المرونة النفسية”، ويُعفى النظام الاقتصادي والسياسي من واجب الإصلاح الشامل.

كما أظهرت أبحاث الثقافات المقارنة أن مفاهيم مثل “السعادة” و”احترام الذات” و”التفاؤل الصريح” التي يروج لها سيليجمان لا تحظى بنفس القيمة أو المعنى في الثقافات الشرق آسيوية الجمعية (مثل اليابان والصين وكوريا). ففي تلك الثقافات الكونفوشيوسية والبوذية، يُنظر إلى التشاؤم الهادئ والحذر والاعتراف بالنقص ومشاعر الخجل الجمعي كسمات حكمة وفضائل تدعم التماسك الاجتماعي، وليس كـ “عجز معرفي” كما يراه الفكر الغربي؛ الأمر الذي اضطر باحثي علم النفس الإيجابي في السنوات الأخيرة إلى إعادة مراجعة فرضياتهم وتطوير نماذج متعددة الثقافات تعترف بتنوع وتعدد طرق الازدهار البشري حول العالم.

11.3 الجدل الأخلاقي حول برنامج الجيش والاستجواب المعزز

واجه مارتن سيليجمان في العقد الأول من الألفية الثالثة أكثر الفصول دراماتيكية وإثارة للجدل الأخلاقي والسياسي في مسيرته كلها؛ إذ ارتبط اسمه في تقارير صحفية استقصائية ساخنة بقضية إساءة استخدام تقنيات الاستجواب والتعذيب التي مارستها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في المعتقلات السرية ومعتقل غوانتانامو في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. أشارت تسريبات صحفية وتحقيقات صحيفة نيويورك تايمز إلى أن المتعهدين الأمنيين اللذين قادا برنامج “الاستجواب المعزز” التابع للسي آي إيه (جيمس ميتشل وجون بروس جيسن) كانا على دراية واسعة بأبحاث سيليجمان القديمة حول “العجز المتعلم”، وزعمت التقارير أنهما استغلا النظرية كنموذج علمي لتفكيك المقاومة النفسية للمعتقلين عبر وضعهم في ظروف من الصدمات غير القابلة للتحكم والسيطرة لإدخالهم في حالة “عجز متعلم” تجبرهم على الاعتراف التام.

تفاقم الجدل الحاد في الأوساط الأكاديمية إثر الكشف عن إلقاء سيليجمان محاضرة علمية عام 2002 بدعوة من البحرية الأمريكية حضرها مدربو برنامج (SERE) العسكري، بالإضافة إلى فوزه لاحقاً بعقد برنامج اللياقة الشاملة للجندي (CSF) بملايين الدولارات. دفع هذا اللغط الجمعية الأمريكية لعلم النفس في عام 2014 إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة برئاسة المحامي البارز ديفيد هوفمان لفحص دور مسؤولي وعلماء الجمعية في برامج الاستجواب الحكومية، وهو ما عُرف تاريخياً بـ “تقرير هوفمان” (The Hoffman Report) الصادر في يوليو 2015.

أعلن سيليجمان في بيانات صحفية متكررة وموثقة، وبأقصى درجات الحزم، إدانته القاطعة والمطلقة واستنكاره التام لأي استخدام لنظرياته وأبحاثه العلمية في ممارسات التعذيب أو الاستجواب القسري المهين للكرامة الإنسانية، مؤكداً أنه كرس حياته لمحاربة العجز والاكتئاب وليس لصناعتهما. وقد برأ تقرير هوفمان المستقل لعام 2015 ساحة مارتن سيليجمان تبرئة صريحة وقاطعة من أي تواطؤ أو معرفة مسبقة أو مشاركة في تصميم تقنيات الاستجواب التابعة للاستخبارات، مؤكداً أن مساهماته كانت محصورة حصراً في إطار التدريب الدفاعي وبناء المرونة والوقاية النفسية للجنود. ومع ذلك، بقيت هذه القضية تثير نقاشات فلسفية وأخلاقية عميقة في المؤتمرات الدولية حول “المسؤولية الأخلاقية للعالم التجريبي” عن الاستخدامات غير المتوقعة أو المنحرفة لنظرياته واكتشافاته العلمية خارج أسوار المختبرات الجامعية.

12. الإرث العلمي لمارتن سيليجمان وتأثيره المستمر في الفكر الإنساني

12.1 المؤلفات المرجعية والإنتاج الفكري الغزير

يترك مارتن سيليجمان للمكتبة الإنسانية والسيكولوجية إرثاً فكرياً ومؤلفات مرجعية كبرى شكلت معالم بارزة في تطور العلوم المعرفية على مدى نصف قرن من الزمان؛ إذ ألف وشارك في تأليف أكثر من ثلاثين كتاباً، وما يزيد عن ثلاثمائة ورقة بحثية محكمة تم نشرها في أرفع الدوريات العلمية العالمية كـ Science وAmerican Psychologist. تميز أسلوب سيليجمان التأليفي بعبقرية نادرة جمعت بين العمق الفلسفي والصرامة الإمبيريقية في الكتابات التخصصية، وبين الرشاقة السردية والوضوح البلاغي الآسر في مؤلفاته الموجهة للجمهور العام، مما جعل أفكاره جسراً حياً يربط بين نخب الأكاديميا وجماهير القراء العاديين في شتى بقاع الأرض.

وتبرز في مسيرته سلسلة من الكتب الكبرى التي تؤرخ للتحولات المفصلية في الفكر السيكولوجي المعاصر:

  • العجز: حول الاكتئاب والتطور والموت (Helplessness: On Depression, Development, and Death – 1975): العمل الكلاسيكي المؤسس الذي وثق أبحاثه المختبرية الأولى وصاغ فيه نظرية العجز كنموذج رائد لفهم الأمراض النفسية وتفكيك آليات الاستسلام السلوكي.
  • التفاؤل المكتسب (Learned Optimism – 1991): الكتاب الأيقوني الذي فكك فيه أساليب التفسير وصاغ تقنية (ABCDE)، والذي تُرجم إلى أكثر من أربعين لغة عالمية وصار دليلاً عالمياً لإعادة الهيكلة المعرفية وتوليد المناعة النفسية.
  • ما يمكنك تغييره وما لا يمكنك (What You Can Change and What You Can’t – 1994): أطروحة واقعية رصينة وضعت حدوداً علمية دقيقة لإمكانات العلاج النفسي وحدوده الجينية، منقذة المجال من الأوهام والادعاءات العلاجية الزائفة.
  • السعادة الحقيقية (Authentic Happiness – 2002): البيان التأسيسي الذي دشن به حركة علم النفس الإيجابي وأرسى تصنيف أنماط الحياة الثلاثة.
  • قوى الشخصية والفضائل (Character Strengths and Virtues – 2004): المرجع التصنيفي الموسوعي المشترك مع كريستوفر بيترسون، الذي صاغ أول معجم للفضائل الإنسانية في التاريخ الإمبيريقي.
  • الازدهار (Flourish – 2011): الإعلان الرسمي عن التحول نحو نموذج (PERMA) وتطبيقات التعليم الإيجابي ومشاريع المرونة العسكرية.
  • حلبة الأمل: سيرة صانع علم النفس الإيجابي (The Hope Circuit: A Psychologist’s Journey from Helplessness to Optimism – 2018): سيرته الذاتية والفكرية الباذخة التي وثق فيها بصدق استثنائي تحولاته المعرفية والإنسانية من دراسة العجز والظلام إلى استكشاف دروب الأمل والنور الإنساني.

12.2 الجوائز والتقدير الأكاديمي والمؤسسي

حصد مارتن سيليجمان على مدار أكثر من خمسين عاماً من العطاء الأكاديمي المتواصل أرفع الأوسمة والألقاب العلمية والتكريمات الدولية التي يمكن أن ينالها باحث في مجال العلوم السلوكية. قلدته الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) أرفع أوسمتها عبر منحه “جائزة الإسهام العلمي المتميز في علم النفس” (Award for Distinguished Scientific Contributions) لعام 2006، تكريماً لأبحاثه التأسيسية التي أعادت تشكيل العلاج المعرفي وفهم الاكتئاب، كما حاز على “جائزة ويليام جيمس” (William James Fellow Award) من جمعية العلوم النفسية (APS)، وهي أعلى تكريم يُمنح للعلماء الذين أسهمت أبحاثهم الأساسية في إحداث تحولات نوعية في المعرفة النفسية المعاصرة.

وعلى الصعيد الدولي، نال سيليجمان شهادات الدكتوراه الفخرية في العلوم والآداب الإنسانية من كبريات الجامعات في الولايات المتحدة، وأوروبا، وأستراليا، وأمريكا اللاتينية. وتم تصنيفه في الدراسات الببليومترية والمسوح الأكاديمية المستقلة ضمن قائمة أكثر خمسين عالم نفس استشهاداً وتأثيراً في التاريخ الحديث للقرن العشرين والحادي والعشرين، متزامناً مع شخصيات تاريخية كبرى مثل سيغموند فرويد، وبي إف سكينر، وجان بياجيه، وآرون بيك. وتتويجاً لهذا التقدير المؤسسي، انتُخب سيليجمان كأول رئيس فخري للرابطة الدولية لعلم النفس الإيجابي (International Positive Psychology Association – IPPA) عند تأسيسها عام 2007، ليبقى حتى اللحظة الراهنة الأب الروحي والرمز الأكاديمي الأول لهذه الحركة في المحافل العالمية الكبرى.

12.3 الخلاصة وآفاق المستقبل لعلم الازدهار البشري

عند النظر إلى المشهد الكلي للمسيرة العلمية للبروفيسور مارتن سيليجمان، يتضح جلياً أنه لم يكن مجرد باحث تجريبي غزير الإنتاج، بل كان صاحب تحول نموذجي مستدام (Sustainable Paradigm Shift) غير مجرى تاريخ الفكر السلوكي بأكمله. استطاع سيليجمان أن يحرر العقل السيكولوجي من السقوط في اختزال الإنسان في مجرد كائن مشوه أو ضحية أبدية لصدماته، معيداً بناء منظومة علمية متكاملة تبرهن بالدليل التجريبي القاطع على أن الأمل، والفضيلة، والمرونة، والازدهار ليست مفاهيم شعرية حالمة، بل هي إمكانات عقلية وقوى شخصية واقعية يمكن قياسها، ودراستها، وغرسها، وتنميتها عبر التربية والممارسة العلمية المنضبطة.

يتجسد هذا الأثر المستمر في عمل مختبره الخالد بمركز علم النفس الإيجابي في جامعة بنسلفانيا، الذي يواصل حتى اليوم العمل كأكبر حاضنة فكرية لتخريج قادة المستقبل وصياغة التطبيقات الحديثة التي تدمج بين الذكاء الاصطناعي وعلوم الأعصاب والبيانات الرقمية لتعزيز جودة الحياة البشرية. سيبقى اسم مارتن سيليجمان محفوراً في ذاكرة الفكر الإنساني كعالم استثنائي بدأ رحلته من ألم العجز وصدماته القاتمة في قبو مظلم لمختبر تجريبي في بنسلفانيا، ليصنع منها جسراً معرفياً شامخاً عبرت منه الإنسانية نحو “حلبة الأمل” وآفاق الازدهار البشري اللامحدود.


خاتمة

في الختام، تتجلى مسيرة مارتن سيليجمان (1942 – حتى الحاضر) كملحمة فكرية وعلمية فريدة أعادت تعريف بوصلة العلوم الإنسانية في العصر الحديث. فمن خلال شجاعته المنهجية التي لم تتردد في نقد المسلمات السائدة والتمرد على الأرثوذكسية السلوكية في شبابه، وصولاً إلى نقده الذاتي الجريء لنظرية السعادة الأولى في قمة مجده الأكاديمي، أثبت سيليجمان أن العلم الحقيقي هو مسار متصل من المراجعة والبحث الدؤوب عن الحقيقة الإنسانية في أعمق تجلياتها.

إن التحول البارادايغمي الذي قاده سيليجمان من “العجز المتعلم” إلى “التفاؤل المكتسب” ثم إلى “علم الازدهار البشري الشامل (PERMA)” يمثل أحد أعظم الهدايا المعرفية التي قدمها علم النفس للحضارة الإنسانية المعاصرة. لقد منح هذا العالم الفذ البشرية لغة جديدة لوصف مكامن قوتها، وأدوات عملية لمواجهة الشدائد والحروب والمحن الوجودية، ومنظومة تربوية ومؤسسية تمكن الأجيال القادمة من العيش بكرامة وإشراق ومعنى. ومع استمرار أفكاره في النمو والتلاقح مع ثورة الذكاء الاصطناعي وعصر البيانات، يظل صوت سيليجمان يتردد بحكمة ملهمة: إن أعظم مهمة لعلم النفس ليست فقط مداواة ما انكسر في النفس البشرية، بل إيقاظ وإطلاق أجمل وأرقى ما في الروح الإنسانية من فضائل وإمكانات للازدهار.

المراجع

  • Abramson, L. Y., Seligman, M. E., & Teasdale, J. D. (1978). Learned helplessness in humans: Critique and reformulation. Journal of Abnormal Psychology, 87(1), 49–74. https://doi.org/10.1037/0021-843X.87.1.49
  • Maier, S. F., & Seligman, M. E. (1976). Learned helplessness: Theory and evidence. Journal of Experimental Psychology: General, 105(1), 3–46. https://doi.org/10.1037/0096-3445.105.1.3
  • Maier, S. F., & Seligman, M. E. (2016). Learned helplessness at fifty: Insights from neuroscience. Psychological Review, 123(4), 349–367. https://doi.org/10.1037/rev0000033
  • Peterson, C., & Seligman, M. E. (2004). Character strengths and virtues: A handbook and classification. Oxford University Press / American Psychological Association.
  • Peterson, C., Semmel, A., von Baeyer, C., Abramson, L. Y., Metalsky, G. I., & Seligman, M. E. (1982). The Attributional Style Questionnaire. Cognitive Therapy and Research, 6(3), 287–299. https://doi.org/10.1007/BF01173577
  • Seligman, M. E. (1972). Learned helplessness. Annual Review of Medicine, 23(1), 407–412. https://doi.org/10.1146/annurev.me.23.020172.002203
  • Seligman, M. E. (1975). Helplessness: On depression, development, and death. W. H. Freeman.
  • Seligman, M. E. (1991). Learned optimism: How to change your mind and your life. Alfred A. Knopf.
  • Seligman, M. E. (1994). What you can change and what you can’t: The complete guide to self-improvement. Alfred A. Knopf.
  • Seligman, M. E. (1999). The President’s address. American Psychologist, 54(8), 559–562.
  • Seligman, M. E. (2002). Authentic happiness: Using the new positive psychology to realize your potential for lasting fulfillment. Free Press.
  • Seligman, M. E. (2011). Flourish: A visionary new understanding of happiness and well-being. Free Press.
  • Seligman, M. E. (2018). The hope circuit: A psychologist’s journey from helplessness to optimism. PublicAffairs.
  • Seligman, M. E., & Csikszentmihalyi, M. (2000). Positive psychology: An introduction. American Psychologist, 55(1), 5–14. https://doi.org/10.1037/0003-066X.55.1.5
  • Seligman, M. E., Ernst, R. M., Gillham, J., Reivich, K., & Linkins, M. (2009). Positive education: Positive psychology and classroom interventions. Oxford Review of Education, 35(3), 293–311. https://doi.org/10.1080/03054980902934563
  • Seligman, M. E., & Maier, S. F. (1967). Failure to escape traumatic shock. Journal of Experimental Psychology, 74(1), 1–9. https://doi.org/10.1037/h0024514
  • Seligman, M. E., Railton, P., Baumeister, R. F., & Sripada, C. (2013). Navigating into the future or driven by the past. Perspectives on Psychological Science, 8(2), 119–141. https://doi.org/10.1177/1745691612474317
  • Seligman, M. E., Railton, P., Baumeister, R. F., & Tierney, J. (2016). Homo prospectus. Oxford University Press.
  • Seligman, M. E., Steen, T. A., Park, N., & Peterson, C. (2005). Positive psychology progress: Empirical validation of interventions. American Psychologist, 60(5), 410–421. https://doi.org/10.1037/0003-066X.60.5.410
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات