مايكل توماسيلو – 1950 الحاضر

مايكل توماسيلو (Michael Tomasello)

  • 18 يناير 1950، بارتو، فلوريدا – حتى الآن
  • أمريكي
  • علم النفس التنموي والتطوري / البنائية والاجتماعية التاريخية
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 15 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 15 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • فرضية الذكاء الثقافي
  • القصدية المشتركة
  • التطور الثقافي التراكمي
  • النظرية القائمة على الاستخدام في اكتساب اللغة
  • بطارية اختبارات الإدراك الرئيسياتي

السيرة

يمثل المشروع العلمي لعالم النفس والأنثروبولوجيا التطوري الأمريكي مايكل توماسيلو (Michael Tomasello) أحد أكثر المنعطفات الفكرية راديكالية وعمقاً في دراسات الإدراك البشري، واللغويات المعرفية، والأنثروبولوجيا التطورية منذ الربع الأخير من القرن العشرين وحتى اللحظة الراهنة. فعلى مدار أكثر من أربعة عقود من البحث التجريبي الصارم والتنظير الفلسفي الرصين، استطاع توماسيلو تفكيك الثنائيات التقليدية المستقرة في الفكر الغربي؛ تلك التي كانت تفصل إما فصلاً تعسفياً بين الطبيعة البيولوجية والتنشئة الثقافية، أو تختزل التعقيد الإنساني الفريد في مجرد طفرات جينية حتمية ونماذج فطرية صلبة للعقل. وبدلاً من ذلك، شيّد توماسيلو صرحاً نظرياً وتجريبياً متكاملاً يعيد الاعتبار للطبيعة التشاركية والتعاونية كجوهر فارق لا نظير له للنوع الإنساني، مبيناً كيف أن ما يجعلنا “بشراً” حقاً ليس مجرد زيادة كمية في حجم الدماغ أو تفوق في الذكاء العام المنعزل، بل طفرة نوعية في البنية التحتية الاجتماعية والدوافع النفسية للتعاون والتواصل متضافرة القوى.

انطلق توماسيلو في مشروعه من أرضية نادرة تجمع بين فرعين علميين طالما عملا في عزلة متبادلة: علم النفس التنموي الذي يرصد التفتح المذهل لقدرات الأطفال الرضع في سياقاتهم الاجتماعية الأولى، وعلم الرئيسيات المقارن الذي يستنطق القدرات المعرفية والسلوكية لأقرب أقربائنا التطوريين من القردة العليا، وتحديداً الشمبانزي والبونوبو. ومن خلال هذه العدسة المزدوجة، لم يكتفِ بإعادة كتابة نظرية اكتساب اللغة في مواجهة الأرثوذكسية التوليدية الشومسكية، بل صاغ تاريخاً طبيعياً للتفكير البشري، وتاريخاً طبيعياً للأخلاق الإنسانية، وصولاً إلى نمذجته الشاملة لمسار “التحول الإنساني” في النشوء الفردي والنوعي. إن قراءة أعمال توماسيلو لا تقدم مجرد بيانات تجريبية حول سلوك الأطفال والقرود، بل تقدم نظرية فلسفية-أنثروبولوجية متسقة تجيب عن السؤال الوجودي الأكبر: ما الذي يميز الإنسان عن سائر الكائنات الحية على كوكب الأرض؟

يتناول هذا المقال التحليلي الشامل سيرة مايكل توماسيلو الفكرية، ومساره الأكاديمي، وتطور نظرياته المركزية، مستعرضاً بالتفصيل أطروحاته في القصدية المشتركة، والتطور الثقافي التراكمي، والنظرية القائمة على الاستخدام في اكتساب اللغة، وأصول التواصل والإيماء، والتطور النشوئي للفكر والأخلاق، والنمو التوليدي. كما يتوقف المقال أمام أبرز المناقشات النقدية والسجالات التي خاضها مع مدارسه المعاصرة، مبرزاً إرثه المعرفي المستمر وآفاق أبحاثه المستقبلية وتطبيقاتها في مختلف الحقول الإنسانية والتقنية المعاصرة.

1. النشأة الأكاديمية والمسار العلمي لمايكل توماسيلو

1.1 البدايات والتعليم والتكوين الفكري المبكر

ولد مايكل توماسيلو في الثامن عشر من يناير عام 1950 في مدينة بارتو بولاية فلوريدا الأمريكية، ونشأ في بيئة اجتماعية وعلمية شهدت فوراناً كبيراً في العلوم السلوكية والاجتماعية في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. منذ مراحله الدراسية الأولى، أبدى توماسيلو شغفاً عميقاً بطبيعة السلوك الإنساني، واللسانيات، وكيفية تشكل المعنى داخل السياقات الاجتماعية، وهو ما دفعه إلى توجيه اهتمامه الأكاديمي نحو دراسة علم النفس وعلم الاجتماع المعرفي. كان تكوينه الأولي يتسم بالانفتاح على التساؤلات الفلسفية حول طبيعة الإدراك والوعي، مقترناً بنزعة تجريبية صارمة تبحث عن الأدلة المادية وتفحص الظواهر من خلال الملاحظة المباشرة.

التحق توماسيلو بـ جامعة ديوك (Duke University) المرموقة، حيث درس علم النفس وحصل على درجة البكالوريوس في الآداب عام 1972. خلال سنوات دراسته في ديوك، تشرب المبادئ الأساسية للمنهج التجريبي، لكنه شعر في الوقت ذاته بضيق الأطر السلوكية التقليدية التي كانت لا تزال تلقي بظلالها على أقسام علم النفس الأمريكية، وتتجاهل الحياة الذهنية الداخلية والبعد الدلالي التواصلي. هذا الإحساس بالقصور قاده إلى مواصلة دراساته العليا في جامعة جورجيا (University of Georgia)، حيث ركز في أبحاثه على علم النفس التنموي واللغويات، ونال درجة الدكتوراه في عام 1980 بأطروحة تميزت بدراسة كيفية اكتساب الأطفال الصغار للكلمات الأولى وتوظيفها داخل التفاعلات الحية مع الوالدين.

خلال مرحلة التكوين الفكري التأسيسي هذه، تأثر توماسيلو بعمق باثنين من عمالقة علم النفس التنموي في القرن العشرين: السويسري جان بياجيه (Jean Piaget) والروسي ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky). ورغم إعجابه بنموذج بياجيه البنائي الذي ينظر إلى الطفل كعالم صغير يكتشف العالم عبر الفعل الحركي والتنظيم الذاتي، إلا أنه مال جذرياً نحو أطروحة فيغوتسكي القائلة بأن الوظائف النفسية العليا للبشر تنشأ أولاً على الصعيد الاجتماعي البين-ذاتي (Interpsychological) قبل أن تُستبطن على الصعيد الفردي الداخلي (Intrapsychological). هذا التوليف المبدئي بين البنائية البياجيتية والاجتماعية-التاريخية الفيغوتسكية شكل الحجر الأساس لمنظومته الفكرية اللاحقة، حيث رأى أن العقل البشري ليس كياناً بيولوجياً معزولاً، بل هو ثمرة نضوج بيولوجي يغتذي عضوياً داخل وسيط ثقافي تفاعلي لا ينفصل عنه.

1.2 المناصب البحثية ومحطة معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية

عقب نيله درجة الدكتوراه، بدأ توماسيلو مسيرته الأكاديمية بالتدريس والبحث في جامعة إيموري (Emory University) في أتلانتا، حيث عمل أستاذاً في قسم علم النفس من عام 1980 حتى أواخر التسعينيات. كانت محطة إيموري حاسمة في مساره العلمي، إذ أتيحت له فرصة استثنائية للعمل باحثاً منتسباً في “مركز يركيز الوطني لأبحاث الرئيسيات” (Yerkes National Primate Research Center). هناك، انخرط في بحوث تجريبية مباشرة وموسعة مع الشمبانزي والقردة العليا الأخرى، محاولاً فك شفرة قدراتها المعرفية وسلوكياتها التواصلية وإدراكها للأدوات. كان هذا التوازي في دراسة أطفال البشر في المختبرات الجامعية ودراسة القردة العليا في مراكز الرئيسيات هو الشرارة التي أوقدت مشروعه المقارن الفريد.

جاء التحول الأكبر والمحوري في مسيرة توماسيلو المهنية عام 1998، عندما وجّهت إليه جمعية ماكس بلانك الألمانية المرموقة الدعوة للمشاركة في تأسيس وإدارة “معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية” في مدينة لايبزيغ بألمانيا. تولى توماسيلو إدارة قسم علم النفس التنموي والمقارن في المعهد لمدة عقدين كاملين (1998–2018). خلال هذه الفترة الذهبية، أنشأ أكبر مجمع أبحاث تجريبي متعدد التخصصات في العالم لدراسة السلوك البشري والرئيسيات، حيث شيّد “مركز فولفغانغ كولر لأبحاث الرئيسيات” (Wolfgang Köhler Primate Research Center) داخل حديقة حيوان لايبزيغ، بالتوازي مع مختبرات متطورة للغاية لدراسة الرضع والأطفال. أتاح هذا التجهيز الفريد لتوماسيلو وفريقه إجراء آلاف التجارب المقارنة الدقيقة التي وضعت معايير جديدة تماماً في علم النفس التجريبي والأنثروبولوجيا المعرفية على المستوى الدولي.

بعد مسيرة حافلة بالإنجازات في ألمانيا، عاد توماسيلو إلى موطنه الأكاديمي الأول، فالتحق بـ جامعة ديوك في عام 2016 كأستاذ متميز في قسم علم النفس والعلوم العصبية، مع احتفاظه بمكانة باحث فخري في معهد ماكس بلانك. واصل في ديوك أبحاثه الرائدة حول النشوء الفردي للتعاون والأخلاق، مشرفاً على أجيال جديدة من الباحثين. وتقديراً لإسهاماته العلمية التي غيرت مجرى العلوم الإدراكية، حاز توماسيلو أرفع الأوسمة والجوائز العالمية؛ ومنها “جائزة جوجنهايم”، و”جائزة هيجل” الدولية، و”جائزة أوسوالد كولبه”، وجائزة جمعية علم النفس الأمريكية للمساهمات العلمية المتميزة، وجائزة ريس لعلوم اللغة التنموية، فضلاً عن انتخابه عضواً في الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة (NAS)، والأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، والأكاديمية الوطنية الألمانية للعلوم “ليوبولدينا”.

1.3 الرؤية المعرفية والجمع بين علم النفس التنموي والمقارن

تستند الرؤية المعرفية لمايكل توماسيلو إلى قناعة إبستمولوجية حاسمة: لا يمكن فهم الطبيعة الإنسانية فهماً حقيقياً إلا عبر المزاوجة الصارمة والمنهجية بين مسارين تجريبيين متكاملين؛ مسار “النشوء النوعي” (Phylogeny) الذي يتتبع التطور التاريخي الحيوي للرئيسيات والإنسان عبر ملايين السنين، ومسار “النشوء الفردي” (Ontogeny) الذي يرصد النمو المعرفي والنفسي للطفل البشري منذ ولادته وحتى تشكل شخصيته الواعية في السنوات الأولى من حياته. ويرى توماسيلو أن دراسة الأطفال الرضع بمفردهم تجعلنا عرضة للخلط بين ما هو بيولوجي عام وما هو ثقافي خاص، في حين أن الاقتصار على دراسة الحيوانات يحرمنا من تتبع لحظة الانبثاق الإعجازية للثقافة والمؤسسات الرمزية.

من خلال هذا المنهج التجريبي المقارن، أعاد توماسيلو صياغة إشكاليات الطبيعة مقابل التنشئة (Nature vs. Nurture) صياغة ثورية؛ فالبشر بحسب رؤيته لا يولدون بصفحة بيضاء تنتظر النقش الاجتماعي كما ادعت النظريات التجريبية والسلوكية الراديكالية، ولا يولدون في المقابل مجهزين ببرامج معرفية ولغوية فطرية مكتملة النضج وجاهزة للاشتغال الآلي في معزل عن البيئة كما افترضت النماذج العقلانية المعيارية. وبدلاً من هذا التقاطب المصطنع، يقدم توماسيلو مفهوماً تطورياً ثقافياً متكاملاً: يولد الطفل البشري حاملاً تكيفات بيولوجية فطرية متخصصة وموجهة بطبيعتها نحو “الاجتماعية الفائقة” واستيعاب السياق الثقافي، أي أنه مبرمج وراثياً ليتعلم من خلال الثقافة ومع الآخرين، لتصبح الثقافة ذاتها هي البيئة البيولوجية الطبيعية لنضوج الدماغ البشري.

علاوة على ذلك، تتميز الرؤية المعرفية لتوماسيلو بارتكازها المتين على الأنثروبولوجيا الفلسفية المعاصرة وفلسفة الفعل؛ فقد استدمج في نماذجه مفاهيم مستمدة من فلاسفة كبار من أمثال لودفيغ فيتغنشتاين، وجون سيرل، ومايكل براتمان، ومارغريت غيلبرت حول “الفعل المشترك” و”الواقع المؤسسي”. لم تعد التجارب المعملية مع صغار البشر والشمبانزي مجرد جمع إحصائي للمتغيرات، بل تحولت في إطاره المعرفي إلى مساءلة فلسفية تجريبية للخصائص الوجودية للنوع الإنساني: كيف يفكر الكائن؟ وكيف يلتزم أخلاقياً؟ وكيف يتحدث لغة مشتركة؟ إن هذا التكامل العضوي بين الصرامة السلوكية والعمق الفلسفي هو ما جعل مشروعه الفكري علامة فارقة في تاريخ الفكر المعاصر.

2. الأسس المعرفية والتطورية للنوع البشري: الفارق الإنساني الفريد

2.1 مقارنة القدرات الإدراكية بين الأطفال والقرود العليا

لتحديد الفارق النوعي الدقيق بين القدرات المعرفية للبشر وتلك الخاصة بالقردة العليا، صمم مايكل توماسيلو بالتعاون مع الباحثة إستير هيرمان وفريق عملهما في معهد ماكس بلانك أوسع بطارية اختبارات سلوكية وتجريبية مقارنة في تاريخ الأنثروبولوجيا، عُرفت باسم “بطارية اختبارات الإدراك الرئيسياتي” (Primate Cognition Test Battery – PCTB). شملت هذه التجربة الضخمة مئات الأفراد من أطفال البشر في سن الثانية ونصف (قبل دخولهم مرحلة التعليم المدرسي المنظم وقبل التمكن اللغوي الكامل)، وقرود الشمبانزي (Pan troglodytes)، وقرود الأورانجوتان (Pongo pygmaeus). كانت الفكرة الأساسية هي قياس قطاعين عريضين من الذكاء: “الذكاء الجسدي/المادي” الذي يتعامل مع العالم المكاني والأشياء والأسباب الفيزيائية، و”الذكاء الاجتماعي” الذي يتعامل مع الفاعلين الآخرين، ونواياهم، والتواصل معهم.

أفضت نتائج هذه التجارب المرجعية، المنشورة في كبرى الدوريات العلمية مثل دورية Science، إلى مفاجأة إبستمولوجية مذهلة زلزلت الفرضيات السائدة. فعلى صعيد الذكاء المادي (Physical Intelligence) المتعلق بتتبع مسارات الأجسام في الفراغ ثلاثي الأبعاد، وتقدير الكميات الرياضية، واستخدام العصي والأدوات الميكانيكية لجلب الأطعمة، وإدراك العلاقات السببية الفيزيائية؛ أظهر أطفال البشر وقرود الشمبانزي مستويات متطابقة تقريباً من الكفاءة والذكاء الاستدلالي. لم يكن هناك تفوق بشري كاسح كما كان يُفترض مسبقاً، بل بدا أن الذكاء الميكانيكي لحل المشكلات المادية تطور قديماً ومشتركاً بين الأسلاف من الرئيسيات العليا.

في المقابل التام، أظهرت نتائج قطاع الذكاء الاجتماعي (Social Intelligence) افتراقاً إدراكياً جذرياً وصادماً؛ حيث تفوق الأطفال تفوقاً ساحقاً واستثنائياً على الشمبانزي والأورانجوتان في جميع المهام التي تطلبت التفاعل التواصلي، وفهم الإيماءات الإشارية، والتعلم عبر التقليد الدقيق لأفعال الآخرين، وقراءة النوايا التواصلية للباحث، وتتبع مسارات الانتباه التشاركي. قاد هذا الاكتشاف التجريبي توماسيلو إلى استنتاجه الجوهري: إن الفارق الإنساني الحاسم لا يكمن في ذكاء عام متفوق لحل المشكلات المنعزلة، بل في امتلاك الإنسان لبنية تحتية اجتماعية وتواصلية خاصة مكنته من التفاعل مع عقول أنداده ومشاركتهم الحالات الذهنية والخبرات المعرفية.

2.2 فرضية الذكاء الثقافي وتمايز الإنسان عن الرئيسيات

بناءً على نتائج تلك البطاريات المقارنة، صاغ توماسيلو وزملاؤه ما يُعرف اليوم بـ “فرضية الذكاء الثقافي” (Cultural Intelligence Hypothesis) في مواجهة ما يُطلق عليه “فرضية الدماغ العام” أو “فرضية الذكاء العام” (General Intelligence Hypothesis). كانت النظريات التطورية التقليدية تميل إلى تفسير تفوق الإنسان بحدوث تضخم عام في القشرة المخية وحجم الدماغ البشري، مما أدى –وفق هذا التصور القديم– إلى جعل البشر أكثر ذكاءً في كافة المجالات والمناحي الحسابية والمادية والاجتماعية على حد سواء وبطريقة موحدة.

دحضت فرضية الذكاء الثقافي هذا الاختزال الميكانيكي، مؤكدة أن الضغوط الانتقائية في التاريخ التطوري البشري لم تكن موجهة لبناء عقل ذري حاسوبي متعدد الاستخدامات العامة في الفراغ، بل كانت موجهة نحو تكييفات إدراكية ونفسية نوعية بالغة التخصص صُممت لتمكين الفرد من العيش، والتواصل، والتعلم، والابتكار داخل بيئات ثقافية تراكمية. إن الدماغ البشري لم يكبر حجماً لكي يفكر بمعزل عن الآخرين، بل تطور لكي يستوعب العالم الثقافي المحيط به ويستدمجه؛ فالثقافة بالنسبة للإنسان لم تكن مجرد نتاج لاحق للذكاء، بل كانت هي ذاتها “بيئة الاصطفاء الطبيعي” الأساسية التي مارست ضغطاً تطورياً أعاد قولبة وتشريح البنية النفسية للنوع الإنساني.

يتجلى التمايز الجذري هنا في تحول استراتيجيات اكتساب المعرفة؛ فالرئيسيات غير البشرية تعتمد بصورة شبه حصرية على “التعلم الفردي” القائم على التجربة الشخصية، والمحاولة والخطأ، والاستبصار الذاتي العفوي في التعامل مع الطبيعة، وهي عمليات مكلفة زمانياً وطاقياً ومحدودة الأثر الإشعاعي الجماعي. أما البشر، فقد طوروا تكيفات مكنتهم من الانخراط في “تعلم اجتماعي وثقافي متخصص” عالي الكفاءة، يستطيع الطفل عبره أن يستوعب في سنوات قلائل خبرات وابتكارات تقنية ورمزية راكمتها آلاف الأجيال السابقة، دون الحاجة إلى إعادة اختراع العجلة أو اكتشاف النار في كل جيل من نقطة الصفر، وهو ما حرر الطاقة المعرفية للإنسان نحو آفاق إبداعية لا نهائية.

2.3 نقد النماذج الفطرية التقليدية والنظريات المعيارية

من هذا المنظور التفاعلي والتطوري المعقد، وجه مايكل توماسيلو نقداً إبستمولوجياً لاذعاً للنظريات الفطرية الصلبة والمعيارية التي هيمنت طويلاً على علم النفس المعرفي واللسانيات، وفي مقدمتها أطروحات نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) في اللغويات التوليدية، ونماذج العقل النمطي الموديولي (Modular Mind) التي روج لها ستيفن بينكر (Steven Pinker) ومفكرو علم النفس التطوري الكلاسيكي في مدرسة سانتا باربرا. يرى توماسيلو أن هذه النماذج ارتكبت خطأً فادحاً بافتراضها وجود “أجهزة فطرية مبرمجة سلفاً” (مثل جهاز اكتساب اللغة أو وحدات إدراكية مسبقة التشكيل جينياً) مودعة في الدماغ البشري وجاهزة للعمل التلقائي بمجرد النضج العضوي.

يرفض توماسيلو هذه الاختزالية الجينية الحتمية، مؤكداً أنها تمثل قفزة غير مبررة فوق مسارات التطور الفعلي؛ فبدلاً من افتراض جينات خاصة للنحو أو جينات للأخلاق أو موديولات عقلية منعزلة صلبة، يقدم توماسيلو نموذجاً بيولوجياً-تنموياً ديناميكياً يثبت أن ما ورثه البشر تطورياً ليس مكتبات من القواعد الجاهزة، بل “آليات إدراكية واجتماعية عامة وفائقة المرونة”، تتمثل أساساً في القدرة على قراءة نوايا الفاعلين، وتنسيق الانتباه، واستخراج الأنماط الإحصائية من السلوك. هذه الآليات التفاعلية المرنة، عند اصطدامها بالبيئة الثقافية، هي التي “تولد” اللغات الطبيعية والقواعد النحوية والأنظمة الأخلاقية والمؤسساتية المعقدة.

في الوقت عينه، دحض توماسيلو الاتجاهات السلوكية الضيقة (Behaviorism) التي حاولت اختزال سلوك الأطفال والحيوانات في مجرد سلاسل آلية من المنبهات والاستجابات والتعزيزات الخارجية، منكرةً وجود حالات ذهنية داخلية ومقاصد واعية. كما رد بقوة على النظريات البيولوجية الاختزالية التي تقصر تفسير السلوك البشري على “الجين الأناني” والمنفعة الفردية التنافسية المحضة؛ مبرهناً تجريبياً على أن الدوافع البشرية الأولية تحوي ميولاً أصيلة وإيثارية للتشارك والتعاون لا يمكن تفسيرها داخل قوالب الحسابات الاقتصادية النفعية الكلاسيكية.

3. نظرية القصدية المشتركة: النواة المعرفية للتفاعل الاجتماعي

3.1 مفهوم القصدية الفردية مقابل القصدية المشتركة

تحتل نظرية “القصدية المشتركة” (Shared Intentionality) موقع القلب والمركز في المنظومة الفلسفية والمعرفية لمايكل توماسيلو؛ إذ تمثل المفهوم النظري التفسيري الذي يقدم الإجابة الأكثر تماسكاً عن سر الانفصال الإدراكي بين الإنسان وبقية المملكة الحيوانية. ينطلق توماسيلو من مفهوم “القصدية” (Intentionality) كما تبلور في الفلسفة الظاهراتية وتحليلات العقل المعاصرة، بوصفها خاصية الحالات الذهنية في كونها “تتجه نحو” موضوعات أو غايات معينة في العالم الخارجي.

يقسم توماسيلو القصدية إلى مستويين متمايزين تطورياً وتنموياً:

  • القصدية الفردية (Individual Intentionality): وهي قدرة الكائن العضوي الفرد على توجيه انتباهه وأفعاله نحو أهداف تخصه هو بمفرده، مع إدراك العلاقات السببية والقدرة على المناورة والمنافسة لتحقيق تلك المنافع الفردية (كالحصول على طعام أو تجنب مفترس). يمتلك الشمبانزي والقردة العليا هذا النمط المتقدم من القصدية الفردية بجدارة؛ فالقرد يخطط لأفعاله الفردية، ويفهم ماذا يريد المنافس منه، ويوظف ذكاءه ببراعة ضمن استراتيجيات المنافسة الذاتية.
  • القصدية المشتركة (Shared Intentionality): وهي القفزة التطورية الكبرى التي يتفرد بها الإنسان، وتتمثل في القدرة والدوافع النفسية لتنسيق الانتباه، والأهداف، والحالات الذهنية مع فاعل آخر لتحقيق نشاط تعاوني مشترك ذي غاية موحدة يدركها الطرفان، مع توزيع الأدوار التبادلية والتكاملية بينهما.

إن جوهر القصدية المشتركة يكمن في ذلك التحول الإدراكي والنفسي الجذري من التفكير بصيغة “الأنا” (I-Mode) إلى التفكير والعمل بصيغة “النحن” (We-Mode). في إطار “النحن”، يتشكل فاعل ذهني تركيبي موحد يشمل الأطراف المتفاعلة؛ حيث لا يعود الفرد مهتماً فقط بما يراه ويفعله هو، بل بما “نراه معاً” وبما “نفعله معاً”. ويؤكد توماسيلو أن هذه النواة المعرفية ليست مجرد ترف فكري أو قدرة ثانوية، بل هي الأساس الإدراكي والدافعي الذي انبثقت منه لاحقاً كل مظاهر الحضارة البشرية والممارسات الثقافية المعقدة، من بناء الأكواخ وأنشطة الصيد التعاوني المنظم إلى إبداع اللغات الطبيعية وتأسيس الدول والمؤسسات التشريعية.

3.2 الانتباه المشترك والتفاعل الإشاري المتبادل

يتجلى التفتح الأولي للقصدية المشتركة في مسار النمو البشري عبر ظاهرة حاسمة تعرف بـ “الانتباه المشترك” (Joint Attention)، والتي أطلق عليها توماسيلو مسمى “ثورة التسعة أشهر” (The Nine-Month Revolution). ففي حدود الشهر التاسع إلى الثاني عشر من عمر الرضيع البشري، يطرأ تحول كيفي مذهل على سلوكه التواصلي؛ حيث يغادر الطفل التفاعل الثنائي البسيط (الذي يركز فيه إما على الشخص فقط كالمناغاة، أو على اللعبة فقط)، لينخرط في “تفاعل ثلاثي الأبعاد” يربط بين الذات، والآخر، والموضوع الخارجي المشترك.

في هذا الطور النمائي، يبدأ الطفل في تتبع نظرات الكبار بدقة فائقة نحو الأشياء البعيدة، والتحقق المستمر من أن عيني الراشد موجهتان نحو نفس النقطة التي ينظر إليها، محققاً وعياً مشتركاً بالمجال البصري (Joint Visual Attention). والأهم من ذلك هو انبثاق القدرة على فهم واستخدام “إيماءة الإشارة بالسبابة” (Pointing Gesture). أثبتت تجارب توماسيلو المعملية أن فهم الإشارة بالسبابة ليس فعلاً حركياً سطحياً، بل هو إنجاز إدراكي عميق؛ فالكلب أو الشمبانزي إذا أشرت له بإصبعك نحو وعاء يخفي طعاماً، فإنه ينظر إلى إصبعك أو يجهل القصد، في حين أن الرضيع البشري في سن سنة واحدة يدرك فوراً القصد التواصلي الخفي وراء الإشارة: “هو يريدني أن أعلم أن الطعام هناك لكي يساعدني!”.

يوثق توماسيلو في تجاربه المتكررة عجز القردة العليا، حتى تلك التي رُبيت في بيئات بشرية، عن استيعاب “الإشارات التوجيهية الإخبارية والتعاونية”؛ فالشمبانزي لا يفهم الإشارة كفعل تعاوني يهدف لتقديم معلومة تفيده بالمجان، لأن بيئته الاجتماعية قائمة على التنافس الفردي ولا تفترض مسبقاً وجود دافع مشاركة المنفعة الإخبارية. في المقابل، يمتلك الطفل البشري بنية تحتية نفسية تفترض تلقائياً أن الإشارة الإنسانية تنطوي على “قصد مشترك للإخبار والمعونة”، وهو التفاعل الإشاري المتبادل الذي يمثل البوابة الذهبية التي يعبر منها الطفل لاحقاً إلى عالم اللغة والرموز اللفظية المنطوقة.

3.3 القصدية الجمعية وبناء الواقع المؤسسي

لا تتوقف القصدية الإنسانية عند حدود “القصدية الثنائية” (Dyadic/Joint Intentionality) التي تنشأ بين شخصين في تفاعل مباشر وجهاً لوجه، بل تتسع عبر مسار التطور النشوئي والتاريخي لتبلغ مستوى أعلى وأكثر تركيباً وتجريداً، وهو ما يطلق عليه توماسيلو اسم “القصدية الجمعية” (Collective Intentionality). تمثل القصدية الجمعية قدرة أفراد المجتمع على التشارك في تمثيلات ذهنية مجردة، وأهداف وقيم ملزمة تحكم المجموعة الاجتماعية بأسرها، بما يتجاوز أي تفاعل ثنائي عابر ومؤقت.

تنبثق من القصدية الجمعية معايير السلوك الاجتماعية (Social Norms)، وهي القواعد غير المرئية التي تحدد “كيف نتصرف نحن أبناء هذه الجماعة؟” و”ما هو الصحيح والخطأ وفق منظورنا المشترك ككل؟”. يرتبط توماسيلو هنا برباط وثيق بنظرية الفيلسوف الأمريكي جون سيرل (John Searle) حول “بناء الواقع الاجتماعي” (The Construction of Social Reality). يرى توماسيلو أن المؤسسات الاجتماعية ليست كائنات مادية قائمة بذاتها في الطبيعة، بل هي نتاج اعتراف جمعي مستمر تضفيه القصدية الجمعية عبر صيغة الصيرورة المؤسسية: “يُعتبر هذا الشيء المادي (س) بمثابة (ص) ذات سلطة اعتبارية في السياق (ع)”.

فالنقود مثلاً ليست سوى قصاصات ورقية ملونة أو أرقام إلكترونية، لكنها تكتسب قيمتها وقوتها التبادلية من “القصدية الجمعية” لملايين البشر الذين يعتقدون مجتمعين بقيمتها. وينطبق ذلك على الزواج، والحكومة، والقوانين، والمؤسسات القضائية، والحدود الجغرافية. تُظهر أبحاث توماسيلو التجريبية أن الأطفال في سن الثالثة يبدأون بالفعل في استيعاب هذه القصدية الجمعية؛ فهم يدافعون عن قواعد الألعاب بقوة أمام الآخرين، محتجين بصيغة معيارية موضوعية: “لا تفعل هذا، فنحن لا نلعب اللعبة بهذه الطريقة!”، دالّين على ولادة الكائن المؤسسي داخل الضمير الإنساني الناشئ.

4. التطور الثقافي التراكمي وتأثير السقاطة (The Ratchet Effect)

4.1 آلية تأثير السقاطة وديمومة الابتكار التقني

إذا كانت العديد من فصائل الحيوانات –كالشمبانزي، والدلافين، والغرابيات– تمتلك أنماطاً أولية من السلوكيات المكتسبة موضعياً والتي يطلق عليها بعض علماء الأحياء مجازاً اسم “ثقافات حيوانية” (Animal Cultures) مثل استخدام عصا لصيد النمل الأبيض أو حجر لكسر الجوز؛ فإن توماسيلو يوضح أن الثقافة الإنسانية تنفرد بخاصية استثنائية ونوعية تجعلها لا تقارن بتلك الظواهر الحيوانية المشتتة، وهي خاصية “التطور الثقافي التراكمي” (Cumulative Cultural Evolution).

ولشرح الكيفية التي يتراكم بها التطور التقني والرمزي للبشر دون تراجع، صاغ توماسيلو استعارته الميكانيكية الشهيرة عالمياً: “تأثير السقاطة” (The Ratchet Effect). والسقاطة هي آلة ميكانيكية تسمح للترس بالدوران المستمر نحو الأمام وتمنعه ميكانيكياً من الانزلاق أو الارتداد إلى الوراء. في السياق الثقافي البشري، تعني السقاطة أن الفرد عندما يتوصل إلى ابتكار تقني أو رمزي جديد (مثل تعديل طرف الحجر ليصبح فأساً حادة، أو تحسين تصميم عجلة)، فإن هذا التعديل النافع ينتقل فوراً وبدقة متناهية إلى بقية أفراد المجتمع والأجيال اللاحقة عبر التقليد الدقيق والتعليم المباشر، فيستقر الابتكار في القاع الجمعي دون أن يُنسى أو يضيع.

وعندما يأتي فرد جديد في جيل تالٍ، فإنه يبدأ من حيث انتهى السابقون؛ فيضيف تحسيناً جديداً على الأداة القائمة (مثل تزويد الفأس بمقبض خشبي محكم)، فتقفز “السقاطة الثقافية” درجة جديدة إلى الأمام وتحتجز الابتكار الجديد كأرضية ثابتة جديدة. أما لدى القردة العليا، فإن تأثير السقاطة غائب تماماً؛ فإذا ابتكر شمبانزي عبقري طريقة متطورة لكسر الثمار بحجر، فإن هذا السلوك يندثر غالباً بموته أو ينقل بصورة مشوهة وضعيفة للغاية، ليعود الجيل التالي إلى نقطة الصفر الفردية، وهو ما يفسر بقاء تقنيات القردة ثابتة دون أي تراكم حضاري نوعي عبر ملايين السنين.

4.2 أنماط التعلم الاجتماعي: التقليد مقابل المحاكاة الشكلية

لكي تفعل “السقاطة الثقافية” مفعولها وتحتجز الابتكارات من الاندثار، يتطلب الأمر بنية تحتية نفسية متخصصة في “التعلم الاجتماعي”. وفي هذا الإطار، وضع توماسيلو تمييزاً معرفياً بالغ الدقة والصلابة بين نمطين أساسيين من التعلم السلوكي كانا يُخلطان باستمرار في الأدبيات المقارنة:

  • المضاهاة أو المحاكاة السطحية للغايات (Emulation Learning): حيث يركز الكائن الملاحظ على التغيرات التي طرأت على الموضوع المادي والنتيجة النهائية المفيدة، محاولاً التوصل إليها بطريقته الفردية العشوائية دون الاكتراث بالخطوات السلوكية والحركية الدقيقة التي نفذها العارض. هذا هو النمط الحصري تقريباً لتعلم القردة العليا والشمبانزي؛ فالقرد يرى العصا تجلب الموزة، فيفهم أن العصا تجلب الغذاء، ثم يمسك العصا كيفما اتفق محاولاً تحقيق نفس النتيجة دون أن يقلد زاوية حركة اليد أو طريقة الباحث في التلويح بها.
  • التقليد الثقافي الحقيقي (Imitative Learning): حيث يستنسخ الملاحظ البشري كلاً من الوسائل والغايات الإجرائية بدقة متناهية؛ أي أنه يقلد النية والمسار الحركي التتابعي الذي اتبعه الفاعل الآخر للوصول إلى الهدف، إدراكاً منه أن تلك الخطوات الجزئية تحمل معنى ونفعاً مجرباً حتى وإن بدت غير واضحة فورياً.

يتجلى هذا التمايز بوضوح في الظاهرة الشهيرة المعروفة بـ “الإفراط في التقليد” (Over-Imitation). أثبتت تجارب توماسيلو وديريك ليونز أن الطفل البشري إذا شاهد راشداً يقوم بخطوات غير ذات صلة سببية واضحة لفتح صندوق ألعاب معقد (مثل النقر برفق على الغطاء مرتين بعصا قبل فتحه باليد)، فإن الطفل يكرر بدقة نفس الحركات الزائدة ويفرط في تقليدها، لاعتقاده المعياري الراسخ بأن الراشد يعلمه “الكيفية الثقافية الصحيحة” لفعل ذلك. أما الشمبانزي، فإنه يتجاوز تلك الحركات الزائدة فوراً ويفتح الصندوق مباشرة للحصول على المكافأة. إن هذا الميل البشري الفريد للإفراط في التقليد، مقترناً بظهور “التعليم التربوي المباشر” (Pedagogical Teaching) القائم على توجيه انتباه المتعلم وتصحيح مساره بالأمر والنهي، هو الصمغ الإدراكي الصارم الذي حمى المعارف البشرية من التشوه وجعل التراكم الحضاري عبر السقاطة ممكناً تاريخياً.

4.3 التقاليد الثقافية والمؤسسات الاجتماعية المعيارية

بفضل التقليد الثقافي المخلص وتأثير السقاطة، لم تعد الممارسات السلوكية عند البشر مجرد حلول نفعية فردية، بل تحولت تدريجياً إلى “تقاليد ثقافية ملزمة” (Normative Cultural Traditions). هذه التقاليد لا تعبر فقط عن وظائف تقنية، بل تمنح أعضاء الجماعة هويتهم الاجتماعية المشتركة وتميزهم عن الجماعات الغريبة؛ حيث تصبح طريقة طهي الطعام، وتزيين الجسد، وصناعة الفخار، وأداء التحيات شفرات رمزية تعلن: “هكذا نتصرف نحن، وهذا ما يجعلنا جزءاً من هذا الكل”.

تطورت هذه التقاليد لتنتج “الرموز المشتركة والشعائر الطقسية” (Rituals) التي تلعب دور أدوات الضغط والتماسك الاجتماعي فائق القوة. إن الالتزام بأداء طقس جماعي لا يحقق منفعة مادية مباشرة، بل يجدد العهد المشترك بالقصدية الجمعية للجماعة، ويؤسس لثقة متبادلة وتضامن غير مشروط في مواجهة الكوارث أو التنافس بين المجموعات. ومن هذه التقاليد والرموز، انطلقت المجتمعات البشرية نحو تشييد “المؤسسات الاجتماعية المعيارية” فائقة التعقيد؛ كأنظمة المصاهرة والقرابة المعقدة، والتراتبيات السياسية، والتبادل التجاري المقنن، وصولاً إلى القانون والعدالة الجنائية.

ويشير توماسيلو في تحليلاته إلى وجود علاقة “تغذية راجعة ثورية” (Evolutionary Feedback Loop) بين التطور الثقافي والدماغ البشري؛ فلم تكن البيولوجيا هي المولد الأحادي للثقافة، بل إن نشوء التقاليد والمؤسسات الثقافية غير المعقدة في فجر البشرية شكل ضغطاً انتقائياً صارماً؛ فالأفراد الذين لم يكونوا قادرين على التقليد، أو الامتثال للمعايير، أو ضبط دوافعهم العدوانية، كانوا يُنبذون أو يُقتلون، مما أدى عبر آلاف السنين إلى “تدجين ذاتي” (Self-Domestication) للنوع البشري، أفرز في النهاية كائناً بيولوجياً يعتمد دماغه ونموه النفسي اعتماداً كلياً ومطلقا على الحضانة الثقافية المؤسسية ليستكمل إنسانيته.

5. النظرية القائمة على الاستخدام في اكتساب اللغة

5.1 تفنيد أطروحة النحو التوليدي الفطري لتشومسكي

في كتابه الكلاسيكي البارز Constructing a Language: A Usage-Based Theory of Language Acquisition (بناء لغة: النظرية القائمة على الاستخدام في اكتساب اللغة)، المنشور عام 2003، قاد مايكل توماسيلو ثورة لسانية معرفية كبرى هدفت إلى تفكيك “البارادايم” الشومسكي التوليدي الذي فرض هيمنته على علم اللغويات وعلم النفس المعرفي لقرابة نصف قرن. كان نعوم تشومسكي قد زعم أن اللغات البشرية تتأسس على “نحو كلي فطري” (Universal Grammar)، مدعياً وجود جهاز وراثي متخصص في الدماغ يحوي مبادئ صورية مجردة مسبقة الصنع لكل القواعد، وأن اكتساب الطفل للغته الأم لا يتعدى كونه “ضبطاً لمفاتيح” (Parameter Setting) تلك البرمجية الجاهزة عبر تعرض طفيف للمدخلات اللغوية.

شن توماسيلو هجوماً علمياً مدمراً على هذه الأطروحة، مستنداً إلى أرضية تجريبية واسعة من علم النفس التنموي واللسانيات الميدانية المقارنة. وبلور نقده في النقاط الجوهرية التالية:

  • تنوع اللغات الإنسانية: كشف توماسيلو أن دراسة اللغات غير الهندو-أوروبية (مثل اللغات الأسترالية الأصلية ولغات الأمازون ولغات القوقاز) تثبت عدم وجود “كليات نحوية صورية” مشتركة بين كل لغات العالم كما زعم تشومسكي؛ فاللغات تختلف اختلافاً جذرياً في ترتيب الفاعل والمفعول، وتراكيب الإسناد، والوسوم الإعرابية، وأن النحو الكلي ليس سوى تعميم تعسفي لقواعد اللغات الغربية على سائر لغات الأرض.
  • قصور فرضية “فقر المثير” (Poverty of the Stimulus): زعم التوليديون أن المدخلات اللغوية التي يسمعها الطفل من والديه فقيرة ومشوهة لا تكفي لاستنتاج القواعد النحوية المعقدة دون نحو فطري. أثبت توماسيلو تجريبياً أن البيئة اللغوية المحيطة بالطفل غنية بالبيانات التفاعلية، والتكرارات، والتصحيحات الضمنية، والنماذج الإحصائية التي توفر مادة كافية تماماً لآليات الإدراك البشري لاستخلاص القواعد الحية.
  • الانفصال المصطنع بين الصياغة والدلالة: رفض توماسيلو فكرة استقلال التركيب النحوي الصوري الصرف (Autonomy of Syntax) عن السياق التواصلي الدلالي، مؤكداً أن النحو لا ينفصل أبداً عن الوظيفة التواصلية والمعنى الحيوي المراد نقله للآخر.

وبدلاً من الفطرية الصورية، أعلن توماسيلو ولادة “النظرية القائمة على الاستخدام” (Usage-Based Theory)؛ وهي مقاربة تعتبر أن البنى النحوية والقواعد التركيبية لا تولد في العقل من خوارزميات وراثية سلفاً، بل “تنبثق انبثاقاً” (Emerge) تدريجياً عبر الزمن التنموي من خلال ممارسة الطفل اليومية للفعل التواصلي الفعلي ومحاولاته المستمرة لاستيعاب مقاصد الآخرين والتعبير عن مقاصده الخاصة.

5.2 الآليات المعرفية الأساسية: قراءة النوايا والعثور على الأنماط

إذا كان اكتساب اللغة لا يستند إلى جهاز نحوي فطري مسبق الصنع، فكيف ينجح طفل صغير لم يتجاوز عامه الثالث في التحدث بلغة معقدة وتركيب جمل نحوية جديدة لم يسمعها بحرفيتها من قبل؟ يقدم توماسيلو حلاً بديلاً وأنيقاً يرتكز على عمليتين معرفيتين وإدراكيتين عامتين يمتلكهما البشر، ولا تخصان اللغة وحدها بل تشملان كافة أنشطة الإدراك الاجتماعي والحركي:

1. قراءة النوايا التواصلية (Intention-Reading): وهي القدرة المستمدة من القصدية المشتركة على فهم لماذا قال الراشد هذا القول في هذا السياق بالذات. اللغة بحسب توماسيلو ليست شفرة مجردة، بل هي أدوات رمزية يستخدمها الناس للتأثير على انتباه الآخرين وحالاتهم الذهنية. فعندما يسمع الطفل كلمة جديدة في سياق انتباه مشترك، فإنه لا يقوم بربط الكلمة بالشيء المادي ميكانيكياً، بل يقرأ قصد المتحدث: “هو يريدني أن أنظر إلى هذا الكوب لأدرك وظيفته”. إن قراءة النوايا هي التي توفر البعد الدلالي التداولي الحاسم للرموز اللغوية، وبدونها يستحيل فك شفرة أي لسان بشري.

2. العثور على الأنماط واستخراج البنى (Pattern-Finding): وتتمثل في قدرات المعالجة الإدراكية والتصنيف الإحصائي والتجريد (Abstraction) التي يشترك فيها البشر مع كائنات أخرى ولكن بفاعلية فائقة واستثنائية. يستمع الطفل إلى آلاف الجمل المنطوقة يومياً، ومن خلال التكرار الوظيفي، يكتشف دماغه الأنماط الإحصائية والتطابقات البنائية بين تلك التراكيب المختلفة. يقوم الطفل بعمليات “التعميم الاستقرائي” (Inductive Generalization)، فيعزل الكتل اللغوية المتغيرة عن الكتل الثابتة؛ مما يتيح له صياغة “قوالب نحوية مجردة” (Abstract Syntactic Schemas) من طراز [الفاعل + الفعل + المفعول به] دون أن يمتلك أي وعي بنظرية الإعراب الصورية، بل نتاج استخلاص أنماط الاستخدام المتكرر في بيئته الحية.

5.3 المسار النمائي لاكتساب البنى النحوية لدى الطفل

وثق توماسيلو عبر أبحاث وتجارب طولية مسار التدرج النمائي الذي يسلكه الطفل البشري في بناء لغته وتراكيبه النحوية خطوة بخطوة، مبرهناً على الطابع الإنشائي التراكمي لهذه العملية:

المرحلة الأولى: الكلمات المفردة والتعبيرات التامة المجمدة (Holophrases): في سن الثانية عشرة إلى الثامنة عشرة شهراً، لا يتعامل الطفل مع اللغة ككلمات منفصلة تؤلف جملاً، بل ينطق عبارات متجانسة مجمدة تعبر عن موقف اتصالي كامل. فكلمة “موزة!” قد تعني “أريد هذه الموزة الآن”، وكلمة “بابا” قد تعني “بابا قادم من العمل”، وهي تعبيرات تعتمد كلياً على السياق الجسدي والإشاري المشترك بين الرضيع ومربيه.

المرحلة الثانية: تراكيب الجزر الفعلية (Verb-Island Constructions): أظهرت تجارب توماسيلو الرائدة أن الأطفال في سن الثانية لا يمتلكون مقولات نحوية مجردة شاملة لكل الأفعال مثل فئة “الفعل” (Verb Class) كفئة مجردة عامة، بل تتمركز تراكيبهم حول أفعال محددة معزولة تعمل كجزر مستقلة. فالطفل يتعلم تركيبة [أكل + الشيء]، لكنه لا يستطيع نقل هذه التركيبة تلقائياً وبحرية إلى فعل آخر مثل [كسر] ما لم يكن قد اختبر استخدامه الفعلي في جمل من قبل الكبار. كل فعل في هذه المرحلة يشكل “جزيرة نحوية” تكتسب ملحقاتها وأدوارها التركيبية الخاصة على حدة.

المرحلة الثالثة: التعميم التجريدي والبنى الإعرابية المتقدمة: مع الاقتراب من سن الثالثة والرابعة، وبفضل التراكم الهائل للأمثلة المحفزة والعثور المستمر على الأنماط المشتركة بين تلك “الجزر الفعلية”، يبدأ العقل اللغوي للطفل في صهر تلك الجزر داخل شبكة نحوية مجردة وشاملة. هنا فقط تنبثق المقولات التركيبية المجردة مثل (الفاعل النحوي، المبني للمجهول، أدوات الربط السببية، الجمل الموصولة). وتلعب التغذية الراجعة التفاعلية والنمذجة الوالدية غير المباشرة دور الحارس والمصحح، ليرتقي الطفل من التكرار الموضعي للعبارات المحفوظة إلى التوليد الإبداعي اللامتناهي للغة الحية، متطابقاً في ذلك مع محيطه الثقافي واللساني دون حاجة إلى افتراض برمجيات فطرية خارقة للطبيعة.

6. أصول التواصل الإنساني وتطور الرموز اللغوية

6.1 الإشارات الطبيعية والإيماءات كمنطلق أولي للغة

في كتابه الاستثنائي Origins of Human Communication (أصول التواصل البشري)، المنشور عام 2008، فجر توماسيلو أطروحة تطورية قلبت التصورات الكلاسيكية حول المنشأ التاريخي للغة؛ حيث أثبت بالأدلة المقارنة أن المنطلق التطوري الأول للغة البشرية لم يكن الأصوات المنطوقة، بل الإشارات الطبيعية والإيماءات الجسدية (Gestures). كان الاعتقاد الشائع يفترض أن لغة الإنسان انحدرت من أصوات الاستغاثة ونداءات التحذير التي تطلقها القردة عند الخطر، إلا أن توماسيلو كشف القصور الفادح لهذا الفرض؛ فأصوات القردة هي استجابات انفعالية وحشوية لاإرادية لا تحكم فيها، ومرتبطة بمسارات عصبية تحت قشرية ضيقة وغير قابلة للتعلم أو التعديل المرن.

في المقابل التام، أظهرت دراسات توماسيلو وفريقه في معهد ماكس بلانك أن القردة العليا (وخاصة الشمبانزي) تمتلك نظاماً إيمائياً بصرياً مرناً وقابلاً للتعلم بدرجة ملفتة؛ فالقرد يستخدم يديه وحركاته الجسدية لطلب الطعام أو الحك أو جذب الانتباه، وينتظر حتى ينظر إليه الشريك ليرسل الإيماءة، ويعدلها إذا لم يستجب الطرف الآخر. ومع ذلك، بقيت إيماءات القردة مقيدة بدوافع نفعية طلبية محضة وأنانية لا تتجاوز: “أعطني هذا!” أو “افعل لي كذا!”.

حدث الانفجار التطوري الإنساني العظيم عندما دمج جنس “الهومو” (Homo) بين هذه المرونة الإيمائية الموروثة وتكيفات “القصدية المشتركة”. انطلقت الشرارة الأولى للتواصل البشري عبر إيماءتين طبيعيتين فريدتين:

  • الإشارة بالسبابة (Deictic Pointing): لتوجيه انتباه الشريك نحو موضوع في البيئة المشتركة بدافع التعاون والإخبار.
  • الإيماءات التمثيلية أو الأيقونية (Iconic/Pantomimic Gestures): وهي استخدام المحاكاة الحركية للجسد لتمثيل أفعال أو كائنات غائبة (كأن يحاكي الإنسان القديم حركة طيران الطائر بيديه ليخبر رفيقه بوجود طريدة خلف التل).

تتميز الإيماءات الأيقونية بأنها تجسد أول شكل بدائي حقيقي لـ “الرمز”؛ حيث تحرر التواصل من قيد الوجود المادي الحاضر للموضوعات ليحلق في فضاء التمثيل التخيلي التواصلي، مؤكداً الأسبقية التاريخية للجسد والإيماء على الحنجرة والأوتار الصوتية في السجل النشوئي للنوع الإنساني.

6.2 الدوافع التواصليّة البشرية: الطلب، والإخبار، والمشاركة

لم يكن التحول نحو التواصل البشري مجرد تغيير في قنوات الإرسال من الصوت إلى الإشارة أو العكس، بل كان ثورة غير مسبوقة في “الدوافع النفسية الكامنة وراء فعل التواصل”. يميز توماسيلو بين ثلاثة دوافع رئيسية تحكم التواصل الإنساني، في حين لا تملك سائر الكائنات الأخرى سوى دافع يتيم منها:

1. دافع الطلب (Requesting): ويهدف إلى حث الفاعل الآخر على تلبية رغبة ذاتية مباشرة للفاعل (مثل: “أريد تفاحة”، “ابتعد عن طريقي”). هذا الدافع الطلبي المنفعي هو الدافع الوحيد تقريباً الذي تحركه أصوات وإيماءات الرئيسيات والشمبانزي في بيئاتها الطبيعية.

2. دافع الإخبار الإيثاري (Informing): دافع إنساني فريد كلياً يتوجه فيه الفاعل نحو تقديم معلومات مفيدة ومهمة للآخرين دون أن يكون للفاعل أي عائد مادي أو منفعة فردية مباشرة؛ بل مجرد رغبة أصيلة في المساعدة وتوجيه انتباه الشريك لما يفيده. يظهر هذا الدافع جلياً لدى أطفال البشر في سن الثانية عشرة شهراً؛ فعندما يرى الرضيع باحثاً يسقط منه قلمه ويبحث عنه حائراً، فإن الرضيع يشير بسبابته تلقائياً نحو القلم الساقط تحت الكرسي ليخبر الراشد بمكانه دون أن يطلب القلم لنفسه ودون انتظار مكافأة. هذا الدافع الإخباري النبيل غائب كلياً عن تجارب الشمبانزي الذي لا يقدم معلومات إخبارية مجانية لرفاقه أبداً.

3. دافع مشاركة المشاعر والاهتمامات (Sharing Feelings and Attitudes): وهو دافع تضامني واجتماعي بحت لا يهدف لجلب منفعة أو نقل معلومة عملية، بل لتأسيس التقارب النفسي والانتماء الوجداني (مثل أن يشير الطفل إلى طائرة في السماء وينظر إلى والدته ضاحكاً ليقول رمزياً: “انظري كم هذا مدهش، لنتشارك هذه اللحظة معاً!”). يوضح توماسيلو أن هذا التنوع الدافعي الإيثاري نشأ وتوطد في بيئة “الصيد التعاوني المشترك” وجمع الغذاء التكافلي، حيث كان بقاء الفرد مستحيلاً دون التنسيق الإخباري الصادق مع رفاقه والمشاركة التضامنية معهم.

6.3 الترميز اللغوي والأصل التواصلي للاتفاقيات الرمزية

كيف تحولت تلك الإيماءات الطبيعية التشاركية –بالسبابة والمحاكاة الجسدية– إلى لغات لفظية مقننة تحكمها رموز وأصوات منطوقة وقواعد نحوية صارمة؟ يجيب توماسيلو عبر تتبع “التحول الرمزي الاتفاقي” (Conventionalization). فالإيماءة الأيقونية، برغم فاعليتها، تعاني من حدود جوهرية؛ إذ تتطلب أن يكون المتلقي ناظراً للمتحدث، وتتطلب جهداً حركياً مضنياً، وتقصر عن التعبير عن الأفكار والتجريدات الفكرية المعقدة.

مع تعاظم الحاجة للتواصل وسرعة التنسيق في المجتمعات البشرية المتوسعة، بدأت الأصوات التعبيرية المرافقة للإيماءات تكتسب تدريجياً وزناً دلالياً مستقلاً. ومن خلال القصدية الجمعية للمجموعة الاجتماعية، تحولت تلك الأصوات المصاحبة إلى “اتفاقيات ومواضعات رمزية” (Symbolic Conventions). والرمز اللغوي الاتفاقي هو صوت حركي اعتباطي بحد ذاته (كلفظة “شجرة” أو “كتاب”)، لكنه يستمد قوته الإلزامية والدلالية من “الفهم المتبادل العام” بين كل أفراد المجتمع بأن هذا الصوت يمثل هذا المعنى المحدد وفق قواعد متواضع عليها.

والأهم من ذلك في نظرية توماسيلو هو أن الرمز اللغوي يمتلك خاصية إدراكية خارقة تسمى “تنوع وجهات النظر” (Perspectival Nature)؛ فاللغة تتيح للبشر تمثيل الواقع الخارجي الواحد من زوايا متعددة ومتباينة ومتبادلة بحسب القصد التواصلي، فيمكن أن تصف نفس الكائن بأنه “كلب”، أو “حيوان أليف”، أو “هذا المخلوق المزعج”، أو “صديقي الوفي”. لقد حررت الرموز اللغوية الاتفاقية العقل البشري تحريراً نهائياً من أسر السياق الزماني والمكاني الفوري؛ فصار بإمكان البشر عبر الكلمات استحضار الماضي البعيد، والتخطيط للمستقبل المجهول، والتفاوض حول الكيانات التجريدية، ونسج الأساطير والنظريات العلمية التي لا يراها بصر مجرد.

7. التاريخ الطبيعي للتفكير البشري: الأطوار الثلاثة للقصدية

7.1 القصدية الفردية وتفكير الرئيسيات والأسلاف الأوائل

في مؤلفه التأسيسي الضخم A Natural History of Human Thinking (التاريخ الطبيعي للتفكير البشري)، الصادر عام 2014، يطرح مايكل توماسيلو نظرية تطورية فلسفية تشرح كيف تطور التفكير الإنساني من صورته الحيوانية المنعزلة إلى صورته المنطقية والموضوعية الحالية عبر ثلاثة أطوار نَمائية ونشوئية كبرى ترتبط ارتباطاً بنيوياً بتحولات القصدية.

بدأ الطور الأول مع “القصدية الفردية” (Individual Intentionality)، وهو النمط الذي يجسده تفكير الأسلاف المشتركين بين البشر والشمبانزي، وتعيشه القردة العليا المعاصرة في بيئاتها الطبيعية. يثبت توماسيلو ضد النزعات السلوكية السطحية أن الشمبانزي والقردة العليا تفكر حقاً؛ فهي تمتلك تمثيلات ذهنية سببية، وقادرة على إجراء استدلالات ذكية وتجريدات لحل المشكلات المادية، والتنبؤ بسلوك المنافسين والطرائد والتخطيط للوصول للأهداف عبر محاكاة الخيارات ذهنياً داخل نظام إدراكي يعتمد على التغذية الراجعة والتحكم السلوكي الذاتي.

ومع ذلك، فإن تفكير الرئيسيات والقائم على القصدية الفردية يظل محاصراً بحدود إبستمولوجية ضيقة وقاتلة؛ فهو:
1. “تفكير نفعي وأداتي حصري” مكرس لخدمة أهداف البقاء الفردية والمنافسة دون أي اعتبار لتنسيق أو تبادل معرفي.
2. تفكير يعجز عن “التقييم الذاتي المعياري”؛ فالقرد لا يسائل نفسه: “هل تفكيري منطقي؟ هل أخطأت في حساباتي الاستدلالية؟”، لغياب أي مرجعية معيارية موضوعية خارج الرغبة الفردية.
3. تفكير يفتقر إلى البعد المنظوري المشترك؛ إذ يرى القرد العالم من نافذة إدراكه الحسي الخاصة فقط، عاجزاً عن التفكير في كيفية رؤية الطرف الآخر لنفس المشهد من موقعه المكاني والذهني المغاير دون صراع جسدي مباشر.

7.2 القصدية المشتركة والتفكير المنظوري للتعاون الثنائي

بدأ الطور الثاني للتفكير البشري مع ظهور جنس “الهومو” الأوائل (مثل Homo heidelbergensis) قبل نحو 400 ألف عام، مدفوعاً بضغوط بيئية وتغيرات مناخية قاسية هددت مصادر الغذاء الفردي بالاندثار، وفرضت على الأسلاف الدخول الإجباري في نمط حياة جديد ومصيري: الصيد التعاوني المشترك (Obligate Collaborative Foraging). في هذه البيئة الجديدة، صار الفرد الذي يحاول الصيد بمفرده محكوماً عليه بالموت جوعاً، وتوجب على الأفراد تشكيل ثنائيات وشراكات تكافلية للتعاون والتنسيق في اقتناص الفرائس الكبيرة.

أدى هذا الانتقال البيئي إلى انبثاق “القصدية المشتركة” (Joint Intentionality)، ومعها وُلد لأول مرة ما يسميه توماسيلو بـ “التفكير المنظوري” (Perspectival Thinking). في سياق الصيد التعاوني، تتشكل غاية مشتركة (“نحن نصيد هذا الوعل معاً”)، ويقوم العمل على تبادل أدوار تكميلية وتوافقية (“أنا أطارد الطريدة من الأمام، وأنت تباغتها بالرمح من الخلف”). هذا التمايز في الأدوار فرض على العقل البشري نقلة معرفية تاريخية: إدراك أن هناك موقفاً واحداً مشتركاً في المركز، ولكن يُنظر إليه من زاويتين أو “منظورين مختلفين متكاملين” في الوقت نفسه.

تولد من هذا الطور ما يُعرف بـ “الاستدلال التواصلي التداولي” القائم على قراءة متطلبات الشريك واستقراء ما يحتاجه لإنجاح المهمة المشتركة. لم يعد التفكير مجرد محاكاة عقلية منعزلة داخل الرأس، بل صار تفكيراً حوارياً استباقياً يبحث عن التوافق المنظوري المتبادل بين الذات والآخر، وظهرت بدايات الرقابة الإدراكية المشتركة حيث يضبط كل طرف حركته وفق ما تقتضيه نظرة شريكه وتوقعاته المتبادلة في اللحظة والتو، ليخطو الفكر البشري أولى خطواته الحقيقية نحو التحرر من الأنانية المعرفية الذاتية.

7.3 القصدية الجمعية والتفكير الموضوعي المعياري

اكتمل المسار النشوئي للتفكير في طوره الثالث مع ظهور الإنسان العاقل الحديث (Homo sapiens) قبل حوالي 150 ألف عام، حيث تضخمت المجتمعات البشرية وتفرعت إلى قبائل ومجموعات كبرى، واشتعلت المنافسة والصراعات الوجودية بين الجماعات المتنافسة على الموارد والأراضي. في هذا السياق التنافسي الجماعي، لم يعد التعاون الثنائي بين شخصين كافياً لضمان البقاء؛ بل توجب على الفرد أن يندمج اندماجاً مطلقاً مع قبيلته بأكملها، ليتولد مستوى “القصدية الجمعية” (Collective Intentionality).

مع القصدية الجمعية، ارتقى التفكير البشري إلى ذروة التجريد ليصبح “تفكيراً موضوعياً ومعيارياً ومستقلاً عن الأشخاص” (Objective-Normative Thinking). لم يعد المقياس هو “ما أراه أنا” (الطور الأول)، ولا “ما نراه معاً أنا وأنت كشريكين” (الطور الثاني)، بل صار المقياس هو “منظور الجماعة المحايد، الذي يرى العالم بصورة موضوعية صحيحة تتجاوز كل الأفراد”. تبلور في هذا الطور التفكير المنطقي الصارم القائم على معايير استدلالية وثقافية ملزمة ومبرأة من الهوى الفردي؛ حيث يجب على من يدعي دعوى أو فكرة أمام المجموعة أن يقدم حججاً وبراهين تتسم بالاتساق وعدم التناقض وفق القواعد المعتمدة جماعياً.

توج هذا الطور بانبثاق “المراقبة الذاتية المعيارية” (Normative Self-Monitoring)؛ فالإنسان المفكر في هذا المستوى لم يعد يكتفي بالتفكير، بل يراقب تفكيره الخاص من منظور الجماعة المعياري، سائلاً نفسه في استبطان فلسفي داخلي: “هل ما أعتقده حقاً يمثل الحقيقة الموضوعية؟ هل حجتي مقبولة ومعقولة للآخرين العقلانيين؟”. هذا التحول البنيوي هو الذي فجر الطاقات العقلية العليا للنوع الإنساني، ومهد لبناء الفلسفة، والعلم التجريبي الحديث، والأنظمة القانونية الشاملة، مؤسساً التفكير البشري على أعمدة الحقيقة المشتركة والموضوعية المعرفية الراسخة.

8. التاريخ الطبيعي للأخلاق البشرية: تطور التعاطف والإنصاف

8.1 الأخلاق الثنائية المباشرة ونشأة مشاعر التعاطف والالتزام

في استكمال موازٍ ومبهر لمشروعه النشوئي، وضع مايكل توماسيلو في عام 2016 كتابه المرجعي A Natural History of Human Morality (التاريخ الطبيعي للأخلاق البشرية)، مجيباً عن اللغز الفلسفي الأثير: كيف تحول الإنسان من كائن بيولوجي تحكمه غرائز البقاء والتنافس إلى كائن أخلاقي يضحي في سبيل العدالة ويشعر بالالتزام والواجب والذنب؟ يرفض توماسيلو الأطروحات النفعية التي ترى في الأخلاق مجرد نفاق اجتماعي نفعي لتجنب العقاب، كما يرفض الأطروحة الكانطية الصورية التي تهبط بالأخلاق كأوامر عقلية مفارقة للطبيعة، ليقدم تاريخاً طبيعياً تجريبياً نشوئياً انبثقت فيه الأخلاق الإنسانية عبر محطتين تطوريتين متتاليتين.

تمثلت المحطة التطورية الأولى في “أخلاق التعاون الثنائي أو الأخلاق المشتركة المصغرة” (Second-Personal Morality) بين فاعلين اثنين يمارسان الصيد المشترك. عندما أصبح بقاء الإنسان الأول معتمداً جوهرياً على وجود شريكه المتعاون وحيويته، اكتسب ذلك الشريك “قيمة وجودية ذاتية” لا تقاس بالمنافع العابرة. ومن هنا انبثق الشعور الأصيل بـ “التعاطف الطبيعي” والمساعدة التلقائية؛ فالشريك لم يعد منافساً يجب سحقه، بل رفيق لا بد من نجدته وحمايته ليظل قادراً على التعاون معي غداً.

الأهم من التعاطف المجرد هو ولادة مشاعر “الالتزام المشترك” (Joint Commitment)؛ فالصيادان عندما يتعاقدان ضمنياً على ملاحقة فريسة عبر القصدية المشتركة، يتولد بينهما رابط التزام نفسي متبادل يمنع أحدهما من ترك المهمة في المنتصف والانسحاب للراحة حتى تكتمل الغاية المشتركة. لقد قاد هذا الالتزام إلى ولادة إدراك ثوري بالتكافؤ الوجودي والموضعي بين الذات والآخر؛ ففي صيغة “النحن”، يدرك الفرد أن للطرف الآخر نفس الحقوق ونفس المكانة التي يمتلكها هو، وأن كل طرف مسؤول أخلاقياً أمام شريكه عن إنجاز دوره بأمانة وإخلاص، لتتأسس الأخلاق أولاً كعلاقة احترام متبادل حية وجهاً لوجه.

8.2 أخلاق الإنصاف والعدالة وتوزيع الموارد المشتركة

تعتبر مسألة “الإنصاف والعدالة في التوزيع” (Fairness and Distributive Justice) المحك التجريبي الأبرز الذي استعرض فيه توماسيلو الفارق الأخلاقي الحاسم بين أطفال البشر والشمبانزي؛ فقد أجرى توماسيلو وفريقه تجارب شهيرة استخدموا فيها “جهاز السحب التعاوني” (Cooperative Pulling Paradigm)؛ حيث يتوجب على فردين جذب حبلين متزامنين لتقريب لوح خشبي يحمل طعاماً لا يمكن لأحدهما الحصول عليه منفرداً.

كشفت التجارب عن هوة أخلاقية سحيقة؛ فعندما ينجح زوجان من الشمبانزي في سحب اللوح ويصل الطعام إلى متناول أيديهما، يقوم الفرد المهيمن والأقوى جسدياً بالاستئثار بكل الطعام لنفسه متجاهلاً شريكه الأضعف الذي بذل نصف الجهد في الجذب! لا يعرف الشمبانزي أي اعتبار لمفهوم “الاستحقاق الأخلاقي” الناشئ عن الجهد المشترك، مما يؤدي سريعاً إلى إحباط الفرد الأضعف ورفضه التعاون معه في المرات اللاحقة لغياب العدالة.

في المقابل التام والساطع، عندما ينجح طفلان بشريان في سن الثالثة في سحب اللوح والحصول على المكافآت (قطع حلوى أو رخام زجاجي ملون)، فإنهما يقومان على الفور وبصورة تلقائية مذهلة بـ اقتسام الغنائم بالتساوي وبإنصاف تام (Equal Distribution). وإذا أخذ أحدهما قطعة زائدة دون انتباه، فإنه يعيدها لشريكه معتذراً بمجرد أن يرمقه الآخر بنظرة استنكار. بل والأعجب من ذلك، إذا تم تصميم التجربة بحيث بذل أحد الأطفال جهداً مضاعفاً في السحب بينما ساعده الآخر مساعدة طفيفة، فإن الأطفال في سن الرابعة يوزعون المكافأة “وفقاً لمقدار الجهد والمساهمة الاستحقاقية”، مبرهنين على أن مشاعر العدالة التوزيعية والاستحقاق متجذرة بعمق في البنية النفسية التطورية للإنسان بوصفه كائناً تعاونياً بامتياز.

8.3 الأخلاق المعيارية الجمعية والضمير المؤسسي

تمثلت القفزة الأخلاقية التطورية الثانية في الانتقال من “أخلاق الشراكة الثنائية المباشرة” إلى “الأخلاق المعيارية الجمعية والضمير المؤسسي” (Objective/Normative Morality) مع تضخم المجتمعات واستقرار القبائل الكبرى. في هذه المرحلة، لم تعد القواعد الأخلاقية مجرد اتفاقات مؤقتة وتوافقات خاصة بين صديقين أو شريكين في مهمة صيد، بل تحولت إلى “معايير أخلاقية عامة، وموضوعية، وملزمة للجميع دون استثناء” تحمي تماسك المجتمع وبقاءه في مواجهة التفكك والفوضى.

يظهر هذا التحول النوعي في تجليات سلوكية بالغة الأهمية رصدها توماسيلو تجريبياً لدى الأطفال:

  • عقاب الطرف الثالث (Third-Party Punishment): حيث يتدخل الفرد البشري لمعاقبة المعتدي أو المخطئ حتى لو لم يكن هو المتضرر شخصياً من الاعتداء! الشمبانزي لا ينتقم إلا إذا سُرقت ثمرته هو بمفرده، في حين أن الطفل البشري في سن الخامسة يتدخل بحزم لمنع طفل يعتدي على آخر أو يكسر لعبة طفل ثالث غائب، محتجاً باسم “المعيار الجماعي العام”: “لا يجوز فعل ذلك بالآخرين!”.
  • ولادة الضمير الداخلي والمشاعر الأخلاقية المعيارية: تمثلت في انبثاق مشاعر “الذنب” (Guilt) و”الخجل” (Shame). فعندما يرتكب الفرد خرقاً لمعيار أخلاقي، فإنه لا يخشى العقاب الخارجي الجسدي فحسب، بل يمارس “محاسبة ذاتية داخلية للضمير”؛ حيث يستبطن صوت الجماعة المعياري ويدين نفسه بنفسه، شاعراً بالانسلاخ عن استحقاق الانتماء الأخلاقي للجماعة.

لقد دمجت الأخلاق الجمعية الهوية الوجودية للإنسان بالولاء للقيم المشتركة والمقدسات المجتمعية، وتحول الضمير الأخلاقي إلى صوت العقل الجمعي داخل النفس المفردة، صانعاً الكائن الأخلاقي المسؤول القادر على التضحية بمصالحه الأنانية الفردية صوناً لكرامته المعيارية وكرامة نوعه الإنساني التكافلي.

9. الأبعاد السلوكية والدافعية للتعاون الإنساني

9.1 السلوك الإيثاري التلقائي: المساعدة، والإعلام، والمشاركة

يقف مايكل توماسيلو في طليعة العلماء الذين أثبتوا بالأدلة التجريبية القاطعة أن البشر مفطورون على نزعة أصيلة وراسخة نحو “السلوك الإيثاري التلقائي” (Prosocial Altruistic Behavior) لا تنتظر تلقيناً ثقافياً أو تدريباً أسرياً متأخراً؛ بل تبزغ مع بدايات المشي والحركة في السنة الثانية من عمر الطفل. يقسم توماسيلو هذا الإيثار الطبيعي المبكر إلى ثلاثة أبعاد سلوكية مستقلة وظيفياً:

1. المساعدة الأداتية التلقائية (Instrumental Helping): في سلسلة من التجارب العبقرية والموثقة بالفيديو، وضع الباحث فيلكس فارنكن وتوماسيلو أطفالاً في عمر 14 إلى 18 شهراً في مواقف يواجه فيها راشد صعوبة في إتمام فعل بسيط (كأن تسقط منه ممسحة الثياب وراء حاجز لا يطاله، أو يحاول فتح خزانة ويداه محملتان بالكتب). دون أي طلب لفظي من الراشد ودون أن يقدم للطفل أي ابتسامة أو استجداء، اندفع الأطفال الصغار بمفردهم على الفور، متجاوزين العوائق الجسدية، ليلتقطوا الممسحة ويعيدوها له، أو يفتحوا له باب الخزانة بأيديهم الصغيرة ثم يعودون للعبتهم العادية في هدوء.

2. الإعلام الإيثاري (Informational Helping): كما فُصل سابقاً، تقديم المعلومات المجانية لمن يطلبها أو يحتاجها لإرشاده نحو غايته، وهو تصرف يقوم به الأطفال الرضع بحماسة دون أي تردد أو رغبة في الاستئثار بالأسرار المعرفية لأنفسهم.

3. المشاركة السخية (Sharing Goods): الرغبة في مشاركة المقتنيات والمواد الغذائية مع الآخرين؛ فرغم أن الأطفال قد يبدون تشبثاً ببعض ألعابهم الشخصية في مواقف التملك، إلا أن استعدادهم لاقتسام الموارد المكتسبة تشاركياً يظل سمة سلوكية متفردة بين سائر الكائنات.

والبرهان التجريبي الأكثر حسماً في أبحاث توماسيلو حول الطبيعة الفطرية غير المشروطة لهذا الإيثار هو “أثر الإحباط الخارجي بالمكافأة” (Overjustification Effect). فعندما قام الباحثون بمكافأة الأطفال الصغار بهدايا مادية (مثل مكافآت أو ألعاب) عند تقديمهم المساعدة للآخرين، وجدوا أن معدل تقديم المساعدة الإيثارية لدى هؤلاء الأطفال “انخفض بشكل دراماتيكي” لاحقاً مقارنة بالأطفال الذين لم يتلقوا أي مكافأة خارجية! يثبت هذا الاكتشاف أن تقديم المعونة ينبع من “دافع نفسي جوهري وأصيل” للتعاون، وأن إقحام المعاملات النفعية المادية يفسد تلك الدوافع الإيثارية الطبيعية ويحولها إلى صفقات تبادلية رخيصة.

9.2 إدارة السمعة والانشغال بالتقييم الاجتماعي

برغم أصالة الدوافع الإيثارية في الطفولة المبكرة، فإن السلوك التعاوني الإنساني لا يبقى في صورته الساذجة مع تقدم مسار النمو؛ بل يتعقد تطورياً وتنموياً ليدمج بُعداً استراتيجياً فائق الأهمية هو “إدارة السمعة” (Reputation Management) والانشغال العميق بالتقييم الذي يطلقه الآخرون على أفعال الذات. يُظهر توماسيلو وزملاؤه (مثل يان إنجلمان) أن الأطفال في سن الرابعة والخامسة يبدأون في إظهار وعي استراتيجي حاد بـ “العيون الاجتماعية المراقبة”.

في التجارب المعملية، تصرف الأطفال الصغار بسخاء وإيثار أكبر بكثير عندما علموا أن أقرانهم ينظرون إليهم ويراقبون كيفية توزيعهم للحلوى، مقارنة بتصرفهم في حالات الانعزال والسرية التامة حيث يميلون إلى الاستئثار بقدر أكبر لأنفسهم. إن هذا التحول في سن الخامسة لا يعكس نفاقاً بقدر ما يعكس نضوجاً تكيفياً لما يُعرف بـ “القلق من التقييم الاجتماعي”؛ فالطفل يتعلم أن السمعة الإيجابية بوصفه فرداً عادلاً ومعطاءً وموثوقاً به هي “رأس المال الاجتماعي” الأغلى الذي يضمن قبوله المستمر في شراكات اللعب والتعاون المستقبلية، ويقيه خطر العزل الاجتماعي.

لقد طور البشر وفق هذه الرؤية رادارات حساسة للغاية لالتقاط الإشارات الخفية للمراقبة؛ فرسمة بسيطة لزوج من العيون على جدار غرفة تكفي لدى البالغين لدفعهم لزيادة تبرعاتهم والحد من سلوكيات السرقة والغش. يمثل بناء السمعة الحسنة في نظرية توماسيلو الآلية النفسية المحكمة التي يوازن من خلالها الكائن البشري بين مصالحه الفردية العاجلة والحفاظ على مكانته المعنوية الاعتبارية الآجلة داخل شبكة المجتمع التكافلية المعقدة.

9.3 التعاون في مواجهة التطفل والانتهازية

تواجه كل نظرية تؤسس للتعاون الإنساني مأزقاً تطورياً واقتصادياً كلاسيكياً يطرحه منظرو التطور ومنظرو الألعاب: “معضلة المتطفل المجاني” (The Free-Rider Problem). إذا كان البشر يميلون للإيثار والمساعدة واقتسام الغنائم بالإنصاف، فما الذي يمنع الأفراد الكسالى أو الأنانيين والانتهازيين من الجلوس والاستمتاع بثمار العمل المشترك والتغذية على جهود الآخرين دون أن يقدموا أي مساهمة فعلية في الصيد أو البناء؟ وكيف لم تنقرض جينات التعاون أمام استراتيجيات الانتهازية الطفيلية الكاسحة؟

يجيب مايكل توماسيلو عبر إبراز منظومة متكاملة من “الاستراتيجيات التكيفية والدفاعية الصارمة” التي طورها المجتمع البشري لحماية بنيته التحتية التعاونية من الانهيار الداخلي:

  • الانتقاء الاجتماعي للشركاء (Partner Choice): في مجتمعات الصيد التعاوني القديمة، كان للصياد حرية اختيار شريكه لمهمة الغد. كان الأفراد الذين يُعرف عنهم التكاسل، أو سوء الخلق، أو محاولة سرقة الموارد الزائدة، يُستبعدون فوراً من حملات الصيد المجدية؛ مما يحكم على المتطفل بالعزلة والجوع الحتمي، ومارس هذا “الاصطفاء الاجتماعي النشط” ضغطاً انتقائياً أباد جينات الأنانية الفجة.
  • التشهير، والنبذ، والإقصاء الاجتماعي: من خلال الثرثرة الاجتماعية واللغة التداولية، يتداول أفراد الجماعة أخبار المتطفلين وينسجون سمعتهم السيئة، مما يؤدي إلى تجريدهم من الحماية المشتركة ومن فرص التزاوج التناسلي والمصاهرة.
  • العقاب الإيثاري والاستباقي: استعداد الأفراد لتحمل كلفة شخصية لمعاقبة المنتهكين والمخربين، مما يجعل تكلفة الانتهازية أكبر بكثير من أي عائد قد يحققه المتطفل.

تثبت تجارب توماسيلو أن الأطفال في سن الخامسة يمتلكون حساسية فطرية فائقة لرصد “المتطفلين”؛ فعندما يلاحظون طفلاً يحاول الاستيلاء على مكافأة الصندوق دون أن يشارك في سحب المقبض الثقيل، فإنهم يمنعونه بأيديهم من الوصول للمكافأة، مؤكدين بأصواتهم المعيارية استحقاق العاملين فقط، ومبرهنين على أن المعايير الأخلاقية شُيدت كدروع فولاذية لحراسة التعاون الإنساني من التآكل.

10. نظرية النمو التوليدي: مسار التحول الإنساني (Becoming Human)

10.1 النمو الفردي كنتاج للتفاعل بين البيولوجيا والخبرة الثقافية

في عام 2019، توج مايكل توماسيلو مسيرته العلمية المديدة بإصدار سفره المعرفي الجامع Becoming Human: A Theory of Ontogeny (التحول الإنساني: نظرية في النشوء الفردي)، وهو العمل الموسوعي الذي حاز احتفاءً استثنائياً في الأوساط الأكاديمية العالمية. في هذا الكتاب، ينسج توماسيلو خيوط مشروعه العلمي كلها في نظرية واحدة متماسكة وموحدة حول “النمو التوليدي”، مبيناً بالتفصيل الرياضي والتجريبي كيف يتحول ذلك الكائن البيولوجي الوليد، في غضون سبع سنوات فقط، من مجرد رئيسيات واعدة بيولوجياً إلى كائن إنساني متكامل الإدراك، ناطق بالرموز، ملتزم بالأخلاق، وفاعل داخل المؤسسات المعقدة.

تقوم أطروحة “التحول الإنساني” على المبدأ التوليدي التفاعلي الصارم: إن النمو الإنساني ليس مساراً ميكانيكياً تمليه الجينات بصورة مغلقة، كما أنه ليس عجينة رخوة تشكلها البيئة كيفما اتفق؛ بل هو عملية “توليد مستمرة” تحدث عند نقطة التقاء فريدة بين:

  1. استعدادات بيولوجية فطرية متخصصة وموروثة من التاريخ النشوئي للنوع، تتمثل أساساً في الرغبة العارمة والدوافع المسبقة للقصدية والاتصال الاجتماعي الفائق.
  2. البيئة الثقافية الحاضنة الغنية بالرموز، والممارسات، والمؤسسات، واللغات التي راكمها التاريخ الجمعي.
  3. الفاعلية الذاتية التنموية النشطة للطفل (Agency)، الذي ليس متلقياً سلبياً، بل يبني عقله وذاته عبر الفعل التجريبي المشترك مع أقرانه ومربيه.

يتجاوز توماسيلو هنا نهائياً الانفصال التقليدي القديم بين علم النفس التنموي الفردي وعلم الأحياء التطوري المقارن؛ فالنشوء الفردي (Ontogeny) ليس مجرد تلخيص سطحي وعابر للنشوء النوعي، بل هو “الميدان التشغيلي والساحة الفعلية” التي تعمل فيها التكيفات التطورية، وتستكمل بنيتها بفضل التفاعل مع الشركاء الثقافيين، لتصبح البيئة الثقافية موجهاً ومحدداً نمائياً لا يقل في جوهريته عن شفرة الحمض النووي (DNA).

10.2 المسارات التنموية الكبرى: الإدراك الاجتماعي، واللغة، والأخلاق

يرسم توماسيلو في نظريته مسار التزامن المذهل الذي يحدث بين التحولات المعرفية الكبرى في مرحلة الطفولة المبكرة، مبيناً كيف ترتبط قطاعات الإدراك الاجتماعي، واللغة، والأخلاق بحبل سري واحد يتدرج عبر فترات حرجة ومتزامنة تماماً في حياة الطفل:

المرحلة العمرية طور القصدية مسار الإدراك الاجتماعي ونظرية العقل مسار التواصل واللغة مسار الأخلاق والتعاون
الميلاد – 9 أشهر القصدية الفردية إدراك الفاعلين وحركاتهم؛ الانتباه الثنائي للوجوه والأشياء. المناغاة التبادلية الأولية والاتصال البصري العاطفي الحميم. التعلق الوجداني والانجذاب نحو الوجوه الودودة.
9 – 14 شهراً القصدية المشتركة الثنائية الانتباه المشترك الثلاثي؛ تتبع النظرات؛ فهم الأهداف والنوايا المباشرة. ظهور الإشارة بالسبابة؛ الإيماءات الطبيعية؛ نطق الكلمات المفردة المجمدة. المساعدة الأداتية التلقائية وتقديم المعونة بالمجان.
3 سنوات القصدية الجمعية الأولية فهم المنظور المغاير؛ حل مهام “المعتقد الخاطئ” إجرائياً؛ نظرية العقل التداولية. تراكيب الجزر الفعلية ودمج القوالب النحوية التجريدية؛ الحوار الاستدلالي. الإنصاف التوزيعي، الالتزام المشترك، الاحتجاج ضد كسر قواعد الألعاب.
5 – 7 سنوات القصدية الجمعية الكاملة التفكير الموضوعي المستقل عن الأشخاص؛ نظرية العقل المعرفية الرمزية المتقدمة. البلاغة اللغوية، تراكيب الربط النحوي المعقد، واستدلالات الخطاب والمجاز. الأخلاق المعيارية، عقاب الطرف الثالث، إدارة السمعة، انبثاق مشاعر الذنب والخجل.

يوضح هذا الجدول التكاملي كيف أن الطفرات المعرفية في مرحلة الطفولة ليست أحداثاً عشوائية ومستقلة تجري في حجرات ذهنية معزولة؛ بل هي تموجات متناسقة تنبثق كلها من منبع واحد هو الاتساع التدريجي لأطر القصدية من الذات الفردية إلى الشريك المباشر، ثم إلى الجماعة المؤسسية ككل.

10.3 التنظيم الذاتي المعياري وتشكيل الذات المسؤولة

تتمثل الذروة التنموية لمسار “التحول الإنساني” في ارتقاء الطفل إلى مستوى “التنظيم الذاتي المعياري” (Normative Self-Regulation)، والذي يتشكل عبره ما نسميه “الذات المسؤولة أخلاقياً وعقلانياً”. يستعير توماسيلو هنا بعمق الرؤية الفيغوتسكية العبقرية حول “استبطان الأوامر والتفاعلات الاجتماعية”؛ فالطفل في سنواته الأولى يخضع لتوجيهات وإرشادات وتصحيحات الوالدين الخارجية (“لا تلمس هذا”، “يجب أن نشارك اللعبة مع صديقنا”).

مع الاقتراب من سن السادسة والسابعة، لا تعود تلك التعليمات أصواتاً خارجية صادرة من سلطة قاهرة، بل يستدمجها الطفل لتتحول إلى “كلام باطني داخلي” (Inner Speech) وصوت إرشادي للضمير والتحكم الذاتي الإرادي. يتعلم الطفل ممارسة “التحكم التنفيذي وتأجيل الإشباع العاجل”؛ ليس خوفاً من العقاب المادي، بل التزاماً ذاتياً بالصورة المعنوية التي يريد أن يكون عليها كعضو عقلاني ومسؤول ومحترم في المجتمع.

يتحول الطفل بذلك من طور “الخضوع للسلطة الخارجية” (Heteronomy) إلى طور “الاستقلال الذاتي الأخلاقي العقلاني” (Autonomy) بحسب التعبير الفلسفي. إنه يضبط رغباته الخاصة طواعية لكي تتطابق مع المبادئ المنطقية والأخلاقية التي تعارفت عليها جماعته الثقافية. وهنا تكتمل معجزة التحول الإنساني؛ حيث يصبح الفرد حارساً لذاته، قادراً على مساءلة أفعاله وأفكاره، ليتوج مساره كفاعل إنساني حر يمتلك ضميراً حياً، وعقلاً استدلالياً مستقلاً، وشخصية مسؤولة تصنع بدورها ثقافة الغد وتنقل شعلة الحضارة للأجيال اللاحقة.

11. المناقشات النقدية والمواقف السجالية في الأوساط العلمية

11.1 اعتراضات علماء علم النفس التطوري الكلاسيكي والبيولوجيا السلوكية

أثارت أطروحات مايكل توماسيلو ونظرياته ردود فعل وسجالات نقدية ساخنة في مجاميع علم النفس والأنثروبولوجيا والبيولوجيا؛ حيث واجه مشروعه انتقادات حادة من جانب أنصار “علم النفس التطوري الكلاسيكي” (مثل ليدا كوزميدس، وجون توبي، وستيفن بينكر). تركزت انتقادات هذه المدرسة على ما وصفوه بـ “الإفراط المثالي في التركيز على التعاون والإيثار”، متهمين توماسيلو بتجاهل المحورية التطورية الهائلة لعوامل التنافس الدموي، والصراع الجنسي، والعدوان البشري، والحروب التي شكلت التاريخ النشوئي للبشر بما لا يقل عن التعاون.

كما شكك دعاة “نموذج العقل الموديولي واسع النطاق” (Massive Modularity) في قدرة آليات القصدية المشتركة العامة والتفاعل الثقافي على تفسير التعقيد المتشعب للسلوك الإنساني دون افتراض مئات الموديولات والبرمجيات الغريزية الجاهزة والمتخصصة وراثياً في حل مشكلات تكيفية دقيقة (كالغيرة، واختيار الشريك، وتجنب زنا المحارم، والخوف من المفترسات). ورأى هؤلاء أن توماسيلو يميل بشكل مبالغ فيه نحو التفسيرات الثقافية التنموية التي تقترب خطراً من نموذج العلوم الاجتماعية القياسي الذي كان ينكر البيولوجيا.

علاوة على ذلك، أثار بعض علماء السلوك الميدانيين تساؤلات منهجية حول “مدى صلاحية تعميم نتائج التجارب المعملية المغلقة”؛ حيث اعتبروا أن وضع أطفال البشر في ظروف اختبار مريحة وودية مع مربيهم، ومقارنتهم بقرود شمبانزي معزولة في أقفاص ومراكز أبحاث محاطة بحواجز شبكية، قد يعطي انطباعاً مضللاً وظالماً يقلل من الذكاء الاجتماعي الطبيعي للشمبانزي الذي يتجلى ببراعة وقوة مذهلة في الغابات والبرية الإفريقية المفتوحة أثناء مطاردة الفرائس وتنظيم الغارات الحزبية التنافسية بين قطعان القرود.

11.2 سجالات الباحثين في سلوك الحيوان وعلم الرئيسيات (فرانز دي فال ونظراؤه)

شهدت الأوساط العلمية سجالاً إبستمولوجياً كبيراً وتاريخياً بين مايكل توماسيلو وعالم الرئيسيات الهولندي البارز الراحل فرانز دي فال (Frans de Waal)، صاحب الأبحاث الشهيرة حول السياسة والمصالحة لدى الشمبانزي. انتقد دي فال بقوة ما أسماه “نزعة توماسيلو نحو تأكيد الاستثنائية والتفرد البشري القطعي” (Human Exceptionalism)، معتبراً أن توماسيلو يضع خطوطاً فاصلة مصطنعة وغير بيولوجية بين عقول البشر وعقول القردة العليا.

دافع دي فال وزملاؤه عن وجود بذور أصيلة وتجليات مبكرة لـ “التعاطف، والإيثار، ونظرية العقل، والشعور بالعدالة والإنصاف” لدى الشمبانزي وقرود الكابوشين، مستشهدين بتجاربهم التي رفضت فيها القرود تناول الخيار إذا أُعطي رفيقها في القفص المجاور عنباً لذيذاً دون مبرر، وبسلوكيات الاحتضان والمواساة التي يقدمها الشمبانزي للمهزوم عقب المعارك الشرسة. واتهم دي فال تجارب معهد ماكس بلانك التابع لتوماسيلو بتصميم اختبارات “تتحيز إدراكياً للبشر” (Human-Centric Bias)؛ لأنها تعتمد على التواصل البصري والإيمائي الذي يتقنه البشر تطورياً، بينما يعتمد الشمبانزي على لغة جسدية وتكتيكية مختلفة تناسب بيئته الصراعية.

رد توماسيلو على هذه الانتقادات بأبحاث تفصيلية رصينة ومكررة، مؤكداً أنه لا ينكر ذكاء الشمبانزي المذهل ولا امتلاكه لقصدية فردية متقدمة وتعاطف أولي قائم على الروابط القرابية؛ بل يشدد على وجود “فارق نوعي بنائي في التركيب الإدراكي” وليس مجرد فارق في الدرجة الكمية. وأوضح توماسيلو أن رفض القرد للخيار ليس شعوراً أخلاقياً بالإنصاف أو العدالة للآخرين (لأن القرد المحظوظ لا يرفض العنب قط تضامناً مع رفيقه المظلوم!)، بل هو مجرد “إحباط وغيرة نفعية فردية” لمقارنة المكافأة بالجهد الذاتي. وأكد أن الحيوانات تفتقر كلياً للبنية التحتية التشاركية القائمة على القصدية المشتركة والإخبار الإيثاري المجاني والالتزام المعياري الجمعي الذي ينبثق منه الضمير الموضوعي والواقع المؤسسي.

11.3 النقد اللساني من أنصار المدرسة التوليدية واللغويات الصورية

على الجبهة اللسانية، شن اللغويون التوليديون وأنصار نعوم تشومسكي هجمات نقدية متواصلة ودفاعية مستميتة على كتابات توماسيلو اللغوية؛ حيث اعتبروا أن نظريته القائمة على الاستخدام تعجز عجزاً بنيوياً عن تفسير المشكلات اللغوية والتركيبية الصعبة، مثل القواعد المقيدة لحركة الأسماء وحالات النقل النحوي والظواهر التركيبية النادرة الاستخدام التي يندر أن يسمعها الطفل في بيئته اليومية، ولكن يظهر معرفة ضمنية بقواعدها المحرمة بصورة فورية دون تدريب تجريبي استقرائي.

وجادل اللسانيون الصوريون بأن الآليات الإحصائية لاستخراج الأنماط وقراءة النوايا قد تكفي لحفظ المفردات وتراكيب الجمل الموضعية البسيطة، لكنها لا يمكن من الناحية الحسابية والرياضية أن تفسر الكفاءة التركيبية التوليدية الإبداعية واللانهائية التي تميز المتكلم البشري؛ متمسكين بفرضية “فقر المثير” كبرهان رياضي حاسم على ضرورة وجود مبادئ فطرية سابقة على كل تجربة استخدامية لتوجيه تعلم اللغة وحمايتها من الوقوع في فخ التعميمات الخاطئة والانهيار الدلالي.

رد توماسيلو وفريقه اللساني المعرفي بتقديم نماذج حاسوبية تجريبية متطورة ودراسات استقرائية ميدانية موسعة في اكتساب لغات غير هندو-أوروبية، موضحين أن الأطفال لا يرتكبون أخطاء نحوية محرمة ليس لوجود نحو كلي فطري يمنعهم، بل لأن آليات التعميم النمائي التوليدي لديهم مقيدة بوظائف المعنى التواصلي، وأن التغذية الراجعة السلبية الضمنية التي يتلقاها الطفل عند فشل قصده التواصلي، مقترنة بالتردد الإحصائي المرتفع، كافية حسابياً وديناميكياً لتشذيب المسار النحوي وقيادته نحو الكفاءة اللغوية الكاملة دون حاجة للافتراضات الغيبية لجهاز النحو التوليدي الصوري.

12. الإرث العلمي والآفاق المستقبلية لأبحاث توماسيلو

12.1 الأثر العميق في علم النفس التنموي والأنثروبولوجيا المعرفية

أحدث المشروع المعرفي لمايكل توماسيلو زلزالاً إبستمولوجياً أعاد رسم خريطة العلوم الإنسانية والمعرفية المعاصرة، مخلفاً إرثاً علمياً خالداً وبصمة لا تمحى في ميادين علم النفس التنموي، والأنثروبولوجيا التطورية، واللسانيات، وفلسفة العقل. فمن الناحية المنهجية، أصبحت “البروتوكولات التجريبية المقارنة” التي دشنها في معهد ماكس بلانك وفي جامعة ديوك بمثابة “المعيار الذهبي الدولي” (Gold Standard) الذي تعتمده المختبرات والمراكز البحثية المرموقة في القارات الخمس لمقارنة القدرات الإدراكية للأطفال والرئيسيات وفك ألغاز النمو الإنساني.

كما أحدث توماسيلو تحولاً جذرياً في نظرة علم النفس للإنسان والتعاون؛ فبعد عقود من هيمنة النماذج الفردية والتنافسية المظلمة التي اختزلت الإنسان في مجرد ذئب لئيم يتربص بأخيه أو آلة أنانية تبحث عن تفريغ غرائزها ونشر جيناتها، أعادت أبحاث توماسيلو الاعتبار للأبعاد التعاونية، والإيثارية، والأخلاقية، والتضامنية بوصفها “الإنجاز التطوري الأسمى” الذي قاد النوع الإنساني إلى قمة البقاء والحضارة. لقد جعل من الثقافة والاجتماعية الفائقة حجر الزاوية الذي لا غنى عنه لفهم بيولوجيا الدماغ البشري.

وألهمت أطروحاته التوليدية أجيالاً متتالية من شباب العلماء والباحثين الذين واصلوا البناء على نظرياته، وتطوير تخصصات جديدة مثل “الأنثروبولوجيا المعرفية التطورية” و”اللسانيات التطورية التجريبية”، موطداً جسوراً معرفية صلبة ونهائية وحدت ما انقطع طويلاً بين العلوم الطبيعية الصارمة والعلوم الإنسانية والاجتماعية التأويلية، ومؤكداً أن دراسة الإنسان لا تكتمل إلا بقراءة التاريخ الحيوي والنشوء الثقافي في بوتقة منهجية واحدة.

12.2 التطبيقات المعاصرة في التعليم وعلم النفس العلاجي والذكاء الاصطناعي

لم تتوقف ثمار أبحاث توماسيلو عند حدود التنظير المعرفي والفلسفي، بل امتدت لتحدث ثورة تطبيقية وعملية في قطاعات حيوية متعددة في العالم المعاصر:

1. إصلاح المناهج التربوية والتعليمية: أدت أبحاثه حول “التعلم الثقافي القائم على القصدية المشتركة” والتقليد إلى إعادة هيكلة جذرية لنماذج التعليم والتربية الحديثة في العديد من البلدان المتقدمة. تم التخلي عن طرائق التلقين الفردي المنعزل لصالح “التعلم التعاوني النشط” (Collaborative Learning) بين الأقران، حيث يتعلم الأطفال داخل مجموعات تشاركية تحاكي الصيد الفكري التعاوني، مما يعزز الذكاء الإدراكي والأخلاقي معاً.

2. فهم وتشخيص اضطرابات طيف التوحد مبكراً: قدمت نظرية توماسيلو في الانتباه المشترك والقصدية المشتركة إطاراً تشخيصياً وعلاجياً ثورياً لأطباء وعلماء النفس الإكلينيكي في التعامل مع طيف التوحد (Autism). فقد اتضح أن العجز الأساسي في التوحد يكمن بدقة في صعوبة تفعيل البنية التحتية للقصدية المشتركة وقراءة النوايا في سن التسعة أشهر؛ مما أتاح تطوير اختبارات مسحية سلوكية مبكرة للغاية، وتصميم برامج تدخل علاجي مبنية على تحفيز الانتباه المشترك والتفاعل الإشاري التواصلي في السنوات الأولى من العمر.

3. ثورة الذكاء الاصطناعي الاجتماعي والروبوتات التفاعلية: في خضم الصعود الهائل لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أدرك كبار مهندسي ومنظري التقنية أن النماذج اللغوية العملاقة (مثل LLMs) وشبكات التعلم الآلي الكلاسيكية، برغم قدراتها الحسابية الهائلة، تظل “ذكاءات منعزلة تعاني من فقر في القصدية”، وتفتقر إلى الفهم الحقيقي لمعنى ما تقوله لأنها لا تمتلك بنية “قصدية مشتركة” مع البشر. وتستند الأبحاث الرائدة الحالية في “الروبوتات الاجتماعية” (Social Robotics) ومشاريع الذكاء الاصطناعي التشاركي إلى أطروحات توماسيلو لتصميم روبوتات قادرة على تتبع نظرات البشر، وقراءة نواياهم، والتنسيق التعاوني اللحظي معهم كشركاء حقيقيين يتقاسمون الأهداف والأدوار في المصانع وغرف العمليات الجراحية وسفن الفضاء.

12.3 الآفاق البحثية المفتوحة والأسئلة المعلقة في مشروعه العلمي

برغم الشمولية المهيبة والإنجازات الباهرة التي حققها مايكل توماسيلو على مدار مسيرته الحافلة، فإن مشروعه العلمي لا يزال يطرح أسئلة معلقة وآفاقاً بحثية مفتوحة وملحة تنتظر استكشافات المستقبل، وتشكل تحديات معرفية أمام أجيال الباحثين القادمة:

أولاً: الأسس العصبية البيولوجية للقصدية المشتركة: لا تزال الآليات العصبية والدماغية المحددة المسؤولة بدقة عن انبثاق “صيغة النحن” وإدراك الالتزام المعياري بحاجة إلى كشف مجهري أعمق. كيف تعمل الشبكات القشرية والروابط العصبية على تحويل المنظور الفردي إلى منظور جمعي محايد داخل الدماغ؟ وما هي الطفرات العصبية والتشريحية التي أتاحت للجنس البشري هذا التكيف الفائق في مسارات الفص الجبهي وشبكة العقل الاجتماعي؟

ثانياً: التباينات الثقافية الدقيقة عبر المجتمعات غير الغربية: لا تزال هناك حاجة علمية ملحة لتوسيع التجارب المقارنة لتشمل مجتمعات تقليدية وقبائل صيد وجمع ثمار معاصرة خارج الدوائر الغربية الحضرية (مجتمعات WEIRD)، للتأكد من المدى الإشعاعي الدقيق للأنماط المعيارية، ورصد الكيفية التي تعبر بها الثقافات المتنوعة عن الإنصاف والتعاون والتربية الوالدية.

ثالثاً: معضلة التعاون الإنساني في الفضاء الرقمي والعوالم الافتراضية: يمثل هذا المحور التحدي الإنساني والأنثروبولوجي الأكبر في اللحظة التاريخية الراهنة. لقد تطورت البنية التحتية للقصدية المشتركة والأخلاق الإنسانية لملايين السنين لتلائم التفاعل الحي وجهاً لوجه في مجموعات صغيرة متماسكة. فكيف ستتكيف هذه الطبيعة التضامنية مع عالم الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والواقع الافتراضي، حيث يغيب الاتصال الجسدي المباشر، وتتلاشى العيون الحقيقية المراقبة، وتتسع الهويات الجمعية لتصبح قطبية متطرفة؟ هل تستطيع السقاطة الثقافية احتجاز التعاون البشري في مواجهة التفكك الرقمي المعاصر، أم أن الإنسانية بحاجة إلى قفزة قصدية جديدة تعيد تعريف “النحن” لتشمل الكوكب بأسره؟ تظل هذه الأسئلة المفتوحة شاهداً حياً على الخصوبة المعرفية اللانهائية للمشروع العلمي العملاق الذي شيده مايكل توماسيلو.

خاتمة

يقف مايكل توماسيلو في تاريخ العلم كأحد أولئك العلماء-الفلاسفة النادرين الذين لا يكتفون برصد التفاصيل الجزئية وتكديس الأرقام التجريبية، بل يصهرونها داخل نسق نظري باذخ يعيد كتابة فهمنا لذواتنا ولوجودنا في هذا العالم. فمن خلال المزاوجة البديعة بين مسار التاريخ التطوري الطويل للرئيسيات والرحلة التنموية القصيرة والساحرة للطفل البشري، استطاع توماسيلو أن ينزع عن العقل البشري هالة الأنانية المادية الفردية، ويفكك في الوقت عينه سحر الأساطير الفطرية الميتافيزيقية المغلقة، ليضع بدلاً منها حقيقة علمية بديعة وبسيطة: إن الإنسان لم يصبح إنساناً إلا بالآخر ومع الآخر.

إن إرث توماسيلو يؤكد لنا أن ما جعلنا نتميز ونتسيد هذا الكوكب، ونبني اللغات الساحرة، والمدن العظيمة، والأنظمة الأخلاقية والمؤسساتية الرفيعة، ليس أنياباً حادة، ولا قوة عضلية باطشة، ولا حتى ذكاءً أنانياً لحل المشكلات المنعزلة؛ بل قدرتنا الإعجازية على أن ننظر معاً إلى نفس النقطة في الأفق، وأن نقول بصدق وتضامن: “نحن”، وأن نمد يد العون للغريب دون مقابل، وأن نلتزم بالحق والعدالة والإنصاف كقيمة عليا نتقاسمها. إن قراءة مايكل توماسيلو لا تعلمنا فقط من أين أتينا بيولوجياً وكيف نما عقلنا اللغوي، بل تضع بين أيدينا بوصلة أخلاقية ووجودية مضيئة تذكرنا في أوقات التيه والأزمات الحضارية المعاصرة بأن التعاون التكافلي هو سر بقائنا، ونبض إنسانيتنا، وطريقنا الوحيد نحو المستقبل.

المراجع

Hermann, E., Call, J., Hernández-Lloreda, M. V., Hare, B., & Tomasello, M. (2007). Humans have evolved specialized skills of social cognition: The cultural intelligence hypothesis. Science, 317(5843), 1360–1364. https://doi.org/10.1126/science.1146282

Tomasello, M. (1999). The Cultural Origins of Human Cognition. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674005822

Tomasello, M. (2003). Constructing a Language: A Usage-Based Theory of Language Acquisition. Harvard University Press. https://www.hup.harvard.edu/books/9780674017641

Tomasello, M. (2008). Origins of Human Communication. MIT Press. https://mitpress.mit.edu/9780262515207/origins-of-human-communication/

Tomasello, M. (2009). Why We Cooperate. MIT Press. https://mitpress.mit.edu/9780262013598/why-we-cooperate/

Tomasello, M. (2014). A Natural History of Human Thinking. Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/9780674726369

Tomasello, M. (2016). A Natural History of Human Morality. Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/9780674969490

Tomasello, M. (2019). Becoming Human: A Theory of Ontogeny. Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/9780674988651

Tomasello, M., Carpenter, M., Call, J., Behne, T., & Moll, H. (2005). Understanding and sharing intentions: The origins of cultural cognition. Behavioral and Brain Sciences, 28(5), 675–691. https://doi.org/10.1017/S0140525X05000129

Warneken, F., & Tomasello, M. (2006). Altruistic helping in human infants and young chimpanzees. Science, 311(5765), 1301–1303. https://doi.org/10.1126/science.1121448

★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات