مايكل بيليغ – 1947 الحاضر

مايكل بيليغ (Michael Billig)

  • 1947، المملكة المتحدة – حتى الآن
  • بريطاني
  • علم النفس البلاغي / علم النفس الاجتماعي النقدي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 15 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 15 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • تأسيس علم النفس البلاغي
  • صياغة مفهوم القومية المبتذلة (Banal Nationalism)
  • المشاركة في أبحاث نموذج الجماعة الدنيا مع هنري تاجفيل
  • تأسيس مدرسة لوفبرا لعلم النفس الخطابي ومركز أبحاث الخطاب والخطابة (DARG)
  • نقد الاختزالية المعرفية والنزعة الفردانية في علم النفس

السيرة

يمثل البروفيسور مايكل بيليغ (Michael Billig) -المولود في صيف عام 1947- أحد ألمع العقول النقدية وأكثرها تأثيراً في مسار العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة. لم يكن بيليغ مجرد أكاديمي متخصص في حقل علم النفس الاجتماعي، بل تموضع منذ بواكير مسيرته المعرفية كمنظّر ثائر ومفكك جذري للمسلمات الإبستمولوجية والمنهجية التي هيمنت على الأكاديميا الغربية لعقود خلت؛ تلك المسلمات التي حولت دراسة النفس البشرية إلى مختبرات تقنية معزولة تحاكي علوم الطبيعة وتتجاهل السياقات التاريخية، والسياسية، واللغوية التي يتخلق فيها الوعي الإنساني. لقد شكل مشروعه الفكري منعطفاً معرفياً حاسماً نقل الاهتمام السيكولوجي من فضاءات التخزين العصبي والمخططات الإدراكية الصامتة إلى فضاءات الخطاب الحي، والبلاغة الجدلية، والممارسات الأيديولوجية المستترة في صلب الحياة اليومية.

تكمن فرادة بيليغ في قدرته الفذة على الجمع بين التفكيك الفلسفي الرصين، والتحليل اللغوي الدقيق، والاشتباك السياسي الملتزم مع قضايا عصره الكبرى. فمن تحليله الرائد لخطاب الفاشية البريطانية الجديدة في سبعينيات القرن العشرين، إلى تأسيسه الثوري لما بات يُعرف بـ «علم النفس البلاغي» (Rhetorical Psychology)، وصولاً إلى صياغته لمفهوم القومية المبتذلة (Banal Nationalism) الذي غيّر جوهرياً فهم العلوم السياسية ودراسات الإعلام لكيفية إعادة إنتاج الأوطان في الديمقراطيات الغربية، ظل مشروعه وفياً لفكرة مركزية مفادها: أن الإنسان كائن مجادل لا يفكر إلا عبر اللغة المشتركة المحملة بالتناقضات الأيديولوجية. وقد امتد هذا الحس النقدي ليطال حتى نمط الكتابة الأكاديمية ذاتها؛ حيث كرس أواخر أعماله لتشريح البيروقراطية الجامعية والرطانة اللغوية التي أفرغت العلوم الإنسانية من مضامينها النقدية الحية.

يقدم هذا العمل الموسع قراءة نسقية وشاملة للمسار الفكري للبروفيسور مايكل بيليغ منذ تشكله الأول كتلميذ نجيب لعملاق الهوية الاجتماعية هنري تاجفيل، مروراً بدوره المحوري في تأسيس «مدرسة لوفبرا» لعلم النفس الخطابي، وتأصيله للضحك والسخرية كأدوات للضبط الإيديولوجي، ونقده لإخفاقات التحليل النفسي المعرفي والميكانيكي، وانتهاءً براهنية أطروحاته في عصر صعود الشعبويات الرقمية واليمين الجديد. إن سبر أغوار هذا المشروع الفكري الثري لا يضيء فحسب على سيرة عالم نفس فذ، بل يمنح الباحثين في العلوم الإنسانية ترسانة مفهومية ومنهجية لا غنى عنها لفهم تشابكات اللغة، والسلطة، والفكر في عالمنا المعاصر المعقد.

1. المدخل والنشأة الفكرية لمايكل بيليغ: التكوين والسياق التاريخي

1.1 السياق البيوغرافي والأكاديمي المبكر

وُلد مايكل بيليغ في عام 1947 في المملكة المتحدة، لعائلة يهودية من الطبقة العاملة والوسطى الصغيرة ذات جذور مهاجرة تعود إلى أوروبا الشرقية، وهو سياق سوسيولوجي وثقافي ترك بصماته العميقة والواضحة على حساسيته المبكرة تجاه قضايا الانتماء، والتعصب الإثني، والهويات القومية. كانت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في بريطانيا محكومة بمحاولات إعادة بناء الدولة الوطنية والرفاه الاجتماعي، إلا أنها كانت مشحونة بتوترات صامتة حول التعددية، والعنصرية، والطبقية. ترعرع بيليغ في بيئة عائلية وثقافية كانت النقاشات السياسية والجدلية تشكل خبزها اليومي؛ حيث كان الحوار الصاخب، والتفنيد، واستدعاء الحجج العقلانية والتاريخية جزءاً لا يتجزأ من تكوينه الشخصي قبل أن يصبح إطاراً لنظريته في البلاغة والتفكير.

التحق بيليغ بـ جامعة بريستول في منتصف الستينيات لدراسة الفلسفة وعلم النفس، ووجد نفسه في خضم تحولات فكرية عاصفة. كانت دراسة علم النفس في بريطانيا حينها تعيش تحت وطأة النزعة السلوكية الآفلة والصعود الصاروخي للثورة المعرفية التي استعارت نماذج معالجة البيانات من الحواسيب الحديثة. غير أن بيليغ، وبفضل تكوينه الفلسفي المتوازي وشغفه بالتاريخ السياسي، شعر بنفور مبكر من تلك النماذج الاختزالية التي رأت في الذهن البشري صندوقاً تقنياً معزولاً عن نبض المجتمع وصراعاته. تزامن وجوده في بريستول مع الانفجار الطلابي والسياسي العالمي في أواخر الستينيات (1968)، حيث تحولت الجامعات الأوروبية إلى بؤر لمساءلة الإمبريالية، وحرب فيتنام، والبنى الطبقية التقليدية، وهي مناخات راديكالية بلورت وعي بيليغ السياسي وشجعته على ربط تخصصه الأكاديمي بالحركات التحررية واليسارية المناهضة للفاشية والعنصرية.

بعد إتمام دراساته الأولى وتعميق أبحاثه النقدية، حط بيليغ رحاله في جامعة لوفبرا (Loughborough University)، التي كانت تشهد تحولات أكاديمية نوعية. في هذا الفضاء المؤسسي، وجد بيليغ البيئة المثالية لتفجير طاقاته التجديدية؛ حيث قاد بالتعاون مع نخبة من زملائه المفكرين مشروعاً لتأسيس ما أصبح يُعرف عالمياً بـ «مركز أبحاث الخطاب والخطابة» (Discourse and Rhetoric Group – DARG). تحول هذا المركز سريعاً إلى قبلة فكرية للباحثين غير التقليديين من شتى بقاع العالم؛ حيث تم في أروقته تدشين القطيعة المعرفية مع المناهج السائدة، وصياغة بدائل إبستمولوجية تقارب السلوك البشري من منظور سوسيولغوي وبلاغي يدمج العلوم السياسية، واللسانيات، وعلم النفس الاجتماعي في كلٍّ لا يتجزأ.

1.2 التتلمذ على يد هنري تاجفيل وأبحاث الهوية الاجتماعية

شكل اللقاء الأكاديمي بين مايكل بيليغ وعالم النفس الاجتماعي البارز هنري تاجفيل (Henri Tajfel) في جامعة بريستول محطة مفصلية في مساره العلمي. كان تاجفيل، الناجي البولندي من الهولوكوست، يحمل هاجساً وجودياً لفهم الجذور النفسية للتعصب، والعداء بين الجماعات، وكيف يمكن لبشر عاديين أن يتحولوا إلى آلات لقتل الآخرين على أساس الهوية. انخرط بيليغ الشاب بحماس في المشروع البحثي الرائد لتاجفيل، وشارك بشكل محوري وتأسيسي في تصميم وتنفيذ التجارب الشهيرة لما عُرف بـ «نموذج الجماعة الدنيا» (Minimal Group Paradigm) في مطلع السبعينيات؛ تلك التجارب التي أثبتت أن مجرد تصنيف الأفراد عشوائياً وبناءً على معايير تافهة (كتفضيل لوحات بول كلي أو كاندينسكي) كافٍ لتوليد تمييز فوري ينحاز للجماعة الداخلية (In-group) ضد الجماعة الخارجية (Out-group)، حتى دون وجود صراع مادي حقيقي على الموارد.

لكن على الرغم من الإعجاب العميق الذي كنه بيليغ لأستاذه تاجفيل وتقديره لأهمية أطروحة «الهوية الاجتماعية»، بدأت بذور التباين المعرفي والنقدي بين التلميذ وأستاذه تنمو سريعاً. لاحظ بيليغ أن نموذج تاجفيل، رغم بعده الاجتماعي التحرري، ظل خاضعاً ومحبوساً داخل الأطر المعرفية النزعة (Cognitivism) والمنهجيات التجريبية المعملية الصارمة. كان تاجفيل يفسر الانحياز الجماعي كعملية إدراكية حتمية ناتجة عن ميل العقل البشري لتصنيف وتبسيط المعلومات الاجتماعية. هنا، بدأ بيليغ يشكك في كفاية هذا التفسير: هل التمييز والتعصب مجرد آليات إدراكية عمياء ومحايدة، أم أنها أفعال أيديولوجية تاريخية محملة بالسلطة وتتم تغذيتها وتبريرها عبر خطابات سياسية مخصوصة؟

دفع هذا التساؤل الجوهري بيليغ إلى تطوير رؤية نظرية مستقلة أخذت تتجاوز تدريجياً البارادايم المعرفي لأستاذه. جادل بيليغ بأن حصر دراسة الهوية في التمايزات الإدراكية المصطنعة داخل المختبر يغفل السياق البلاغي والجدلي للواقع؛ فالأفراد لا يصنفون العالم في فراغ، بل يجادلون حول تلك التصنيفات في سياقات تاريخية محددة. وهكذا، حافظ بيليغ على روح مشروع تاجفيل المناهضة للعنصرية، لكنه نزع عنها رداءها التجريبي الصارم ليعيد غرسها في أرضية التحليل النقدي للتاريخ، واللغة، والبنى الأيديولوجية المعقدة التي تحكم التفاعلات الإنسانية الحية.

1.3 الانتقال الإبستمولوجي من التجريبية إلى التحليل النقدي

كانت مغادرة بيليغ لمربع «علم النفس التجريبي المختبري» بمثابة قطيعة إبستمولوجية جذرية وواعية، استشعر معها عقم الممارسات السائدة في الدوائر السلوكية والمعرفية. وجه بيليغ نقداً لاذعاً للمختبر النفسي، مؤكداً أن محاولة عزل السلوك الإنساني وضبط المتغيرات عبر بيئات مصطنعة لا تنتج علماً موضوعياً، بل تنتج حقائق مشوهة ومبتورة. إن نقل مشارك إلى غرفة معزولة وطلب الضغط على أزرار أو ملء استبانات كمية يقضي تماماً على الطبيعة الديناميكية التفاعلية للتفكير البشري، التي تتأسس في الأصل على التداول اللغوي، والاعتراض، والتبرير، والمقاومة. تحول المختبر في نظر بيليغ إلى أداة تكرس استلاب الفرد، وتفرغ الظواهر المعقدة مثل العدوانية، والتحيز، والولاء السياسي من عمقها السوسيو-تاريخي الحقيقي.

تصدى بيليغ بشجاعة لـ «الاختزالية المعرفية» (Cognitive Reductionism) التي سادت في السبعينيات والثمانينيات، والتي حولت التفكير إلى مجرد «معالجة للمعلومات» (Information Processing)، وكأن الدماغ حاسوب جاف يخلو من العواطف والمصالح الأيديولوجية. رفض بيليغ هذه الاستعارة الحاسوبية المشوهة؛ فالإنسان لا يستقبل المعلومات بصورة محايدة ليعالجها وفق خوارزميات إدراكية، بل إن اللغة التي يفكر بها هي مستودع تاريخي للصراعات والقيم والأحكام المسبقة. من هنا، تبنى بيليغ منظوراً إبستمولوجياً يستند إلى مركزية اللغة والسياق التداولي، متأثراً بالفلسفة التحليلية المتأخرة عند لودفيغ فيتغنشتاين، وبأطروحات النقد الثقافي، وبأفكار ميخائيل باختين حول حوارية الكلمة وتعدد الأصوات.

أسس هذا التحول الإبستمولوجي لمشروع نقدي واسع كرّس بيليغ من خلاله حياته لمساءلة البنى الأيديولوجية الكامنة في علم النفس التقليدي ذاته. لم يعد السؤال لديه: «كيف يفكر الفرد في دماغه؟»، بل أصبح: «كيف تُنتج وتُعاد صياغة الأفكار والمعاني عبر التفاعل الاجتماعي والخطاب؟»، و«كيف تسهم النظريات النفسية المهيمنة في إخفاء علاقات القوة والطبقية وتكريس الهيمنة البرجوازية الغربية؟». لقد فتح هذا المنظور النقدي الباب على مصراعيه لولادة علم نفس اجتماعي بديل وجذري، يعيد الاعتبار للإنسان كفاعل سياسي وأخلاقي، ويبحث عن الحقيقة ليس في الأرقام الإحصائية الجافة، بل في ثنايا الكلمات والمناقشات والصراعات الخطابية اليومية.

2. نقد علم النفس المعرفي والنزعة الفردانية في العلوم السلوكية

2.1 تفكيك مفهوم ‘المعالجة المعرفية’ والاختزال البيولوجي

شن مايكل بيليغ هجوماً منهجياً محكماً على النموذج المعرفي الذي بسط هيمنته المطلقة على علم النفس منذ ستينيات القرن المنصرم، وتحديداً ذلك التوجه الذي رهن فهم الإنسان باستعارة «العقل كحاسوب». رأى بيليغ أن تشبيه الدماغ البشري بالعتاد الصلب (Hardware) والأفكار بالبرمجيات (Software) ومعالجة البيانات، هو سقطة إبستمولوجية فادحة جرّدت الفكر الإنساني من حيويته وطبيعته التناقضية. إن هذا النموذج الآلي يعجز تماماً عن تقديم تفسير مقنع للتناقضات السلوكية البشرية؛ فالإنسان ليس كائناً خوارزمياً يبحث عن الاتساق والمنطق الرياضي الصارم، بل هو كائن يستطيع تبني مواقف متناقضة تماماً والدفاع عنها في آن واحد بحسب مقتضيات السياق الاجتماعي والخطابي والمصلحي الذي يتواجد فيه.

أوضح بيليغ كيف أدى الارتماء في أحضان الاختزالية المعرفية، المعززة لاحقاً بالاختزالية البيولوجية والعلوم العصبية، إلى التهميش المتعمد للأبعاد الثقافية، والرمزية، والتاريخية للأفكار. عندما يتم اختزال التعصب، أو العنف، أو الحب، أو الإيثار إلى مجرد مسارات عصبية أو أنماط من الإدراك المسبق (Schemata)، يتم تغييب الأيديولوجيا بصورة مريبة؛ حيث يُمحى التاريخ لصالح «الطبيعة البيولوجية»، وتُعفى النظم السياسية والاقتصادية القمعية من مسؤوليتها في إنتاج وتغذية هذه الظواهر. إن العقل البشري، بحسب بيليغ، ليس نظاماً مغلقاً لمعالجة المدخلات وإنتاج المخرجات، بل هو صيرورة مفتوحة تتشكل باستمرار داخل شبكة من المعاني المشتركة والرموز الاجتماعية المتنازع عليها.

شدد بيليغ على أن المعنى المشترك والتداولي يسبق دائماً العمليات الذهنية الفردية المغلقة. إننا لا نخترع لغتنا أو مفاهيمنا داخل رؤوسنا بشكل معزول؛ بل نولد في بيئة لغوية وثقافية جاهزة ومشحونة بالمفاهيم المتصارعة. وبالتالي، فإن البحث عن آليات التفكير داخل جمجمة الفرد المعزول هو بمثابة البحث عن سر لعبة كرة القدم عبر دراسة جزيئات الكرة المطاطية ذاتها، متجاهلين قواعد اللعبة، والملعب، والجمهور، والتفاعل بين اللاعبين. إن ما يصفه علماء النفس المعرفي بـ «التحيزات المعرفية» الفطرية ليس في الحقيقة سوى أيديولوجيات مجتمعية مستقرة وراسخة في الخطاب السائد، تم استدماجها اجتماعياً لتظهر بمظهر الاستعدادات العقلية الفطرية.

2.2 مناهضة النزعة الفردانية والبحث عن الفاعلية الاجتماعية

يحتل نقد «النزعة الفردانية المنهجية» (Methodological Individualism) موقع الصدارة في مشروع بيليغ التفكيكي للعلوم السلوكية المعاصرة. لقد وجه نقداً لاذعاً للثقافة الأكاديمية الغربية، والأمريكية منها على وجه الخصوص، التي نصبت «الفرد المنعزل المستقل» كمعزل تحليلي أوحد ونهائي لفهم كل نشاط إنساني. يرى بيليغ أن هذا التوجه لا يعكس حقيقة علمية موضوعية، بل يعبر عن انصياع أيديولوجي لقيم الرأسمالية الليبرالية المتطرفة التي تسعى إلى تفتيت المجتمع إلى ذرات فردية مستهلكة ومنعزلة، وإسقاط المسؤولية الأخلاقية والسياسية للمؤسسات والدول، وتحميل الفرد وحده مسؤولية رفاهه أو فقره، وصحته أو مرضه النفسي.

فكك بيليغ في كتاباته النقدية وهم الحياد والموضوعية الذي تدعيه أدوات القياس السيكولوجية الرائجة، مثل استطلاعات الرأي الكمية، واختبارات قياس الاتجاهات النفسية، واختبارات الشخصية كاختبارات الذكاء ومقياس مينيسوتا. أوضح بيليغ أن هذه الأدوات تفترض سلفاً وجود مواقف داخلية ثابتة ومحكمة ومخزنة سلفاً داخل الفرد، تنتظر من يأتي «ليقيسها» بمسطرة كمية جافة. لكن ما يحدث في الواقع الحقيقي هو نقيض ذلك تماماً؛ فاستطلاعات الرأي تخلق الإجابات خلقاً وتصادر على المطلوب عبر تقييد المبحوثين بخيارات محددة مسبقاً، متجاهلة تماماً الطبيعة الحوارية، والمعقدة، والمترددة التي يتسم بها الوعي البشري إزاء القضايا الجدلية كالهجرة، والعدالة، والحرية.

تأسيساً على ذلك، أعاد بيليغ الاعتبار للذات الإنسانية بوصفها «بنية حوارية» لا وجود لها خارج التفاعل الاجتماعي. متأثراً بأفكار عالم النفس الروسي ليف فيغوتسكي ومفاهيم الفيلسوف ميخائيل باختين، أكد بيليغ أن الوعي الفردي هو حوار داخلي مستمر مستمد بالأساس من النقاشات الاجتماعية الخارجية. فالإنسان لا يتحدث لأن لديه أفكاراً جاهزة في دماغه، بل تتولد لديه الأفكار لأنه يشارك في محادثات مستمرة مع الآخرين ومع مجتمعه. وبالتالي، فإن الفاعلية الإنسانية لا تُفهم بالانكفاء داخل الذات الفردية، بل عبر دراسة انغماس الفرد في السياقات المجتمعية، والطبقية، والتاريخية التي تمده بالأدوات اللغوية والبلاغية للتعبير، والمقاومة، والتفاوض.

2.3 الأبعاد الأخلاقية والسياسية للمختبرات النفسية

لم يكتفِ بيليغ بنقد الأسس المنهجية والمعرفية لعلم النفس التجريبي، بل مضى قُدماً لتشريح الأبعاد الأخلاقية والسياسية المضمرة الكامنة خلف جدران المختبرات النفسية. كشف بيليغ بجرأة نادرة عن طبيعة علاقات القوة غير المتكافئة وغير الديمقراطية التي تحكم العلاقة بين «الباحث» (الذي يرتدي معطف العالم الموضوعي ويمتلك المعرفة والسيطرة) و«المفحوص» أو المشارك (الذي يُعامل كفأر تجارب مجرد من الكفاءة التحليلية، ويُطلب منه الخضوع لتعليمات سرية وأوامر مصطنعة). إن هذا الترتيب المؤسسي داخل المختبر هو استنساخ فاضح لتراتبيات الهيمنة البيروقراطية والتسلطية في المجتمع المعاصر.

أبرز بيليغ خطورة عزل المشاركين عن بيئاتهم الطبيعية المعاشة، حيث يتعمد التجريبيون تجريد الإنسان من تاريخه، وهويته الطبقية، وانتماءاته السياسية لتوليد استجابات رقمية قابلة للحوسبة والقياس. هذا التجريد المتعمد ليس عملاً بريئاً؛ بل هو أسلوب منهجي ينتج معرفة زائفة تدعي الكونية والعمومية بينما هي في واقع الأمر لا تمثل سوى استجابات أشخاص غربيين، متعلمين، يعيشون في بيئات رأسمالية مصنعة وتحت شروط ضغط نفسي مصطنعة. وقد تجلى ذلك بوضوح في نقده لتجارب الطاعة الشهيرة التي أجراها ستانلي ميلغرام، حيث بين بيليغ كيف تم توجيه النتائج وتأويلها لدعم رؤية تشاؤمية حتمية حول الطبيعة البشرية والانصياع الأعمى، متجاهلين كيف كان المشاركون يجادلون ويترددون ويقاومون تعليمات الباحث البلاغية داخل المختبر.

خلص بيليغ إلى أن هذا النمط من الممارسة التجريبية يسهم موضوعياً في إنتاج معرفة تخدم الحفاظ على الوضع الراهن وتبرر الهيمنة الطبقية والمؤسسية القائمة؛ فعندما يتم تفسير المشكلات الاجتماعية والسياسية المزمنة (كالفقر، والتمييز العنصري، والانصياع السياسي) كنتيجة لـ «قصور إدراكي» أو «سمات شخصية» فردية قابلة للعلاج الإكلينيكي المعزول، يتم صرف الأنظار تماماً عن ضرورة التغيير الثوري والسياسي للهياكل المؤسسية الفاسدة. من هنا، أطلق بيليغ دعوته التاريخية والمستمرة لبناء «علم نفس اجتماعي تحرري» يفكك أدوات السيطرة، وينزل إلى الميدان الواقعي، ويستمع إلى أصوات المهمشين والفاعلين الاجتماعيين في معاركهم اليومية من أجل العدالة والكرامة.

3. علم النفس البلاغي: التفكير بوصفه جدلاً وحواراً

3.1 الأصول الفلسفية للأطروحة البلاغية (كتاب ‘الجدل والتفكير’)

في عام 1987، أحدث مايكل بيليغ زلزالاً معرفياً في أروقة العلوم الاجتماعية بصدور كتابه الرائد والمؤسس «الجدل والتفكير: مقاربة بلاغية لعلم النفس الاجتماعي» (Arguing and Thinking: A Rhetorical Approach to Social Psychology). في هذا المؤلف الاستثنائي، تجاوز بيليغ بضربة واحدة قروناً من الهيمنة الديكارتية والأرسطية على الفكر الغربي، ليعيد إحياء التراث البلاغي والخطابي القديم الذي تم إقصاؤه وتهميشه منذ زمن أفلاطون، وتحديداً الفلسفة السفسطائية الإغريقية وأفكار الفيلسوف البارز بروتاغوراس (Protagoras).

استند بيليغ بعمق إلى مبدأ بروتاغوراس الجوهري القائل بأن: «لكل حجة هناك حجة مضادة مساوية لها في القوة والوجاهة» (Dissoi Logoi). رأى بيليغ في هذا المبدأ السفسطائي القديم مفتاحاً عبقرياً لفهم العقل البشري؛ فالإنسان ليس آلة منطقية تسعى خلف الحقيقة المطلقة الواحدة كما أراد أفلاطون وأرسطو، بل هو كائن بلاغي بامتياز يتشكل فكره من خلال القدرة المتزامنة على الدفاع عن موقف ما ودحض الموقف المقابل. لقد انتقد بيليغ بشدة اقتصار علم النفس على المنطق الصوري (Formal Logic)، حيث يُعد التناقض عيباً ذهنياً يجب التخلص منه؛ مؤكداً أن الحياة الإنسانية والاجتماعية تقوم في جوهرها على معضلات أخلاقية وقيمية متناقضة لا يمكن حلها بواسطة المعادلات المنطقية المجردة.

بهذا الصنيع المعرفي، نجح بيليغ في تحويل مركز الثقل الإبستمولوجي لعلم النفس: من البحث في «المخططات الذهنية» الصامتة والقوالب المعرفية المغلقة، إلى دراسة «الفنون البلاغية والخطابية» المفتوحة كما طورها قديماً شيشرون وكوينتيليان. فبدلاً من رؤية اللغة كأداة ثانوية لنقل الأفكار المتكونة سلفاً في الرأس، أصبحت البلاغة هي الرحم الأساسي الذي يولد فيه الفكر ذاته؛ فالفكر هو صياغة للحجج، وتفنيد للادعاءات، وإقناع للآخرين وللذات، وكل عملية تفكيرية فردية هي في جوهرها نسخة مستبطنة من مناظرة علنية تدور رحاها في الفضاء العام.

3.2 التفكير كحوار داخلي مستمد من الجدل الخارجي

تتمثل الفكرة اللامعة التي طرحها بيليغ في كتابه في أن الفكر الإنساني الفردي ليس سوى استيعاب داخلي، واستدماج حواري عميق (Internalization) للمناقشات والجدالات الاجتماعية الخارجية المتداولة في المجتمع. ينطلق بيليغ من أطروحة حاسمة: لكي يتعلم الإنسان كيف يفكر بمفرده، يجب عليه أولاً أن يتعلم كيف يجادل مع الآخرين. إن الطفل لا يولد بعقل ناطق جاهز، بل يكتسب مهارات التفكير بالتزامن مع تعلمه فنون الدفاع عن مطالبه، وتقديم المبررات لوالديه، ومقاومة رغبات أقرانه؛ حيث يستبطن عبر الزمن أصوات الآخرين واعتراضاتهم لتصبح هذه الأصوات هي لحمة وسدى «حواره الداخلي» الخاص.

انطلاقاً من هذا التصور البلاغي، فكك بيليغ المفهوم التقليدي لـ «المواقف الثابتة» والآراء الجاهزة والمخزنة في الذاكرة. لا يتصرف الفرد البشري كأرشيف للمعلومات الثابتة، بل يتجلى موقفه دائماً في سياق تبريري ومحاجة مستمرة؛ فأن تتبنى موقفاً معيناً يعني تلقائياً وبالضرورة أنك تنخرط في صراع ضد موقف بديل يمكن دحضه. لا يوجد موقف خارج سياق المعارضة؛ فالحديث عن «الحرية» لا يكتسب معناه النفسي والاجتماعي إلا في مواجهة خطاب «القمع» أو «الفوضى»، والحديث عن «العدالة» لا يُستدعى إلا لنفي «الظلم» وتبرير استحقاقات معينة. إن الفكر الإنساني في حالة غليان وجدل دائم، وليس كتلة إسمنتية مصمتة.

كما حلل بيليغ في هذا السياق جدلية «التخصيص والتعميم» (Particularization and Categorization) في الخطاب اليومي. فبينما يصر علماء النفس المعرفي على أن العقل البشري يسعى دوماً للتعميم والتصنيف التلقائي، أثبت بيليغ عبر التحليل البلاغي أن البشر يمتلكون قدرة بارعة ومتساوية على «التخصيص»؛ أي استثناء حالات معينة من القاعدة العامة متى ما اقتضت المصلحة أو دعت الحاجة البلاغية لذلك. فعندما يجادل الفرد نفسه أو غيره، فإنه يتأرجح باستمرار بين استخدام القواعد العامة واستدعاء الاستثناءات البارعة لدعم أطروحته، مما يجعل التفكير البشري ممارسة إبداعية حية ومرنة لا يمكن حصرها في قوالب معرفية جامدة ومبرمجة مسبقاً.

3.3 إعادة صياغة مفهوم ‘الموقف’ في علم النفس الاجتماعي

أحدثت أطروحة بيليغ البلاغية انقلاباً جذرياً في تعريف وتناول مفهوم «الموقف» (Attitude)، الذي اعتُبر لعقود طويلة بمثابة حجر الزاوية وقدس الأقداس في حقل علم النفس الاجتماعي. عرّف النموذج التقليدي الموقف بأنه «استعداد كامن أو حالة نفسية وعصبية مستقرة داخل الفرد توجه استجاباته وتصرفاته نحو الموضوعات والمثيرات». هاجم بيليغ هذا التعريف الميتافيزيقي المستتر، واعتبره مفهوماً تشييئياً يخترع كياناً داخلياً وهمياً لا يمكن رصده؛ مستبدلاً إياه بتعريف جديد وثوري يرى في الموقف: «أداءً بلاغياً، وسياقياً، وموقفياً يتجسد في النشاط التواصلي والتبريري».

أوضح بيليغ أن ما نسميه «موقفاً» ليس شيئاً يمتلكه الفرد في باطنه، بل هو فعل إنجازي يمارسه الفرد دفاعاً عن نفسه أو تبريراً لاختياراته في مواجهة مخاطبين حقيقيين أو متخيلين. وتترتب على هذه الرؤية نتيجة إبستمولوجية بالغة الأهمية: وهي أن الطبيعة التناقضية للمواقف وتغيرها المستمر عبر السياقات ليست دليلاً على «الاضطراب» أو «النفاق» الفردي كما يزعم التجريبيون، بل هي التعبير الطبيعي عن الطبيعة البلاغية للإنسان؛ فالمتحدث يعدل صياغة حججه، ويبرز جوانب معينة، ويخفي أخرى بناءً على طبيعة الطرف المقابل في الجدل، وموازين القوى، والهدف التواصلي الراهن.

درس بيليغ بعناية فائقة آليات التبرير وصياغة «الأعذار» (Accounts and Excuses) كأدوات بلاغية بالغة التعقيد والفاعلية يلجأ إليها الأفراد باستمرار لحماية هوياتهم، ومواقعهم الاجتماعية، وسمعتهم الأخلاقية داخل الجماعة. وقد كان لهذا المدخل البلاغي تأثير منهجي عميق وعاصف على طرق جمع وتحليل البيانات في العلوم الاجتماعية؛ حيث قاد بيليغ موجة التخلي عن الاستبانات الكمية ومقاييس الاتجاهات الجامدة، لصالح تسجيل المحادثات الحقيقية الطبيعية، والنقاشات الجمعية العفوية، وتحليل الخطابات الصحفية والسياسية بوصفها الحقول الحقيقية التي تولد فيها المواقف وتتصارع وتكتسب فعاليتها الحقيقية.

4. نظرية القومية المبتذلة (Banal Nationalism): الآليات وإعادة الإنتاج اليومي

4.1 التمييز الجوهري بين القومية المبتذلة والقومية الحارة/المتطرفة

في عام 1995، نشر مايكل بيليغ درته الفكرية وكتابه الذي حقق شهرة كونية عابرة للتخصصات: «القومية المبتذلة» (Banal Nationalism). جاء هذا العمل ليفجر افتراضاً مركزياً استقر طويلاً في العلوم السياسية وعلم الاجتماع الغربي، وهو الافتراض الذي كان يحصر مفهوم «القومية» (Nationalism) في الحركات الانفصالية الدموية، أو التمردات العرقية في دول العالم الثالث، أو صعود الفاشية والنازية والتطرف اليميني. في مقابل ذلك، كانت الدول الديمقراطية الغربية المستقرة (مثل بريطانيا، وفرنسا، والولايات المتحدة) تصف نفسها بأنها تجاوزت عصر القوميات لتدخل فضاء «الوطنية المدنية الدستورية» الهادئة (Civic Patriotism).

فضح بيليغ هذا التمييز الزائف بقسوة معرفية نادرة، مؤكداً أن ما يُسمى بالوطنية المدنية في الغرب ليس سوى وجه آخر لنفس العملة الأيديولوجية؛ حيث صاغ مفهومه الرائد «القومية المبتذلة» ليشير إلى: «تلك المنظومة الراسخة والمستمرة وغير المرئية من العادات الفكرية، والممارسات الرمزية، والتمثيلات اللغوية اليومية التي تعيد إنتاج الدولة القومية بصمت دائم وتجعل وجودها يبدو طبيعياً وبديهياً وحساً مشتركاً غير قابل للنقاش أو الشك». فالقومية، بحسب بيليغ، ليست وباءً طارئاً أو جنوناً يصيب أطراف العالم المتخلفة، بل هي الأكسجين الأيديولوجي الدائم الذي تتنفسه حتى أعرق الديمقراطيات الغربية المستقرة.

أبرز بيليغ كيف تمارس الدول الغربية ازدواجية خطابية كولونيالية فاقعة: فهي تصف تمسكها بحدودها، وعلمها، ومصالحها بـ «الوطنية العقلانية»، بينما تصف حركات الشعوب الأخرى أو الأقليات الساعية لتقرير مصيرها بـ «القومية المتطرفة، والعرقية، والخطيرة». لقد برهن بيليغ على أن القومية المتطرفة أو «القومية الحارة» (Hot Nationalism) التي تشتعل زمن الحروب والأزمات الكبرى لا يمكن أن تندلع فجأة من فراغ، بل هي تعتمد عضوياً على الوقود الرمزي الصامت الذي راكمته وضخته «القومية المبتذلة» في أوردة المجتمع يوماً بعد يوم، وعقداً بعد عقد، عبر آليات التلقين الهادئة التي تجعل الأفراد مستعدين للقتل والموت من أجل قطعة قماش ترمز للأمة.

4.2 التلويح غير الواعي بالعلم: الرموز اليومية غير الملحوظة

لتوضيح الكيفية التي تعمل بها القومية المبتذلة على تشكيل الوعي الجمعي، اجترح بيليغ استعارة بصرية مذهلة ومؤثرة تكمن في التمييز بين «العلم الملوح به بحماسة» (The Waved Flag) و«العلم غير الملوح به» (The Unwaved Flag). في أوقات التعبئة العسكرية والحروب أو التظاهرات الفاشية الصاخبة، يُلوح بالعلم في الهواء بقوة مصحوباً بالهتافات الحماسية، وهذا هو النمط الصريح والملحوظ للقومية. أما في الأيام العادية الهادئة، فإن العلم يتدلى بارتخاء وبصمت تام فوق مباني المؤسسات الحكومية، ومراكز الشرطة، والمدارس، ومكاتب البريد، والمطارات. لا أحد يهتف لهذا العلم المتدلي ولا يلتفت إليه المارة، لكنه من خلال حضوره الهادئ غير الملحوظ يمارس تأثيراً سيكولوجياً جباراً: إنه يُذَكّر الأفراد طوال الوقت وبلا انقطاع بأنهم يعيشون داخل حدود «أمة» محددة ذات سيادة مقدسة.

وسع بيليغ هذا التحليل ليميط اللثام عن شبكة لا حصر لها من الرموز المادية اليومية التي تؤدي نفس الوظيفة الترسيمية دون أن تثير أدنى انتباه نقدي. إن العملات النقدية الورقية والمعدنية التي يتداولها الملايين لشراء رغيف الخبز أو تذكرة القطار محفورة بصور ملوك ورؤساء ورموز تاريخية قومية؛ والطوابع البريدية، والخرائط الجغرافية المعلقة في الفصول الدراسية، واللوحات الإرشادية على الطرق السريعة؛ كلها أدوات سيميائية تعيد ترسيخ جغرافيا الأمة وحدودها النفسية في اللاوعي الجمعي في كل لحظة وحين.

بل إن بيليغ ذهب إلى أبعد من ذلك في تفكيك اليومي حينما حلل البنية الإخراجية لنشرات الأخبار والطقس على شاشات التلفزيون في الديمقراطيات المعاصرة. ففي النشرة الجوية، يظهر المذيع أمام خريطة تقتصر خطوطها بدقة متناهية على الحدود السياسية للأمة، حيث تنتهي الأحوال الجوية ودرجات الحرارة تماماً عند خط الحدود مع الدولة المجاورة، وكأن الغيوم والرياح تخضع للسيادة الوطنية! كما يُقسم هيكل الأخبار في وسائل الإعلام بشكل تلقائي إلى: «أخبار محلية/وطنية» و«أخبار العالم/الخارج»، مما يكرس في ذهن المشاهد وبصورة يومية غير خاضعة للتفكير أن العالم مقسم طبيعياً وإلى الأبد إلى «نحن» التي تحتل الصدارة والمركز، و«هم» الذين يقبعون في الهامش الخارجي.

4.3 المحددات اللغوية والإشارية (Deixis) وبناء جغرافيا ‘نحن’

لم يقتصر بيليغ في دراسة القومية المبتذلة على المظاهر المادية والرمزية، بل غاص في عمق البنية اللسانية والنحوية للخطاب اليومي، مستثمراً مفهوماً لغوياً دقيقاً يُعرف بـ «المحددات اللغوية الإشارية» (Deixis). والمحددات الإشارية هي كلمات صغيرة وبسيطة تعتمد دلالتها بالكامل على سياق التلفظ، مثل: «نحن»، «هنا»، «هناك»، «الوطن»، «الشعب»، «الحكومة». أجرى بيليغ مسحاً تحليلياً شاملاً للصحافة اليومية الغربية الرصينة في يوم واحد عشوائي، ليكتشف الحضور الطاغي والمكثف لهذه المفردات البسيطة التي تمر دون أن يلحظها القارئ العادي.

أظهر بيليغ كيف تخاطب وسائل الإعلام والسياسيون الجماهير عبر هذه الضمائر بافتراض مسبق وغير مصرح به لوجود انتماء كلي وموحد وبديهي. فعندما تنشر صحيفة بريطانية عنواناً يقول: «رئيس وزرائنا يزور اليوم واشنطن لدعم مصالحنا»، فإن الضمير «نا» في «وزرائنا» و«مصالحنا» يمارس عملية سحرية واختزالية خارقة: إنه يفترض أن القارئ بريطاني حتماً، وأن هناك مصلحة وطنية عليا واحدة يشترك فيها الجميع، متجاهلاً كل الصراعات والانقسامات الطبقية، والعرقية، والجنوسية، والمناطقية داخل ذلك المجتمع. إن هذه اللغة الإشارية تقوم بهدوء بتطبيع الوطن وجعله البيت الطبيعي والوحيد للكينونة الإنسانية.

تُسهم هذه المحددات الإشارية في ترسيم الحدود النفسية للأمة بصورة قاطعة؛ فالخارج يُبنى لغوياً بوصفه فضاء الغرباء والتهديدات، بينما الداخل هو فضاء الألفة والأمان الموهوم. فكك بيليغ في هذا السياق الرطانة الأكاديمية والعولمية التي شاعت في تسعينيات القرن العشرين حول بزوغ «عالم بلا حدود» و«أفول الدولة القومية» تحت وطأة التدفقات المالية وتكنولوجيا المعلومات؛ مؤكداً أن هذه نبوءات ساذجة وسطحية؛ فالحدود المادية والنفسية للدول القومية تزداد تجذراً ورسوخاً في الممارسات اللغوية التداولية اليومية، وأن النخب المعولمة التي تروج لهذه المقولات تمارس ذاتها قومية مبتذلة شديدة الصلابة تحمي بها مصالحها ومكتسباتها الوطنية المستترة.

4.4 الأبعاد السيكولوجية لاستمرارية الولاء القومي

يقود تحليل بيليغ للقومية المبتذلة إلى الإجابة عن المعضلة السيكولوجية الكبرى التي طالما أرقت علماء السياسة والاجتماع: كيف يمكن للمواطن الحديث، المتشبع بالقيم الفردية والاستهلاكية في المجتمعات الغربية المعاصرة، أن يوافق فجأة، وبمجرد إعلان الحرب، على التضحية بحياته وماله والانخراط في قتل الآخرين دفاعاً عن الدولة؟ يرى بيليغ أن الإجابة لا تكمن في قوة البروباغندا العسكرية المفاجئة أو الحماسة القومية الطارئة، بل تكمن في ذلك التراكم السيكولوجي الهائل الذي بنته القومية المبتذلة على مدار حياة الفرد بأكملها.

إن الولاء القومي، وفقاً لبيليغ، ليس عقيدة سياسية يتبناها الفرد باختياره العقلاني الواعي، بل هو بنية عميقة في الهوية الفردية تتشكل عبر التطبيع اليومي المستمر. فمن خلال الطقوس اليومية الصامتة، والمناهج المدرسية، والأخبار، والرياضة الوطنية، يمتلئ الفرد بإحساس تلقائي بـ «الوطنية المتجذرة» (Rootedness) تجعل الدفاع عن الأمة يبدو كدفاع بيولوجي غريزي عن البقاء والذات. وعندما تقع الأزمة، لا يحتاج القادة السياسيون إلا إلى الضغط على زر التفعيل؛ حيث يتم استدعاء ذلك المخزون البلاغي والرمزي المستقر في الوجدان الجمعي لتحويل «القومية المبتذلة الهادئة» إلى «قومية حارة ملتهبة» في لمح البصر.

تتجلى الأهمية الراهنة الفائقة لنظرية بيليغ في قدرتها التفسيرية العميقة لظواهر العداء للأجانب، وأزمات الهجرة واللجوء التي تعصف بالعالم اليوم. فمن خلال ترسيخ فكرة أن العالم ينقسم بصورة طبيعية وأبدية إلى أوطان محكمة الإغلاق لكل شعب فيها حق التملك الحصري، تجعل القومية المبتذلة من المهاجر أو اللاجئ عنصراً غريباً وشاذاً ومشبوهاً يهدد النظام الكوني الطبيعي. إن العداء للمهاجرين ليس نتاج انحراف نفسي فردي لليمين المتطرف، بل هو النتيجة المنطقية والحتمية للنظام الأيديولوجي للقومية المبتذلة التي تحكم العالم الغربي، والتي لا تفتأ تُذَكّر مواطنيها بأن حدودهم الجغرافية هي حدود استحقاقهم الأخلاقي والإنساني.

5. علم النفس الخطابي وتحليل المحادثة: المنهج والتطبيق

5.1 مجموعة لوفبرا وتأسيس علم النفس الخطابي

شهدت ثمانينيات القرن العشرين ولادة حركة علمية ثورية في بريطانيا تمثلت في تأسيس تيار علم النفس الخطابي (Discursive Psychology)، الذي اتخذ من جامعة لوفبرا مقراً له، بفضل التعاون الأكاديمي التاريخي والوثيق بين مايكل بيليغ وزملائه ديريك إدواردز (Derek Edwards) وجوناثان بوتر (Jonathan Potter)، إلى جانب مارغريت ويذرل وتشارلز أنطاكي. التقت إرادة هؤلاء المفكرين على هدف استراتيجي واحد: هدم النموذج المعرفي والتجريبي المهيمن، وبناء علم نفس بديل بالكامل يستمد أدواته من الفلسفة التأويلية، واللسانيات الاجتماعية، والتحليل الإثنوميثودولوجي للمجتمع.

تمثل الانتقال المنهجي الحاسم الذي دشنته «مجموعة لوفبرا» في تحويل بوصلة البحث العلمي: من التنقيب في مجاهل «الإدراك الباطني» (Internal Cognition) والعمليات العقلية المعزولة داخل الرأس، إلى الملاحظة الدقيقة والدراسة الوصفية المعمقة لـ «التفاعل المنطوق الواقعي» (Naturally Occurring Interaction) والنصوص المكتوبة الحية المتداولة في الممارسات الاجتماعية اليومية. اعتبرت المجموعة أن محاولة تفسير سلوكيات الناس عبر تخمين آليات عقلية غير مرئية هي درب من الميتافيزيقا العلمية؛ في حين أن ما يجب دراسته هو ما يفعله الناس باللغة بالفعل عندما يتحدثون، ويتشاجرون، ويفاوضون، ويبنون حقائقهم اليومية المشتركة.

وجه بيليغ ورفاقه نقداً تدميرياً للأساليب الإحصائية والكمية التقليدية في قياس المشاعر والاتجاهات، معتبرين أنها تفرض على الواقع نماذج مسبقة مشوهة تختزل ثراء الكلام البشري إلى خانات وأرقام جافة. وفي المقابل، قاموا بتطوير ترسانة منهجية وتقنيات بالغة الدقة والتعقيد لتحليل الخطاب والمحادثات الطبيعية، تهدف إلى تفكيك الممارسات المؤسسية والاجتماعية في فضاءاتها الحقيقية: كغرف المحاكمات، وعيادات الأطباء، والمكاتب الاستشارية، والنقاشات البرلمانية، والمحادثات العائلية العادية، مما سمح برؤية النفس البشرية ليس كمعطى بيولوجي ثابت، بل كـ «إنجاز خطابي وتواصلي دائم التجدد».

5.2 اللغة كفعل اجتماعي وإنجاز تفاعلي

استند علم النفس الخطابي عند بيليغ إلى استيعاب راديكالي لنظريات فلاسفة اللغة العادية، وتحديداً أطروحة الفيلسوف البريطاني جون أوستن حول «أفعال الكلام» (Speech Acts) وفكرة فيتغنشتاين عن «ألعاب اللغة». رفض بيليغ النظر إلى اللغة بوصفها مجرد مرآة سلبية تصف العالم أو وعاءً ينقل المعلومات من دماغ إلى آخر؛ بل رأى فيها «شكلاً من أشكال الفعل الاجتماعي» (Language as Action). فعندما يتكلم الإنسان، فإنه لا يكتفي بالوصف؛ بل هو يهدد، أو يعتذر، أو يجامل، أو يقصي، أو يؤسس لعلاقة قوة، أو يبني هوية لنفسه ولغيره.

كرس بيليغ جهوده البحثية لإظهار كيف يستخدم المتحدثون اللغة في سياقاتهم الحية لإنجاز مهام اجتماعية وأخلاقية حاسمة: مثل إلقاء اللوم على الآخرين (Blaming)، والتملص من المسؤولية، وتقديم التبريرات المقنعة، وبناء «المصداقية والحقيقة» (Fact Construction) لإظهار روايتهم للأحداث بوصفها الحقيقة الموضوعية الوحيدة التي لا تقبل الشك. استعان بيليغ في ذلك بتقنيات «تحليل المحادثة» (Conversation Analysis) الصارمة، متتبعاً أدق التفاصيل اللغوية المنطوقة: كالتوقفات اللحظية، وتغير نبرات الصوت، واستخدام الترددات الصوتية، وآليات تبادل الأدوار، لإثبات أن المعنى لا يتشكل اعتباطياً، بل يُبنى بتناغم إجرائي بالغ الإحكام بين المتفاعلين.

امتد هذا الفهم التواصلي ليزلزل مفاهيم سيكولوجية تقليدية كبرى مثل «الذاكرة والاستذكار» (Remembering). فبينما يصر علماء النفس التجريبي على أن الذاكرة هي مخزن للبيانات في خلايا الدماغ، أثبت بيليغ أن الاستذكار والنسيان هما في جوهرهما «فعلان خطاربان تشاركيان» بامتياز. فعندما نتذكر حدثاً ما في جلسة عائلية أو أمام القضاء، فإننا نتجادل حول «ما حدث بالفعل»، ونصلح روايات بعضنا البعض، ونختار إبراز وقائع معينة وطمس أخرى بناءً على متطلبات الموقف التداولي الراهن. الذاكرة هنا ليست تسجيلاً سينمائياً محايداً لما مضى، بل هي محاجة بلاغية حاضرة لإثبات شرعية معينة أو تبرير تصرف ما.

5.3 دراسة المعضلات الفكرية في الخطاب العادي

في عام 1988، أصدر مايكل بيليغ بالتعاون مع فريقه كتاباً محورياً حمل عنوان: «المعضلات الأيديولوجية: علم نفس اجتماعي للحس السليم» (Ideological Dilemmas: A Social Psychology of Everyday Thinking). طرح بيليغ في هذا الكتاب مفهوماً تأسيسياً شديد النفاذ وهو «المعضلات الأيديولوجية»، مفاده أن الثقافة الشعبية والحس السليم في أي مجتمع لا يتشكلان من منظومات فكرية متسقة ومغلقة، بل يتأسسان بنيوياً على حزم من المبادئ والقيم المتعارضة والمتناقضة داخلياً التي تتجاور في عقل وخطاب الأفراد العاديين.

أوضح بيليغ أن الفكر الإنساني يعيش في حالة توتر دائم ومستمر بين قيم متنازعة يقر بها المجتمع جميعاً: كالتناقض بين قيمة «المساواة المطلقة والعدالة» من جهة، وقيمة «الاستحقاق الفردي وحرية المنافسة» من جهة أخرى؛ أو بين قيمة «الامتثال للقوانين» وقيمة «التمرد الفردي والبطولة الشخصية». هذا التناقض البنيوي في الحس المشترك ليس عيباً عقلياً في الأفراد، بل هو الشرط والوقود الأساسي الذي يمكنهم أصلاً من التفكير، والمناقشة، واتخاذ القرارات؛ فلو كانت الثقافة تحوي مبدأً واحداً مطلقاً دون نقيضه لما كان هناك مجال للتفكير أو الجدل على الإطلاق.

قام بيليغ بتطبيق هذا المفهوم ببراعة فائقة في دراسة ظاهرة العنصرية الحديثة في المجتمعات الديمقراطية الغربية. حلل بيليغ الاستراتيجيات البلاغية الشائعة التي يوظفها المواطنون العاديون والسياسيون لتمرير الأفكار التمييزية ضد المهاجرين أو الأقليات مع الحفاظ في الوقت ذاته على صورتهم كأشخاص منصفين ومتسامحين يرفضون التعصب. ومن هنا برزت دراسته الشهيرة للبنى اللغوية الاستدراكية من قبيل: «أنا لست عنصرياً على الإطلاق، لكن…» (I’m not racist, but…). فكك بيليغ عبارة «أنا لست عنصرياً» بوصفها تمهيداً دفاعياً وبلاغياً واقياً يُراد منه تحصين المتحدث ضد تهمة التعصب الأخلاقية، قبل أن ينخرط مباشرة في إطلاق حكم عنصري أو إقصائي فاقع بعد كلمة «لكن»، مما يكشف عن كيفية تسوية المعضلات الأيديولوجية والتناقضات الأخلاقية من خلال الحيل البلاغية المعقدة في الخطاب اليومي.

6. إعادة قراءة التحليل النفسي: الكبت الفرويدي كممارسة حوارية

6.1 نقد النموذج الميكانيكي للهيدروليكا النفسية عند فرويد

في عام 1999، أقدم مايكل بيليغ على خطوة بحثية بالغة الجرأة والعمق عبر كتابه الإشكالي: «الكبت الفرويدي: المحادثة التي تخلق اللاوعي» (Freudian Repression: Conversation Creating the Unconscious). انخرط بيليغ في هذا العمل في تفكيك نقدي رصين لواحد من أعظم التيارات النفسية في التاريخ المعاصر: نظرية التحليل النفسي لـ سيغموند فرويد. لم يكن هدف بيليغ هدم التحليل النفسي ورميه في سلة المهملات كما فعل السلوكيون والتجريبيون، بل كان هدفه «إنقاذ فرويد من فرويد نفسه»؛ أي تخليص الظاهرة الفرويدية المضيئة من إطارها الميكانيكي والبيولوجي البائد وإعادة غرسها في أرضية لغوية وتواصلية حديثة.

وجه بيليغ نقداً راديكالياً لما أسماه «النموذج الهيدروليكي للميكانيكا النفسية» الذي تبناه فرويد متأثراً بفيزياء القرن التاسع عشر؛ ذلك النموذج الذي صور الغرائز والدوافع كطاقات وسوائل حبيسة تغلي تحت ضغط هائل، والكبت كصمام أمان حديدي يمنع انفجارها. كما انتقد بيليغ التقسيم الطوبوغرافي الشهير للنفس الإنسانية إلى كيانات صلبة وشبه مشخصنة (الأنا، الهو، والأنا الأعلى)، معتبراً أن هذه المفاهيم حولت العمليات النفسية المتحركة إلى أشياء مكانية وهمية داخل الدماغ والبدن، وهو ما قاد فرويد إلى افتراض حتمية بيولوجية غريزية عمياء هي التي توجه سلوكيات البشر وكبتهم.

جادل بيليغ بأن فرويد وقع في تناقض إبستمولوجي صارخ: فبينما كانت ممارسته الإكلينيكية الفعلية داخل غرفة العلاج تقوم بالكامل على «الكلام، والتداعي الحر، والحوار المتبادل»، ظل تأصيله النظري مكبلاً بالنماذج الفسيولوجية والطبية الجافة. لقد أثبت بيليغ إخفاق كل التفسيرات الفسيولوجية والغريزية في تحديد ماهية ما يتم كبته بالفعل ومن أين يكتسب طابعه المحظور؛ مؤكداً أن العمليات اللاواعية ليست قوى بيولوجية باطنية وسابقة على الوجود الاجتماعي، بل هي نتاج مباشر وحي للنشاط اللغوي والتواصلي الذي يمارسه البشر داخل مجتمعاتهم وثقافاتهم المحددة.

6.2 تعلم الكبت: كيف يعلم المجتمع الأطفال ما يجب نسيانه

أعاد بيليغ صياغة مفهوم «الكبت» (Repression) من أساسه، مجترحاً أطروحة مضادة تماماً للأطروحة الفرويدية الكلاسيكية. فبينما كان فرويد يرى أن الكبت هو عملية دفاعية بيولوجية فطرية وغريزية يمارسها العقل لاشعورياً، أثبت بيليغ أن: «الكبت مهارة اجتماعية ولغوية معقدة يتعلمها الطفل تدريجياً بالتزامن مع تعلمه للكلام». فالطفل البشري لا يولد بقدرة فطرية على الكبت والنسيان الهادف؛ بل المجتمع، وعبر المؤسسات التأديبية الأولى كالأسرة والمدرسة، هو الذي يدرّب الطفل بصبر ودأب على «ما يجب ألا يُقال»، و«ما يجب التغافل عنه وإسكاته».

تتبع بيليغ في تحليلاته الإثنوغرافية واللغوية الدقيقة مراحل التنشئة الاجتماعية للأطفال، مبيناً كيف يتعلم الطفل قواعد الحياء واللياقة الأخلاقية (Politeness and Taboos). فعندما يطلق الطفل البريء عبارة صادمة في العلن (كأن يصف شخصاً بالبدانة أو يشير إلى عورة)، لا تكتفي الأسرة بمنعه، بل تدربه على فنون لغوية محددة: تغيير مسار الحديث، وتفادي الكلمات المحظورة، والمواربة، واستخدام التوريات البلاغية. وبمرور الوقت، تتحول مهارات «التجنب والتجاهل اللفظي الخارجي» إلى مهارات «تجنب وتجاهل ذهني داخلي»؛ فالكبت الفعال ليس في حقيقته سوى إسكات بلاغي وتواصلي يمارسه الفرد ضد نفسه استجابة لأوامر المحيطين به.

تصل هذه الأطروحة إلى ذروتها في تعريف بيليغ الثوري لـ «اللاوعي» (The Unconscious)؛ فاللاوعي ليس قبواً مظلماً تتكدس فيه الغرائز الحيوانية الفطرية منذ الأزل، بل هو ببساطة: «نتاج المحادثات المستبعدة، والكلمات المحرمة، والاعتراضات التي تم إسكاتها وإقصاؤها اجتماعياً وسياسياً». إن اللغة، بحسب بيليغ، تحمل ميزة مزدوجة وعجيبة: فهي في الوقت ذاته الأداة التي تمكننا من التعبير عما نريد، وهي الأداة ذاتها التي تخلق وتفرض المحرمات وتدربنا على كبت ما لا يُراد له أن يُقال؛ وبالتالي، فإن كل نظام محادثة يخلق بالضرورة وبشكل متزامن نظامه الخاص من اللاوعي والكبت.

6.3 الطبيعة الحوارية للرقابة الذاتية

في ضوء هذه الرؤية البلاغية، أعاد مايكل بيليغ تفكيك مفهوم «الرقابة النفسية الذاتية» (Self-Censorship)، ناقلاً إياها من التجريد الفرويدي الصامت إلى الفضاء التفاعلي الحي. يرى بيليغ أن الرقابة ليست آلية أوتوماتيكية داخلية معزولة، بل هي «صوت حواري مستبطن» يمثل سلطة الآخرين، وأحكامهم الأخلاقية، وتوقعاتهم الاجتماعية. فعندما نراقب أنفسنا ونكبت أفكارنا أو رغباتنا، فإننا في الواقع ندير حواراً داخلياً مع محامٍ أو قاضٍ متخيل يقف في زاوية أذهاننا، نحاججه ونخضع لحكمه البلاغي خوفاً من الاستهجان أو العقاب الاجتماعي الواقعي.

كشف بيليغ عن العلاقة الجدلية الوثيقة والتكاملية بين «ما يُقال في العلن» و«ما يجب دفنه في الصمت». فلا يمكن لأي نظام اجتماعي أو مؤسسة سياسية أن تحافظ على استقرارها وهيمنتها دون إدارة صارمة لمنظومة الكبت الحواري؛ حيث يتم تدريب الأفراد على التغاضي المتبادل عن المظالم اليومية، وعن التناقضات الصارخة في الخطاب السائد، مما يجعل الكبت اللغوي ركيزة أساسية من ركائز الانضباط المؤسسي والامتثال السياسي في الدولة الحديثة.

ولكي يقدم دليلاً إمبريقياً قاطعاً على صحة أطروحته، عاد بيليغ إلى نصوص فرويد الإكلينيكية الشهيرة ذاتها (مثل حالة «دورا»، وحالة «رجل الفئران»، وحالة «هانز الصغير»)، وقام بإخضاعها لتحليل خطابي ونقدي استثنائي. أثبت بيليغ من خلال قراءة دفاتر فرويد كيف كان فرويد يمارس في جلساته العلاجية ضغوطاً بلاغية ومحاجات حوارية شرسة لإجبار مرضاه على الصمت أو لتوجيه اعترافاتهم بما يخدم فرضياته المسبقة؛ مما يؤكد أن الكبت والمقاومة واللاوعي كانت كلها أحداثاً بلاغية وتفاعلية دارت داخل غرفة المحادثة بين الطبيب ومريضه، وليست مجرد تدفقات هيدروليكية صامتة نابعة من أجساد المرضى المعزولة.

7. سيكولوجيا السخرية والضحك: الضبط الاجتماعي وتجنب الإحراج

7.1 نقد النظريات الإيجابية الكلاسيكية للضحك والفكاهة

في عام 2005، واصل مايكل بيليغ مشروعه لتشريح الظواهر الإنسانية المعقدة عبر إصداره لكتابه بالغ الأصالة: «الضحك والسخرية: نحو نقد اجتماعي للفكاهة» (Laughter and Ridicule: Towards a Social Critique of Humour). في هذا العمل، تصدى بيليغ لواحدة من أكثر المسلمات رسوخاً في الثقافة المعاصرة وفي علم النفس الإيجابي، وهي المسلمة التي ترى في الضحك والفكاهة نشاطاً إنسانياً بريئاً بالمطلق، وصحياً، ومحرراً للنفوس، وفعل مقاومة نقياً ضد الاستبداد والجمود.

قام بيليغ بتفكيك النظريات الفلسفية والنفسية الكلاسيكية الكبرى التي تناولت الضحك، وفي مقدمتها «نظرية التنفيس وتفريغ الطاقة الحيوية» (Relief Theory) عند فرويد وهربرت سبنسر، و«نظرية التناقض المعرفي» (Incongruity Theory) عند إيمانويل كانط وشوبنهاور. برهن بيليغ على أن هذه النظريات تعاني من عمى أيديولوجي خطير؛ لأنها ركزت فقط على الجوانب المرحة والبهيجة للضحك، وتجاهلت عمداً ما أسماه بيليغ «الوجه المظلم للفكاهة» (The Dark Side of Humour)، وهو الضحك القائم على السخرية، والإذلال، والإقصاء، والتنمر، وتحقير الآخرين.

أقام بيليغ تمييزاً جوهرياً وحاسماً بين نمطين من الضحك الاجتماعي: الأول هو «الضحك التشاركي المتكافئ» (Bonding/Affiliative Laughter)، الذي يمارسه أفراد متساوون في المكانة لتعزيز الروابط الإنسانية والمودة بينهم؛ والثاني هو «الضحك التمييزي الإقصائي والسافر» (Disciplinary/Derisive Laughter)، الذي يُوظف لترسيخ التراتبيات الاجتماعية، وتأكيد التفوق، وتجريد الفئات المستضعفة من كرامتها. وأكد بيليغ أن تاريخ الفكاهة الإنسانية مليء بهذا النمط الثاني القاسي، الذي كان تاريخياً ولا يزال أداة قوية في يد الأقوياء ضد الضعفاء والمهزومين.

7.2 السخرية كآلية مركزية للضبط والامتثال الاجتماعي

تتمحور الأطروحة الأساسية لبيليغ في هذا الحقل حول فكرة ثورية: «إن السخرية (Ridicule) والاستهزاء هما الآلية الرقابية غير الرسمية الأقوى والأكثر فاعلية لفرض المعايير الاجتماعية وضمان امتثال الأفراد للنظام العام دون الحاجة إلى استخدام العنف المادي الصلب». فالقوانين والشرطة لا تستطيع مراقبة تصرفات الناس طوال أربع وعشرين ساعة، لكن الخوف المقيم والدائم من أن يصبح المرء «أضحوكة» أو موضوعاً للتندر والتهكم من قبل أقرانه هو الذي يجبره على ارتداء الملابس المقبولة، والتحدث بأسلوب لائق، والالتزام بقواعد السلوك السائدة.

أوضح بيليغ أن هذا «الخوف من الاستهزاء» (Fear of Being Ridiculed) هو صانع النظام الاجتماعي الحقيقي؛ حيث يتعلم الطفل منذ سنواته الأولى أن الوقوع في الخطأ الأخلاقي أو الشكلي يجر عليه سخرية فورية وموجعة من والديه وأقرانه في المدرسة، وهي تجربة سيكولوجية مريرة تنقش في وجدانه الرغبة الجامحة في تجنب الشذوذ عن الجماعة والحرص التام على التماهي مع قواعدها. السخرية هنا ليست نقيضاً للنظام الاجتماعي كما توهم فلاسفة التحرر، بل هي حارس البوابة الأكثر شراسة في تثبيت هذا النظام وحمايته من التفكك.

كما سلط بيليغ الضوء على الاستخدام السياسي والاجتماعي المسموم للنكات والفكاهة في إعادة إنتاج العنصرية والتعصب ضد الأقليات، والفئات الإثنية، والنساء. فالنكات العنصرية ليست مجرد تسلية عابرة، بل هي سلاح بلاغي وأيديولوجي ماكر يمرر الأحكام المسبقة ويثبت الدونية الاجتماعية في قالب «خفيف» يصعب نقده أو محاكمته؛ فإذا احتج الضحية قيل له فوراً: «أنت معقد ولا تتمتع بروح الدعابة!». وفي سياق مكمل، حلل بيليغ ظاهرة «السخرية الذاتية» (Self-Disparaging Humour)، مبيناً كيف تلجأ إليها الفئات المهمشة كوسيلة دفاعية وبلاغية لاستباق هجوم الأقوياء عليهم، وتخفيف وطأة العنف الرمزي المسلط على كواهلهم.

7.3 جدلية الإحراج والنظام الاجتماعي

في إطار تحليله السوسيولوجي والسيكولوجي العميق للفكاهة، التقى بيليغ مع أطروحات عالم الاجتماع الشهير إرفينغ غوفمان (Erving Goffman) حول مفهوم «الإحراج» (Embarrassment). رأى بيليغ في الإحراج عاطفة اجتماعية تنظيمية تأسيسية تقف على خط التماس المباشر بين الفرد والمجتمع؛ فالإحراج هو ذلك الشعور الساحق بالارتباك وخيبة الأمل في الذات الذي ينتاب الإنسان عندما ينكسر قناعه التفاعلي، أو يفشل في أداء دوره الاجتماعي المنوط به، أو ينتهك إحدى القواعد العامة للياقة والسلوك المشترك.

كشف بيليغ عن تلك العلاقة الجدلية الوثيقة والتبادلية بين «السخرية» و«إنتاج الإحراج»؛ فالسخرية هي التهديد الفعلي الذي ينتج الإحراج، والإحراج هو العقاب النفسي الداخلي الذي يتلو السخرية لضمان إعادة الفرد المنحرف فوراً إلى جادة الصواب والامتثال. ومن هنا، فإن الحفاظ على النظام الأخلاقي والهيبة المؤسسية في الجامعات، والبرلمانات، والشركات، والمستشفيات لا يقوم فقط على القوانين المكتوبة، بل يرتكز بنيوياً على تفادي الإحراج والحفاظ على مظاهر اللياقة العامة والوقار المصطنع من خلال تسييج التفاعلات بخوف مشترك من الفضيحة والتهكم.

أبرزت أبحاث بيليغ حول الضحك أهمية تفكيك الطقوس الهزلية داخل مؤسسات السلطة؛ فالفكاهة التي يمارسها النواب في البرلمانات أو القادة في القمم الدولية ليست فضاءً عفوياً للبراءة الإنسانية، بل هي عروض مسرحية بلاغية تهدف إلى إعادة تثبيت تراتبيات السيطرة، وتمرير القرارات الصعبة، وامتصاص الغضب الجماهيري. وبذلك، برهن بيليغ مرة أخرى على أن علم النفس الاجتماعي النقدي لا يمكن أن يتجاهل أدق التفاصيل اليومية، حتى تلك التي تبدو تافهة أو مبهجة كالضحك والنكات، لأنها تخفي تحت ركام قهقهاتها أشرس آليات الهيمنة والانضباط البشري.

8. نقد الأيديولوجيا، الفاشية، والتعصب العنصري

8.1 تحليل خطاب الجبهة الوطنية البريطانية (National Front)

تعتبر مساهمة مايكل بيليغ في دراسة الفاشية والتعصب اليميني واحدة من أكثر المحطات إشراقاً والتزاماً في مساره العلمي، وتوجت بإصدار كتابه التاريخي في عام 1978: «الفاشيون: تحليل في علم النفس الاجتماعي للجبهة الوطنية» (Fascists: A Social Psychological Analysis of the National Front). في فترة السبعينيات، شهدت بريطانيا صعوداً مخيفاً لـ «الجبهة الوطنية» كحزب فاشي جديد استثمر في الأزمات الاقتصادية لتغذية الكراهية الشرسة ضد المهاجرين السود والآسيويين، والتحريض على العنف في الشوارع.

نزل بيليغ بنفسه إلى الميدان وأجرى تحليلاً سوسيو-لغوياً وسياسياً وثائقياً معمقاً لأدبيات الجبهة الوطنية، ونشراتهم الحزبية، وخطب قادتهم الجماهيرية. كشف بيليغ ببراعة عن التناقض الجذري بين «الخطاب العلني الترويجي» و«الأيديولوجيا السرية العميقة» لهذا الحزب. ففي العلن ولأغراض انتخابية وجماهيرية، كانت الجبهة تحاول تبييض خطابها ليبدو كـ «دفاع مشروع عن العمال البريطانيين وعن الهوية الوطنية والديمقراطية ضد الهجرة غير المنضبطة»، لكن في أدبياتها الداخلية السرية والدوائر المغلقة لقادتها، كانت الفاشية النازية الصريحة، ونظريات المؤامرة المعادية للسامية حول السيطرة اليهودية على العالم، والترويج للتفوق البيولوجي الآري هي الوقود الحقيقي المحرك للحزب.

قدم هذا الكتاب درساً منهجياً رائداً لعلماء النفس الاجتماعي في كيفية توثيق وتفكيك الخطاب العنصري؛ حيث أثبت بيليغ أن الفاشية ليست مرضاً نفسياً يقتصر على اضطراب شخصية قادتها أو أتباعهم (كما زعمت نظرية «الشخصية التسلطية» الكلاسيكية لأدورنو)، بل هي «أيديولوجيا سياسية وبلاغية منظمة» تستثمر بذكاء ماكر في مشاعر الإحباط الاجتماعي وتوظف تقنيات لغوية متطورة لمخاطبة قطاعات مختلفة من الجمهور وتجنيدهم ضمن مشروع سياسي مدمر.

8.2 تحولات التعصب من البيولوجيا الصريحة إلى الثقافة الخفية

في مسار أبحاثه الممتدة حول الأيديولوجيا، كان بيليغ من أوائل المفكرين الذين رصدوا التحول التاريخي والخطابي العميق في طبيعة العنصرية الغربية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد الاستعمار. أوضح بيليغ كيف تراجعت «العنصرية البيولوجية الكلاسيكية الفجة» -التي كانت تستند إلى ادعاءات تفوق الجينات وسلالات الدم والتي فضحتها وسحقتها هزيمة النازية وتطور العلوم الحيوية- لتفسح المجال أمام شكل جديد وأكثر مكراً ومناعة أطلق عليه المفكرون «العنصرية الجديدة» أو «العنصرية الثقافية المستترة» (Cultural/Modern Racism).

فكك بيليغ البنية البلاغية لهذا الخطاب العنصري الجديد، مبيناً كيف تحولت الحجج التمييزية من شعارات «دونية الأعراق الأخرى بيولوجياً» إلى شعارات براقة مثل: «استحالة الاندماج الثقافي»، و«الدفاع عن نمط الحياة الوطني»، و«حماية التقاليد والتراث من التآكل». في هذا النمط المستتر، لم يعد العنصري يهاجم المهاجرين لأنهم ينتمون لعرَق مختلف، بل يطالب بترحيلهم أو تقييد حقوقهم بحجة أن «ثقافاتهم وقيمهم غير متوافقة مع قيمنا الديمقراطية والتنويرية»، وهو ما جعل هذا الخطاب مقبولاً ويحظى برواج واسع داخل الحس السليم للطبقات المتوسطة والسياسيين المحافظين في بريطانيا وأوروبا دون أن تطالهم تهمة العنصرية الفجة.

طور بيليغ ترسانة من الأدوات البلاغية التي تكشف هذا القناع الثقافي الزائف في الخطابات السياسية والإعلامية السائدة. وأوضح أن هذا التحول الخطابي ليس تراجعاً حقيقياً عن التعصب، بل هو مناورة بلاغية تهدف إلى الحفاظ على نفس البنى الإقصائية ونفس علاقات الهيمنة البيضاء، ولكن عبر مفردات معقمة ومحترمة تتماشى مع لغة حقوق الإنسان والديمقراطية الليبرالية، وهو ما يجعل النقد السيكولوجي اللغوي واجباً أخلاقياً وسياسياً مستمراً لفضح هذه العنصرية المواربة.

8.3 الأيديولوجيا بوصفها تفكيراً حياً ومشتركاً

تتكامل دراسات بيليغ للتعصب مع منظوره العام والمجدد لـ «الأيديولوجيا» (Ideology). رفض بيليغ تماماً النظريات الأرثوذكسية الجامدة التي تعامل الأيديولوجيا بوصفها نسقاً فكرياً صلباً ومغلقاً يتكون من عقائد ميتة ومحفوظة يتم صبها من أعلى في رؤوس الجماهير الساذجة، كما رفض حصر الأيديولوجيا في «الوعي الزائف» بالمعنى الماركسي التقليدي المبتذل. وفي مقابل ذلك، عرف بيليغ الأيديولوجيا بأنها: «شكل حي، ومشترك، وديناميكي من التفكير البلاغي اليومي يتشكل ويعاد التفاوض بشأنه باستمرار في الممارسات الاجتماعية المتناقضة».

يرى بيليغ أن الأيديولوجيا ليست شيئاً يمنع الأفراد من التفكير، بل هي على النقيض من ذلك تماماً: «الوسط والمستودع الذي يُمكّن الأفراد أصلاً من التفكير واتخاذ المواقف». فاللغة اليومية التي نتداولها، والأمثال الشعبية، والمفاهيم المشتركة حول العدالة، والعمل، والوطن، والعائلة هي الأيديولوجيا متجسدة في واقعنا المعاش. وبما أن هذه الأيديولوجيا اليومية تحمل في داخلها تناقضات ومعضلات (كما مر في مفهوم المعضلات الأيديولوجية)، فإن الأفراد ليسوا دمى مستلبة تسيرها الأيديولوجيا آلياً، بل هم فاعلون يشاركون يومياً في مناقشة تلك المعضلات، ومواءمتها، وتطويعها لخدمة مصالحهم وأوضاعهم الملموسة.

ختم بيليغ هذا التصور بالتأكيد الصارم على المسؤولية الأخلاقية والمهنية لعلم النفس الاجتماعي؛ حيث شدد على أن دور عالم النفس النقدي ليس التواطؤ مع السلطة في تقديم نصائح تقنية لإدارة الأزمات أو تخدير الجماهير، بل هو الاضطلاع بمهمة «كشف آليات الخداع الأيديولوجي المستتر» في الخطاب المؤسسي، وتعرية اللغة التي تُستخدم لتبرير الظلم، وتمكين الناس العاديين من استعادة كفاءتهم البلاغية والتحليلية لمساءلة من يحكمونهم، وبناء مجتمع أكثر عدالة وإنسانية.

9. نقد الكتابة الأكاديمية وصناعة المصطلحات (كتاب ‘تعلم الكتابة الرديئة’)

9.1 ظاهرة التسمية والتحويل الاسمي (Nominalization) وتغييب الفاعل

في عام 2013، أطلق مايكل بيليغ صرخة نقدية مدوية هزت الأوساط الأكاديمية العالمية بصدور كتابه الاستفزازي الرائع: «تعلم الكتابة الرديئة: كيف تنجح في العلوم الاجتماعية» (Learn to Write Badly: How to Succeed in the Social Sciences). في هذا العمل الممتع واللاذع، وجه بيليغ عدسته النقدية الدقيقة نحو مجتمعه الأكاديمي ذاته، مشرحاً تدهور لغة الكتابة في حقول علم النفس، وعلم الاجتماع، والعلوم الإنسانية المعاصرة، وكيف تحولت هذه العلوم إلى معامل لإنتاج لغة رديئة، غامضة، ومعقدة تصادر المعرفة بدلاً من تيسيرها.

تمحور نقد بيليغ اللغوي حول ظاهرة نحوية وبلاغية خطيرة حللها بتوسع مذهل وهي ظاهرة «التحويل الاسمي» (Nominalization). والتحويل الاسمي هو تلك العملية اللغوية التي يتم فيها استبدال الأفعال الحية المتحركة وحذف الفاعلين البشريين وتحويل الجملة إلى «أسماء ومصطلحات مجردة وجامدة». قدم بيليغ أمثلة ساطعة توضح هذه الكارثة الإبستمولوجية: فعندما نحول عبارة واضحة وبسيطة مثل: «الناس يمارسون التمييز بقسوة ضد المهاجرين ويحرمونهم من العمل» (وهي جملة تحوي فاعلين، وفعلاً حياً، ومفعولاً به ملموساً) إلى مصطلح مجرد هو: «التمييز العنصري المؤسسي» (Institutional Discrimination)، أو عندما نحول عبارة: «الباحثون يجرون مقابلات مع الفقراء لجمع المعلومات» إلى مصطلح: «التحليل المنهجي المقابلاتي»، فإننا نقوم بجريمة معرفية خطيرة.

أوضح بيليغ الآثار المعرفية والأخلاقية الكارثية لهذا التحويل الاسمي؛ فهو أولاً: «يُخفي الفاعلين الحقيقيين» للقرارات والسياسات الظالمة؛ حيث تتحول الأفعال البشرية المسؤولة إلى كيانات مجردة ومبنية للمجهول تبدو وكأنها تحدث بقوة الطبيعة، مما يعفي الجناة الحقيقيين من المسؤولية الأخلاقية والسياسية. وثانياً: يقوم هذا التجريد اللغوي بـ «إفراغ البحوث والظواهر الاجتماعية من المعنى الإنساني الحي»؛ حيث يختفي الناس الحقيقيون بلحمهم، ودمهم، ومعاناتهم من أوراق الأبحاث، ليحل محلهم ركام هائل من المصطلحات والأسماء الخاوية التي لا تنبض بأي حياة.

9.2 تسليع المعرفة واللغة الإدارية في الجامعات المعاصرة

لم يرَ بيليغ في رداءة الكتابة الأكاديمية مجرد قصور في الذائقة الأدبية للباحثين، بل حللها بجدارة بوصفها نتيجة حتمية ومباشرة لـ «تسليع المعرفة» (Commodification of Knowledge) والتحول النيوليبرالي الشامل الذي ضرب الجامعات والمؤسسات الأكاديمية العالمية في العقود الأخيرة. لقد تحولت الجامعات من منارات للبحث الحر والتفكير النقدي المستقل إلى شركات رأسمالية بيروقراطية تديرها مجالس إدارة تسعى للربح المالي وتنافس في أسواق التصنيفات الدولية للجامعات.

فضح بيليغ استسلام الأكاديميين المذل لهذا النموذج السوقي، وتبنيهم للمفردات الإدارية والتسويقية والبيروقراطية (Managerial Jargon) لتعزيز مواقعهم ومكانتهم الوظيفية. فتحول نشر الأبحاث إلى ما يشبه سباق المصانع المحموم لجمع النقاط وزيادة «مؤشر هيرش» (H-index)، وصار الأكاديمي الناجح ليس من يقدم فكرة أصيلة تغير حياة مجتمعه، بل من ينتج أكبر كمية من الأوراق البحثية المحشوة بالمصطلحات الرنانة ليضمن الحصول على الترقيات والتمويلات البحثية الكبرى التي تديرها مؤسسات مانحة تحب الرطانة البيروقراطية.

أكد بيليغ أن هذا «الرطان الأكاديمي» (Academic Jargon) المعقد والمصطنع يمارس وظيفة اجتماعية طبقية وإقصائية شديدة الخطورة؛ إنه يبني «برجاً عاجياً» يعزل الجامعة بالكامل عن محيطها الشعبي، ويمنع الجمهور العام والطبقات العاملة من قراءة وفهم ما يكتبه الباحثون عن مشكلاتهم، مما يحول العلم الاجتماعي إلى طلاسم لا يفهمها إلا كهنة المعبد الأكاديمي المغلق. ومن هنا، أطلق بيليغ دعوته الشجاعة والملحة لجميع الباحثين إلى استعادة «الوضوح، والبساطة، والأناقة اللغوية» في الكتابة، معتبراً أن القدرة على شرح أعقد الأفكار بلغة إنسانية بسيطة ومفهومة هي المعيار والبرهان الأسمى على الصرامة والعمق الفكري الحقيقي.

9.3 أزمة العلوم الاجتماعية بين التكلف المصطلحي والخواء المفاهيمي

في تشريحه لأزمة العلوم الاجتماعية المعاصرة، سلط بيليغ الضوء على ظاهرة مرضية متفشية أطلق عليها «صناعة المصطلحات الجديدة التي لا داعي لها» (Neologism Inflation). جادل بيليغ بأن كثيراً من علماء النفس والاجتماع المعاصرين، ونتيجة لعجزهم عن تقديم اختراقات نظرية وفلسفية حقيقية، يعمدون إلى اختراع ألفاظ ومصطلحات لاتينية أو يونانية جديدة ومعقدة لإلباسها لأفكار بديهية وبسيطة ومألوفة يعرفها أصغر طفل، وذلك فقط لإضفاء هيبة وهمية وشعوذة علمية على أبحاثهم تمنحها حصانة كاذبة ضد النقد الجماهيري.

قاد هذا التكلف المصطنع، بحسب بيليغ، إلى ما أسماه «فقدان الذاكرة التاريخية» (Historical Amnesia) في العلوم الاجتماعية. فالعلماء والباحثون الشبان ينفقون أوقاتهم في قراءة الأبحاث المنشورة في السنوات الخمس الأخيرة فقط، متجاهلين روائع الفلسفة والفكر الاجتماعي القديم؛ مما يجعلهم يكررون نفس الأطروحات والنظريات التي طرحها مفكرون عظماء قبل قرن أو قرنين، ولكن بعد أن يطلقوا عليها أسماء وعناوين براقة جديدة توحي بالابتكار، وهو ما يجعل العلوم الاجتماعية تدور في حلقة مفرغة وتراكم ركاماً لغوياً بلا أي تقدم تراكمي حقيقي في المعرفة.

اختتم بيليغ نقده بالتحذير الشديد من الأثر التربوي والفكري الكارثي الذي تتركه هذه الممارسات المشوهة على وعي طلاب الدراسات العليا والباحثين المبتدئين. فالطالب يدخل الجامعة بشغف إنساني لفهم العالم وتغييره، ولكنه يصدم سريعا بأن شرط النجاح الوحيد، ونيل رضا المشرفين والناشرين، هو أن يتعلم «كيف يكتب برداءة»؛ أي كيف يتخلى عن لغته الطبيعية النابضة، ويتقن استخدام المصطلحات المحنطة وتغييب الفاعلين البشريين، مما يقود في النهاية إلى إعادة إنتاج أجيال من التكنوقراط الفاقدين للحس النقدي والأخلاقي، والمحصنين ضد أي اشتباك نضالي حقيقي مع هموم مجتمعاتهم.

10. الثقافة الشعبية، الموسيقى، والتحليل الاجتماعي الممتد

10.1 دراسة موسيقى الروك آند رول والهوية الثقافية

لم يكن مايكل بيليغ ذلك المنظر الأكاديمي الحبيس في الصالونات النظرية المعزولة، بل كان دائماً شديد الانفتاح والفضول المعرفي إزاء تفاصيل الحياة اليومية والثقافة الشعبية (Pop Culture). وتجلى هذا التوجه غير المألوف بين علماء النفس في إصداره لكتاب فريد من نوعه وشديد الجرأة عام 2001 بعنوان: «يهود الروك آند رول» (Rock ‘n’ Roll Jews). في هذا العمل الممتع والعميق، خاض بيليغ غمار السوسيولوجيا التاريخية للموسيقى الشعبية، متتبعاً الجذور الاجتماعية والثقافية لنشأة وتطور موسيقى «الروك آند رول» في الولايات المتحدة في خمسينيات وستينيات القرن العشرين.

كشف بيليغ عن ذلك التقاطع المثير والمفصلي بين تاريخ المهاجرين، والإنتاج الفني، والأقليات العرقية؛ حيث وثق بالبيانات والأدلة الأرشيفية الدور الحاسم وغير المرئي لكتاب الأغاني، والملحنين، والمنتجين، ومديري شركات التسجيلات من اليهود الأمريكيين -الذين كانوا هم أنفسهم أبناء لمهاجرين فقراء فروا من المذابح والتمييز في أوروبا الشرقية- في صياغة الذائقة الفنية الأمريكية والعالمية عبر تبنيهم ودعمهم للمطربين والموسيقيين السود (الأفارقة الأمريكيين)، وتوليف موسيقى «الريذم آند بلوز» مع الموسيقى الريفية البيضاء لولادة ثورة الروك آند رول.

حلل بيليغ في هذا الكتاب كيف تحولت الموسيقى الشعبية إلى «فضاء بلاغي وثقافي واسع للتفاوض حول الهوية، والانتماء، والاندماج». فالأقليات المهمشة، التي كانت عاجزة عن الوصول إلى مراكز القرار السياسي والمؤسسات الرسمية النخبوية، وجدت في صناعة الترفيه والموسيقى طريقاً استثنائياً لاقتحام الفضاء العام الأمريكي، وفرض أصواتها وهوياتها الهجينة، وصياغة حساسية جمالية جديدة كسرت الحواجز العرقية المحكمة وفتحت الباب واسعاً أمام حركة الحقوق المدنية في المجتمع الأمريكي.

10.2 التفاعل بين الثقافة الجماهيرية والبنى النفسية والاجتماعية

قدم بيليغ من خلال أبحاثه حول الموسيقى والإعلام والملكية البريطانية (كما في كتابه الشهير الآخر «الحديث عن العائلة المالكة» Talking of the Royal Family عام 1992) درساً نقدياً بالغ الأهمية؛ حيث رفض تلك النظرات النخبوية الكلاسيكية (التي ميزت مفكرين كباراً مثل تيودور أدورنو ومدرسة فرانكفورت) والتي كانت تنظر إلى الثقافة الشعبية الجماهيرية باحتقار واستعلاء بوصفها مجرد «تفاهة تخديرية واستلاب تجاري كامل». وفي مقابل ذلك، أكد بيليغ أن الثقافة الشعبية هي وثيقة سوسيولوجية ونفسية بالغة الخطورة والجدية، لا يمكن لأي مشروع نقدي حقيقي أن يتجاوزها إذا ما أراد فهم كيف يفكر ويشعر الناس العاديون بالفعل.

أوضح بيليغ كيف تسهم الأغاني الشعبية، وبرامج التلفزيون الترفيهية، وأفلام السينما، وحتى المجلات والمسلسلات في إعادة إنتاج المشاعر القومية، والقوالب الجندرية، والأحكام المسبقة بصورة ناعمة وشديدة النفاذ. فالرسائل الأيديولوجية لا تُمرر عبر الخطابات السياسية الرسمية الثقيلة فحسب، بل تتغلغل في الوجدان الجمعي من خلال الإيقاعات الراقصة، والكلمات المكررة في الأغاني العاطفية، والضحكات الخفيفة التي تصاحب البرامج الهزلية، مما يجعل الترفيه الجماهيري واحداً من أعتى الحقول التي تعيد تدوير القومية المبتذلة والامتثال الاجتماعي.

يتكامل هذا التحليل الممتد للثقافة الشعبية بصورة عضوية وتامة مع مشروع علم النفس الاجتماعي النقدي عند بيليغ؛ فهو يثبت أن النفس البشرية لا تتشكل في فراغ المختبرات ولا في خلوات التأمل الفردي، بل تنعجن يومياً في خضم الصخب الموسيقي، والاستهلاك الثقافي، والرموز البصرية التي تحيط بالإنسان المعاصر. وبذلك كسر بيليغ الحدود المصطنعة بين علم النفس، والدراسات الثقافية، والإثنوغرافيا، مؤكداً أن دراسة الإنسان تتطلب مطاردة المعنى أينما وُجد: من أعظم النصوص الفلسفية القديمة، إلى أكثر أغاني البوب الشعبية تداولاً في الشارع.

11. المنهجية والأدوات البحثية في أطروحات مايكل بيليغ

11.1 التحليل البلاغي للنصوص والخطابات اليومية

تتميز المنهجية البحثية التي نحتها مايكل بيليغ على مدار عقود بصرامة فائقة وفرادة نوعية تزاوج بين عمق الفلسفة التأويلية ودقة اللسانيات التطبيقية، وهو ما تبلور في منهجه الخاص المعروف بـ «التحليل البلاغي للنصوص والخطابات» (Rhetorical Discourse Analysis). وضع بيليغ خطوات منهجية واضحة ومبتكرة لتفكيك الحجج والبنى الخطابية في شتى أشكال الإنتاج الثقافي: كالصحف اليومية، والخطب السياسية، والمناظرات التلفزيونية، والمحادثات العفوية المسجلة.

تقوم منهجية بيليغ على مبدأ استقرائي ونقدي حاسم: وهو ألا يُقرأ النص أو الخطاب بمعزل عن سياقه الجدلي؛ فالمحلل يجب ألا يسأل فقط: «ما الذي يقوله المتحدث؟»، بل يجب أن يسأل بالأساس: «ما الموقف المضاد الذي يحاول المتحدث تفنيده ودحضه من خلال هذا الكلام؟». هذا البحث عن «الحجة الغائبة والمضادة» (The Counter-Theme) يمكن الباحث من تفكيك طبقات المعنى المستترة واستجلاء المعارك الأيديولوجية التي يخوضها النص بصمت. كما تركز هذه المنهجية على استخراج «التنازلات البلاغية» (Rhetorical Concessions) التي يقدمها المتحدث بذكاء (كأن يعترف بجزء يسير من حجة الخصم ليحصن حجته الكبرى من السقوط)، ورصد التناقضات المنطقية التي يقع فيها الخطاب عندما يواجه المعضلات الأيديولوجية المعقدة.

يتميز بيليغ بتركيزه الصارم على أصغر التفاصيل اللغوية والبلاغية التي قد تبدو للملاحظ العادي مجرد زوائد لا قيمة لها: كنبرات التردد، واستخدام أدوات الربط والاستدراك («لكن»، «رغم ذلك»)، والصيغ المبنية للمجهول، واختيار الأفعال والأسماء. كما أضاف بيليغ بعداً منهجياً أصيلاً تمثل في «استخدام الوثائق التاريخية والنصوص الأرشيفية» ومقارنتها بالخطابات المعاصرة؛ مؤكداً أن العمليات النفسية لا يمكن فهمها إلا برؤيتها كصيرورات تاريخية ممتدة، مما يجعل الباحث في علم النفس الخطابي مؤرخاً لغوياً بقدر ما هو سيكولوجي نقدي.

11.2 المقاربة النوعية والملاحظة التشاركية في السياقات الطبيعية

شكل الرفض القاطع للمقاييس الكمية المغلقة -وعلى رأسها مقياس «ليكرت» الخماسي والسباعي الشهير- السمة المنهجية الأبرز في مشروع بيليغ. جادل بيليغ بأن إجبار الإنسان على حصر رأيه المعقد في قضية إنسانية كبرى (كالعدالة، أو الإجهاض، أو الهجرة) في مجرد رقم جاف من 1 إلى 5 (أوافق بشدة / لا أوافق) هو تشويه معرفي وعنف منهجي يمارسه الباحث على المبحوث؛ فالإنسان في الواقع لا يعيش في أرقام، بل في لغة حية مليئة بالتردد، والمواءمة، وتعدد الرؤى.

تأسيساً على ذلك، نادى بيليغ ومارس بحماس «المقاربة النوعية الأصيلة» (Qualitative Approach)، مؤكداً على الضرورة المنهجية لتسجيل المحادثات الواقعية التي تدور في «السياقات الطبيعية المعاشة» (Naturally Occurring Talk) بعيداً تماماً عن الشروط المصطنعة للمختبرات النفسية وغرف التحقيق الاستقصائية. وقد جمع بيليغ في أبحاثه الميدانية بمهارة فائقة بين «التحليل الإثنوغرافي للمجتمعات» و«التحليل البلاغي الدقيق للنصوص»؛ حيث كان يحرص على الانغماس في البيئات التي يدرسها، والاستماع إلى لغة الناس اليومية في مقاهيهم، ومنازلهم، وتجمعاتهم لفهم منطقهم الداخلي وطريقتهم الخاصة في تبرير سلوكياتهم.

طرح بيليغ معايير أخلاقية جديدة وصارمة للبحث النوعي، خاصة عند التعامل مع الخطابات الحساسة سياسياً وأخلاقياً، كخطابات الحركات الفاشية، أو الجماعات العنصرية، أو النقاشات العائلية الحميمة حول السلطة والمال. أكد بيليغ أن الباحث يجب أن يتجنب التعالي الأخلاقي أو الخداع المنهجي، وأن يتعامل بنزاهة علمية فائقة مع البيانات المسجلة، فلا يقتطع النصوص من سياقها التداولي الأصلي، ولا يحول المفحوصين إلى أرقام أو تشخيصات إكلينيكية، بل يبرز كفاءتهم كفاعلين اجتماعيين يتصارعون بالكلمات والمواقف داخل عالم معقد.

11.3 النقد الذاتي للباحث والانعكاسية المنهجية (Reflexivity)

يعد مفهوم «الانعكاسية المنهجية والذاتية» (Reflexivity) ركيزة إبستمولوجية حاسمة في الممارسة البحثية لمايكل بيليغ. انتقد بيليغ بشدة أسطورة «الباحث المحايد والموضوعي المنفصل عن موضوع بحثه»؛ تلك الأسطورة التي روجت لها النزعة الوضعية التجريبية. وأكد بيليغ أن الباحث هو بالضرورة كائن اجتماعي، وتاريخي، وطبقي، وأيديولوجي، يدخل إلى ميدان البحث وهو محمل بمسبقاته اللغوية وانتماءاته السياسية الخاصة، وبالتالي فإن الادعاء بالتجرد التام هو ضرب من الخداع للذات وللآخرين.

تقتضي الانعكاسية عند بيليغ أن يمارس الباحث نقداً ذاتياً شجاعاً ومستمراً لموقعه الخاص، وأن يسائل الكيفية التي تؤثر بها خلفيته وانتماءاته وتفضيلاته على طريقة طرحه للأسئلة، وتجميعه للبيانات، وتأويله للخطابات. والأهم من ذلك، أن يسائل الباحث «لغته الخاصة التي يكتب بها تقريره البحثي»؛ فيحذر من السقوط في فخ التجريد والتحويل الاسمي والرطانة الأكاديمية التي ينقدها في غيره، متجنباً ادعاء امتلاك الحقيقة النهائية والمطلقة حول ما يدور في عقول الآخرين.

دعا بيليغ إلى إقامة «حوار مفتوح وأفقي ومتكافئ» بين الباحث والأشخاص الخاضعين للدراسة، والاعتراف بكفاءتهم البلاغية والتحليلية كشركاء في إنتاج المعرفة وليس كمجرد عينات للدراسة. ومن خلال هذه الانعكاسية الصارمة، نجح بيليغ في إرساء معايير إبستمولوجية جديدة لتقييم الصدق والثبات في الأبحاث النفسية والاجتماعية النوعية، معايير لا تقاس بمعادلات الارتباط الإحصائي، بل تقاس بمدى عمق التفسير، والأمانة في عرض السياقات التداولية، والقدرة على تفكيك شبكات القوة الكامنة في الخطاب.

12. الإرث المعرفي والتأثير في علم النفس النقدي والعلوم الاجتماعية

12.1 تأسيس تيار علم النفس الاجتماعي النقدي في بريطانيا وأوروبا

يقف مايكل بيليغ اليوم في صدارة الرعيل الأول الذي أعاد رسم الخريطة المعرفية والإبستمولوجية لـ علم النفس النقدي (Critical Psychology) والعلوم الاجتماعية في بريطانيا والقارة الأوروبية بأسرها. شكل مشروعه الفكري والمنهجي، بالتعاون مع نخبة لوفبرا ومفكري مدرسة الخطاب في المملكة المتحدة، درعاً منيعاً وبديلاً تحررياً حقيقياً كسر الهيمنة المطلقة للإمبريالية المعرفية التي فرضها علم النفس التجريبي الأمريكي الموجه نحو الفردانية الميكانيكية وإدارة السلوك لأغراض السوق والضبط المؤسسي.

ألهم بيليغ عبر أبحاثه الرائدة وكتبه التدريسية أجيالاً متتابعة من الباحثين والأكاديميين في مختلف الجامعات العالمية للتمرد على الصرامة الزائفة للمختبرات، واستبدالها بالتحليل الخطابي والبلاغي المفتوح. وكان له الفضل في إدخال مناهج ومقررات جديدة كلياً في برامج الدراسات العليا تدمج الفلسفة، واللسانيات، والتاريخ السياسي في صميم تدريب علماء النفس الاجتماعي؛ حيث لم يعد الطالب يتخرج مجرد تقني إحصائي يضغط على برمجيات التحليل، بل مفكراً نقدياً يمتلك القدرة على قراءة المجتمع وتفكيك خطابات الهيمنة في الفضاء العام.

وقد توج هذا المسار الفكري بالاعتراف الدولي الاستثنائي بكتابات وأطروحات بيليغ بوصفها مراجع كلاسيكية لا غنى عنها في مكتبة العلوم الإنسانية. وحصل على العديد من الجوائز الأكاديمية والزمالات الشرفية الرفيعة؛ ليس فقط لغزارة إنتاجه، بل لفرادة منهجه وشجاعته النادرة في الجمع بين الصرامة العلمية الأكاديمية والالتزام الأخلاقي المناهض للفاشية والعنصرية والاستبداد بكل صوره وأقنعته المستترة.

12.2 الامتدادات العابرة للتخصصات: من علم النفس إلى العلوم السياسية والإعلام

تجاوز التأثير الفكري لمايكل بيليغ حدود علم النفس الاجتماعي الضيقة، ليمارس إشعاعاً معرفياً واسعاً وعابراً للتخصصات ألهم حقولاً إنسانية متعددة. ويبرز مفهومه الرائد «القومية المبتذلة» كواحد من أكثر المفاهيم استشهاداً وتطبيقاً في حقول العلوم السياسية، والعلاقات الدولية، وعلم الاجتماع السياسي، ودراسات الإعلام والاتصال على مستوى العالم؛ حيث فتح هذا المفهوم أعين المنظرين السياسيين على أشكال الانتماء غير المرئية التي تحافظ على تماسك الدول الحديثة، وشكل مدرسة قائمة بذاتها في دراسة الخطاب الإعلامي وتغطية الأزمات الدولية.

كما امتدت أطروحته في «علم النفس البلاغي» لتحدث ثورة موازية في حقل دراسات الاتصال السياسي وتحليل الخطاب العام. وقد وظف الباحثون أدوات بيليغ البلاغية في تفكيك الخطب الرئاسية، ومناظرات الحملات الانتخابية، واستراتيجيات الإقناع والتضليل التي تمارسها وسائل الإعلام الكبرى والنخب الحاكمة؛ كاشفين كيف يتم توظيف اللغة لإضفاء الشرعية على الحروب الخارجية، وتبرير سياسات التقشف الاقتصادي، وبناء «آخر» شيطاني يهدد الأمن القومي الموهوم.

ولم يتوقف هذا التأثير عند العلوم السياسية، بل امتد ليتغلغل بعمق في حقول الدراسات الثقافية، ونظريات الهجرة ودراسات ما بعد الاستعمار، وعلم الاجتماع المعرفي. بل إن تطبيقات علم النفس الخطابي عند بيليغ وجدت طريقها حتى إلى الحقل القانوني والدراسات القضائية؛ حيث استخدم الباحثون تحليلاته اللغوية لدراسة كيفية استنطاق الشهود، والتلاعب بالاعترافات، وتوليد الشكوك البلاغية في قاعات المحاكم؛ مما يثبت الشمولية والخصوبة الإجرائية النادرة لمشروعه المعرفي.

12.3 أصداء أفكار بيليغ في القرن الحادي والعشرين: وسائل التواصل والخطاب اليميني الجديد

مع دخول الألفية الثالثة وتفجر الثورة الرقمية المعاصرة، تبرهن أطروحات مايكل بيليغ على راهنية فكرية مذهلة وقدرة تفسيرية خارقة لأعقد أزمات عصرنا الراهن. تتجلى هذه الراهنية بوضوح في قدرة نظرية «القومية المبتذلة» على تفسير البنية الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي (تويتر، وفيسبوك، وتيك توك)؛ حيث كشفت الدراسات الحديثة كيف تقوم الخوارزميات الرقمية، وتصنيفات المحتوى بناءً على الموقع الجغرافي، وتريندات الأخبار بإعادة إنتاج القومية المبتذلة وترسيخ حدود «نحن» و«هم» بصورة يومية ولحظية تفوق بمراحل ما كانت تفعله الصحف الورقية والتلفزيون في القرن الماضي.

كما تقدم أدوات بيليغ في تحليل الخطاب والفاشية المفاتيح النظرية الأكثر فاعلية لفهم وتفكيك «بلاغة الشعبوية الجديدة» وحركات اليمين المتطرف والبديل (Alt-Right) التي تكتسح الغرب والعالم اليوم. فقد أثبت الصعود الصاروخي لخطابات ترامب، والحركات اليمينية الأوروبية المعادية للهجرة، كيف يتم استثمار «المعضلات الأيديولوجية» ومشاعر الخوف من التهديد الثقافي، وتوظيف النكات والـ Memes الساخرة على الإنترنت كأدوات لبث الكراهية وتمرير العنصرية المستترة تحت قناع رفض «الصوابية السياسية» (Political Correctness)، وهو تماماً ما تنبأ به وحلله بيليغ في كتاباته حول الوجه المظلم للفكاهة والسخرية.

علاوة على ذلك، يلقي مفهوم «الكبت الحواري» عند بيليغ ضوءاً ساطعاً على ظواهر الاستقطاب الحاد وظاهرة «الإلغاء الثقافي» (Cancel Culture) في البيئات الرقمية؛ حيث يتم إسكات الأصوات وممارسة رقابة جماهيرية شرسة عبر إنتاج الإحراج والتشهير العلني، مما يعيد تأكيد أطروحته المركزية بأن اللاوعي والكبت ليسا سوى نتاج للمحادثات المقيدة والمحرمات التي تفرضها القوى الاجتماعية السائدة. إن مايكل بيليغ يقف اليوم كمفكر طليعي ومجدد استثنائي أعاد صياغة فهمنا لطبيعة الفكر واللغة الإنسانية، وحفر اسمه عميقاً كواحد من أعظم رواد الفكر النقدي التحرري في عصرنا المعاصر.

خاتمة: الأفق المفتوح لإرث مايكل بيليغ النقدي

إن تتبع المسار المعرفي والفكري للبروفيسور مايكل بيليغ منذ إسهاماته التأسيسية الأولى في سبعينيات القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة، يكشف عن خيط ناظم صلب وممتد حكم كل أعماله: وهو الإيمان المطلق بأن الإنسان كائن أخلاقي، وبلاغي، وتاريخي، لا يمكن فهم نبضه الحي عبر حبسه في أقفاص المختبرات أو اختزاله إلى إشارات عصبية وخوارزميات إدراكية صامتة. لقد استطاع بيليغ، بفرادة منهجية قل نظيرها، أن يهدم الحواجز المصطنعة بين علم النفس والعلوم الإنسانية، ليعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي في قلب العالم: فاعلاً يجادل، ويفاوض، ويقاوم الهيمنة بالكلمة والحجة.

تتمثل القيمة الكبرى لإرث بيليغ في كونه لم يقدم مجرد نظريات أكاديمية للتأمل المجرد، بل زود الفكر النقدي بترسانة مفهومية وتحليلية حية تمكننا من فهم ميكانيزمات القوة التي تحكم تفاصيل حياتنا المعاشة: من فضح الأقنعة المستترة للقومية المبتذلة في صحف الصباح ونشرات الطقس، إلى تعرية الوجه المظلم للضحك والسخرية كأدوات للانضباط والتمييز، وصولاً إلى كشف الكبت الإيديولوجي الذي يسكت رغباتنا الممنوعة، ونقد الرطانة الأكاديمية التي تعزل الجامعات عن قضايا الإنسان العادي.

في عصرنا الحالي المأزوم بصعود الاستبداد الرقمي، وتفشي الشعبويات العنصرية المواربة، وتزييف الحقائق عبر منصات التواصل، تبدو أفكار بيليغ البلاغية والخطابية أكثر راهنية وإلحاحاً من أي وقت مضى؛ إنها تذكرنا دوماً بأن التفكير هو في جوهره حوار ونزاع دائمين، وأن الاستسلام للصوت الواحد ولليقينيات الأيديولوجية المغلقة هو موت للفكر ذاته. إن مشروع مايكل بيليغ يظل أفقاً مفتوحاً وملهماً لكل من يؤمن بأن علم النفس الاجتماعي لا يكتسب شرعيته الوجودية إلا حين ينحاز للحرية، ويسائل السلطة، ويدافع عن كرامة الإنسان وحقه في الجدل والكلام.

المراجع

★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات