السيرة
تُمثّل عالمة النفس والباحثة الاجتماعية النيوزيلندية-البريطانية مارغريت ويذريل (Margaret Wetherell) واحدةً من أبرز القامات الفكرية التي أعادت تشكيل بنية العلوم الإنسانية والاجتماعية في أواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين. لم يكن مشروعها الفكري مجرد مساهمة تقليدية ضمن إطار علم النفس السائد، بل كان ثورة ابستمولوجية ومنهجية أطاحت بالمسلّمات الوضعية والتجريبية التي هيمنت على دراسة العقل والسلوك البشري لعقود طويلة. فمن خلال انخراطها الجذري في تفكيك النزعة الاختزالية المعرفية، قادت ويذريل تحولاً جذرياً أعاد الاعتبار للغة، والسلطة، والتاريخ، والثقافة، بوصفها العناصر المؤسسة للذات الإنسانية وللتجربة النفسية المعاشة.
ارتبط اسم ويذريل بالتحول اللغوي في العلوم الاجتماعية، حيث دشنت رفقة زميلها جوناثان بوتر معالم ما عُرف لاحقاً بـ علم النفس الخطابي (Discursive Psychology)، وهو الحقل الذي انتزع قضايا المعنى والاتجاهات والهوية من المختبرات المعزولة وألقى بها في معترك التفاعل اليومي والممارسات الحوارية الحية. غير أن إسهامها لم يتوقف عند حدود تفكيك الخطاب ونقد الأيديولوجيا، بل امتد عبر مسيرة بحثية حافلة شملت فحص العنصرية المؤسستية والمستترة، ودراسة تشكلات الذكورة والنوع الاجتماعي، وإدارة أضخم البرامج الأكاديمية لدراسة الهوية في بريطانيا، وصولاً إلى مشروعها التجديدي الباهر حول “الممارسات الوجدانية” الذي جسر الهوة بين الجسد والانفعال من جهة، واللغة والسياق السوسيو-تاريخي من جهة أخرى.
يتناول هذا البحث المفصل المسيرة الفكرية والمنهجية لمارغريت ويذريل، مستعرضاً نشأتها وتكوينها الأكاديمي، وأسس مشروعها المعرفي، وسجالاتها الكبرى التي حددت معالم النقد الاجتماعي الحديث، وتطبيقات أفكارها في الميادين السياسية والمؤسسية، فضلاً عن راهنية مقاربتها في مواجهة تحديات العصر الرقمي وأزماته المعقدة، كاشفاً عن إرثٍ نقدي متماسك يرفض عزل سيكولوجيا الإنسان عن شروط وجوده التاريخية وصراعاته البلاغية والوجودية المستمرة.
1. النشأة والخلفية الأكاديمية لمارغريت ويذريل
1.1 البدايات والتعليم المبكر في نيوزيلندا
وُلدت مارغريت ويذريل في نيوزيلندا عام 1954، في سياق جغرافي وثقافي تميز بتركيبة اجتماعية استعمارية مركبة طبعتها التوترات التاريخية بين المستوطنين ذوي الأصول الأوروبية (الباكيها – Pākehā) والسكان الأصليين من قبائل الماوري (Māori). وقد شكّل هذا الفضاء الاستعماري المبكر مختبراً حياً صقل وعيها الأولي بطبيعة اللامساواة العرقية، وكيف تعمل اللغة اليومية كأداة لتبرير السيطرة وترسيخ الامتيازات الرمزية والمادية لجماعة بيضاء مهيمنة على حساب أصحاب الأرض الشرعيين. نشأت ويذريل وهي تشهد التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي النيوزيلندي الذي كان يروّج لأسطورة “أفضل علاقات عرقية في العالم”، وبين الواقع المعاش الحافل بالتهميش والتمييز البنيوي ضد الماوري.
التحقت ويذريل بالتعليم الجامعي في نيوزيلندا، حيث درست علم النفس وعلم الاجتماع في مرحلة البكالوريوس، وسرعان ما شعرت بوطأة الاغتراب الأكاديمي حيال المناهج السيكولوجية الوضعية التي كانت سائدة آنذاك. فقد لاحظت أن المقررات التجريبية الكلاسيكية تعامل الإنسان كآلة معالجة للمعلومات أو ككائن بيولوجي مجرد يُختبر في غرف معزولة، متجاهلةً تماماً شروط الهوية وتاريخ الاستعمار وصراعات الطبقة التي كانت تلتهب خارج أسوار الجامعة. هذا الإحباط المعرفي المبكر دفعها إلى البحث عن آفاق نظرية أرحب، مما قادها إلى التفكير في الهجرة الأكاديمية لمتابعة دراساتها العليا في المملكة المتحدة.
في أواخر السبعينيات، انتقلت ويذريل إلى جامعة بريستول في بريطانيا للحصول على درجة الدكتوراه تحت إشراف المنظّر البارز هنري تاشفيل (Henri Tajfel)، رائد نظرية الهوية الاجتماعية. في بريستول، انخرطت في بيئة فكرية تموج بالسجالات العميقة حول الإدراك الاجتماعي والنزاعات بين الجماعات. ومع أن تاشفيل كان يسعى إلى كسر النزعة الفردانية في علم النفس الأمريكي، إلا أن ويذريل رأت أن حتى نظرية الهوية الاجتماعية المعرفية تظل أسيرة الافتراضات التجريبية والنزعة العقلانية المجردة. تأثرت ويذريل خلال تلك المرحلة بالصعود القوي لفلسفات ما بعد الحداثة، والتفكيكية، والنسوية الاشتراكية، والحركات الطلابية المناهضة للعنصرية، مما رسخ لديها قناعة راسخة بضرورة إحداث قطيعة ابستمولوجية تامة مع النماذج الوضعية وإعادة تأسيس علم النفس على دعائم نقدية ولسانية واجتماعية حقيقية.
1.2 المسيرة المهنية والمناصب الأكاديمية
عقب إتمام دراستها العليا، استقرت مارغريت ويذريل في بريطانيا وبدأت مسيرة أكاديمية حافلة تركت بصمات لا تُمحى على خارطة التعليم العالي البريطاني. التحقت بـ الجامعة المفتوحة (The Open University) في المملكة المتحدة، وهي المؤسسة التي عُرفت بريادتها التربوية وانفتاحها على الأفكار النقدية والطبقات الاجتماعية غير التقليدية. وفي رحاب هذه الجامعة، قضت ويذريل الجانب الأكبر من حياتها المهنية، وتدرجت في المراتب الأكاديمية حتى نالت كرسي الأستاذية في علم النفس الاجتماعي. تميز عملها هناك بتصميم مقررات ومناهج تعليمية نوعية أعادت صياغة تدريس العلوم النفسية والاجتماعية لآلاف الطلاب والباحثين، محطمةً الحدود المصطنعة بين علم النفس وعلم الاجتماع والدراسات الثقافية.
تجلت مكانتها القيادية في الحقل الأكاديمي البريطاني حين اختيرت لتكون مديرة للبرنامج الوطني المرموق المعني بأبحاث الهوية، وهو برنامج “الهويات والفعل الاجتماعي” (Identities and Social Action Programme) الممول من مجلس البحوث الاقتصادية والاجتماعية (ESRC) بين عامي 2004 و2009. تولت ويذريل إدارة ميزانية بحثية ضخمة جمعت تحت مظلتها عشرات المشاريع الاستكشافية التي سعت إلى فهم تحولات الهوية، والمواطنة، والعرقيات، والطبقة في بريطانيا المعاصرة، مما جعلها شخصية محورية في توجيه السياسات البحثية وتطوير مقاربات التحليل الكيفي على الصعيد الوطني.
بعد مسيرة مديدة ومؤثرة في المملكة المتحدة، حافظت ويذريل على صلاتها الأكاديمية بوطنها الأم، حيث عملت كأستاذة فخرية ومميزة لعلم النفس في جامعة أوكلاند بنيوزيلندا، بالتوازي مع صفتها كأستاذة فخرية في الجامعة المفتوحة. تُوّج مسارها العلمي بانتخابها زميلة للأكاديمية البريطانية للعلوم الاجتماعية والأكاديمية الملكية لجمعية تي أبانغي بنيوزيلندا، بالإضافة إلى نيلها جوائز تقديرية دولية رفيعة تكريماً لمساهماتها الاستثنائية في إعادة صياغة علم النفس الاجتماعي وتأسيس مناهج علم النفس الخطابي وتحليل المشاعر.
1.3 السياق الفكري لصعود علم النفس النقدي في بريطانيا
لا يمكن فهم بزوغ مشروع مارغريت ويذريل الفكري بمعزل عن “أزمة علم النفس الاجتماعي” التي اندلعت في بريطانيا وأوروبا الغربية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين. تمثلت هذه الأزمة في تصاعد موجة من التمرد الإبستمولوجي والمنهجي قادها جيل جديد من الباحثين الذين ضاقوا ذرعاً بالهيمنة الأمريكية المطلقة على الحقل؛ تلك الهيمنة التي اختزلت الوجود الإنساني في نماذج مختبرية مصطنعة، واعتبرت التفاعلات السلوكية مجرد استجابات لمتغيرات تجريبية معزولة عن السياق التاريخي، وعلاقات السلطة، والديناميات السياسية.
تزامن هذا المأزق الأكاديمي مع التحولات الكبرى التي أحدثتها ما بعد البنيوية (Post-structuralism) والتفكيكية، والانتشار الواسع لأطروحات ميشيل فوكو وجاك دريدا، إلى جانب الصعود اللافت لمركز الدراسات الثقافية المعاصرة في برمنغهام بقيادة ستيوارت هول. أدت هذه التيارات إلى تقويض الاعتقاد بوجود “طبيعة بشرية” ثابتة وقابلة للقياس الكمي الصارم، كاشفةً عن أن اللغة ليست وسيطاً محايداً لنقل الحقائق الموضوعية، بل هي الميدان الأساسي الذي تُبنى فيه الحقائق وتُمارَس عبره الهيمنة الأيديولوجية.
في هذا المناخ التحولي المتفجر، لعبت ويذريل، بالتعاون مع ثلة من المفكرين الراديكاليين مثل جوناثان بوتر ومايكل بيليغ، دوراً محورياً وقيادياً في تأسيس شبكات أكاديمية بديلة جمعت بين علم النفس، وعلم الاجتماع، واللسانيات، والأنثروبولوجيا. أسست هذه الشبكات لما بات يُعرف بـ “علم النفس الاجتماعي النقدي”، وهو تيار لم يكتفِ بنقد النماذج السائدة، بل اجتهد في ابتكار أدوات منهجية صارمة بديلة، كان في مقدمتها التحليل النقدي للخطاب وتحليل التفاعل اللغوي، مؤسساً لقطيعة تاريخية نقلت الاهتمام الأكاديمي من “العمليات الذهنية الداخلية” إلى “الممارسات الخطابية الاجتماعية المشتركة”.
2. الأسس المعرفية والابستمولوجية لعلم النفس الاجتماعي النقدي
2.1 نقد علم النفس المعرفي والتجريبي الكلاسيكي
انطلقت مارغريت ويذريل في تأسيس رؤيتها المعرفية من ممارسة نقدٍ راديكالي لا هوادة فيه لما أسمته “النزعة المعرفية الاختزالية” (Cognitivism) التي هيمنت على علم النفس التقليدي. يرتكز هذا النموذج المهيمن على افتراض أساسي مفاده أن تصرفات البشر ومواقفهم ليست سوى انعكاسات ميكانيكية لعمليات عقلية داخلية مشفرة في الدماغ أو في البنى المعرفية الذاتية. تفكك ويذريل هذا الافتراض مبيّنةً أنه يقع في سقطة “الفردانية المنهجية”، حيث يفصل الفرد فصلاً تعسفياً عن محيطه الاجتماعي والتاريخي، ويحوّل الظواهر الجمعية، كالعنصرية والتحيز والصراع الطبقي، إلى مجرد تشوهات معرفية فردية أو أخطاء في معالجة المعلومات لدى أفراد معزولين.
توجّه ويذريل سهام نقدها اللاذع أيضاً إلى المنهج التجريبي المختبري المعياري، الذي ترى أنه يصطنع بيئات مصطنعة ومجردة من المعنى الحقيقي. ففي المعمل السيكولوجي، يُجرَّد الفرد من شبكة العلاقات والمسؤوليات الأخلاقية والمواقع الطبقية التي تشكل جوهر وجوده، ويُطلب منه الضغط على أزرار أو ملء استبانات مسبقة التحديد تُقيس “مواقفه” المفترضة ككميات ثابتة. تجادل ويذريل بأن هذا النمط الوضعي عاجز ابستمولوجياً عن فهم وتأويل “المعنى”؛ لأن المواقف الإنسانية ليست كيانات مادية مسبقة الصنع مخزنة في رؤوس البشر تنتظر الاستدعاء السلبي، بل هي أفعال بلاغية وتواصلية نشطة تتبدل وتتشكل لحظياً وفقاً للسياق، والجمهور، والغايات التفاعلية المباشرة.
بناءً على ذلك، تعيد ويذريل تعريف الذات الإنسانية تعريفاً ثورياً: فالذات ليست جوهراً نفسياً مستقلاً ومغلقاً على ذاته (Monad)، وليست معالجاً معلوماتياً محايداً، بل هي نتاج علائقي وتواصلي بحت. إن المشاعر، والاتجاهات، والرغبات ليست خصائص داخلية تخص فرداً بيولوجياً منعزلاً، بل هي تمظهرات تُصاغ وتُكتسب وتُمارس من خلال شبكات التفاعل الاجتماعي والممارسات الرمزية المشتركة. وبالتالي، فإن محاولة فهم السلوك الإنساني بدراسة الدماغ الفردي أو الإدراك المعزول تشبه محاولة فهم قواعد لعبة الشطرنج عبر فحص المادة الكيميائية المصنوعة منها قطع اللعب.
2.2 البنائية الاجتماعية كنواة نظرية
تشكّل البنائية الاجتماعية (Social Constructionism) الأساس المنهجي والعمود الفقري لمشروع مارغريت ويذريل الفكري. تنطلق ويذريل من المسلمة الابستمولوجية القائلة بأن المعرفة الإنسانية، بما في ذلك المعرفة النفسية والعلمية ذاتها، ليست مرآة تعكس واقعاً موضوعياً ومحايداً سلفاً، بل هي بناء اجتماعي وتاريخي مشروط بالثقافة والممارسات المؤسسية واللغة السائدة في حقبة زمنية معينة. ومن هذا المنطلق، تخضع مقولات “العقل”، و”الطبيعة الإنسانية”، و”الشخصية”، و”الاضطراب النفسي” للتاريخية والنسبية الثقافية؛ فهي ليست حقائق كونية أزلية، بل تشكيلات سوسيو-لغوية نشأت في ظل ظروف مجتمعية محددة.
تقوّض البنائية الاجتماعية لدى ويذريل الوهم الوضعي حول وجود “حقيقة نفسية نقية”. فالمشاعر الإنسانية، على سبيل المثال، كالغيرة، أو الحب، أو الغضب، ليست مجرد إفرازات غددية أو نبضات عصبية عمياء متطابقة عبر كل الثقافات، بل هي تجارب تُدرك وتُسمى وتُعاش من خلال الأطر التفسيرية والقواعد الأخلاقية التي يتيحها المجتمع للمرء. تستند ويذريل في هذا التصور إلى التوليف الخلاق بين التفاعلية الرمزية (Symbolic Interactionism) من جهة، وفلسفة اللغة المتأخرة عند لودفيغ فيتغنشتاين ونظرية أفعال الكلام عند جون أوستن من جهة أخرى؛ حيث تصبح اللغة شكلاً من أشكال الحياة الاجتماعية، وممارسة عملية ومادية تُنجز بها الأفعال وتُرسى بها الوقائع.
ومع ذلك، لا تسقط ويذريل في فخ المثالية اللغوية الساذجة التي تنكر وجود العالم المادي؛ بل هي تدمج الرؤى المادية والتاريخية مع فحص الممارسات اليومية الملموسة. فالأفراد لا يبنون واقعهم من فراغ محض، بل يفعلون ذلك داخل شروط مادية، واقتصادية، وتاريخية موروثة ومحددة سلفاً. إلا أن هذه الشروط المادية لا تكتسب فاعليتها الاجتماعية، ولا تفرض سطوتها أو يتم التمرد عليها، إلا عبر المعاني والدلالات الرمزية التي يخلعها الأفراد عليها من خلال التفاعل الحواري المشترك.
2.3 العلاقة الجدلية بين القوة والذات واللغة
تستلهم مارغريت ويذريل بشكل عميق الأطروحات الفلسفية لـ ميشيل فوكو (Michel Foucault)، وتحديداً ما يتعلق بالترابط العضوي غير القابل للفصم بين المعرفة، والسلطة، والخطاب. ترى ويذريل أن الخطابات ليست مجرد تجميع لكلمات وجمل، بل هي ممارسات نسقية تُنتج الموضوعات التي تتحدث عنها، وتخلق في الآن ذاته “مواقع الذات” (Subject Positions) التي يُسمح للأفراد باحتلالها أو يُجبرون عليها داخل المجتمع. إن السلطة في المنظور الفوكوي الذي تتبناه ويذريل لا تعمل فقط كقوة قمعية خارجية نازلة من أعلى إلى أسفل عبر أجهزة الدولة البوليسية، بل تعمل كسلطة إنتاجية وشبكية تسري في مسام الحياة اليومية، وتُنتج نمط التفكير، وتحدد ما يُعد “طبيعياً”، أو “عقلانياً”، أو “أخلاقياً”.
توضح ويذريل كيف تتدخل المؤسسات الكبرى—كالطب النفسي، والتعليم، والنظام القضائي، ووسائل الإعلام—في صناعة ذوات مقبولة اجتماعياً ومنصاعة للأيديولوجيات السائدة عبر اللغة المنطوقة والمكتوبة. فالأوصاف التي نطلقها على أنفسنا وعلى الآخرين، مثل “مستقل”، أو “منتج”، أو “عقلاني”، أو “مريض”، أو “منحرف”، ليست تسميات بريئة، بل هي تقنيات سلطوية تهدف إلى ضبط السلوك البشري ومراقبته ذاتياً، وتطويع الأجساد والعقول لتلائم متطلبات النظام الاقتصادي والاجتماعي القائم.
لكن ويذريل ترفض في الوقت نفسه النزعة الجبرية الحتمية التي قد توحي بها بعض القراءات لفوكو، والتي تحوّل الأفراد إلى دمى سلبية مسلوبة الإرادة تتلاعب بها الخطابات الكبرى. بل تؤكد على الطبيعة التنازعية والحوارية للسلطة؛ فاللغة، بوصفها فضاءً لممارسة القوة والهيمنة، هي أيضاً الفضاء بامتياز للمقاومة والتفاوض وإعادة صياغة المعاني. إن الأفراد يمتلكون فاعلية بلاغية تمكّنهم من توظيف الموارد اللغوية المتاحة للطعن في التصنيفات السلطوية، وابتكار هويات بديلة تقاوم التدجين. وهنا يتجلى الموقع الأخلاقي والسياسي الحاسم للباحث في علم النفس الاجتماعي النقدي عند ويذريل: إذ لا يمكن للباحث أن يكون مراقباً محايداً أو تكنوقراطياً متجرداً، بل واجبه المعرفي يحتم عليه كشف بنى الهيمنة المتخفية وراء بداهات “الحس السليم”، والانحياز للتحرر الاجتماعي والعدالة والمساواة.
3. تأسيس علم النفس الخطابي والتحول اللغوي
3.1 التعاون التأسيسي مع جوناثان بوتر (1987)
في عام 1987، شهد حقل العلوم الإنسانية منعطفاً تأسيسياً فارقاً بصدور كتاب جوناثان بوتر (Jonathan Potter) ومارغريت ويذريل المشترك: الخطاب وعلم النفس الاجتماعي: ما وراء الاتجاهات والسلوك (Discourse and Social Psychology: Beyond Attitudes and Behaviour). كان هذا العمل بمثابة البيان التأسيسي لما عُرف لاحقاً بـ “علم النفس الخطابي”، ومثّل إعلاناً صريحاً عن نهاية الوصاية التجريبية الوضعية على دراسة الظواهر النفسية الاجتماعية. قوض الكتاب المرتكزات التقليدية للأكاديميا النفسية التي كانت تتعامل مع الاتجاهات (Attitudes) كحالات عقلية مستقرة وكامنة في اللاشعور أو الجهاز العصبي، تنتظر أداة قياس استبيانية لكي ترصدها بدقة إحصائية.
قدّم بوتر وويذريل في هذا الكتاب نموذجاً ابستمولوجياً ومنهجياً بديلاً أحدث ثورة في المفاهيم السائدة؛ حيث أُعيدت صياغة مقولات الاتجاه، والنية، والدافع، والإدراك لتصبح “أفعالاً تواصلية وبلاغية” بدلاً من أن تكون موجودات ذهنية معزولة. جادل المؤلفان بأن الإنسان عندما يعبّر عن رأي ما في محادثة يومية، فإنه لا يُجري عملية استرجاع لملف مخزن في حاسوبه العقلي، بل يؤدي فعلاً تفاعلياً يستهدف إقناع محاوره، أو الدفاع عن سمعته الأخلاقية، أو لوم خصمه، أو نفي تهمة محتملة عن نفسه. وعليه، فإن دراسة السلوك الإنساني يجب ألا تبحث عن أشباح غير مرئية داخل الجماجم، بل ينبغي أن تنكب بدقة ميكروسكوبية على دراسة النصوص والتفاعلات اللغوية الطبيعية الحية والأنشطة الاجتماعية القابلة للملاحظة والتوثيق المباشر.
3.2 اللغة بوصفها ممارسة اجتماعية وبناءة
يكمن الجوهر الثوري لعلم النفس الخطابي عند ويذريل في الانتقال الجذري من النظر إلى اللغة بوصفها مجرد “مرآة عاكسة” أو شفرة تمثيلية تنقل صورة الواقع الخارجي كما هو، إلى اعتبارها ممارسة اجتماعية وبنائية ونشطة تُصنع من خلالها الوقائع الاجتماعية وتُعاد صياغتها باستمرار. اللغة لا “تصف” عالماً جاهزاً ومكتملاً خارجياً، بل هي الأداة التي يُشيد بها هذا العالم، ويُمنح معناه، وتُؤسس عبرها المؤسسات وتُفرض السلطة. فكل صياغة لغوية لحدث ما، سواء كان مشاجرة زوجية أو قراراً سياسياً بحرب دولية، هي بالضرورة “نسخة” مبنية ومنحازة تخدم أهدافاً تواصلية ومصالح بلاغية محددة، وتحجب في الوقت نفسه نسخاً أخرى ممكنة.
تركز ويذريل على الأبعاد الأدائية (Performative dimensions) لأفعال الكلام، مستلهمةً رؤى الفيلسوف جون أوستن القائلة بأننا “نقوم بأفعال بالكلمات”؛ فنحن عبر الحديث نبرر، وندين، ونعد، ونمنح الشرعية، ونمارس الإقصاء، ونعيد إنتاج الهيمنة. وفي السياقات الاجتماعية المعقدة، يُوظف المتحدثون استراتيجيات لغوية بالغة الدقة لتثبيت مصداقية رواياتهم وجعلها تبدو كـ “حقائق موضوعية مجردة لا تقبل الشك”، في حين يعملون في الوقت نفسه على تقويض روايات خصومهم وتصويرها بوصفها نابعة من تحيزات شخصية أو مصالح ذاتية مغرضة. إن مهمة الباحث في علم النفس الخطابي تتجسد تحديداً في تفكيك هذه الآليات اللغوية وكشف كيفية بناء “الموضوعية المتصورة” عبر الممارسات الحوارية.
3.3 المفاهيم المحورية في علم النفس الخطابي عند ويذريل
طوّرت مارغريت ويذريل جهازاً مفاهيمياً دقيقاً ومتميزاً داخل علم النفس الخطابي يمنحه عمقاً تحليلياً فريداً؛ ويبرز في صلب هذا الجهاز مفهوم “الفاعلية والذاتية المتغيرة” (Variable Subjectivity). ترى ويذريل أن الذات الإنسانية ليست كتلة مصمتة أو هوية أحادية متجانسة عبر كل المواقف، بل هي ذات مرنة وسيالة ومتحولة باستمرار داخل النصوص والتفاعلات الشفهية والمكتوبة. فالشخص ذاته قد يُصوّر نفسه في لحظة حوارية معينة كـ “ضحية بريئة ومستضعفة”، ثم يعود في اللحظة التالية من الحوار نفسه ليعرض نفسه كـ “شخصية قوية، مسيطرة وحازمة”، وذلك بحسب المتطلبات البلاغية والبراغماتية للحديث والدفاع عن النفس.
كما صاغت ويذريل مفهوماً ديناميكياً لـ “السياق”، رافضةً النظرة التي تقصر السياق على كونه مجرد وعاء خارجي ثابت يحتوي الكلام، بل اعتبرته إنجازاً تفاعلياً مستمراً يفعّله المشاركون ويوجهون دلالاته التفسيرية المشتركة. والأهم من ذلك، تميزت مقاربة ويذريل بقدرتها الفائقة على إجراء “التحليل المزدوج المتزامن”، الذي يدمج بين المستوى الميكرو (Micro)، المتتبع للتفاعلات التفصيلية اللحظية، والتعاقب الحواري الدقيق، وبين المستوى الماكرو (Macro)، المتصل بالتشكيلات الأيديولوجية الكبرى، وعلاقات السلطة، والتاريخ الثقافي المشترك، موضحةً كيف تحافظ النصوص على تماسكها البلاغي عبر استراتيجيات حذقة لإدارة التعارضات، والتناقضات، والتوترات المفاهيمية المتأصلة في الخطاب اليومي.
4. مفهوم السجلات التفسيرية والموارد البلاغية
4.1 تعريف وتأصيل السجلات التفسيرية (Interpretative Repertoires)
يُعد مفهوم السجلات التفسيرية (Interpretative Repertoires)، الذي نحتته مارغريت ويذريل بالاشتراك مع جوناثان بوتر في أواخر الثمانينيات، أحد ألمع الابتكارات المفاهيمية في علم النفس الاجتماعي والتحليل النقدي للخطاب. تُعرّف ويذريل السجل التفسيري بأنه: منظومة متماسكة ومألوفة ثقافياً من التعبيرات المعجمية، والاستعارات البلاغية، والعبارات الاصطلاحية، والأشكال المجازية التي تُستخدم لوصف الأحداث، وتقييم الأفعال، وإضفاء المعنى الأخلاقي والمنطقي على الواقع المعاش. إنها بمثابة “مكتبة دلالية مشتركة” أو مستودع جاهز من الموارد اللغوية ينهل منها المتحدثون لتبرير سلوكياتهم وفهم العالم المحيط بهم.
حرصت ويذريل على تبيان الفروق الدقيقة والحاسمة بين مفهوم “السجل التفسيري” ومفهوم “الخطاب” (Discourse) كما وظفه ميشيل فوكو في أطروحاته. فبينما يميل المفهوم الفوكوي إلى الإيحاء بوجود بنى خطابية مهيمنة، متجانسة وشبه مطلقة تشكل وعي الأفراد وتتحكم بهم من أعلى بصورة شمولية، يمتاز مفهوم “السجل التفسيري” بالمرونة الفائقة والسيولة والتناقض الداخلي. فالأفراد في حياتهم اليومية لا يلتزمون بخطاب أحادي صارم، بل يتنقلون بخفة وبراعة بين سجلات تفسيرية متعددة ومتناقضة في الآن ذاته؛ فقد يوظف المرء سجلاً ليبرالياً يقدس الفردانية وحرية الاختيار لتبرير موقف ما، ثم ينتقل في غضون ثوانٍ لاستخدام سجل أبوي أو تضامني جماعي لمناقشة قضية أخرى دون أن يشعر بأدنى حرج منطقي.
توضح ويذريل أن هذه السجلات التفسيرية ليست إبداعاً فردياً يبتكره المتكلم بلحظته، بل هي نتاج التراكم التاريخي للثقافة والممارسات المؤسسية؛ إنها تمثل “طرقاً مشتركة للحديث والفهم” استقرت عبر الزمن وأصبحت بمثابة البديهيات التي تشكل وعاء التفكير ذاته. ولذلك، فإن دراسة السجلات تكشف عن الأطر الأيديولوجية غير المرئية التي تقيد وتتيح في آن معاً ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله داخل ثقافة معينة، كاشفةً عن الشفرات الثقافية التي تمنح المعنى شرعيته الاجتماعية.
4.2 الموارد البلاغية وإدارة المصداقية والمساءلة
في إطار تحليل الممارسات الحوارية، تركز ويذريل على كيفية توظيف السجلات التفسيرية بوصفها “موارد بلاغية” (Rhetorical Resources) تُدار عبرها قضايا المصداقية والمشروعية، وتُمارس من خلالها إدارة المساءلة الأخلاقية (Accountability). فعندما يدلي الأفراد بشهاداتهم أو يطرحون آراء حول مواضيع حساسة ومثيرة للجدل، يواجهون دائماً معضلة إثبات صحة ادعاءاتهم ودفع تهم التحيز، أو المصلحة الشخصية، أو العنصرية عن أنفسهم. ولتحقيق ذلك، يبتكر المتحدثون استراتيجيات لغوية بالغة الذكاء تعمل على “نزع الصبغة الذاتية” عن أقوالهم، وتحويل آرائهم الشخصية إلى وقائع خارجية مفروضة من طبيعة الأشياء ذاتها.
من بين هذه الاستراتيجيات، تبرز تقنيات “التحصين البلاغي” (Stake Inoculation)؛ حيث يبادر المتحدث بوضع استدراكات استباقية تحميه من النقد المتوقع، كأن يقول: “أنا لست خبيراً، ولكن الواقع يثبت كذا”، أو العبارة الشهيرة في الخطاب العرقي: “أنا لست عنصرياً على الإطلاق، ولدي أصدقاء من كل الأعراق، ولكن…”. هذه الديباجات اللغوية ليست مجرد حواشٍ لفظية فارغة، بل هي دروع دفاعية تُجهض مسبقاً أي محاولة لمساءلة المتحدث أخلاقياً أو وصمه بالتعصب. كما بينت ويذريل كيف يستثمر الأفراد “التناقض الأيديولوجي” المتأصل في ثقافة المجتمع؛ إذ يعمدون إلى التوفيق بين سجلات متضاربة كلياً لإنتاج حلول وسطى زائفة تبرر مظالم اجتماعية معقدة وتجعل اللامساواة تبدو أمراً حتمياً تفرضه مقتضيات الواقع والمنطق السليم.
4.3 تطبيقات السجلات التفسيرية في البحوث الميدانية
أحدث مفهوم السجلات التفسيرية نقلة نوعية في منهجيات البحث الميداني الكيفي في علم النفس وعلم الاجتماع التطبيقي. لم يعد الهدف من إجراء المقابلات المتعمقة ومجموعات التركيز (Focus Groups) استخراج “بيانات إحصائية” حول آراء المبحوثين، بل أصبح الهدف تحليل التشكيلات اللغوية والسجلات البلاغية التي تتبدى في أحاديثهم العفوية. طبقت ويذريل هذا المفهوم في العديد من المشروعات البحثية الموسعة، متتبعة كيف يبرر المواطنون العاديون السياسات الاجتماعية الصارمة، مثل تقليص مخصصات الرعاية الاجتماعية أو إغلاق الحدود في وجه المهاجرين، مستعينين بمفردات “الحس السليم” والأمثال الشعبية الموروثة.
كشفت تلك البحوث التطبيقية عن وجود صراع دائم ومحتدم في الفضاء العام بين السجلات؛ وتحديداً التوتر الخانق بين “السجلات الليبرالية الفردانية”—التي تركز على الجدارة الشخصية، وحرية السوق، والمسؤولية الذاتية—وبين “السجلات التضامنية الجمعية”—التي تستند إلى مفاهيم العدالة الاجتماعية، والرعاية المتبادلة، وحقوق المواطنة الشاملة. أثبتت ويذريل من خلال التحليل التجريبي للنصوص أن المتحدثين لا يتبنون هذه السجلات ككتل متجمدة، بل يتفاوضون بشأنها بشكل تكتيكي تفرضه موازين القوى في الموقف الحواري، مما جعل مفهوم السجلات التفسيرية أداة لا غنى عنها لفهم النسيج المعقد للثقافة الحية وتحولات الإجماع العام في المجتمعات الديمقراطية الحديثة.
5. تحليل الخطاب العنصري والتفرقة الاجتماعية
5.1 دراسة ‘تخطيط لغة العنصرية’ (Mapping the Language of Racism)
في عام 1992، أصدرت مارغريت ويذريل بالاشتراك مع نايجل إيدلي (Nigel Edley) كتابهما الفارق تخطيط لغة العنصرية: الخطاب وتبرير الاستغلال (Mapping the Language of Racism: Discourse and the Legitimation of Exploitation)، وهو العمل الذي يُعد أحد أعظم الإنجازات المنهجية والنظرية في سوسيولوجيا العلاقات العرقية وعلم النفس النقدي. انصبت الدراسة الميدانية على تحليل مئات الساعات من المقابلات المعمقة مع السكان النيوزيلنديين البيض ذوي الأصول الأوروبية (الباكيها)، لفحص الكيفية التي يتحدثون بها عن السكان الأصليين الماوري، وعن سياسات التمييز الإيجابي، واستعادة الأراضي المصادرة، والمظالم التاريخية للاستعمار الاستيطاني.
قدّمت الدراسة تحليلاً تشريحياً مذهلاً لظاهرة “العنصرية الحديثة” أو المستترة، والتي تختلف اختلافاً جوهرياً عن العنصرية الفجة والبيولوجية الصريحة للقرن التاسع عشر. أظهرت ويذريل وإيدلي كيف أن الأفراد البيض المتعلمين تعليماً عالياً ينجحون في إنتاج خطاب يكرس التمييز والحرمان ضد الماوري ببراعة فائقة، وفي الوقت ذاته يتسربلون بأسمى مبادئ التنوير الليبرالي الغربي كالمساواة، والعدالة، والحرية الفردية، وحكم القانون. إن المستوطن الأبيض لم يعد يقول “الماوري عرق أدنى بيولوجياً”، بل يقول: “نحن جميعاً متساوون تحت مظلة القانون، ولذلك يجب ألا يحصل الماوري على أي امتيازات خاصة بحقوق الأجداد، لأن ذلك يخل بمبدأ المساواة والمواطنة الحديثة!”.
وثقت ويذريل تلك التناقضات المنهجية الصارمة؛ فالمستجيبون للبحث يصرون بشكل قاطع على رفض ونفي صفة “العنصرية” عن أنفسهم بكل الوسائل البلاغية المتاحة، وفي السطر ذاته يصفون تقاليد الماوري بالرجعية والتعطيل لمسيرة التنمية الوطنية، ويبررون استمرار اللامساواة الهيكلية التاريخية عبر تحويلها إلى نتيجة منطقية لـ “فشل الماوري الفردي في التكيف مع متطلبات الاقتصاد الحديث”.
5.2 العنصرية كممارسة خطابية وأيديولوجية يومية
أحدثت مقاربة ويذريل ثورة ابستمولوجية في دراسة العنصرية، إذ نقلتها من حيز “الباثولوجيا الفردية” إلى حيز “الممارسة الخطابية والأيديولوجية الجمعية اليومية”. ففي مقابل علم النفس التقليدي الذي ينظر للعنصرية كخلل نفسي شاذ أو نزعة سلطوية استبدادية تصيب شخصيات معينة تعاني من قصور أخلاقي أو إدراكي، أثبتت ويذريل أن العنصرية هي في جوهرها ممارسة عادية، وممنهجة، ومؤسسة في “المنطق الفطري” وفي تفاصيل الحس السليم الثقافي المشترك الذي يتنفسه أفراد المجتمع المهيمن يومياً كالهواء النقي دون وعي بنقائصه.
كشفت أبحاث ويذريل عن الآليات اللغوية الميكروسكوبية التي تُمكّن من تبرير الامتيازات العرقية البيضاء؛ فالمتحدثون يعيدون صياغة قضايا حقوق السكان الأصليين ونضالاتهم التحررية لتصويرها بوصفها “مطالب فئوية طماعة تهدد وحدة الأمة”. ويجري في هذا السياق توظيف حذق لتقنية “لوم الضحية” (Victim Blaming)؛ حيث تُعزى معدلات الفقر، والبطالة، والجريمة المرتفعة بين الماوري إلى “كسلهم الفطري” أو “تفكك أسرهم”، مع محو وتبييض كاملين لتاريخ السلب الاستعماري الوحشي، وتدمير النظم الاقتصادية الأصلية، ومصادرة الأراضي الخصبة بالقوة العسكرية. ومن خلال هذه الحيل البلاغية، يتم إبراء ذمة الجماعة البيضاء المهيمنة تماماً من أية مسؤولية تاريخية أو تعويضات مادية، وتحويل امتيازاتها غير المشروعة إلى حق طبيعي قائم على الكفاءة والاستحقاق.
5.3 مقاربة ويذريل في دراسة العلاقات العرقية والنزاعات الإثنية
ترتب على هذه الكشوفات النظرية رفضٌ قاطع من قِبل مارغريت ويذريل لنظريات “الاتصال البسيط” (Contact Hypothesis) لحل النزاعات الإثنية، وهي النظريات الليبرالية السطحية التي تفترض أن مجرد تقريب الأفراد من خلفيات عرقية مختلفة وتعزيز تواصلهم المتبادل كفيل بإزالة سوء التفاهم وتبديد الكراهية. تؤكد ويذريل أن هذه المقاربات شديدة السذاجة؛ لأن المشكلة ليست في نقص المعلومات أو الجهل بالآخر، بل في وجود أيديولوجيات مهيمنة وبنى سلطوية عميقة متجذرة في البنى اللغوية والثقافية لا تزول إلا بتفكيك الهيمنة البلاغية والسياسية للجماعات السائدة.
تؤكد ويذريل دائماً على الأهمية القصوى لفهم “التاريخ الاستعماري المتجسد” في المفردات اليومية، محذرة من أن خطابات القومية، والانتماء، والمواطنة، وسياسات الهجرة الصارمة في بريطانيا وعموم أوروبا المعاصرة، ليست سوى استمرار وتطوير لنفس السجلات الاستعمارية القديمة التي تعمل على إقصاء الملونين والمهاجرين وجعلهم دائماً في موقع “الآخر” غير المؤهل للمواطنة الكاملة. وقد تُرجمت هذه الرؤى النقدية في الإسهام بتطوير برامج مجتمعية وتربوية لمناهضة العنصرية تتجاوز التوعية الوجدانية السطحية إلى تدريب الأفراد والمؤسسات على “القراءة التفكيكية النقدية” لخطاباتهم الخاصة، وفضح تحيزاتهم اللغوية البنيوية، والاعتراف بتواطؤ خطابات الحس السليم مع آليات استمرار الاضطهاد العرقي.
6. بناء الهوية ومواقع الذات والنوع الاجتماعي
6.1 الهوية بوصفها إنجازاً حوارياً وتفاوضياً
شكلت قضية “الهوية” أحد أعمق انشغالات مارغريت ويذريل الفكرية، حيث خاضت معركة منهجية طويلة لتخليص هذا المفهوم من قبضة النزعة الجوهرية (Essentialism) التي تعد الهوية قالباً ثابتاً ونواة صلبة تسكن أعماق الكائن البشري منذ ولادته. استبدلت ويذريل هذا التصور السكوني بنموذج راديكالي يعتبر الهوية “إنجازاً حوارياً وتفاوضياً مستمراً”؛ فالهوية ليست ما “يكون عليه المرء”، بل هي ما “يفعله وينجزه” المرء لحظياً في سياق الحديث والتفاعل والتصادم الرمزي مع الآخرين.
في هذا الصدد، طوّرت ويذريل توظيف مفهوم مواقع الذات (Subject Positions) المستمد من النظرية الخطابية؛ حيث تفترض أن النصوص والخطابات الاجتماعية تفتح للمتكلم مساحات ومواقع دلالية يمكنه احتلالها، أو رفضها، أو إعادة التفاوض بشأنها. فعندما ينخرط شخص في حوار ما، يُعرض عليه موقع ذكوري أو نسوي، أو موقع المواطن الصالح، أو موقع المتمرد؛ وهذه المواقع ليست خيارات نفسية حرة ومطلقة، بل هي مشروطة تاريخياً بالسرديات الكبرى المتاحة في المجتمع. إلا أن براعة الأفراد تتجلى في قدرتهم على المناورة بين هذه المواقع المتعددة، والربط الخلاّق بين سيرهم الذاتية الفردية وبين البنى الاجتماعية الحاكمة، مما يجعل الهوية فضاءً دائماً للتوتر والمقاومة والتجدد وليس سجناً مغلقاً.
6.2 دراسات الرجولة والنوع الاجتماعي والنسوية النقدية
بالشراكة الوثيقة مع نايجل إيدلي، قادت ويذريل سلسلة من الدراسات الميدانية الرائدة حول “بناء الرجولة” (Construction of Masculinity) وتشكيل الهويات الجندرية لدى الشباب والرجال البريطانيين. استهدفت هذه الأبحاث تفكيك أسطورة “الذكورة الطبيعية”، وإظهار كيف يتعلم الذكور من خلال المحادثات اليومية والنكات الشعبية والنقاشات العفوية في الحانات والمدارس تبني سجلات الرجولة المعيارية (Hegemonic Masculinity)، وإثبات الفحولة وتأكيد التفوق، وفي الوقت نفسه تجنب الوقوع في “وصمة الضعف” أو الميوعة التي قد تقصيهم من مجتمع الأقران.
كشفت تلك الدراسات المبتكرة عن هشاشة التفوق الذكوري وكونه عبئاً بلاغياً يتطلب جهداً تفاعلياً مستمراً للدفاع عنه؛ فالرجال يضطرون دوماً للتوفيق بين سجل “الرجل الخشن المستقل” وسجل “الرجل العصري الحساس والمنصف”، في محاولة حذرة للتكيف مع مكتسبات الحركات النسوية دون التنازل التام عن الامتيازات الأبوية التقليدية. ارتبطت مقاربة ويذريل في هذا المضمار بأطر النظرية النسوية النقدية (Critical Feminist Theory)، حيث أظهرت كيف أن الثنائيات الجندرية التقليدية (رجل/امرأة، عقل/عاطفة، فاعل/منفعل) هي ثنائيات بنائية متواطئة مع علاقات الهيمنة البطريركية، ولا يمكن تفكيك الظلم الواقع على النساء دون تفكيك البنى الخطابية التي تصوغ هذه الثنائيات كحقائق بيولوجية مطلقة.
6.3 إدارة برامج أبحاث الهويات (Identities and Social Action Programme)
بلغ التكريس المؤسسي والوطني لخبرة ويذريل في دراسات الهوية ذروته عندما تولت إدارة برنامج “الهويات والفعل الاجتماعي” التابع لمجلس ESRC، والذي امتد لنصف عقد من الزمان وشارك فيه مئات الباحثين من أرقى الجامعات البريطانية. كانت الأهداف الإستراتيجية للبرنامج تتلخص في تقديم إجابات علمية معمقة حول التحولات البنيوية التي طرأت على الهويات البريطانية في عصر العولمة المتسارعة، وتصاعد موجات الهجرة، وتنامي التعددية الثقافية والدينية، وتآكل الانتماءات الطبقية والسياسية التقليدية.
أسفر هذا البرنامج الضخم تحت قيادة ويذريل عن نتائج استكشافية نوعية؛ حيث بينت الدراسات المشتركة أن مفاهيم المواطنة والانتماء لدى الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين لم تعد تتوافق مع القوالب الاستيعابية القديمة، بل تشهد بزوغ “هويات هجينة” ومركبة تجمع ببراعة بين الانتماء للأصل الثقافي وبين المواطنة البريطانية الكاملة، رغم تحديات الإسلاموفوبيا والعنصرية المؤسستية. وثّقت ويذريل هذه الإنجازات في كتب مرجعية حاسمة رسمت الخريطة السوسيولوجية والنفسية للهويات في مطلع القرن الحادي والعشرين، مؤكدة أن الهوية ليست مجرد بطاقة تعريف جامدة، بل هي المحرك الأساسي للفعل الاجتماعي والسياسي والاحتجاجي في العالم المعاصر.
7. التحول نحو العاطفة والمشاعر: إعادة تشكيل المفاهيم
7.1 كتاب ‘العاطفة والمشاعر: فهم جديد للعلوم الاجتماعية’ (2012)
في عام 2012، فجرت مارغريت ويذريل قنبلة معرفية جديدة في الساحة الأكاديمية بنشر كتابها المرجعي المبتكر: العاطفة والمشاعر: فهم جديد للعلوم الاجتماعية (Affect and Emotion: A New Social Science Understanding). كان هذا العمل إيذاناً بانتقال نوعي في مشروعها النظري؛ فبعد عقود من التركيز شبه الحصري على اللغة والخطاب والتحليل النصي، أدركت ويذريل ضرورة استكشاف عالم “المشاعر والعواطف” الذي ظل طويلاً بمثابة المنطقة العمياء في التحليلات البنائية الاجتماعية الصارمة التي كانت تُتهم أحياناً بالجفاف اللغوي وإهمال الجسد.
لم يكن هدف ويذريل الانكفاء عن مشروعها البنائي والعودة إلى البيولوجيا السيكولوجية التقليدية، بل كان يكمن في ابتكار توليف تركيبي ثوري يدمج البعد الجسدي، والفسيولوجي، والحسي للإنسان مع البعد السيميائي، والخطابي، والتاريخي. تميز الكتاب بجرأة نظرية نادرة استهدفت تجاوز الثنائيات الديكارتية العقيمة التي كبّلت الفكر الغربي لقرون طويلة: ثنائية (الجسد مقابل العقل)، و(اللغة مقابل الانفعال)، و(البيولوجيا مقابل الثقافة). وضعت ويذريل بهذا العمل علم النفس الاجتماعي النقدي في القلب تماماً من المنعطف العاطفي (Affective Turn) الذي اجتاح العلوم الإنسانية، مقدمةً صياغة نظرية متماسكة تحمي دراسة المشاعر من الانزلاق إلى النزعات الغيبية أو المادية الساذجة.
7.2 نقد النظريات البيولوجية وما بعد الإنسانية للمشاعر
شنت ويذريل في كتابها هجوماً تفكيكياً صاعقاً على تيارين نظريين متناقضين ظاهرياً لكنهما يلتقيان في تجريد المشاعر من معناها الاجتماعي. التيار الأول هو “النزعة العصبية البيولوجية الاختزالية” التي يقودها علماء النفس التطوريون مثل بول إيكمان (Paul Ekman)، والتي تزعم وجود قائمة ثابتة من “المشاعر الأساسية العالمية” المشفرة جينياً في الجهاز العصبي للبشر (كالخوف، والغضب، والاشمئزاز)، والتي تنعكس ميكانيكياً في تعابير وجه متطابقة عبر كل الثقافات. فندت ويذريل هذه المزاعم مبيّنة أنها تعتمد على تجارب مختبرية متحيزة تفرض سيناريوهات مصطنعة وتتجاهل السياقات التفاعلية واللغوية المعقدة التي يُدرك من خلالها البشر حقيقة انفعالاتهم وتجاربهم الحسية.
أما التيار الثاني الذي انتقدته ويذريل بصرامة فهو تيار “ما بعد الإنسانية” (Posthumanism) ونظريات العاطفة المستقلة، وعلى رأسها أطروحات الفيلسوف براين ماسومي (Brian Massumi). يجادل ماسومي ومناصروه بأن “العاطفة” (Affect) هي طاقة جسدية ومادية لاواعية، مستقلة استقلالاً تاماً وكلياً عن الإدراك، والمعنى، والتمثيل السيميائي، وأنها تسبق اللغة وتتفلت منها. رفضت ويذريل هذا الطرح واعتبرته نوعاً من “الأرواحية الجديدة” والصوفية العلمانية التي تفصل الجسد فصلاً تعسفياً عن المعنى الاجتماعي؛ محذرة من أن القول بأن العواطف طاقات عمياء مستقلة عن الخطاب يجرد العلوم الاجتماعية من القدرة على النقد السياسي؛ فإذا كانت العواطف مجرد شحنات فسيولوجية لا صلة لها بالثقافة، فكيف يمكننا نقد الكراهية العنصرية، أو الحماس الفاشي، أو الهستيريا القومية التي تُصنع ويُغذى أوارها عبر الدعاية الخطابية والمؤسسية الممنهجة؟
7.3 مفهوم الممارسات الوجدانية (Affective Practices)
لتجاوز هذا المأزق النظري، نحتت مارغريت ويذريل مفهومها الرائد: الممارسات الوجدانية (Affective Practices)، وهو المفهوم الذي يُعد أثرى مساهماتها في المنعطف العاطفي المعاصر. تُعرّف ويذريل الممارسة الوجدانية بأنها: “تشكيلات مركبة وديناميكية تلتحم فيها الاستجابات الجسدية الحسية، بالدلالات الرمزية واللغوية، داخل سياقات سوسيو-تاريخية ومؤسسية محددة”. في هذا التصور، لا توجد عاطفة مجردة تنفصل عن الجسد، ولا يوجد جسد يتحرك انفعالياً بمعزل عن المعاني الثقافية والتواصلية التي تُكسب ذلك التحرك دلالته الأخلاقية والوجودية.
تؤكد ويذريل أن المشاعر ليست نبضات فوضوية طارئة، بل هي “ممارسات اعتيادية” (Habitual Practices) تتكرر وتترسخ كعادات فردية وجماعية عبر الزمن، تماماً مثل مفهوم “الهابيتوس” عند بيير بورديو. إن الإنسان يتعلم كيف يشعر، ومتى يشعر، وكيف يعبّر عن غضبه أو حزنه أو ابتهاجه بطرق تتناغم مع السياق وتستجيب له؛ فالجسد والكلام يندمجان في أداء انسيابي واحد لا ينفصل. فتح هذا المفهوم آفاقاً تطبيقية هائلة لتحليل الظواهر السياسية المعاصرة، مثل موجات الغضب الشعبوي، وطقوس الحداد الوطني العام إثر الكوارث أو وفاة الرموز السياسية، والحماس الهستيري في التجمعات الانتخابية والحروب؛ حيث تُدار هذه الانفعالات الجمعية بوصفها “ممارسات وجدانية منسقة وموجهة” تصنع الولاءات وتثبت شرعية السلطة الحاكمة.
8. المنهجية والابتكار البحثي في تحليل الخطاب
8.1 الخطوات المنهجية لتحليل الخطاب النفسي الاجتماعي
لم يكن مشروع مارغريت ويذريل مجرد تنظيرات تجريدية مفصولة عن الواقع الملموس، بل اقترن بابتكار بروتوكولات منهجية تفصيلية ومحكمة أرست معايير الصرامة العلمية في أبحاث تحليل الخطاب الكيفي. تتميز الخطوة الأولى في منهجيتها بالاختيار الدقيق لطبيعة البيانات؛ حيث تمنح ويذريل الأولوية لـ “البيانات الطبيعية” (Naturalistic Data)—وهي التفاعلات الحوارية التي تجري في الحياة اليومية ومؤسسات العمل دون تدخل أو توجيه مصطنع من الباحث—مع الاعتراف في الوقت ذاته بجدوى المقابلات المتعمقة شرط أن تُصمم وتُدار بطريقة تفاعلية ونقدية تتيح فحص التناقضات وتتبع الموارد البلاغية العفوية.
تولي ويذريل أهمية قصوى لعملية “النسخ النصي الدقيق” (Transcription)، وتعتمد في ذلك على تطوير معدل لنظام غيل جيفرسون (Jefferson Transcription System) الشهير. لا يقتصر النسخ في منهجها على تدوين الكلمات المنطوقة فحسب، بل يشمل توثيق الوقفات الزمنية بالأجزاء من الثانية، وتغير نبرات الصوت وارتفاعه وهبوطه، والتداخل بين المتحدثين، ونبرات السخرية أو التردد، والتنهدات والضحكات؛ لأن هذه التفاصيل الميكروسكوبية ليست شوائب صوتية، بل هي اللبنات الأساسية التي تُبنى بها الاستراتيجيات التفاعلية والبلاغية للمشاركين في المحادثة.
وفي مرحلة تحليل الأرشيف النصي، تقترح ويذريل مساراً تدريجياً يبدأ بالقراءة الاستكشافية المتكررة للانغماس في النص، تليها مرحلة استخراج التمظهرات الخطابية المتكررة، ورصد التناقضات السردية، وتعيين السجلات التفسيرية الحاكمة ومواقع الذات المتصارعة. وتؤسس ويذريل لمعايير جديدة لـ “الصدق والموثوقية” (Validity and Reliability) في البحث الكيفي، رافضةً المقاييس الكمية الإحصائية (كحجم العينة والارتباط)، ومستبدلةً إياها بمعايير نقدية بديلة، مثل: وضوح المسار التحليلي وتتبعه، وتقديم اقتباسات نصية موسعة تتيح للقارئ الحكم المستقل على تأويل الباحث، وإظهار قدرة التحليل على تفسير التناقضات بدلاً من تجاهلها أو محوها.
8.2 الجمع بين التحليل التفاعلي المجهري والنقد الإيديولوجي الكلي
يكمن الابتكار المنهجي الأبرز لدى مارغريت ويذريل في قدرتها الاستثنائية على كسر الاستقطاب الحاد الذي شطر العلوم الاجتماعية لعقود بين تيارين: تيار التحليل المجهري (Micro) المتمثل في الإثنوميثودولوجيا وتحليل المحادثة الصارم الذي ينغلق على التفاصيل التقنية الدقيقة للكلام، وتيار التحليل الكلي (Macro) المتمثل في النقد الأيديولوجي الماركسي وما بعد البنيوي الذي يركز على بنى الهيمنة الطبقية والمؤسسية الكبرى دون الاكتراث بلحظات التفاعل الحي.
ابتكرت ويذريل أسلوباً تركيبياً مهجناً يتتبع أدق تفاصيل المحادثة (كتوزيع الأدوار وإدارة التردد ونفي التهم)، ولكنه يقرأ هذه التفاصيل دائماً في ضوء الصراعات السياسية والتاريخية الكبرى. استطاعت أن تبرهن كيف أن “الهيمنة الأيديولوجية الكبرى” لا تسقط على الأفراد من سماء مجردة، بل تُبنى، وتُرمم، وتُرسخ وتُقاوم من خلال تفاعلات يومية تبدو تافهة وعابرة، كحديث عابر حول مائدة طعام أسرية أو مقابلة توظيف قصيرة. ومن خلال هذا الربط العبقري بين اللسانيات التطبيقية، ونظرية الخطاب النقدية، والسيكولوجيا الاجتماعية، وفّرت ويذريل أداة بصرية مزدوجة تمكّن الباحث من النظر عبر “المجهر” و”التلسكوب” في آنٍ واحد، كاشفةً كيف تتنفس الأيديولوجيات السياسية وتعيش في قلب التفاعل الحواري المباشر.
8.3 الأخلاقيات وموقع الباحث في البحث الخطابي
تشدد مارغريت ويذريل على أن البحث في علم النفس الاجتماعي النقدي لا يمكن أن يكون مجرداً من الالتزام الأخلاقي والمسؤولية السياسية؛ ولذا فهي تضع مبدأ الانعكاسية الذاتية (Reflexivity) في صميم العملية المنهجية برمتها. يقتضي هذا المبدأ أن يدرك الباحث تماماً أن وجوده الشخصي، وانتماءاته الطبقية والجندرية والعرقية، وقناعاته النظرية المسبقة، تساهم بشكل مباشر ونشط في إنتاج المعنى وسياق المقابلة، وأنه ليس كاميرا تسجل وقائع محايدة من خارج العالم الاجتماعي.
يتطلب هذا الوعي الانعكاسي التزاماً أخلاقياً صارماً في كيفية إعادة تمثيل أصوات المشاركين وحمايتهم؛ فلا يجوز للباحث النقدي أن يتعالى على المبحوثين أو يمارس عليهم وصاية معرفية استعلائية تصنفهم كمغفلين تسيطر عليهم “أيديولوجيا زائفة”، بل يجب إبراز منطقهم الخاص ومصادر معاناتهم والتعقيد البلاغي الذي يطبع سرودهم اليومية. ترى ويذريل أن تحليل الخطاب هو في المقام الأول أداة نقدية للتحرر الاجتماعي وإسماع أصوات الفئات المهمشة والمستضعفة في مواجهة خطابات المؤسسات والسلطات الباطشة؛ وهو ما يتطلب تدريب الأجيال الجديدة من الباحثين على ممارسة الشك المنهجي الدائم حيال المعارف الجاهزة والتحلي بوعي نقدي جذري لا يهادن السلطة في كافة تجلياتها الأكاديمية والاجتماعية.
9. السجال الشهير مع إيمانويل شيفلوف وتحليل المحادثة
9.1 جذور السجال العلمي بين ويذريل وشيفلوف (1998)
في عام 1998، شهد حقل الدراسات اللغوية والاجتماعية واحدة من أشرس المناظرات المعرفية والمنهجية في تاريخه الحديث، حين نشرت مارغريت ويذريل مقالها التاريخي الرائد بعنوان: “علم النفس الخطابي وتحديد موقع المحادثة: هل تحليل المحادثة وحده كافٍ؟” (Positioning and Interpretative Repertoires: Conversation Analysis and Post-Structuralism in Dialogue) في المجلة الدولية المرموقة Discourse & Society. هاجمت ويذريل في هذا المقال الصرامة التقنية الإجرائية الخالصة لمدرسة تحليل المحادثة (Conversation Analysis – CA) المؤسسة على الإثنوميثودولوجيا الإمبيريقية الصارمة، والتي تزعم كفايتها الذاتية المطلقة لفهم السلوك البشري من خلال فحص التتابع اللفظي الشكلي المباشر.
استفز هذا النقد حارس المعبد الأبرز لتحليل المحادثة عالم الاجتماع الأمريكي الشهير إيمانويل شيفلوف (Emanuel Schegloff)، الذي رد على ويذريل بمقال عاصف دافع فيه بضراوة عن الموقف الوضعي التقني. جادل شيفلوف بأن أي باحث يستحضر مفاهيم خارجية مسبقة مثل “علاقات القوة”، أو “النوع الاجتماعي”، أو “الأيديولوجيا”، أو “الهيمنة الطبقية” دون أن يكون المشاركون في المحادثة قد أشاروا إليها وتوجهوا إليها بشكل صريح وقاطع داخل النص ذاته، هو باحث غير علمي يسقط قناعاته وتحيزاته السياسية الذاتية على البيانات، واصفاً النقد الأيديولوجي لنصوص المحادثة بأنه نوع من “التلبيس الأكاديمي والاستعراض السياسي”.
تمحور الخلاف الجوهري حول مسألة ابستمولوجية كبرى: ما هو “السياق”؟ هل السياق يقتصر حصراً على التسلسل اللفظي المباشر للكلمات السابقة واللاحقة في المحادثة قيد الدراسة (كما يدعي شيفلوف)؟ أم أن السياق يمتد أفقياً ورأسياً ليشمل الشروط التاريخية، والمؤسسية، والثقافية، وعلاقات السلطة غير المرئية التي تشكل شروط إمكان القول ذاته (كما تؤكد ويذريل)؟ أصبحت هذه المناظرة التاريخية علامة فارقة في تاريخ المناهج الكيفية في العلوم الاجتماعية، وواحدة من أكثر الأوراق العلمية استشهاداً ومناقشة في العالم الأكاديمي المعاصر.
9.2 حجج ويذريل الداعية لعلم نفس خطابي نقدي شامل
ردت مارغريت ويذريل على حجج شيفلوف بمرافعة علمية شديدة الرصانة والبلاغة؛ حيث برهنت على أن إصرار تحليل المحادثة على “النقاء الإجرائي” وعزل التفاعل الحواري عن علاقات القوة والنوع الاجتماعي والتاريخ المؤسسي يُفرغ اللغة البشرية من دلالاتها الحقيقية، ويحول البحث الاجتماعي إلى ممارسة تكنوقراطية مسطحة وفارغة تشبه عمل محاسبي الضرائب، وتتجاهل القضايا الجوهرية للعدالة الإنسانية.
أكدت ويذريل في مرافعتها أن المشاركين في أي تفاعل حواري لا يبدأون وجودهم من نقطة الصفر داخل كل محادثة، بل يستحضرون دوماً تاريخاً ثقافياً ومخزوناً معجمياً وأيديولوجياً طويلاً ومستقراً مسبقاً. إن الرجل والمرأة عندما يتحدثان في سياق عمل مؤسسي، لا يحتاجان لقول كلمة “أنا رجل متسلط” أو “أنا امرأة مهمشة” في كل جملة لكي تكون علاقات الهيمنة الأبوية فاعلة ومؤثرة وموجهة للمسار؛ بل إن بنية الهيمنة تتجلى تحديداً في المسكوت عنه، وفي التوزيع غير المتكافئ للموارد الرمزية، وفي البديهيات التي لا تحتاج إلى تسمية صريحة. وشددت ويذريل على أن وظيفة الباحث النقدي ليست ترديد ما يقوله المبحوثون حرفياً كالببغاء، بل امتلاك الجرأة المعرفية والنظرية لاختراق السطح الحواري التوافقي وفضح الأيديولوجيات المؤسسية والسجلات التفسيرية التي تعمل في الخفاء لتطبيع اللامساواة وجعلها تبدو طبيعية وعادلة ومستحقة.
9.3 تداعيات المناظرة على حقل علم النفس الاجتماعي المعاصر
تركت هذه المناظرة الكبرى أصداء زلزالية واسعة أعادت تخطيط خريطة مناهج التحليل اللغوي في العلوم الاجتماعية عبر العالم؛ إذ أدت إلى انقسام الباحثين إلى معسكرات فكرية متمايزة: معسكر حافظ على ولائه لصرامة تحليل المحادثة التقني المغلق، ومعسكر واسع انحاز لرؤية ويذريل التركيبية التي أسست لمناهج التحليل النقدي المهجن. ونتج عن ذلك تطوير برامج تدريبية وأدوات بحثية جديدة تزاوج بين متطلبات الدقة التحليلية الصارمة للمحادثة وبين الانفتاح الواعي على السياقات الأيديولوجية والسياسية الكبرى.
رسخ هذا السجال مكانة مارغريت ويذريل الدولية بوصفها منظرة رائدة وفيلسوفة للعلوم الاجتماعية ترفض الحلول التوفيقية الزائفة والتنازلات البراغماتية السطحية التي قد تقود لحياد أكاديمي مزعوم على حساب القضايا الحقوقية والإنسانية الكبرى. وحتى يومنا هذا، تظل مناظرة (ويذريل – شيفلوف) نصاً كلاسيكياً لا غنى عنه يُدرّس في كليات العلوم الاجتماعية حول العالم لتدريب الطلاب على فلسفة العلم وحدود الوضعية التجريبية، مؤكدةً على أن التحليل الاجتماعي للغة هو دائماً بالضرورة خوضٌ في غمار السياسة والأخلاق والتاريخ.
10. التطبيقات العملية والمجتمعية لنظريات ويذريل
10.1 تحليل الخطاب السياسي والإعلامي
وجدت النظريات والمناهج التي طورتها مارغريت ويذريل طريقها سريعاً إلى ميادين التطبيق العملي لتحليل الخطاب السياسي والإعلامي المعاصر. فمن خلال توظيف مفهوم السجلات التفسيرية، استطاع الباحثون تفكيك آليات الحملات الانتخابية الديمقراطية وكيفية صياغة الإجماع الشعبي حول السياسات العامة الشائكة. كشفت دراسات مستلهمة من ويذريل كيف تنجح القوى السياسية المحافظة والنيوليبرالية في تحويل برامج الخصخصة الصارمة وتقليص الدعم الاجتماعي إلى قرارات حتمية تقتضيها “الحكمة والمسؤولية المالية الرشيدة”، مجردةً قوى المعارضة من أدواتها البلاغية عبر تصوير مطالبها بالعدالة الاجتماعية كـ “أوهام شعبوية غير مسؤولة”.
كما ساهمت مقاربة ويذريل في تشريح الخطاب الإعلامي حول قضايا الهجرة، واللجوء، والأقليات الدينية والعرقية في كبريات الصحف وقنوات التلفزة الغربية. أظهرت تلك التحليلات كيف تعمد وسائل الإعلام السائدة إلى تفعيل السجلات الأمنية والجنائية وتوظيف استعارات الكوارث الطبيعية (مثل: “موجات وفيضانات المهاجرين التي تجتاح بلادنا”) لإنتاج استجابات انفعالية جمعية تطبعها الهستيريا والقلق الوجودي، مما يمهد لسن تشريعات أمنية قمعية تقوض حقوق الإنسان دون أن تثير أي احتجاج جماهيري يذكر.
10.2 علم النفس الاجتماعي في السياسات العامة ومناهضة التمييز
قدّمت أبحاث ويذريل المعمقة في مشروع “الهويات والفعل الاجتماعي” أرضية علمية صلبة أسهمت في إعادة توجيه وتصميم السياسات العامة في بريطانيا والاتحاد الأوروبي ومناهضة التمييز المجتمعي. وجهت ويذريل نقداً راديكالياً لاذعاً للبرامج التدريبية التقليدية المعنية بـ “التنوع العرقي” (Diversity Training) و”محاربة التحيز اللاشعوري” المعتمدة في كبريات الشركات والمؤسسات الحكومية؛ مؤكدة أن هذه البرامج فردانية وفاشلة لأنها تتعامل مع العنصرية والتمييز كـ “عطب نفسي فردي” يُعالج عبر ورش عمل للمشاعر والتعاطف السطحي، وتتجاهل تماماً البنى الخطابية والمؤسسية العميقة التي تمنح الامتيازات لفئات وتنتزعها من فئات أخرى.
وبدلاً من تلك الحلول المسكنة، اقترحت ويذريل تدخلات مؤسسية هيكلية تعتمد على تغيير “الممارسات الخطابية والتنظيمية اليومية”؛ وتحديداً مراجعة لغة معايير التوظيف، وتفكيك سرديات الحس السليم التي تعيد إنتاج التمييز المؤسسي ضد النساء والمستضعفين في بيئات العمل. كما وفّر مفهومها حول “الممارسات الوجدانية” إطاراً تطبيقياً مهماً لتحسين بيئات العمل والتضامن المهني عبر فهم كيفية تشكل القلق والضغط النفسي بوصفهما نتاجاً لبنى الإدارة النيوليبرالية القائمة على الرقابة والمنافسة الشرسة، وليسا مجرد قلة مرونة نفسية لدى الموظفين.
10.3 التعليم العالي وبناء المناهج البديلة
تركت مارغريت ويذريل بصمة بيداغوجية تاريخية في ميدان التعليم العالي وتطوير المناهج النقدية البديلة، ولا سيما من خلال إشرافها وتأليفها لنصوص ومقررات علم النفس الاجتماعي في “الجامعة المفتوحة” في المملكة المتحدة. تميزت هذه الكتب المرجعية بإعادة صياغة شاملة لطريقة تدريس السيكولوجيا لجمهور واسع من آلاف الطلاب من مختلف الفئات الاجتماعية والطبقية؛ حيث كسرت النمطية التلقينية وفتحت عقول الطلاب على نقد الأيديولوجيات السائدة، وربطت المفاهيم النظرية بالحياة المعاشة والأحداث السياسية الساخنة.
قادت ويذريل جهوداً مضنية لكسر الهيمنة الأنجلو-أمريكية التقليدية على معايير البحث النفسي السائد؛ من خلال دمج المناهج الكيفية، ونظريات الخطاب، والأصوات البحثية المهمشة ومناهج الجنوب العالمي والمجتمعات المستعمرة ضمن صلب المناهج الأكاديمية المعتمدة. تخرجت على يديها أجيال متتابعة من الباحثين متعددي التخصصات الذين تسلحوا بوعي نقدي صارم مكنهم من اقتحام المشكلات الاجتماعية المعاصرة ومساءلة المؤسسات العلمية والسياسية دون وجل أو ارتهان للقوالب الجاهزة.
11. التأثير الفكري والإرث الأكاديمي لمارغريت ويذريل
11.1 المكانة الدولية والاعتراف الأكاديمي
تحظى مارغريت ويذريل بمكانة أكاديمية دولية بالغة الرفعة توجت بانتخابها لعضوية أرفع المجامع والمؤسسات العلمية في بريطانيا ونيوزيلندا، وعلى رأسها أكاديمية العلوم الاجتماعية (Academy of Social Sciences) في المملكة المتحدة وجمعية تي أبانغي الملكية. يُعد مؤشر الاستشهادات العلمية (H-Index) لبحوثها ومؤلفاتها من بين الأعلى عالمياً في ميادين علم النفس الاجتماعي والتحليل النقدي للخطاب والدراسات الثقافية؛ إذ تُرجمت أعمالها وأطروحاتها إلى العديد من اللغات الحية واستعانت بها أجيال من الباحثين في الجامعات عبر قارات العالم الخمس لتأسيس دراساتهم الكيفية.
شهدت مسيرتها تنظيم مؤتمرات تكريمية عالمية وإصدار ملفات خاصة في مجلات دولية محكمة (مثل British Journal of Social Psychology و Discourse Studies) خُصصت لمناقشة أبعاد مشروعها الفكري الممتد على مدار أكثر من أربعة عقود، وهو ما رسخ الاعتراف بالدور المحوري الفريد الذي لعبته في تحرير علم النفس الاجتماعي من سجن المختبرات الوضعية وإعادته إلى فضاء الفلسفة والعلوم الإنسانية الرحب، حتى غدت أفكارها ومناهجها مرجعاً معيارياً لا يمكن تجاوزه في تاريخ العلوم الإنسانية المعاصرة.
11.2 تخريج جيل من الباحثين وتأسيس المدارس البحثية
لم يقتصر إرث ويذريل على الكتب والمقالات النظرية، بل تجسد عملياً في تخريج وإرشاد جيل استثنائي من الباحثين والباحثات الذين قادوا بأنفسهم مسارات بحثية نوعية ومستقلة؛ حيث أشرفت على عشرات أطروحات الدكتوراه التي تناولت تفكيك ظواهر العنصرية، والعدالة الجنائية، والنوع الاجتماعي، والهويات الجنسية والمتحولة، والأيديولوجيات السياسية. وقد واصل تلاميذها هذا المسار متقلدين مناصب الأستاذية وإدارة أقسام علم النفس الاجتماعي النقدي في كبريات الجامعات البريطانية والأوروبية والأسترالية.
تجلت نزعتها التحررية والأخلاقية في دعمها الموصول والدؤوب للباحثين الشباب في نيوزيلندا ودول المحيط الهادئ، وتحديداً باحثي الماوري وسكان الجزر الأصلية؛ حيث شجعتهم على تطوير مقاربات ابستمولوجية ومنهجية تنبع من الخصوصية الثقافية لشعوبهم ولا ترتهن للنظريات الغربية المركزية. كما أسست ويذريل بيئات عمل بحثية تعاونية مرنة وغير هرمية جسدت فيها مبادئها النقدية في الممارسة الأكاديمية العملية، رافضةً النزعات الفردية التنافسية والأبوية التي تطبع الأوساط الجامعية النيوليبرالية الحديثة.
11.3 مقارنة إسهاماتها برواد التحليل النقدي المعاصرين
تتبوأ مقاربة مارغريت ويذريل موقعاً متفرداً ورائداً حين تُقارن بإسهامات كبار رواد التحليل النقدي المعاصرين. فعلى سبيل المثال، يركز التحليل النقدي للخطاب (CDA) بزعامة نورمان فيركلوف (Norman Fairclough) وتييون فان دايك على النصوص الإعلامية والسياسية الرسمية والمؤسسية الكبرى، معتمداً على أدوات لسانية لغوية جافة أحياناً أو نماذج إدراكية تقليدية (كما في حالة فان دايك المعرفية). في المقابل، تنفرد ويذريل بتركيزها الدائم والشغوف على “التفاعل الشفهي الحي في الحياة اليومية المعاشة”، متتبعةً السياسة والهيمنة في نبرة الصوت المترددة وحوارات غرف المعيشة وأروقة العمل العادية.
وحين تُقارن بحركة “التحليل النفسي الاجتماعي” (Psychoanalytic Social Psychology) التي يقودها باحثون نقديون راديكاليون مثل إيان باركر (Ian Parker)، والتي تستند إلى مفاهيم التحليل النفسي اللاكاني والماركسية، نجد أن ويذريل تتفادى النزوع التجريدي والتأملي المعقد غير القابل للإثبات، وتصر دوماً على إبقاء الصلة وثيقة بالأدلة النصية والتطبيقية القابلة للرصد والتحقق الحواري المباشر. كما تفادت مبكراً الوقوع في “الجفاف اللغوي” الذي اتسمت به بعض مدارس ما بعد البنيوية؛ وذلك بفضل منعطفها العاطفي الموفق نحو الممارسات الوجدانية الذي أعاد ربط نبض الجسد وحرارة الانفعال برصانة التحليل الخطابي والسياسي.
12. الرؤى المستقبلية وعلم النفس الاجتماعي في القرن الحادي والعشرين
12.1 راهنية مقاربة ويذريل في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي
تكتسب المنهجيات والنظريات التي صاغتها مارغريت ويذريل راهنية ملحة وضرورة استثنائية في مواجهة التحولات الرقمية المتسارعة التي تميز عصرنا الحالي. فمع انتقال الجزء الأكبر من التفاعل الاجتماعي الإنساني إلى فضاء منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت، يبرز مفهوم “الممارسات الوجدانية” و”السجلات التفسيرية” كأدوات تحليلية فذة لتشريح الاستقطاب الرقمي الحاد، وفهم صعود المشاعر السياسية المتطرفة، وطوفان الغضب الإلكتروني، وخطابات الكراهية المتفشية في الفضاءات السيبرانية.
تُسهم مقاربة ويذريل الخطابية في مساءلة وتفكيك السرديات التكنولوجية المعاصرة حول خوارزميات الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)؛ موضحة أن الخوارزميات ليست كيانات موضوعية محايدة أو عقولاً إلكترونية متعالية، بل هي منتجات بشرية مشفرة تعيد إنتاج نفس السجلات التفسيرية والتحيزات العرقية والجندرية المتجذرة في الثقافة والمجتمع الذي برمجها. كما يوفر علم النفس الخطابي أدوات منهجية حاسمة لرصد ومواجهة الأشكال الجديدة والمستترة من العنصرية الرقمية والتنمر الإلكتروني (Cyberbullying)، كاشفاً كيف يعيد المستخدمون صياغة خطابات الإقصاء والتمييز بلغة تلتف ببراعة حول خوارزميات الرقابة الآلية وتتخفى وراء مفردات الحرية والمزاح والسخرية الافتراضية الممنهجة.
12.2 توسيع آفاق نظرية الممارسات الوجدانية مستقبلاً
يمتلك مفهوم “الممارسات الوجدانية” الذي أرسته ويذريل طاقة توليدية هائلة تمكّنه من التوسع واستكشاف قضايا جديدة وغير مسبوقة تفرض نفسها على جدول أعمال الإنسانية؛ وفي مقدمتها قضايا البيئة والتغير المناخي. فالقلق المناخي (Climate Anxiety) والإنكار البيئي ليسا مجرد اضطرابات نفسية فردية، بل هما “ممارسات وجدانية واجتماعية مركبة” تُشيد عبر الخطابات الاقتصادية ومصالح الشركات الكبرى وتفاعل الأفراد الحسي مع انهيار المنظومات الطبيعية التي يعيشون في كنفها.
كما يفتح المفهوم مسارات واعدة للاندماج الخلاق مع دراسات الجسد، والإعاقة، والمادية الجديدة (New Materialism)، ومقاربة الصدمات التاريخية والاستعمارية الجمعية من منظور تركيبي متكامل لا يفصل ألم الجسد وذاكرته التاريخية عن السياق الخطابي الذي يحرم الضحايا من الاعتراف المجتمعي والشفاء الجمعي. ويتطلب هذا التوسع النظري تطويراً مستمراً للأدوات المنهجية لتصبح قادرة على رصد الانفعالات المتزامنة عبر وسائط متعددة وبصرية (Multimodal Analysis) تشمل الإيماءات، والصور الرقمية، والمقاطع المصورة، وتفاعلات الجسد مع البيئات المعمارية والمكانية المتغيرة.
12.3 تحديات استمرار علم النفس الاجتماعي النقدي وآفاقه
يواجه علم النفس الاجتماعي النقدي في مطلع القرن الحادي والعشرين تحديات وجودية شرسة؛ أبرزها العودة القوية والمدعومة بتمويلات طائلة للنزعات “الحتمية البيولوجية والجينومية والنيورولوجية” السائدة، والتي تسعى مجدداً إلى حوسبة السلوك الإنساني وإرجاع الفقر، والجريمة، والاكتئاب، والاضطرابات الاجتماعية إلى جينات محددة أو خلل في كيمياء الدماغ، متخلصةً من عبء المسؤولية السياسية والمؤسسية عن العدالة الاجتماعية.
يتجلى التحدي الثاني في تسليع التعليم الجامعي النيوليبرالي ومحاصرة العلوم الإنسانية والنقدية لصالح المناهج التكنوقراطية ذات العائد المالي السريع؛ مما يفرض على الباحثين النقديين النضال المستمر للحفاظ على الطابع السياسي والتحرري للبحث الأكاديمي. تتطلب مواجهة هذه الأزمات بناء جسور حوارية أعمق بين علم النفس الاجتماعي النقدي ومعارف الشعوب الأصلية وحركات التحرر البيئي في الجنوب العالمي؛ تخليداً للوصية والمسيرة الفكرية التي دافعت عنها مارغريت ويذريل طوال حياتها: وهي أن علم النفس الاجتماعي إما أن يكون علماً نقدياً، متمرداً، ومسائلاً للسلطة وبنى الهيمنة، أو يفقد مبرر وجوده الأخلاقي والإنساني ويتحول إلى مجرد أداة ضبط بيروقراطية وتطويع أيديولوجي في خدمة الوضع الراهن.
في الختام، تقف مسيرة مارغريت ويذريل كشاهد استثنائي على شجاعة التفكير النقدي وقدرته على اجتراح قطيعات ابستمولوجية عميقة تُحدث تحولات بنيوية في حقول المعرفة الإنسانية. لم يكن مشروعها الفكري مجرد رد فعل نكوصي ضد عثرات السيكولوجيا الوضعية، بل كان بناءً معرفياً متكاملاً شيد بدقة صروحاً بديلة أعادت للإنسان كرامته بوصفه كائناً لغوياً، سياسياً، وتاريخياً لا يمكن اختزاله في دوائر عصبية أو مقاييس استبيانية جافة.
من علم النفس الخطابي والسجلات التفسيرية، إلى تفكيك العنصرية الحديثة ودراسات الذكورة، وصولاً إلى نظرية الممارسات الوجدانية الرائدة، وضعت ويذريل خريطة طريق متكاملة للعلوم الاجتماعية تمكننا من فهم أعقد صراعات عصرنا وأزماته الهوياتية والسياسية. إن إرثها يظل ملهماً للأجيال الحاضرة والقادمة، ومحفزاً على ممارسة البحث الأكاديمي ليس كترف مكتبي منعزل، بل كفعل التزام أخلاقي ونضال مستمر لتقويض الهيمنة وتوسيع فضاءات الحرية والعدالة والمساواة الإنسانية الشاملة.
المراجع
- Edley, N., & Wetherell, M. (1995). Men in perspective: Practice, power and identity. Prentice-Hall.
- Edley, N., & Wetherell, M. (1997). Jockeying for position: The construction of masculine identities. Discourse & Society, 8(2), 203–217. https://doi.org/10.1177/0957926597008002004
- Potter, J., & Wetherell, M. (1987). Discourse and social psychology: Beyond attitudes and behaviour. Sage Publications.
- Schegloff, E. A. (1997). Whose text? Whose context? Discourse & Society, 8(2), 165–187. https://doi.org/10.1177/0957926597008002002
- Schegloff, E. A. (1998). Reply to Wetherell. Discourse & Society, 9(3), 413–416. https://doi.org/10.1177/0957926598009003006
- Wetherell, M. (1998). Positioning and interpretative repertoires: Conversation analysis and post-structuralism in dialogue. Discourse & Society, 9(3), 387–412. https://doi.org/10.1177/0957926598009003005
- Wetherell, M. (2001). Themes in discourse research: The case of Diana. In M. Wetherell, S. Taylor, & S. J. Yates (Eds.), Discourse theory and practice: A reader (pp. 14–28). Sage Publications.
- Wetherell, M. (2007). A step too far: Discursive psychology, linguistic ethnography and questions of identity. Journal of Sociolinguistics, 11(5), 661–681. https://doi.org/10.1111/j.1467-9841.2007.00345.x
- Wetherell, M. (2008). Subjectivity or psycho-discursive practices? Investigating complex intersectional identities. Subjectivity, 22(1), 73–81. https://doi.org/10.1057/sub.2008.8
- Wetherell, M. (2012). Affect and emotion: A new social science understanding. Sage Publications. https://doi.org/10.4135/9781446250945
- Wetherell, M. (2013). Affect and discourse—What’s the problem? From affect as excess to affective/discursive practice. Subjectivity, 6(4), 349–368. https://doi.org/10.1057/sub.2013.13
- Wetherell, M. (2015). Trends in affect and emotion theory: Emotions, affective practices, and the social world. Emotions Review, 7(2), 139–146.
- Wetherell, M., & Potter, J. (1992). Mapping the language of racism: Discourse and the legitimation of exploitation. Harvester Wheatsheaf / Columbia University Press.
- Wetherell, M., & Edley, N. (1999). Negotiating hegemonic masculinity: Imaginary positions and psycho-discursive practices. Feminism & Psychology, 9(3), 335–356. https://doi.org/10.1177/0959353599009003012
- Wetherell, M., & Edley, N. (2014). A discursive psychological approach to emotion. In C. Bound & M. Wetherell (Eds.), Critical emotion studies (pp. 61–78). Palgrave Macmillan.