روشيل جيلمان – 1942 حتى الوقت الحاضر

روشيل جيلمان (Rochel Gelman)

  • 1942، تورنتو، أونتاريو، كندا – حتى الآن
  • أمريكية-كندية
  • علم النفس المعرفي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 16 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 16 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • مبادئ العد الأساسية ونظرية الفهم العددي لدى الأطفال
  • نقد نظرية مراحل النمو المعرفي لجان بياجيه
  • التمييز بين الكفاءة والأداء لدى الأطفال
  • إثبات القدرات والمعارف الفطرية المبكرة في مرحلة ما قبل المدرسة
  • النمو المعرفي الخاص بالمجال (Domain-Specific Development)

السيرة

تُعد عالمة النفس المعرفي الأمريكية-الكندية روشيل جيلمان (Rochel Gelman) واحدة من أبرز الشخصيات العلمية التي أحدثت ثورة حقيقية في فهمنا لطبيعة العقل البشري وتطوره الإدراكي خلال النصف الثاني من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين. في وقتٍ كانت فيه الساحة الأكاديمية العالمية واقعة تحت التأثير الطاغي لنظريات التطور المعرفي البنائية التي تزعمها السويسري جان بياجيه، وما رافقها من تصورات تعتبر عقل الطفل الصغير صفحة قاصرة منطقياً وعاجزة عن استيعاب المفاهيم المجردة، ظهرت جيلمان بمشروع بحثي تجريبي صارم أطاح بالعديد من هذه المسلمات وأعاد الاعتبار للإمكانات الفطرية والمبكرة للأطفال في استيعاب العالم الفيزيائي والحسابي.

امتدت إسهامات جيلمان عبر أكثر من ستة عقود من البحث الدؤوب، متجاوزة الحدود التقليدية لعلم نفس النمو لتتقاطع مع اللسانيات التوليدية، والأنثروبولوجيا، وعلم الأحياء العصبي، ونظريات الذكاء الاصطناعي. لقد قادت عبر أبحاثها الرائدة، لا سيما عملها التأسيسي المشترك مع تشارلز جاليستل، حركة تحول كبرى نحو الاعتراف بأن الأطفال يولدون وهم مجهزون بآليات إدراكية متخصصة ومبادئ هيكلية فطرية تُمكنهم من التعامل مع الكميات، والتمييز الجذري بين الجماد والكائنات الحية، وبناء نظريات سببية معقدة حول محيطهم في سن تسبق بكثير تلقيهم أي تعليم نظامي أو تدريب لغوي متقدم.

إن إعادة قراءة مسيرة روشيل جيلمان العلمية ليست مجرد استعراض لتاريخ علم النفس المعرفي، بل هي استكشاف عميق للأسئلة الإبستمولوجية الجوهرية: كيف نكتسب المعرفة؟ ما الذي يولد معنا وما الذي نبنيه بالتجربة؟ وكيف يمكن للمفاهيم الفطرية الساذجة أن توجه التعلم الأكاديمي المتقدم وتعيقه في آن واحد؟ يقدم هذا المقال دراسة شاملة وتفصيلية لمسيرة جيلمان الفكرية ومنهجيتها التجريبية وإرثها الأكاديمي المستدام الذي لا يزال يشكل المرجعية الأساسية لكل باحث في علوم الإدراك ونمو الطفولة.

1. المقدمة والنشأة الأكاديمية المبكرة لروشيل جيلمان

1.1 الخلفية العائلية والتعليم الأولي في كندا

ولدت روشيل جيلمان في مدينة تورنتو بمقاطعة أونتاريو الكندية عام 1942، في بيئة اجتماعية وثقافية تميزت بالحراك الفكري المتنامي للجاليات المهاجرة في مرحلة الحرب العالمية الثانية وما بعدها. نشأت جيلمان في أسرة أولت اهتماماً بالغاً بالتعليم والمعرفة، وشجعت فيها روح التساؤل والفضول العلمي منذ سنوات طفولتها الباكرة. كانت تورنتو في تلك الحقبة مركزاً عمرانياً وثقافياً نابضاً، حيث توفرت للمرأة فرص تعليمية متصاعدة، رغم القيود الجندرية والاجتماعية التي كانت سائدة في الأوساط الأكاديمية الكندية في ذلك الوقت، والتي جعلت من مسار الفتيات في العلوم التجريبية تحدياً مضاعفاً يتطلب صلابة وإصراراً استثنائيين.

التحقت جيلمان بـ جامعة تورنتو لمتابعة دراساتها الجامعية الأولى، وهناك برز ميلها نحو العلوم السلوكية والبيولوجية. كانت جامعة تورنتو في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات معقلاً للتقاليد التجريبية والمنهجيات العلمية الصارمة، حيث تأثرت جيلمان بالأساتذة الذين دمجوا بين الفلسفة الوضعية والقياس المخبري الصارم للسلوك. وقد دفعها هذا الاحتكاك المبكر إلى التشكيك في التفسيرات التخمينية والملاحظات الوصفية المجردة للظواهر الإنسانية، متجهة نحو دراسة آليات التعلم والإدراك من خلال التصاميم التجريبية المحكمة التي شكلت العمود الفقري لمسيرتها البحثية اللاحقة في استكشاف كنه التفكير البشري.

تفاعلت جيلمان خلال دراستها الجامعية مع الأدبيات الناشئة لرواد علم النفس التجريبي الكندي والأمريكي، وراقبت بدايات التململ داخل الأروقة الأكاديمية ضد هيمنة المدرسة السلوكية المتطرفة التي كانت تختزل العقل في كونه “صندوقاً أسود” لا يمكن سبر أغواره. هذا التكوين الفكري المبكر غرس فيها قناعة راسخة بأن الفهم الدقيق لآليات التعلم لا يمكن أن يتجاهل البنى الإدراكية الداخلية، وأن السلوك الملاحظ ليس سوى تجلٍ خارجي لعمليات ذهنية معقدة تتطلب أدوات قياس ذكية ودقيقة قادرة على التقاط أدق المؤشرات السلوكية وتفسيرها ضمن نسق نظري متماسك ورصين.

1.2 الانتقال إلى الولايات المتحدة والدراسات العليا

بعد تخرجها المتفوق من جامعة تورنتو، قررت روشيل جيلمان الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية لمواصلة دراساتها العليا، حيث حطت رحالها في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) في منتصف الستينيات. مثّل هذا الانتقال نقطة تحول حاسمة في حياتها الأكاديمية والشخصية، إذ كانت كاليفورنيا في تلك المرحلة بؤرة مشتعلة للحركات الفكرية والاجتماعية، إلى جانب كونها بيئة رائدة في احتضان بواكير ما عُرف لاحقاً بـ “الثورة المعرفية” (Cognitive Revolution) التي بدأت تدق حصون السلوكية وتطالب بإعادة العقل والعمليات الذهنية إلى قلب البحث السيكولوجي.

في جامعة كاليفورنيا، عملت جيلمان تحت إشراف عالم النفس البارز ويندل جيفري (Wendell Jeffrey)، الذي كان مهتماً بدراسة الانتباه والإدراك البصري لدى الأطفال. تركزت أطروحة الدكتوراه التي قدمتها جيلمان عام 1967 على دراسة الانتباه الانتقائي وكيفية اكتساب واستيعاب الأطفال للمفاهيم المنطقية الأولية وتمايزها. وخلافاً للدراسات الشائعة التي كانت تصف إخفاقات الأطفال الصغار بصفتها دليلاً على نقص ذكائي أو غياب البنى المنطقية، انطلقت جيلمان من زاوية مغايرة تماماً، متسائلة عما إذا كان الخلل يكمن في طريقة توجيه انتباه الطفل للمتغيرات ذات الصلة داخل التجربة بدلاً من كونه عجزاً بنيوياً حقيقياً في جهازه المعرفي.

أتاح لها هذا المناخ البحثي التفاعل المباشر مع أحدث النماذج الإدراكية واللغوية الصاعدة في تلك الحقبة، بما في ذلك أطروحات اللسانيات التوليدية والتحويلية التي نادى بها نعوم تشومسكي، والتي ألقت بظلالها على طلاب الدراسات العليا من خلال إبراز أهمية الفطرة والاستعداد البيولوجي في اكتساب المعرفة اللغوية. استوعبت جيلمان هذه النماذج ببراعة، وسعت إلى نقل هذا المنظور الفطري والبنيوي من حقل اللغويات إلى حقل التفكير المنطقي والرياضي، مؤكدة أن عقل الطفل ليس لوحاً فارغاً تطبعه البيئة السلوكية كيفما تشاء، بل منظومة بيولوجية مهيأة سلفاً لاستيعاب معطيات العالم الخارجي وتنظيمها.

1.3 التأسيس البحثي في علم النفس التنموي

بدأت جيلمان مسارها البحثي كأستاذة وباحثة مستقلة بطرح فرضيات مبكرة جريئة تعارض المسلمات التقليدية التي كانت تحكم علم النفس التنموي. في ذلك الوقت، كانت الأدبيات السائدة، سواء المستندة إلى السلوكية الراديكالية أو البنائية البياجية المبكرة، تنظر إلى الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة باعتباره كائناً “غير منطقي” و”متمركزاً حول ذاته” (Egocentric)، يفتقر إلى القدرة على التفكير الرمزي المنظم أو الحفاظ على الثوابت الكمية والفيزيائية. رأت جيلمان في هذه النظرة قصوراً إبستمولوجياً ومنهجياً فادحاً يخلط بين غياب المهارة اللغوية التعبيرية وبين غياب البنية الذهنية المنطقية.

انصب اهتمام جيلمان على سبر البنية المعرفية الداخلية للطفل بديلاً عن الاكتفاء بالملاحظة السلوكية السطحية لردود الأفعال المباشرة. كانت تؤمن بأن الأطفال يمتلكون حدوساً ومبادئ عقلية موجهة لا تنعكس دائماً في تصريحاتهم اللفظية المعقدة، نظراً لمحدودية حصيلتهم المعجمية والتركيبية في سن الثالثة والرابعة. قادها هذا التوجه إلى التفكير في ابتكار منهجيات تجريبية تمكن الباحث من “استنطاق” كفاءة الطفل عبر سلوكيات غير لفظية، مثل التحديق، والاختيار الإشاري، والتفاعل مع الأجسام، مما مهد الطريق لولادة مدرسة جديدة في القياس التجريبي للنمو العقلي.

أسست روشيل جيلمان خلال هذه المرحلة خطوات المنهج التجريبي الصارم في دراسة الفئات المعرفية الأولية، مستندة إلى مبادئ الضبط العازل للمتغيرات الدخيلة، والتقليل من العبء اللغوي المصاحب للتجارب، وتكرار الفحوصات عبر عينات متنوعة. لم تكن تجاربها مجرد اختبارات عابرة، بل كانت محاولات مبرمجة ومصممة بعناية لتفكيك المهام الإدراكية المعقدة إلى مكوناتها الأولية، وذلك لإثبات أن عقل الطفل الصغير يمتلك بالفعل نواة صلبة من المبادئ المعرفية التي تمكنه من تنظيم العالم وتصنيفه والتعامل معه بمرونة استثنائية تفوق ما تخيلته أجيال من علماء النفس الكلاسيكيين.

2. التحول الفكري ومراجعة نموذج بياجيه للنمو المعرفي

2.1 نقد نظرية المراحل البياجية

احتلت نظرية عالم النفس السويسري جان بياجيه صدارة الساحة العلمية العالمية في دراسة تطور الفكر لدى الأطفال خلال الستينيات والسبعينيات، حيث افترض بياجيه أن الأطفال يمرون بمراحل تطورية ثابتة ومتتالية: المرحلة الحس-حركية، ثم مرحلة ما قبل العمليات (Preoperational Stage)، وصولاً إلى مرحلة العمليات المادية ثم العمليات المجردة. وفقاً للنموذج البياجي الكلاسيكي، فإن أطفال مرحلة ما قبل المدرسة (من عمر 2 إلى 7 سنوات) يعانون من قيود إدراكية حادة، أبرزها العجز عن استيعاب “مبدأ حفظ العدد” (Conservation of Number)، وعدم القدرة على إدراك أن كمية العناصر تظل ثابتة رغم تغير مظهرها المكاني أو توزيعها السطحي.

وقفت روشيل جيلمان في مواجهة هذا التفسير الشائع، وشرعت في تفكيك نقدي معمق للتجارب البياجية التقليدية. رأت جيلمان أن تجارب بياجيه الكلاسيكية في حفظ العدد—حيث يُعرض على الطفل صفان متطابقان من العملات المعدنية، ثم يتم تمديد أحد الصفين ليشغل مساحة أكبر ويُسأل الطفل: “أي الصفين يحتوي على عدد أكبر؟”—تحتوي على خلل منهجي ولغوي فادح. وأوضحت أن تكرار السؤال نفسه على الطفل بعد قيام شخص بالغ بتغيير المسافات يُعد إيحاءً اجتماعياً وضغطاً ضمنياً يجعل الطفل يعتقد أن الإجابة الأولى لم تعد مقبولة، أو أن السؤال يشير إلى “الطول” أو “المساحة” بدلاً من “العدد الإجمالي”.

أعادت جيلمان تفسير إخفاقات الأطفال التجريبية، مؤكدة أنها لم تكن ناجمة عن نقص جوهري في “الكفاءة الذاتية” (Competence) أو غياب المنطق العددي في عقولهم، بل كانت نتاجاً مباشراً لخلل في تصميم المهام والعبء الإجرائي واللغوي المفروض عليهم (Performance Demands). أثبتت جيلمان عبر سلسلة من التجارب البديلة، خففت فيها من القيود اللغوية واستعانت بسياقات لعب طبيعية ومحفزة، أن أطفال سن الثالثة والرابعة قادرون بصورة مذهلة على التمييز بين التغيرات العددية الحقيقية (كالزيادة والنقصان) والتغيرات السطحية الخادعة (كتمديد المسافات أو تقصيرها)، مما وجه ضربة نقدية موجعة لنموذج المراحل الصارم الذي ساد لقرون في جنيف والعالم.

2.2 إعادة صياغة كفاءات مرحلة ما قبل المدرسة

قاد النقد المنهجي الذي وجهته جيلمان لبياجيه إلى إعادة صياغة جذرية لصورة الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة في الأدبيات السيكولوجية. كشفت أبحاثها أن هؤلاء الأطفال يمتلكون قدرات ضمنية ومستترة في تمييز الثبات العددي (Numerical Invariance)، حيث أظهروا فهماً دقيقاً لحقيقة أن عدد العناصر في مجموعة ما لا يتغير إلا إذا أضيف إليها عنصر أو سحب منها عنصر، وأن مجرد تحريك الأشياء أو إعادة تنظيمها في الفراغ لا يؤثر مطلقاً على قيمتها الكمية، وهو ما كان بياجيه ينفيه تماماً عن هذه الفئة العمرية المبكرة.

اعتمدت جيلمان في تحليلاتها على التفريق الفلسفي واللساني الشهير بين “الكفاءة” (Competence) و”الأداء” (Performance)، وهو التمييز الذي استعارته وطبقته ببراعة في علم النفس المعرفي. أوضحت أن عدم قدرة الطفل على تبرير إجابته شفهياً أو إخفاقه في حل مسألة معقدة ذات تعليمات مربكة لا يعني أبداً غياب المفهوم من عقله؛ فالأداء قد يتأثر بنقص الانتباه، أو محدودية الذاكرة العاملة، أو سوء فهم المصطلحات المستخدمة من قِبل الباحث، في حين تظل الكفاءة المفاهيمية الأساسية حاضرة وفعالة في توجيه سلوك الطفل التلقائي وملاحظاته اللحظية.

أدى هذا الكشف إلى إعادة رسم الحدود الزمنية والمفاهيمية لتطور التفكير الرمزي والكمي لدى الإنسان. فبدلاً من اعتبار سن السابعة أو الثامنة هي العتبة السحرية التي ينبثق عندها التفكير المنطقي والرياضي كما كان يُعتقد في التقاليد البياجية، أرجعت جيلمان جذور هذا التفكير إلى سنوات الطفولة الأولى، مؤكدة أن الطفل يبدأ حياته الإدراكية وهو محمل بموجهات منطقية أولية تمكنه من معالجة الكميات وبناء فرضيات عقلانية متماسكة حول بنية العالم المحيط به، مما قلب جداول النمو الزمني المعرفي رأساً على عقب.

2.3 المناظرات الأكاديمية وتأسيس النظرة البديلة

أثارت أطروحات روشيل جيلمان في سبعينيات القرن الماضي سجالات علمية حامية ومناظرات فكرية كبرى مع مدرسة جنيف البنائية والمدافعين عن نظرية المراحل الكلاسيكية. رأى البياجيون الجدد أن تجارب جيلمان قد تعكس ردود أفعال إدراكية سطحية أو مهارات حسية لا ترقى إلى مستوى “العمليات العقلية المنطقية” التي تتطلب تحولاً هيكلياً شاملاً في بنية الذكاء. غير أن جيلمان واجهت هذه الاعتراضات بترسانة من البيانات التجريبية الدقيقة والنماذج التحليلية التي عرت مواطن الضعف في الحجج البنائية التجريدية التي لم تقدم تفسيراً مقنعاً لكيفية بزوغ المفاهيم من العدم دون أسس معرفية مسبقة.

قدمت جيلمان بديلاً نظرياً متكاملاً يستند إلى مفهوم “المعالجة الفطرية” و”النمو الخاص بالمجال” (Domain-Specific Development). وجادلت بأن التطور المعرفي لا يحدث عبر طفرات متزامنة في كل مجالات التفكير عبر مراحل عامة وشاملة (Domain-General Stages)، بل يتحقق عبر مسارات معرفية متخصصة ومستقلة نسبياً، حيث يمكن لطفل في سن الثالثة أن يمتلك كفاءة فائقة في المجال العددي والكمي، بينما لا يزال يطور مهاراته في مجالات أخرى كالتفكير المكاني أو الاستدلال الفيزيائي أو التعبير اللغوي.

ترك هذا التحول الفكري أثراً بالغاً وعميقاً في مجمل مسار علم النفس النمائي الحديث؛ إذ أسهم في تفكيك الهيمنة المطلقة للنموذج البياجي، وأعاد توجيه بوصلة الأبحاث في كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية نحو دراسة “الكفاءات المبكرة” لدى الرضع وصغار الأطفال. ولم يعد التساؤل الموجه للباحثين يدور حول “ما الذي يعجز الطفل عن فعله؟”، بل تحول بفضل جهود جيلمان إلى: “ما هي البنى الذهنية الفطرية التي يوظفها الطفل لفهم بيئته، وكيف تتفاعل هذه البنى مع الخبرات الحياتية لتوليد المعرفة المعقدة؟”.

3. مبادئ العد الأساسية ونظرية الفهم العددي لدى الأطفال

3.1 مبادئ ‘كيفية العد’ (How-to-Count Principles)

يُمثل تحديد روشيل جيلمان لـ “مبادئ العد الأساسية” حجر الزاوية في نظريتها حول الفهم العددي، حيث صاغت للمرة الأولى نسقاً نظرياً وتجريبياً يشرح بدقة كيف يستوعب الأطفال الصغار عملية العد الإجرائي والمفاهيمي. تنقسم هذه المبادئ إلى شقين، الأول يتعلق بـ “كيفية العد” ويشمل ثلاثة مبادئ إجرائية-مفهومية متكاملة تضمن دقة العملية الحسابية وتجريدها من العشوائية، وهي التي رصدت جيلمان وجودها الضمني لدى أطفال لم يتلقوا أي تعليم مدرسي نظامي بعد.

يتجسد المبدأ الأول في مبدأ التقابل الأحادي (The One-to-One Principle)، والذي يقتضي قيام الطفل بتعيين علامة أو رمز لغوي فريد (كالكلمات: واحد، اثنان، ثلاثة) لكل عنصر من العناصر المراد عدها داخل المجموعة، دون تكرار أي علامة ودون إغفال أي عنصر. يتطلب هذا المبدأ تنسيقاً معقداً بين عمليتين فرعيتين: تقسيم العناصر إلى مجموعتين (العناصر التي تم عدها وتلك التي لم تُعد بعد)، وتخصيص متتالية من الكلمات العددية الفريدة لكل عنصر بالتناظر الدقيق. أثبتت جيلمان أن الأطفال حتى حين يخطئون في التسمية اللفظية الصحيحة للأرقام، فإنهم يلتزمون بشكل صارم بربط كل حركة إشارية برمز لغوي واحد فقط، مما يعكس رسوخ هذا المبدأ في عقولهم.

أما المبدأ الثاني فهو مبدأ الترتيب المستقر (The Stable-Order Principle)، والذي ينص على أن المفردات أو العلامات اللفظية المستخدمة في العد يجب أن تتوالى وفق تسلسل ثابت ومتكرر لا يتغير من تجربة عد إلى أخرى. وقد لاحظت جيلمان ظاهرة لافتة للغاية لدى الأطفال الصغار، وهي أن الطفل قد يستخدم متتالية عددية غير تقليدية (كأن يعد: “واحد، اثنان، أربعة، سبعة”)، ولكنه عندما يُطلب منه إعادة العد، يكرر نفس المتتالية الخاطئة وبنفس الترتيب تماماً (“واحد، اثنان، أربعة، سبعة”). هذا السلوك دلل بشكل قاطع على أن الطفل يدرك تماماً ضرورة وجود نظام ترتيبي مستقر وقابل للتكرار، حتى وإن لم يكن قد أتقن بعد الأسماء المعيارية الاصطلاحية للأرقام المعتمدة في لغته وثقافته.

ويأتي المبدأ الثالث ليكمل هذه المنظومة تحت اسم المبدأ الأساسي أو مبدأ العدد الإجمالي (The Cardinal Principle). ينص هذا المبدأ على أن الكلمة أو العلامة العددية الأخيرة المستخدمة في متتالية العد لا تعبر فقط عن العنصر الأخير الذي تمت الإشارة إليه، بل تمثل الكمية الإجمالية للمجموعة بأكملها، وتحدد حجمها وقيمتها العددية المطلقة. رصدت جيلمان أن الأطفال عندما يُسألون بعد الانتهاء من العد: “كم عنصراً هنا؟”، فإنهم يرددون تلقائياً الرمز الأخير الذي توقفوا عنده، مما يثبت إدراكهم بأن العد ليس مجرد نشيد إيقاعي أو تلاوة رتيبة لكلمات متتالية، بل هو أداة رياضية موجهة لإنتاج قيمة أساسية تحدد حجم المجموعة الكلي.

3.2 مبادئ تحديد مجالات العد (What-to-Count Principles)

يتجاوز الفهم العددي لدى الأطفال مجرد التطبيق الآلي لقواعد “كيفية العد” ليصل إلى تحديد ماهية الكيانات التي يمكن إخضاعها لهذه العملية الحسابية، وهو ما أفردت له جيلمان شقاً خاصاً عُرف بمبادئ “ما الذي يُعد”. يشمل هذا الشق مبدأين جوهريين يبرزان الطبيعة التجريدية المتقدمة للتفكير الرياضي المبكر وقدرته على تجاوز القيود المادية المباشرة، وهما مبدأ التجريد ومبدأ عدم أهمية الترتيب.

ينص مبدأ التجريد (The Abstraction Principle) على أن القواعد الإجرائية للعد يمكن تطبيقها على أي فئة من الكيانات، سواء كانت كائنات مادية محسوسة (كالألعاب، والكرات، والأشجار)، أو كيانات غير مادية ومجردة (كالقفزات، والأصوات، والأفكار، والرغبات)، أو حتى مجموعات هجينة غير متجانسة تتألف من عناصر متباينة في الحجم واللون والشكل والنوع. أظهرت أبحاث جيلمان أن الأطفال الصغار لا يجدون أي صعوبة منطقية في عد مجموعة تتكون من قطة وحبة تفاح وفكرة مجردة معاً، لأن عقل الطفل قادر على تجريد الخصائص الفيزيائية الفردية لكل عنصر والتركيز حصرياً على سمته الوجودية كـ “وحدة حسابية قابلة للعد”، وهو ما ينقض تماماً الفرضيات التي ادعت أن فكر الطفل حبيس الماديات المتجانسة فقط.

أما المبدأ الخامس في المنظومة الشاملة لجيلمان فهو مبدأ عدم أهمية الترتيب (The Order-Irrelevance Principle)، والذي يقضي بأن الترتيب الفيزيائي الذي تُعد به العناصر داخل المجموعة لا يؤثر بأي حال من الأحوال على نتيجتها العددية النهائية؛ إذ يمكن البدء بالعد من اليمين إلى اليسار، أو من اليسار إلى اليمين، أو من الوسط، أو البدء بأي عنصر عشوائي داخل المجموعة، وستظل القيمة الإجمالية مطابقة وثابتة دائماً. أثبتت التجارب أن الأطفال الصغار، رغم تفضيلهم المعتاد لعد العناصر بنسق مكاني منتظم لتقليل الجهد الذهني وتجنب نسيان أي عنصر، يدركون تماماً عند اختبارهم أن تغيير نقطة البداية أو المسار المكاني للعد لا يغير “العدد الأساسي” للمجموعة، مما يعكس استيعاباً ضمنياً عميقاً لمفهوم التكافؤ الرياضي.

تعمل هذه المبادئ الخمسة (التقابل الأحادي، الترتيب المستقر، العدد الإجمالي، التجريد، وعدم أهمية الترتيب) في تفاعل تكاملي ونسق معرفي متماسك؛ إذ تشكل معاً البنية التحتية للنظام الحسابي البشري الفطري. وجادلت جيلمان بأن هذا التواشج بين المبادئ الإجرائية والمبادئ التجريدية يمنح الطفل في مرحلة ما قبل المدرسة أرضية صلبة للانتقال التدريجي نحو الفهم الحسابي الناضج، مؤكدة أن هذه المبادئ ليست معلومات يلقنها الكبار للصغار، بل هي موجهات إدراكية توجه انتباه الطفل وممارساته التلقائية لاكتشاف العلاقات الرياضية المنظمة في بيئته الواقعية.

3.3 الأدلة التجريبية والضبط المخبري للمبادئ

لإثبات وجود هذه المبادئ العددية الضمنية لدى أطفال مرحلة ما قبل المدرسة دون الاعتماد على مهاراتهم التعبيرية الضعيفة، طورت روشيل جيلمان واحدة من أشهر التقنيات التجريبية في تاريخ علم النفس المعرفي، والتي عُرفت باسم تجارب الدمى السحرية (The Magic Task). قامت التجربة على تقديم لوحين للطفل الصغير، يحتوي كل لوح على عدد محدد من الألعاب الصغيرة أو الدمى (على سبيل المثال: لوح يحتوي على دُميتين ولوح يحتوي على ثلاث دمى)، مع تحديد أحدهما كلوح “فائز” والآخر كلوح “خاسر”. بعد أن يتعلم الطفل التمييز بينهما وتوقع النتيجة، يقوم المجرب خلسة وبطريقة “سحرية” بتعديل اللوح الفائز إما عبر تغيير ترتيب عناصره مكانياً فقط دون تغيير عدده، أو عبر سحب/إضافة عنصر لتغيير قيمته العددية الحقيقية.

سجلت جيلمان بدقة ردود أفعال الأطفال المفحوصين، فتبين أن الأطفال لم يبدوا أي دهشة أو اعتراض عندما تم تغيير التوزيع المكاني للألعاب (مثل زيادة المسافة بين الدُميتين)، وظلوا يعتبرون اللوح فائزاً بناءً على ثبات عدده. لكن في اللحظة التي طرأ فيها تغيير عددي حقيقي (كأن تتحول الدميتان إلى دمية واحدة أو ثلاث دمى بفعل الخدعة السحرية)، أظهر الأطفال دهشة بالغة واحتجاجاً فورياً، وشرعوا في البحث تحت الطاولة وفي جيوب الباحث عن “الدمية المفقودة” أو “الدمية الزائدة”. قدم هذا الدليل التجريبي الدامغ برهاناً ساطعاً على أن الأطفال الصغار حساسون بصورة استثنائية للتغيرات الكمية الخفية، وأن حكمهم يستند إلى معايير عددية مطلقة لا إلى مؤشرات بصرية أو فراغية خادعة.

ولم تكتفِ جيلمان برصد ردود الأفعال اللحظية، بل وثقت في مختبرها ظاهرة بالغة الأهمية تمثلت في التصحيح الذاتي للأخطاء (Self-Correction) أثناء العد العفوي. لاحظت أن الطفل عندما يرتكب خطأً عارضاً في التقابل الأحادي (كأن يعد عنصراً مرتين)، فإنه غالباً ما يتوقف تلقائياً، ويعيد تنظيم يديه، ويبدأ العد من جديد دون أي تدخل خارجي من الباحث. هذا التصحيح التلقائي المستقل يمثل دليلاً إبستمولوجياً حاسماً على أن الطفل لا يقلد سلوكاً عشوائياً، بل يستند إلى “معيار ضمني داخلي” (Internal Standard) يدرك من خلاله ارتكاب خرق للمبدأ الرياضي، مما يدفعه إلى تعديل مساره الإجرائي ليتوافق مع بنيته الفكرية الفطرية.

عززت جيلمان هذه البيانات المخبرية بتحليل تسجيلات لغوية موسعة لأطفال صغار أثناء انخراطهم في اللعب التلقائي غير الموجه في بيئاتهم المنزلية الطبيعية. أظهرت هذه التحليلات أن الأطفال يوظفون المفاهيم العددية بكثافة لافتة أثناء اللعب الحر، حيث يقارنون بين كميات الألعاب، ويوزعون المكعبات بالتساوي، ويتفاوضون حول الحصص باستخدام مفردات كمية ونسبية دقيقة. أغلقت هذه الأدلة التوليفية بين الضبط المعملي الصارم والملاحظة البيئية العفوية الباب أمام التشكيك في كفاءة الأطفال، مؤكدة أن الفهم الحسابي يمثل جزءاً لا يتجزأ من النسيج الإدراكي الطبيعي للإنسان في أبكر مراحل حياته.

4. التعاون العلمي التاريخي بين روشيل جيلمان وتشارلز جاليستل

4.1 إصدار كتاب ‘فهم الطفل للعدد’ عام 1978

في عام 1978، أصدرت روشيل جيلمان بالاشتراك مع زوجها وزميلها عالم الأعصاب والإدراك المرموق تشارلز راندي جاليستل (C. R. Gallistel) كتابهما التاريخي الاستثنائي The Child’s Understanding of Number (“فهم الطفل للعدد”)، والذي نُشر عبر مطبعة جامعة هارفارد. شكل هذا الكتاب زلزالاً معرفياً في الأوساط السيكولوجية والتربوية، ويُجمع مؤرخو العلوم المعرفية اليوم على أنه المرجع التأسيسي الأبرز الذي دشن الانطلاقة الرسمية لحقل “الإدراك الحسابي التنموي” (Developmental Numerical Cognition)، ونقل النقاش حول ذكاء الأطفال من خانة التخمينات الفلسفية إلى مصاف النمذجة العلمية الدقيقة.

يكمن السر في القوة التأثيرية الطاغية لهذا الكتاب في الدمج الخلاق والفريد بين منهجين بحثيين متكاملين: من جهة، الخبرة الميدانية والتجريبية العميقة لروشيل جيلمان في ابتكار بروتوكولات اختبار الأطفال ودراسة نموهم الإدراكي؛ ومن جهة أخرى، النظرة الرياضية والبيولوجية العصبية الصارمة لتشارلز جاليستل، والمتخصصة في دراسة السلوك الحيواني والآليات الفسيولوجية لمعالجة الزمان والمكان والكم في الجهاز العصبي. نجح المؤلفان في نسج رؤية متكاملة تفسر كيف يلتقي الأساس البيولوجي العصبي مع البنى المعرفية النمائية ليشكلا معاً بنية التفكير الرياضي لدى الجنس البشري.

لقي الكتاب أصداء أكاديمية عالمية مدوية، وحظي بمراجعات نقدية واسعة في كبريات المجلات المحكمة مثل Science وNature ومجلات علم النفس التنموي العالمية. وعلى الرغم من محاولات بعض المحافظين الدفاع عن الإرث البياجي، فإن التماسك النظري للأطروحة وغزارة الأدلة التجريبية التي ضمها الكتاب أجبرت الأوساط العلمية على الاعتراف بأن الأطفال يمتلكون بالفعل “نظرية حسابية ضمنية” تسبق التعليم الرسمي. لقد تحول الكتاب إلى أيقونة كلاسيكية في الأدبيات المعرفية، ومصدر إلهام لأجيال من الباحثين الذين بنوا نماذجهم على المبادئ التي صاغها جيلمان وجاليستل بعناية فائقة.

4.2 تطوير نظرية تمثيل الكمية غير اللفظية

تجاوز التعاون المثمر بين جيلمان وجاليستل حدود التوصيف التجريبي لكيفية عد الأطفال ليشمل التنظير للآليات الذهنية والعصبية التحتية المسؤولة عن معالجة المقادير الكمية قبل ظهور اللغة، وهو ما تبلور في صياغتهما وتطويرهما لـ نموذج المركم التناظري (The Analog Accumulator Model). يفترض هذا النموذج أن الدماغ البشري، وكذا أدمغة العديد من الكائنات الحية الأخرى، مجهز بآلية عصبية تشبه عداداً أو وعاءً داخلياً يتراكم فيه نبضات عصبية تتناسب طردياً مع عدد العناصر أو المقادير المدركة في البيئة، مما يولد تمثيلاً ذهنياً مستمراً للمقادير التناظرية والكميات التقريبية.

أتاح هذا النموذج إجراء مقارنات معرفية ثورية بين آليات الحساب الحيواني والحساب البشري الفطري؛ إذ بين جيلمان وجاليستل أن قدرة الحمام والجرذان والرئيسيات غير البشرية على التمييز بين المجموعات العددية وحساب فترات الوقت ومعدلات المكافأة تعتمد على نفس المنظومة العصبية الحسابية التي يوظفها الرضيع البشري قبل أن يتعلم الكلام. هذا الرابط النشوئي أكد أن الإدراك العددي ليس اختراعاً ثقافياً مصطنعاً أنتجته الحضارة، بل هو تكيف بيولوجي متجذر في التاريخ التطوري للكائنات الحية لمساعدتها على البقاء، وتقدير الموارد، والملاحة في العالم الفيزيائي المعقد.

قدم هذا الطرح تفسيراً عبقرياً لكيفية انتقال الطفل البشري من التقديرات التناظرية التقريبية غير اللفظية إلى الحسابات الرمزية الرقمية الدقيقة. فوفقاً لجيلمان وجاليستل، لا تلغي الرموز اللفظية (مثل الكلمات: “واحد، اثنان، ثلاثة”) النظام التناظري القديم، بل تأتي لتُرسم عليه وتقترن به؛ حيث يتعلم الطفل تدريجياً ربط كل رمز لغوي متمايز بنقطة محددة بدقة على خط المقادير العقلية الداخلي. هذا التكامل بين “النظام العددي التقريبي” (Approximate Number System) و”الرموز المنفصلة” الثقافية يمثل الجسر المعرفي الفريد الذي يتيح للإنسان وحده التحليق في آفاق الرياضيات المجردة والحساب الدقيق المتطور.

4.3 المشاريع البحثية المشتركة والامتدادات النظرية

امتد التعاون العلمي بين روشيل جيلمان وتشارلز جاليستل لعقود طويلة، متوجاً بسلسلة من المشاريع البحثية المشتركة التي تركت بصمات عميقة في حقول معرفية متعددة. انخرط الباحثان في دراسات موسعة حول التعلم الرياضي عبر الأنواع وسياقات التطور النشوئي، حيث تتبعا أوجه الشبه والاختلاف في كيفية معالجة الإشارات الزمنية والمكانية والكمية لدى الحيوانات ولدى الأطفال في مراحل نموهم المختلفة. أظهرت هذه الدراسات أن العقل لا يتعامل مع المكان والزمان والعدد ككيانات معزولة، بل يوظف متريات مترابطة تعتمد على نفس البنى التناظرية التحتية في التمثيل الذهني.

أسس هذا الثنائي الرائد مدرسة معرفية موحدة خرجت العشرات من كبار الباحثين الذين يقودون اليوم مختبرات الإدراك المعرفي في أعرق الجامعات العالمية. وتميزت هذه المدرسة بتبنيها للنظرة التكاملية التي ترفض الفصل التعسفي بين علم النفس التجريبي والبيولوجيا العصبية؛ حيث دأب الباحثان على تشجيع الباحثين الشباب على اختبار الفرضيات السلوكية في ضوء القيود العصبية والحسابية، مما جعل أطروحاتهما حجر زاوية في تأسيس ما يُعرف اليوم بـ “العلوم المعرفية المتكاملة” (Cognitive Sciences).

استمر النقاش المعرفي المشترك بين جيلمان وجاليستل لسنوات في استكشاف قضايا إبستمولوجية بالغة التعقيد، مثل طبيعة “المفاهيم غير القابلة للتعلم” (Unlearnable Concepts)، ومحددات الهندسة الفطرية، وآليات التشفير العصبي للمعلومات الكمية. وقد عكست كتاباتهما المشتركة المتأخرة دفاعاً مستميتاً عن وجود بنية فطرية شديدة التعقيد للعقل البشري، مؤكدين أن محاولات النماذج الحسابية الترابطية الحديثة أو الشبكات العصبية الاصطناعية السطحية لتفسير اكتساب المعرفة دون افتراض مبادئ مسبقة مآلها الفشل، لأن العقل الحيواني والبشري مصمم بيولوجياً ليعمل كـ “جهاز استدلال نظري” يستند إلى قوانين ومبادئ فطرية توجه عملية التعلم الذاتي وتمنحها فاعليتها وقوتها المدهشة.

5. المعرفة الفطرية والنطاقات المعرفية المحددة

5.1 مفهوم المعرفة الخاصة بالمجال (Domain-Specificity)

شكل مفهوم المعرفة الخاصة بالمجال (Domain-Specificity) الركيزة النظرية الأهم في النسق الفكري الشامل الذي بنته روشيل جيلمان، في معارضتها الجذرية لكل من المدرسة السلوكية التجريبية والنماذج البنائية البياجية. في الوقت الذي كانت فيه تلك المدارس التقليدية تفترض أن العقل البشري يعمل عبر منظومة من العمليات الإدراكية العامة (Domain-General Processes)—مثل التداعي العام، وتشكيل العادات، والمنطق الشامل المجرد من المضمون—أكدت جيلمان أن الجهاز المعرفي للإنسان يتألف من آليات متخصصة نوعياً، صُممت كل آلية منها بيولوجياً لمعالجة صنف محدد وخاص من المدخلات البيئية دون غيره.

أوضحت جيلمان أن عقل الطفل ليس وعاءً عاماً غير متباين يستقبل المؤثرات الخارجية بذات الطريقة والآلية، بل يمتلك بنى فكرية أولية مهيأة بيولوجياً لفرز العالم إلى نطاقات معرفية متمايزة جذرياً: فنطاق الكم والعدد يُعالج عبر مبادئ وقواعد رياضية خاصة تختلف تماماً عن القواعد التي تحكم نطاق الكائنات الحية والبيولوجيا، والتي تختلف بدورها عن القواعد الميكانيكية التي تحكم نطاق الجمادات والفيزياء الساذجة. هذا التمايز البنيوي يعني أن الطفل لا يحتاج إلى “إعادة اختراع العجلة” في كل مرة يتعلم فيها مفهوماً جديداً، لأن النطاق المتخصص يزوده بالإطار المعرفي الجاهز لاستيعاب الظاهرة وتفسيرها.

وجهت جيلمان نقداً لاذعاً للنموذج التجريبي السلوكي الذي ينكر التجهيز المسبق للعقل البشري ويعتبره شاشة بيضاء تطبع عليها التجربة المادية بصماتها عبر التكرار والاقتران الشرطي. وجادلت بأن فكرة “اللوح الفارغ” مستحيلة من الناحية الحسابية والمنطقية والبيولوجية؛ فلو كان عقل الرضيع مفتوحاً على كل الاحتمالات دون قيود فطرية توجه انتباهه، لغرق في فيضان لا نهائي من المنبهات الحسية العشوائية التي يستحيل فرزها أو استخلاص المعنى منها. إن المعرفة الخاصة بالمجال هي التي توفر القوالب الانتقائية التي تجعل التجربة الحسية ذات معنى وتتيح حدوث التعلم السريع والموجه.

5.2 دور الميسرات الفطرية (Skeletal Principles)

لشرح الكيفية التي توجه بها المعرفة الفطرية عملية التعلم دون أن تقع في فخ “الحتمية الفطرية المفرطة” التي تلغي دور التجربة، صاغت روشيل جيلمان مفهومها النظري البديع المعروف بـ المبادئ الهيكلية أو الميسرات الفطرية (Skeletal Principles). يُقصد بالمبادئ الهيكلية تلك الأطر المعرفية الأولية وغير المكتملة بيولوجياً، والتي تعمل كقوالب موجهة ووظائف انتباهية متخصصة ومصممة لانتقاء مدخلات حسية معينة وتجاهل أخرى، مما يسهل عملية تراكم المعرفة وتطورها داخل نطاق معرفي محدد.

توضح جيلمان أن هذه المبادئ الفطرية تماثل “الهيكل العظمي” للكائن الحي؛ فهي توفر الدعامة الأساسية والحدود التوجيهية للنمو، ولكنها تتطلب تفاعلاً نشطاً مع البيئة “لكسوة هذا الهيكل باللحم والشحم” عبر الخبرة والتعلم اليومي. على سبيل المثال، يولد الطفل وهو مزود بمبادئ هيكلية خاصة بالعد (مثل مبدأ التقابل الأحادي ومبدأ الترتيب المستقر)، وهذه المبادئ لا تمنحه معرفة جاهزة بأسماء الأرقام في لغة قومه، ولكنها تعمل كعدسة مكبرة تجعل الطفل يلتفت فوراً إلى الممارسات اللغوية والكمية المتعلقة بالعد في محيطه، فيقوم بملء تلك القوالب الفطرية بالأسماء والرموز الثقافية المتداولة حوله.

تؤدي المبادئ الهيكلية وظيفة بالغة الأهمية في تصفية الفوضى البيئية وتنظيمها؛ إذ تحمي الطفل من التشتت في خصائص غير ذات صلة بالمجال المدروس. فعندما يتعامل الطفل مع مجموعة من العناصر بغرض العد، يتدخل المبدأ الهيكلي ليخبره ضمنياً بأن ألوان العناصر، أو أحجامها، أو المادة المصنوعة منها هي خصائص لا قيمة لها في تحديد العدد الإجمالي، وأن المتغير الوحيد ذو الصلة هو “الوجود الفردي كعنصر قابل للعد”. هذا التفاعل التوليدي المستمر بين البنية الفطرية التأسيسية والتعلم المكتسب اللاحق يمثل جوهر نظرية جيلمان، ويقدم حلاً إبستمولوجياً بارعاً للجدل الأزلي بين الفطرة والتربية في علم النفس.

5.3 التناغم مع النماذج الفطرية المعاصرة

شكلت أطروحات روشيل جيلمان حلقة وصل محورية في شبكة النظريات الفطرية والمعرفية التي ازدهرت في الثلث الأخير من القرن العشرين، حيث تقاطعت مقاربتها بشكل لافت مع أفكار كبار المنظرين المعرفيين في ذلك العصر. لقد رسمت جيلمان مساراً موازياً للأطروحات اللغوية لـ نعوم تشومسكي (Noam Chomsky) حول “قواعد اللغة الكلية” و”جهاز اكتساب اللغة” الفطري؛ فكما جادل تشومسكي بأن الأطفال يمتلكون معرفة فطرية بالمبادئ المجردة للتركيب اللغوي تمكنهم من استيعاب لغتهم الأم بسرعة قياسية رغم فقر المدخلات، جادلت جيلمان بأن الأطفال يمتلكون بالمثل جهازاً فطرياً مشابهاً لاكتساب المفاهيم الرياضية والفيزيائية يسبق التعليم المنظم.

كذلك تلاقت رؤى جيلمان بصورة عميقة مع أطروحات فيلسوف العقل جيري فودور (Jerry Fodor) حول نمطية العقل (Modularity of Mind)، وكذا مع أبحاث عالمة النفس المعرفي إليزابيث سبيلكي (Elizabeth Spelke) حول “المعرفة الجوهرية” (Core Knowledge) لدى الرضع. غير أن ميزة جيلمان تجلت في تقديمها لنمطية عقلية مرنة وديناميكية، حيث أكدت أن الوحدات النمطية ليست أنظمة مغلقة كلياً ونهائية كما كان يرى فودور أحياناً، بل هي “مبادئ هيكلية انطلاقية” قابلة للتفاعل البناء والتمدد عبر الثقافة والتعليم، مما يسمح للعقل بالارتقاء من المعرفة الفطرية المتخصصة إلى المعرفة الرمزية التوليدية الإبداعية.

وقفت جيلمان في قلب “الثورة المعرفية” كمدافعة شرسة وتجريبية عن وجود أسس فطرية للإبستمولوجيا الإنسانية، متصدية للنظريات الاختزالية التي حاولت حصر الفكر الإنساني في ارتباطات عصبية سلبية أو خوارزميات تعلم سطحية لا تفترض وجود مفاهيم مسبقة. لقد أكدت أبحاثها أن الطبيعة الإنسانية مصممة بحيث تأتي مزودة بنواة صلبة من الأدوات الإدراكية العقلانية، وأن فهم نمو الطفل وتطوره ليس سوى تفكيك وتتبع للكيفية التي تبني بها العقول الإنسانية صروح حضاراتها وعلومها المتقدمة انطلاقاً من تلك البذور الفطرية الراسخة والفريدة.

6. التمييز بين المعرفة المفهومية والمعرفة الإجرائية في تعلم الرياضيات

6.1 المعرفة المفهومية كقائد للمهارة الإجرائية

قدمت روشيل جيلمان إسهاماً بالغ الأهمية في حقل سيكولوجيا التعليم من خلال تفكيكها للعلاقة الجدلية بين المعرفة المفهومية (Conceptual Knowledge)—التي تشير إلى استيعاب المبادئ والقوانين المجردة الكامنة وراء نظام معين—والمعرفة الإجرائية (Procedural Knowledge)—التي تتعلق بتنفيذ الخطوات والتقنيات العملية لحل المسائل وتطبيق الخوارزميات الحسابية. وخلافاً للمنظور التربوي التقليدي الذي طالما افترض أن المهارة الإجرائية والحفظ الآلي هما المدخل الإلزامي لاكتساب الفهم المجرد، أثبتت جيلمان في أبحاثها أن “الاستيعاب المفهومي يسبق في كثير من الأحيان الدقة الإجرائية” ويقودها بصورة ضمنية لدى الأطفال الصغار.

أخضعت جيلمان أخطاء الأطفال الحسابية لتحليل معرفي عميق، مبرهنة أن العديد من تلك الأخطاء لا تنبع من الجهل أو العشوائية أو القصور العقلي، بل تمثل “محاولات عقلانية هادفة” يقوم بها الطفل في ضوء المبادئ المفهومية التي يمتلكها. فعندما يحاول طفل عد مجموعة من الأشياء ويواجه صعوبة في التنسيق الحركي الدقيق أو تلتبس عليه متتالية الأرقام، فإنه يبذل جهداً لافتاً للمحافظة على “المعنى الجوهري للعد” (مثل ضمان الإشارة إلى كل الأشياء أو تفادي تكرار نفس العنصر)، مما يثبت أن البنية المفهومية للمهمة حاضرة في ذهنه وتوجه محاولاته وتملي عليه خطواته حتى وإن تعثر في الإخراج الإجرائي الحركي أو اللفظي السليم.

قاد هذا الطرح إلى تفكيك جذري لوهم التعلم الآلي القائم على الحفظ والتكرار السطحي (Rote Learning) المجرد من السند الإدراكي. حذرت جيلمان من خطورة المناهج التربوية التي تركز على حشو أذهان الصغار بالقواعد الإجرائية الجافة دون ربطها بنواة الفهم المفهومي الفطري المستقر في عقولهم؛ إذ رأت أن التعليم الذي يفصل الإجراء عن المفهوم يولد معرفة هشة وسريعة الزوال، عاجزة عن الصمود أمام التحديات الرياضية المعقدة، ومجردة من القدرة على النقل المعرفي المبدع إلى سياقات وسيناريوهات جديدة ومغايرة.

6.2 عقبات الانتقال إلى الأعداد العقلانية والكسور

على الرغم من حماس جيلمان لإبراز الكفاءات الفطرية المبكرة للطفل في مجال الأعداد الصحيحة، إلا أنها كانت من أوائل الباحثين الذين فسروا بدقة بالغة وبمنظور معرفي رصين أسباب التعثر الحاد والفشل الدراسي الواسع الذي يواجهه ملايين الطلاب عبر العالم عند الانتقال من دراسة الأعداد الصحيحة الطبيعية (Counting/Whole Numbers) إلى الأعداد النسبية أو العقلانية والكسور (Rational Numbers and Fractions). شكلت هذه المسألة محوراً رئيسياً لأبحاثها في الثمانينيات والتسعينيات، وقادتها إلى صياغة نظرية معرفية تشرح الحدود المعرفية للمبادئ الفطرية التأسيسية.

صاغت جيلمان في هذا السياق مفهوم الانحياز للعدد الصحيح (Whole Number Bias)، موضحة أن المبادئ الهيكلية الفطرية التي تيسر للأطفال استيعاب الأعداد الطبيعية منذ المهد (مثل فكرة أن كل رقم يليه رقم محدد مباشرة، وأن العد عملية قفزية منفصلة 1، 2، 3…) تتحول لاحقاً إلى “عائق معرفي إبستمولوجي” يعترض طريق استيعاب الأعداد العقلانية. فالأعداد النسبية لا تعمل وفق مبادئ العد المنفصل؛ إذ لا يوجد رقم يأتي “مباشرة” بعد الكسر (1/2)، بل هناك عدد لانهائي من الكسور بين أي رقمين، كما أن عملية الضرب في الكسور قد تؤدي إلى تصغير القيمة بدلاً من تكبيرها، وهي مفاهيم تناقض بشكل جذري البديهيات الفطرية التي تشكلت في عقل الطفل عبر سنوات التعامل مع الأعداد الطبيعية الصحيحة.

أكدت جيلمان أن استيعاب الكسور والأعداد الحقيقية يتطلب ما أسمته بـ “التغير المفهومي الجذري” (Radical Conceptual Change)، وهو عملية إعادة هيكلة عميقة وشاملة للنظام المعرفي للطفل، لا مجرد إضافة معلومات تكميلية جديدة إلى مخزونه السابق. واقترحت استراتيجيات تدخل تربوي ومعرفي دقيقة لتسهيل هذا الانتقال الحرج، تعتمد على تفكيك التناقضات بين النطاقين بوضوح في ذهن المتعلم، وتوظيف النماذج القياسية المستمرة (كخطوط الأعداد والمقادير المكانية المستمرة) لمساعدة العقل على التحرر من أسر التفكير القائم على الوحدات المنفصلة فقط والانفتاح على المنطق الرياضي النسبي المعقد.

6.3 التطبيقات التربوية في الفصول الدراسية

تركت أبحاث روشيل جيلمان بصمات راسخة ومؤثرة في إصلاح مناهج تعليم الرياضيات والعلوم في مرحلة الطفولة المبكرة ورياض الأطفال في الولايات المتحدة والعالم. نادت جيلمان بضرورة التوقف عن تدريس الرياضيات كنسق تجريدي معزول عن المنطق الإنساني الطبيعي، وطالبت ببناء مناهج استكشافية متقدمة تستثمر وتوظف “الكفاءات الحدسية الفطرية” التي يأتي بها الطفل إلى المدرسة، بدلاً من التعامل معه وكأنه كائن يفتقر إلى البنى الفكرية المنطقية في سنواته الأولى.

ساهمت أطروحاتها في تحويل برامج تدريب وتأهيل المعلمين في مرحلة الطفولة؛ حيث دعت إلى تزويد المربين بوعي معرفي وسيكولوجي متقدم يمكنهم من “قراءة وتحليل استجابات الأطفال الحسابية” والكشف عن المعاني العميقة الكامنة وراءها. فبدلاً من أن يقتصر دور المعلم على وضع علامة “صح” أو “خطأ” على ورقة التلميذ، حثت جيلمان المعلمين على البحث عن المبادئ المفهومية التي وجهت خطأ الطفل، ومحاورته لاستكشاف منطق تفكيره الداخلي، وهو ما أحدث نقلة نوعية في تقنيات “التقويم التكويني” (Formative Assessment) في صفوف رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية الدنيا.

كما رعت جيلمان مشاريع رائدة لتصميم بيئات تعلم تفاعلية ونشطة تعزز الاستدلال المنطقي والاستكشاف الذاتي للكميات والمقادير الفيزيائية. وشددت على أهمية إشراك الأطفال في حل مسائل ومواقف واقعية تتطلب قياساً ومقارنة وعداً عملياً ضمن سياقات ذات معنى اجتماعي وتطبيقي، مؤكدة أن الفصل الدراسي يجب أن يكون بمثابة “مختبر معرفي” يتيح لعقل الطفل ممارسة فضوله الطبيعي، واختبار فرضياته الحسابية الخاصة، وبناء جسور متينة تربط بين حدوسه الفطرية الأولية وبين المفاهيم والرموز الرياضية المعيارية المعقدة للثقافة الإنسانية.

7. التمايز بين الجماد والأحياء في التفكير الطفولي

7.1 الاستدلال السببي والأنطولوجيا المبكرة

لم تحصر روشيل جيلمان مشروعها المعرفي في حدود الإدراك الحسابي والعددي، بل وسعت أفق أبحاثها بشكل مذهل لتشمل سبر الأنطولوجيا المبكرة لعقل الطفل، وكيفية تصنيفه للأثاث الوجودي للعالم. كان السؤال المركزي الذي قاد تحقيقاتها هو: كيف ومتى ينجح الأطفال الصغار في التمييز بين الجمادات (Inanimate Objects) والكائنات الحية (Animate Beings)؟ وخلافاً لنظرية بياجيه التي ادعت أن أطفال ما قبل المدرسة واقعون تحت وطأة “الإحيائية الساذجة” (Animism)—بمعنى أنهم يخلعون الحياة والوعي على الشمس والرياح والسيارات والدراجات—أثبتت جيلمان أن الأطفال يمتلكون تمايزاً أنطولوجياً حاسماً ودقيقاً للغاية في سن مبكرة جداً.

كشفت جيلمان في دراساتها أن المعيار المعرفي الجوهري الذي يستند إليه الأطفال الصغار لإجراء هذا التمييز الأنطولوجي الصارم هو الاستدلال السببي الحركي، وتحديداً مبدأ الحركة الذاتية (Self-Propelled Motion) مقابل الحركة الناتجة عن مؤثر فيزيائي خارجي. أظهرت التجارب أن الأطفال في سن الثالثة يدركون جيداً أن الكائن الحي (كالكلب أو الإنسان أو الطائر) يتحرك من تلقاء نفسه بفعل طاقة وقوة داخلية لا تتطلب تلامساً مادياً مباشراً مع جسم آخر، في حين أن الجمادات والآلات الميكانيكية (كالصناديق أو السيارات أو الدمى البلاستيكية) لا يمكنها التحرك إلا إذا دُفعت، أو سُحبت، أو أثرت عليها قوة فيزيائية خارجية واضحة وملموسة.

أوضحت جيلمان أن هذا التمييز لا يعتمد على الخصائص البصرية السطحية للكائن، بل يستند إلى “تحليل سببي معمق” لقوانين الحركة ومصادر الطاقة. فعندما عُرض على الأطفال مجسمات تشبه الكائنات الحية شكلياً (مثل روبوتات ميكانيكية متقنة)، استطاع الأطفال بعد مراقبة نمط حركتها وملاحظة غياب الاستقلالية الذاتية التامة أن ينسبوها إلى عالم الجمادات والأشياء المصنوعة، مما أكد أن الملاحظة السببية العميقة هي المحرك الأساسي الذي يوجه الطفل في بناء تصنيفاته البيولوجية والطبيعية للعالم المحيط به بدقة تنفي عنه تهمة الخلط الإحيائي العشوائي التي ألصقت به لعقود.

7.2 الجوهرية النفسية ونظرية الماهية الداخلية

عمقت جيلمان أبحاثها في التمايز بين الأحياء والجماد عبر ارتياد حقل ما يُعرف اليوم بـ الجوهرية النفسية (Psychological Essentialism)، بالتعاون مع كوكبة من زملائها وطلابها. انطلقت جيلمان من ملاحظة بالغة الذكاء تفيد بأن الأطفال الصغار يفترضون غريزياً أن الكائنات الحية تمتلك “ماهية أو مادة داخلية” خفية (An Inside Nature) هي المسؤولة الحقيقية عن هويتها البيولوجية، وخصائصها الوظيفية، ونمط سلوكها الخارجي، وأن هذه الماهية تختلف نوعياً عن الأجزاء التركيبية الداخلية للجمادات والآلات الميكانيكية المصنوعة.

أثبتت دراسات جيلمان التجريبية حول “ما بداخل الأشياء” (Insides vs. Outsides) أن أطفال سن الثالثة والرابعة يعتقدون بقوة أن الكلب يحتوي من الداخل على دماء وعظام ولحم وأعضاء حيوية، بينما تحتوي الآلة على تروس وبطاريات وأسلاك أو تكون مجوفة من الداخل، وأن مجرد تغيير المظهر الخارجي للكائن الحي (كالطلاء، أو ارتداء قناع تنكري، أو إضافة أطراف اصطناعية) لا يغير من حقيقته البيولوجية الباطنية شيئاً. هذا الاستدلال أرسى دعائم ما بات يُعرف في علم النفس المعرفي بـ البيولوجيا الساذجة (Naive Biology)، كإطار معرفي ومجال مستقل بذاته في عقل الطفل، ينفصل تماماً عن قواعد الفيزياء الساذجة (Naive Physics) التي تحكم الأجسام المادية غير الحية.

وظفت جيلمان تجارب الخداع البصري والألعاب المتطورة لرصد كيف يقاوم عقل الطفل التفسيرات التضليلية. فعندما قدمت للأطفال حرباء تغير لونها لتتطابق مع ورقة شجرة خضراء، ظل الأطفال مصرين على أنها حيوان وليست جزءاً من الشجرة، واستدلوا على ذلك بوجود الخصائص الحيوية الباطنية وقدرتها على التنفس والتغذية والحركة التلقائية المستقلة. برهنت هذه التجارب على أن التفكير الطفولي ليس سطحياً أو أسيراً للمظاهر الحسية الفورية كما زعمت الاتجاهات التقليدية، بل هو تفكير “جوهري” يغوص خلف السطح ليبحث عن الطبائع الباطنة والعلل العميقة التي تجعل الكائن الحي حياً والجماد جماداً.

7.3 تطور النماذج التفسيرية للظواهر الطبيعية

قدمت أبحاث روشيل جيلمان حول التمايز بين الجمادات والأحياء خريطة نظرية وتجريبية متكاملة تتبع كيفية انتقال وتطور الفكر الطفولي من التفسيرات الغائية الساذجة إلى بناء نماذج سببية علمية ناضجة لتفسير الظواهر الطبيعية. رصدت جيلمان أن الأطفال الصغار يمتلكون ميلاً طبيعياً للبحث عن “الأسباب والمقاصد” (Why Questions)، ولكن هذا الميل يتمايز بدقة حسب طبيعة النطاق المعرفي؛ فالطفل قد يقبل بتفسير غائي للأدوات المصنوعة (مثل: “صُنعت السكين لتقطيع الخبز”)، في حين يطور تدريجياً تفسيرات بيولوجية وظيفية للكائنات الحية (مثل: “تمتلك الطيور أجنحة لتطير بها وتبحث عن طعامها”).

أكدت جيلمان أن هذه المفاهيم الفطرية المؤسسة للجماد والحي تلعب دوراً جوهرياً وحاسماً في تشكيل قدرة الطلاب لاحقاً على استيعاب المفاهيم البيئية المتطورة ونظريات التطور البيولوجي في التعليم المدرسي والجامعي. فالطالب الذي لم يطور فهماً مفهومياً متماسكاً للتمايز بين السببية الميكانيكية والسببية البيولوجية الحيوية سيجد صعوبة بالغة في إدراك آليات الانتقاء الطبيعي، أو التمييز بين التكيف البيولوجي والتعديل الاصطناعي للمادة، مما يجعل من دراسات الطفولة المبكرة أساساً إبستمولوجياً لفهم مسار تدريس العلوم الحديثة بأكمله.

أسهمت هذه الدراسات والتحقيقات العميقة في رسم خريطة شاملة لبنية الأنطولوجيا التنموية لدى الإنسان، مؤكدة أن عقل الطفل لا يبدأ من فوضى إدراكية غير متمايزة يختلط فيها الحابل بالنابل، بل ينطلق من تصنيفات أنطولوجية أولية فائقة التنظيم تحافظ على الحدود الصارمة بين عالم المادة وعالم الحياة وعالم الوعي. لقد برهنت جيلمان على أن التطور الفكري للإنسان هو مسار منظم لإعادة صقل وضبط وتوسيع هذه الفئات الأنطولوجية التأسيسية، مما وضع علم النفس النمائي في قلب النقاشات الفلسفية المعاصرة حول طبيعة الوجود والوعي وتصنيف الكيانات في الكون.

8. الإسهامات المنهجية والتجريبية في أبحاث نمو الطفل

8.1 ابتكار تقنيات تجريبية غير تقليدية

لم تكن الثورة المعرفية التي قادتها روشيل جيلمان لتتحقق لولا براعتها الاستثنائية في ابتكار وتصميم تقنيات تجريبية غير تقليدية فتحت نوافذ غير مسبوقة على عقول الرضع وصغار الأطفال. أدركت جيلمان منذ مستهل مسيرتها أن المعضلة الكبرى التي واجهت علماء النفس السابقين، وفي مقدمتهم بياجيه، تمثلت في الاعتماد شبه المطلق على المهام اللفظية المركبة والمقابلات السريرية التي تفرض عبئاً لغوياً هائلاً (High Verbal Demands) على أطفال لم تكتمل بعد قدرتهم على التعبير والترميز النحوي، مما قاد حتماً إلى التقليل الكارثي من شأن قدراتهم الذهنية الحقيقية وبخس ذكائهم المنطقي حقه.

لتجاوز هذا المأزق، صممت جيلمان بروتوكولات تفاعلية غير لفظية (Non-Verbal Tasks) تمتاز بذكاء إجرائي فائق؛ فبدلاً من توجيه أسئلة معقدة للطفل مثل: “هل تعتقد أن عدد العناصر هنا مساوٍ لعددها هناك بعد التحويل؟”، اعتمدت جيلمان على رصد سلوكيات إشارية وتصرفات عفوية مشحونة بالدلالة المعرفية، كالبحث اليدوي، وزمن التحديق البصري (Looking Time)، ومظاهر الاندهاش والمفاجأة وتعديل زوايا النظر عند حدوث خرق للقوانين الفيزيائية أو العددية في بيئة التجربة. هذه الاستراتيجية أتاحت تجريد المهمة من أي تشويش لغوي عارض وسمحت باستنطاق الكفاءة المفاهيمية النقية الكامنة في أعماق العقل الطفولي.

كان لابتكارها لـ “مهمة الدمى السحرية” الفضل في تدشين حقبة جديدة في علم النفس التجريبي؛ حيث استخدمت هذه التقنية لعزل وضبط المتغيرات الإدراكية بدقة ميكرومترية دون إشعار الطفل بأنه يخضع لاختبار صارم. جعلت التجربة تبدو كـ “لعبة شيقة”، مما قلل من مستويات القلق والتوتر لدى المفحوصين الصغار، وضمن تحفيز انتباههم التلقائي وتوظيف طاقتهم المعرفية القصوى. وتعتبر بروتوكولات جيلمان اليوم المعيار الذهبي المعتمد عالمياً في تصميم تجارب التفضيل البصري، وزمن رد الفعل، وملاحظة السلوك لدى الأطفال الرضع وأطفال مرحلة ما قبل المدرسة في كافة مختبرات العلوم المعرفية العالمية المرموقة.

8.2 الجمع بين الملاحظة الطبيعية والدقة المعملية

تميزت المنهجية البحثية لروشيل جيلمان بقدرة فريدة على الموازنة الحذرة والصارمة بين طرفي النقيض في البحث السيكولوجي: “الصدق البيئي” (Ecological Validity) الذي يضمن دراسة الظاهرة كما تحدث في سياقها الحياتي الطبيعي، و”الضبط المعملي الدقيق” (Experimental Rigor) الذي يعزل المتغيرات الدخيلة ويحدد العلاقات السببية بدقة مطلقة. رفضت جيلمان الانغلاق داخل المختبرات الاصطناعية المعزولة تماماً عن واقع الطفل، كما رفضت في الوقت عينه الاكتفاء بالملاحظات الوصفية الانطباعية التي تفتقر إلى القياس الإحصائي والتحكم التجريبي.

تجسد هذا التكامل المنهجي في دراساتها الرائدة التي وثقت وحللت تسجيلات الحوارات العائلية العفوية بين الأطفال وآبائهم وأمهاتهم أثناء اللعب المنزلي، أو عند زيارة المتاحف والحدائق العامة. قامت جيلمان بترميز هذه التفاعلات الطبيعية وفق أطر رياضية وإحصائية دقيقة، متتبعة ورود المفاهيم العلمية، والمفردات العددية، والاستفسارات السببية في سياقاتها التلقائية الحقيقية، ثم عمدت بعد ذلك إلى نقل تلك الفرضيات المستخلصة من بيئة الحياة اليومية إلى مختبرها لبرمجتها واختبارها عبر تصاميم تجريبية محكمة تثبت أثرها وتفسر آلياتها الذهنية العميقة.

وعلى الصعيد الأخلاقي والمنهجي، أرست جيلمان بروتوكولات صارمة للتعامل مع الأطفال في الأبحاث السيكولوجية، مشددة على ضرورة احترام الفروق الفردية والتباينات الثقافية والاجتماعية بين المفحوصين. ودعت دوماً إلى تجنب وضع الطفل في بيئات اختبارية مرهقة أو عدائية تثير خجله أو إحباطه، مؤكدة أن الحصول على بيانات علمية صادقة وموثوقة يتطلب جعل بيئة البحث بيئة دافئة ومحفزة ترحب بالطفل وتتعامل معه كشريك نشط وذكي في عملية الكشف العلمي، لا كموضوع سلبي للملاحظة الآلية المجردة.

8.3 معايير تفسير البيانات في علم النفس التنموي

وضعت روشيل جيلمان أطراً إبستمولوجية ومعايير قياس بالغة الرصانة لتفسير البيانات المستخلصة من تجارب الأطفال، محذرة المجتمع العلمي من الوقوع في فخ خطأين فادحين طالما شوها أبحاث النمو: خطأ “البخس الإدراكي” (Under-attribution of Competence) من جهة، وهو ما وقع فيه بياجيه بافتراضه غياب المنطق عند أول تعثر لفظي؛ وخطأ “الإفراط في عزو الكفاءة” (Over-attribution of Competence) من جهة أخرى، وهو ما قد يقع فيه بعض الباحثين الفطريين المتحمسين عبر تفسير كل حركة رمش أو تحديق بصري عابر باعتباره دليلاً قاطعاً على وجود تفكير حسابي أو فلسفي ناضج ومعقد.

شددت جيلمان على أن عزو مفهوم مجرد إلى الطفل يتطلب دليلاً تضافرياً يثبت أن استجابة الطفل ليست رد فعل حسي منعكس أو تكيّفاً سطحياً مع معطيات مادية عارضة، بل هي استجابة موجهة بقاعدة عقلية مستقرة وقابلة للتعميم على سياقات متعددة. ولهذا السبب، كانت جيلمان تحرص في أبحاثها على تضمين مهام مراقبة (Control Tasks) متعددة ومتباينة تعزل الخصائص السطحية كالمساحة والكثافة واللون والشكل، لضمان أن المتغير الوحيد الذي يفسر سلوك الطفل وقراره هو المتغير المفهومي المستهدف، كالقيمة العددية أو الماهية البيولوجية.

أكدت جيلمان على الأهمية الحاسمة لـ تكرار النتائج عبر مجموعات وثقافات متباينة (Replication across Diverse Cohorts) لتأكيد الطابع الكلي والعمومي للآليات المعرفية المستكشفة. ومثلت كتاباتها المنهجية دروساً بليغة في التواضع الإبستمولوجي والصرامة التجريبية، ووجهت ضربات قاصمة للكسل النظري والتعميمات المتسرعة في حقل دراسات الرضع؛ مما جعل من دراساتها نماذج علمية مرجعية لا تزال تدرس في برامج الدكتوراه كأمثلة ساطعة على كيفية بناء البراهين التجريبية الدامغة في علوم الإدراك الإنساني.

9. التعلم الإدراكي والتغير المفهومي في العلوم والرياضيات

9.1 طبيعة التغير المفهومي (Conceptual Change)

يُعد التنظير لـ التغير المفهومي (Conceptual Change) واحداً من أخصب المجالات التي خاضت فيها روشيل جيلمان في النصف الثاني من مسيرتها البحثية، حيث ارتبطت أطروحاتها ارتباطاً وثيقاً بجهود فلاسفة العلوم مثل توماس كون (Thomas Kuhn) ونظرته للثورات العلمية والتحولات البرادغماتية. ميزت جيلمان ببراعة بين نوعين متمايزين جذرياً من عمليات التعلم: اكتساب المعلومات الإضافية التراكمية (Belief Enrichment)، وهو نمط يسير من التعلم يُضاف فيه محتوى جديد إلى البنية المعرفية القائمة دون تعديل جوهرها؛ والتغير المفهومي الجذري (Radical Conceptual Restructuring)، والذي يقتضي هدم وتفكيك وتعديل البنى المعرفية والأنطولوجية التأسيسية التي يمتلكها العقل البشري.

أوضحت جيلمان أن المفاهيم الفطرية الساذجة والمبادئ الهيكلية المبكرة، على الرغم من كونها تمثل المهد الذي تنبثق منه كل معارفنا، تبدي في كثير من الأحيان مقاومة صلبة ومستمرة للتعديل والتغيير بالتعليم المدرسي الرسمي. فعلى سبيل المثال، يميل التفكير الفطري إلى تصور المادة باعتبارها كلاً مصمتاً ومستمراً استناداً لخبرتنا الحسية المباشرة، وحين يدخل التلميذ الفصل الدراسي ويُطلب منه استيعاب النظرية الذرية وحقيقة أن المادة تتألف من فراغات هائلة وجسيمات دون ذرية متناهية الصغر وفي حركة دائمة، فإن هذا المفهوم العلمي المجرد يصطدم اصطداماً عنيفاً بالبديهيات الفطرية الصلبة الراسخة في دماغه منذ الطفولة.

طورت جيلمان نماذج نظرية تفسر الكيفية التي يمكن بها التوفيق والردم الواعي بين المعرفة البديهية الساذجة وبين المعرفة العلمية المجردة والمؤسسية المعقدة. وأكدت أن تجاهل المناهج التعليمية لوجود تلك النظريات الفطرية الساذجة في عقول الطلاب لا يؤدي إلى محوها أو استبدالها بالعلم الحقيقي، بل ينتج عنه عقول “مزدوجة المعرفة”، حيث يحفظ الطالب النظريات العلمية المعقدة لاجتياز الامتحانات الرسمية، بينما يظل في حياته اليومية وقراراته الواقعية محكوماً ببديهياته الساذجة وفطرته الأولى غير المعدلة، ما لم يتم إحداث تغير مفهومي حقيقي يعيد صياغة الإطار الأنطولوجي للمعرفة من جذوره.

9.2 مشروع دراسة تعلم مفاهيم العلوم في الطفولة المبكرة

ترجمةً لرؤيتها حول التغير المفهومي والتعليم المبكر، أطلقت روشيل جيلمان مشروعاً بحثياً وتطبيقياً واسع النطاق استهدف استكشاف وتطوير طرائق مبتكرة لـ تعليم مفاهيم العلوم في مرحلة رياض الأطفال والصفوف الابتدائية الأولى (Preschool Pathways to Science – PrePS). انطلق هذا المشروع من فرضية ثورية مفادها أن الأطفال في سن الثالثة والرابعة لا يمتلكون فقط الجاهزية لدراسة الأعداد والحساب، بل يمتلكون أيضاً شغفاً عارماً واستعداداً إدراكياً عميقاً لمقاربة واستكشاف الظواهر الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية إذا قُدمت لهم بما يتوافق مع بنى تفكيرهم السببي الطبيعي.

ركز برنامج PrePS على توظيف الفضول المعرفي الفطري لدى الصغار لبناء استيعاب أولي لقوانين المادة، والكتلة، وحالات التحول الفيزيائي، والحرارة، والطاقة. وعبر أنشطة تفاعلية مدعومة ومصممة بعناية فائقة، تم تدريب الأطفال على ملاحظة التغيرات الفيزيائية (كالذوبان، والتجمد، والانغمار والطفو)، وممارسة مهارات التنبؤ العلمي، وتسجيل المشاهدات ومقارنتها بالفرضيات الأولية. برهنت جيلمان وفريقها على أن هؤلاء الأطفال الصغار قادرون على بناء نماذج تفسيرية متماسكة تتجاوز المظهر الحسي السطحي لتبلغ أعماق المنطق العلمي الأولي إذا توفرت لهم البيئة التعليمية الحاضنة.

ولم تكتفِ جيلمان بأسوار المدارس، بل امتد نشاطها إلى الحقل العام والتعلم غير النظامي عبر تطوير أدوات تفاعلية ومعارض استكشافية في المتاحف والمراكز العلمية للأطفال. وسعت إلى تحويل الزيارات الترفيهية لتلك المتاحف إلى خبرات معرفية حقيقية تُحفز التفكير السببي عبر وضع تحديات تشجع الأطفال وآباءهم على خوض حوارات تفكيكية حول بنية الظواهر الطبيعية، مما ساهم في جسر الهوة بين الثقافة العلمية المجردة والوعي المجتمعي العام، وكرس مكانتها كرائدة من رواد تبسيط وتطوير تعليم العلوم في العالم.

9.3 تطوير نظرية شاملة لنقل المعرفة (Transfer of Knowledge)

تُعد معضلة نقل المعرفة (Transfer of Knowledge)—أي قدرة المتعلم على تطبيق مبدأ أو مفهوم تم اكتسابه في سياق محدد على سياقات بنيوية جديدة ومتباينة كلياً في مظهرها الخارجي—واحدة من أعقد القضايا في علم النفس المعرفي والتربوي. خاضت روشيل جيلمان غمار هذا التحدي، مؤكدة أن الفشل المتكرر للطلاب في نقل المعرفة لا يعود إلى نقص الذكاء، بل يرجع إلى وقوعهم في فخاخ “التشابه السطحي المضلل” (Surface Similarity Traps)، حيث يرتبط المفهوم في أذهانهم بأمثلة حسية معينة يعجزون عن التحرر منها لرؤية البنية العميقة المشتركة بين المسائل المختلفة.

صاغت جيلمان إطاراً نظرياً يحدد الشروط الإدراكية اللازمة لتحقيق تعميم معرفي ناجح وفعال. وجادلت بأن النقل المعرفي الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا دُرّس المبدأ بوصفه “بنية مفهومية مجردة خاصة بمجال” (Abstract Domain-Specific Structure) متحررة من الارتهان للأمثلة الجزئية المباشرة. فعندما يستوعب الطفل مبدأ “النسبة والتناسب” أو “الحفظ العددي” من خلال مبادئه المفهومية الكامنة، يصبح قادراً على توظيفه بسلاسة سواء كان يتعامل مع توزيع قطع الحلوى، أو خلط الألوان، أو مقارنة مسافات الجري، أو حساب الكثافة السكانية في الجغرافيا.

أدى هذا الإطار التنموي إلى بناء نموذج متكامل يسعى لردم الفجوة التاريخية المزمنة بين البحث الأكاديمي النظري والتطبيق الميداني في السياسات التعليمية. وأكدت جيلمان في خلاصة أبحاثها حول هذا الموضوع أن المعرفة الحقيقية ليست أرشيفاً للمعلومات الصامتة المكدسة، بل هي أداة ديناميكية مرنة قادرة على التمدد والتحول والتكيف مع متطلبات العالم الواقعي، وأن واجب المربي والباحث المعرفي يتجسد في تمكين المتعلم من بناء تلك الروابط البنيوية العميقة التي تمنح المعرفة قوتها التوليدية والتحويلية المستدامة.

10. المناصب الأكاديمية والتأثير المؤسسي في الجامعات الأمريكية

10.1 المسيرة التدريسية والبحثية في جامعة بنسلفانيا

شهدت المسيرة الأكاديمية لروشيل جيلمان محطات مفصلية رسخت مكانتها كقائدة علمية من الطراز الرفيع، وكان من أبرزها انضمامها إلى الهيئة التدريسية المرموقة في قسم علم النفس بـ جامعة بنسلفانيا (UPenn)، حيث قضت أكثر من عقدين من العطاء الأكاديمي الخلاق والبحثي المكثف. ترقت جيلمان في الرتب الجامعية لتنال درجة الأستاذية الكاملة وكرسي الأستاذية المتميز، وأسهمت بصورة جوهرية في جعل جامعة بنسلفانيا واحدة من القلاع العالمية الأولى في أبحاث الإدراك النمائي وعلم النفس التجريبي في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين.

أسست جيلمان في بنسلفانيا مختبرات متطورة للإدراك النمائي، جهزتها بأحدث التقنيات البصرية والصوتية لرصد سلوك الأطفال وتحليل استجاباتهم بدقة متناهية. ولم تقتصر مساهمتها على أبحاثها الفردية، بل برزت كمرشدة أكاديمية استثنائية أشرفت على أطروحات جيل كامل من الباحثين والعلماء اللامعين الذين قادوا لاحقاً ثورات علمية في مجالاتهم الخاصة وغدوا أساتذة في أعرق الجامعات؛ مثل إلين ماركمان (Ellen Markman)، وتيري كيت-فليتشر، وغيرهم ممن واصلوا البناء على أفكارها وتوسيع آفاقها النظرية والتجريبية في مختلف فروع العلوم السلوكية.

قادت جيلمان في جامعة بنسلفانيا مبادرات بينية رائدة تجاوزت الحواجز التقليدية بين الأقسام العلمية؛ حيث نسجت شراكات استراتيجية عميقة ومستدامة بين قسم علم النفس، وقسم اللسانيات الذي كان يزخر بطلاب تشومسكي ورواد اللغويات الحاسوبية، وقسم علوم الحاسوب، وبرامج العلوم العصبية الناشئة في تلك الحقبة. هذا الانفتاح المنهجي الخلاق حول مختبرها إلى ملتقى فكري يجمع الفلاسفة، وعلماء الرياضيات، وخبراء الذكاء الاصطناعي، وعلماء الأحياء في حوار معرفي مستمر صهر النظريات وولد رؤى غير مسبوقة حول طبيعة العقل والتعلم الإنساني.

10.2 العمل الأكاديمي في جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس (UCLA)

في أواخر الثمانينيات، عادت روشيل جيلمان إلى مؤسستها الأم، جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، كأستاذة متميزة في قسم علم النفس. مثلت هذه العودة تتويجاً لمسيرتها وإغناءً كبيراً للصرح الأكاديمي الذي انطلقت منه طالبة دكتوراه واعدة لتجالسه هذه المرة كعالمة دولية يشار إليها بالبنان ويستند إلى نظرياتها آلاف الباحثين عبر أصقاع المعمورة.

تولت جيلمان في UCLA قيادة مبادرات كبرى في بحوث تنمية التفكير الرياضي وبرامج التعليم المبكر للطفولة، وأطلقت دراسات مقارنة موسعة استهدفت فئات متنوعة من الأطفال، بما في ذلك دراسة استيعاب الأطفال من خلفيات اجتماعية واقتصادية وثقافية متباينة للأعداد والمفاهيم العلمية. نجحت عبر هذه المبادرات في استقطاب تمويلات بحثية فدرالية ضخمة من المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF) والمعاهد الوطنية للصحة (NIH)، مما عزز البنية التحتية للأبحاث التنموية في الساحل الغربي للولايات المتحدة وجعل من مختبرها وجهة للباحثين الزائرين من كل قارات العالم.

أثرت جيلمان بشكل حاسم في تطوير برامج الدراسات العليا في UCLA؛ حيث قادت مراجعة شاملة للمناهج التدريسية وتحديثها بما يتواكب مع معطيات الثورة المعرفية ونماذج النمذجة الحاسوبية الحديثة. وغرست في أجيال من طلاب الدراسات العليا تقديراً عميقاً للصرامة التجريبية وضرورة ربط النماذج الإدراكية بالأسس البيولوجية والتطورية للإنسان، تاركة إرثاً أكاديمياً وتربوياً لا يزال صداه يتردد في البرامج العلمية والمقررات الدراسية للجامعة حتى اللحظة الراهنة.

10.3 القيادة في مركز روتجرز للعلوم المعرفية (RuCCS)

في عام 2000، بدأت روشيل جيلمان فصلاً جديداً ومثمراً في مسيرتها الأكاديمية بانتقالها إلى جامعة روتجرز (Rutgers University) بولاية نيوجيرسي، لتتولى منصب أستاذة كرسي متميزة في قسم علم النفس ومديرة مشاركة لـ مركز روتجرز للعلوم المعرفية (Rutgers Center for Cognitive Science – RuCCS). يُعد مركز روتجرز واحداً من أرقى وأشرس معاقل العلوم المعرفية في العالم، حيث ضم نخبة من ألمع المفكرين مثل جيري فودور، وزينون بيليشين، وتشارلز جاليستل، وإرنست ليبور.

لعبت جيلمان دوراً قيادياً واستراتيجياً في توجيه دفة المركز نحو تعزيز البحوث المتقدمة متعددة التخصصات (Interdisciplinary Research)، ودمج دراسات التطور الإدراكي للطفل مع أبحاث الروبوتات والذكاء الاصطناعي، واللغويات الرياضية، وفلسفة الإدراك، والتصوير العصبي الوظيفي. رأت جيلمان أن التحدي الأكبر للعلوم المعرفية في مطلع الألفية يكمن في فك شفرة “كيف يتعلم الدماغ مفاهيم مجردة من بيئة حسية صاخبة”، وهو ما جعلها تستنفر كل الموارد المتاحة لبناء بيئة بحثية رائدة تتكامل فيها النظريات العصبية مع التحقيقات السيكولوجية الدقيقة.

تحت إدارتها وقيادتها العلمية الحكيمة، حافظ مركز RuCCS على موقعه الريادي كواحد من أكثر المراكز البحثية استقطاباً للمنح والجوائز والمواهب الأكاديمية الشابة في الولايات المتحدة والعالم. واصلت جيلمان في روتجرز أبحاثها النشطة، ونشرت دراسات مفصلية حول المعرفة البيولوجية والعددية، وأشرفت على مؤتمرات وندوات دولية كبرى، مما عزز مكانة روتجرز كوجهة عالمية أولى لكل من يسعى لفهم أسرار العقل البشري وبنيته التطورية والمعرفية المعقدة.

11. الجوائز والتكريمات والاعتراف العلمي العالمي

11.1 العضويات في الأكاديميات العلمية المرموقة

حظيت إنجازات روشيل جيلمان العلمية الرائدة بأعلى درجات التقدير والاعتراف الرسمي من كبرى المؤسسات والأكاديميات العلمية في العالم. ويأتي على قمة هذا الاعتراف انتخابها التاريخي عام 2006 عضواً في الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة (National Academy of Sciences – NAS)، وهو أحد أرفع الأوسمة والتشريفات العلمية التي يمكن أن ينالها باحث في مسيرته، ويُمنح فقط للعلماء الذين قدموا مساهمات أصيلة واستثنائية ودائمة غيرت مجرى المعرفة الإنسانية في تخصصاتهم.

كما تم انتخابها زميلة في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم (American Academy of Arts and Sciences – AAAS)، وهي الهيئة التي تجمع قادة الفكر ونوابغ العلوم عبر التاريخ الأمريكي، تقديراً لأبحاثها التأسيسية التي غيرت بشكل راديكالي نظرة البشرية لإدراك الأطفال وطبيعة التعلم. ونالت عضوية جمعية علماء النفس التجريبيين (Society of Experimental Psychologists – SEP)، لتكون من بين أوائل النساء اللاتي نلن عضوية هذا النادي العلمي العريق الذي اتسم تاريخياً بالانغلاق والذكورية الشديدة في مطلع القرن العشرين، مما كرس كسرها للحواجز الأكاديمية وإثبات جدارتها التجريبية الفائقة.

تجاوزت مكانتها الأروقة البحثية الصرفة لتلعب دوراً استشارياً وطنياً رفيع المستوى؛ حيث تم تعيينها عضواً في العديد من اللجان الاستشارية التابعة للمجلس الوطني للبحوث (National Research Council) والأكاديميات الوطنية، وشاركت في صياغة تقارير استراتيجية وضعت معايير سياسات التعليم المبكر للمدارس الأمريكية، ومناهج العلوم والرياضيات الفدرالية، وتوصيات تنمية قدرات التفكير العلمي لدى الأطفال، محولة بذلك نتاج عقود من المختبرات إلى سياسات عملية مستدامة أثرت في حياة ملايين الطلاب في مختلف أرجاء الولايات المتحدة.

11.2 أبرز الجوائز التقديرية لإنجاز العمر

توالت الجوائز المرموقة على روشيل جيلمان تتويجاً لإنجازات العمر ومساهماتها السيكولوجية العميقة. فقد منحتها جمعية علم النفس الأمريكية (APA) أرفع تكريماتها التخصصية: جائزة المساهمات العلمية المتميزة في علم النفس (Distinguished Scientific Contribution Award)، تقديراً لجهودها التي فككت النماذج التقليدية للنمو الإدراكي ورسمت خريطة جديدة للعقل البشري، كما حصدت جوائز تقديرية خاصة من القسم 7 التابع للجمعية والمخصص لعلم نفس النمو.

كذلك نالت جيلمان جائزة ويليام جيمس (William James Fellow Award) من جمعية العلوم النفسية (Association for Psychological Science – APS)، وهي جائزة رفيعة المستوى تُمنح حصرياً للباحثين الذين قدموا إسهامات نظرية وتجريبية غير مسبوقة كان لها أثر تحويلي مستدام في مسار العلوم النفسية ككل. وأشادت لجنة الجائزة بقدرتها الفريدة على التوليف بين علم الأعصاب والفطرة المعرفية والملاحظة السلوكية المتقنة في صياغة نظرية متماسكة للإدراك العددي والسببي.

ومن جانبها، كرمت جمعية أبحاث تنمية الطفل (Society for Research in Child Development – SRCD) روشيل جيلمان بمنحها جائزة المساهمة العلمية المتميزة لمدى الحياة في تنمية الطفل. واحتفى مجتمع علماء النمو بجيلمان باعتبارها العالمة التي حررت دراسات الطفولة من النظرة الدونية التي اختزلت الأطفال في عجزهم الإجرائي، ومكنت الحقل المعرفي من رؤية الأطفال ككائنات عقلانية ومفكرين طبيعيين يمتلكون حدوساً منطقية فائقة التطور، لتظل أبحاثها بوصلة تهتدي بها كل جهود الباحثين في هذا المجال الحيوي.

11.3 الدوريات والمؤتمرات المكرسة للاحتفاء بأعمالها

احتفاءً بمكانتها وإرثها الأكاديمي الاستثنائي، كرست كبريات المجلات العلمية المحكمة في علم النفس المعرفي والنمائي—مثل مجلة Cognitive Psychology ومجلة Developmental Science—أعداداً تذكارية واستعادية خاصة (Special Issues) لمناقشة أطروحاتها، وإعادة اختبار نظرياتها، وتتبع الامتدادات الحديثة لمفاهيمها حول “المبادئ الهيكلية” و”المعرفة الخاصة بالمجال” و”نظرية المركم التناظري”. شارك في هذه الأعداد كبار علماء العصر الذين أجمعوا على أن أعمال جيلمان أعادت تشكيل المشهد المعرفي المعاصر برمته.

دُعيت جيلمان لإلقاء المحاضرات الافتتاحية والمفتاحية (Keynote Addresses) في أضخم المؤتمرات الدولية لجمعية العلوم المعرفية (Cognitive Science Society)، ومؤتمرات اتحاد علم النفس الدولي، واللقاءات السنوية لجمعية بياجيه نفسها (Jean Piaget Society)، حيث واجهت أتباع بياجيه في عقر دارهم بحوارات فكرية اتسمت بالعمق الفلسفي والاحترام المتبادل والدقة التجريبية الصارمة، مما جعل محاضراتها محطات تاريخية وثقت التحول المفاهيمي في تاريخ علم النفس التجريبي والنمائي الحديث.

كما أقام زملاؤها وطلابها احتفالات أكاديمية كبرى وندوات تكريمية (Festschrifts) للاحتفاء بعيد ميلادها ومسيرتها العلمية المظفرة، وصدرت كتب تذكارية خاصة تضم أبحاثاً مستوحاة مباشرة من إسهاماتها. عكست هذه التظاهرات العلمية التقدير الإنساني والفكري العميق لجيلمان، ليس فقط كعالمة عبقرية غيرت مجرى العلم، بل كمعلمة ملهمة وأستاذة كرست حياتها لدعم الباحثين وتوجيههم وغرس روح الجرأة والنزاهة والصرامة التجريبية في أجيال متعاقبة من علماء الإدراك حول العالم.

12. الإرث المستمر والمستقبل في علم النفس المعرفي التنموي

12.1 إعادة صياغة فلسفة عقل الطفل في القرن الحادي والعشرين

إن الأثر المستدام الأكثر عمقاً لروشيل جيلمان يتجلى في الترسيخ النهائي لنظرة الطفل ككائن ذكي يمتلك نظريات حدسية وأسساً عقلانية فطرية لمعالجة شؤون العالم. لقد قضت جيلمان على بقايا التصور الكلاسيكي الذي نظر إلى الطفل باعتباره كائناً قاصراً إدراكياً وسلبياً تحركه منعكسات حسية عمياء، وأحلت محله برادايغماً علمياً راسخاً يرى في الرضيع والطفل الصغير “عالماً صغيراً في طور التكوين”، يأتي إلى الحياة وهو محمل برؤية هيكلية للعالم ويسعى بنشاط مستمر لاختبار فرضياته وصقل مفاهيمه عبر التفاعل الخلاق مع بيئته الطبيعية والاجتماعية.

يمتد هذا الإرث الفكري اليوم ليترك بصمات واضحة على أبحاث الذكاء الاصطناعي ونماذج التعلم الآلي المعاصرة (Machine Learning and Artificial Intelligence). يدرك رواد الحوسبة الإدراكية وشبكات التعلم العميق اليوم أن تدريب الخوارزميات على كميات هائلة من البيانات دون تزويدها بـ “تحيزات فطرية” أو “مبادئ هيكلية مسبقة” (Inductive Biases)—تطابق تلك التي وصفتها جيلمان في عقل الطفل—ينتج نماذج هشة وسريعة العطب تفتقر للذكاء السببي الحقيقي وللقدرة على التعميم المنطقي السليم، مما جعل من نظرياتها مرجعاً ملهماً لهندسة الجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي الشبيهة بالعقل البشري.

كذلك تلاقت اكتشافات جيلمان ونظرياتها مع أحدث مكتشفات علم الأعصاب الإدراكي المعاصر وتقنيات التصوير الدماغي الوظيفي (fMRI). فقد أثبتت الدراسات العصبية الحديثة لشبكات المعالجة الحسابية في الدماغ وجود مناطق عصبية متخصصة بدقة في القشرة الجدارية (تحديداً داخل التلم داخل الجداري – Intraparietal Sulcus) تنشط استجابة للكميات والمقادير العددية لدى الرضع والبالغين على حد سواء وبشكل مستقل عن اللغة، وهو ما قدم الإثبات والتحقق البيولوجي العصبي الحاسم لنظرية جيلمان وجاليستل حول وجود أساس عصبي فطري متخصص لمعالجة الأعداد وإدراك الكميات التناظرية في الجهاز العصبي للإنسان.

12.2 الآفاق المستقبلية للأبحاث المستندة لنظريات جيلمان

تفتح أطروحات روشيل جيلمان آفاقاً بحثية لا تنضب أمام الأجيال القادمة من الباحثين في علم النفس الإدراكي والتربوي. وتبرز تطبيقات الواقع الافتراضي (VR)، والواقع المعزز (AR)، والتقنيات الرقمية المتقدمة كميادين واعدة لترجمة مبادئها في تصميم ألعاب تعليمية وتفاعلية تساند الاستكشاف الرياضي والسببي المبكر لدى الأطفال، حيث يمكن برمجة عوالم رقمية تحاكي المبادئ المفهومية للعد والحركة والسببية وتتيح للطفل التفاعل مع الكيانات المجردة بطرق تجعل الانتقال المعرفي نحو المفاهيم الرياضية المعقدة تجربة حدسية ميسرة وطبيعية.

كما تتسع دائرة الأبحاث المستقبلية عبر التوسع في الدراسات العابرة للثقافات (Cross-Cultural Studies)، لاختبار شمولية وعمومية المبادئ الخمسة للعد في مجتمعات ولغات أصلية نائية تفتقر نظمها اللغوية للمصطلحات الرياضية المعقدة (مثل قبائل البيراها والأمازون). تهدف هذه الدراسات إلى مواصلة فك الارتباط المعقد بين ما هو فطري كلي متجذر في البيولوجيا الإنسانية وما هو نتاج للوساطة الثقافية والرمزية والتعليمية التي تتفاوت بين حضارات العالم وشعوبه المختلفة، استكمالاً للمسار الإبستمولوجي الذي عبدته جيلمان طوال مسيرتها.

وعلى الصعيد الإكلينيكي والعلاجي، تمثل مبادئ جيلمان حجر الأساس لتطوير استراتيجيات تشخيصية وتدخلية متقدمة لمعالجة صعوبات التعلم الحسابي واضطرابات معالجة الأرقام، وعلى رأسها عسر الحساب التطوري (Developmental Dyscalculia). فمن خلال فهم الاختلالات الدقيقة التي قد تصيب “المبادئ الهيكلية” للعد أو آلية “المركم التناظري الداخلي”، ينجح الأخصائيون اليوم في بناء برامج علاجية معرفية موجهة تعيد بناء الفهم المفهومي الأساسي لدى الطفل المصاب بدلاً من الاقتصار على التدريب الإجرائي الآلي العقيم، مما يمنح ملايين الأطفال حول العالم فرصة حقيقية للاندماج الأكاديمي والنجاح الإنساني والمهني.

12.3 الخاتمة: مكانة روشيل جيلمان في تاريخ العلوم النفسية

تتبوأ روشيل جيلمان، في المشهد التاريخي والفكري للعلوم النفسية، مكانة العالمة الفذة والمجددة الجريئة التي أعادت كتابة إبستمولوجيا الطفولة. لقد تجلت مسيرتها في تناغم نادر وفذ بين أقصى درجات الدقة المنهجية التجريبية وبين أعمق مستويات الاستبصار النظري والفلسفي. لم تكن جيلمان مجرد باحثة تجمع أرقاماً وبيانات مختبرية، بل كانت مفكرة إبستمولوجية من الطراز الأول امتلكت الشجاعة الفكرية لتحدي بارادايم مهيمن وإعادة صياغة المفاهيم الجوهرية حول كيفية ولادة الفكر وتطوره في العقل البشري.

لقد علمتنا روشيل جيلمان أن نحترم عقل الطفل، وأن ننظر إليه لا كنسخة مشوهة أو ناقصة من عقل البالغ، بل كمنظومة معرفية بديعة ومصممة بأناقة بيولوجية فائقة للتعامل مع تحديات الوجود واكتشاف أسرار الكون. وستظل أعمالها التأسيسية، ونظرياتها حول مبادئ العد والمعرفة الخاصة بالمجال، وكتاباتها المشتركة الخالدة مع تشارلز جاليستل، بمثابة منارات توجيهية كبرى تهدي كل من يطمح إلى سبر أغوار الوعي الإنساني وفهم الكيفية التي تنبثق بها صروح الفكر والرياضيات والعلوم المعقدة من تلك البذور الفطرية الأولى المزروعة في أعماق طبيعتنا البشرية.

المراجع

  • Gelman, R. (1969). Conservation acquisition: A problem of learning to attend to relevant attributes. Journal of Experimental Child Psychology, 7(2), 167–187. https://doi.org/10.1016/0022-0965(69)90044-6
  • Gelman, R. (1972). Logical capacity of very young children: Number invariance rules. Child Development, 43(1), 75–90. https://doi.org/10.2307/1127873
  • Gelman, R., & Gallistel, C. R. (1978). The Child’s Understanding of Number. Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/9780674034785
  • Gelman, R. (1990). First principles organize attention to and learning about relevant data: Number and the animate-inanimate distinction as examples. Cognitive Science, 14(1), 79–106. https://doi.org/10.1207/s15516709cog1401_5
  • Gelman, R., & Meck, E. (1983). Preschoolers’ counting: Principles before skill. Cognition, 13(3), 343–359. https://doi.org/10.1016/0010-0277(83)90014-8
  • Gelman, R., Spelke, E. S., & Meck, E. (1983). What preschool children know about counting and number: Principles and problems. In Human Development: An Interactional Perspective (pp. 297–320). Academic Press.
  • Gelman, R., & Brenneman, K. (2004). Science learning pathways for young children. Early Childhood Research Quarterly, 19(1), 150–158. https://doi.org/10.1016/j.ecresq.2004.01.009
  • Gelman, R., & Williams, E. M. (1998). Enabling constraints for cognitive development and learning: Domain-specific formal operations. In D. Kuhn & R. S. Siegler (Eds.), Handbook of Child Psychology: Cognition, Perception, and Language (Vol. 2, pp. 575–630). John Wiley & Sons.
  • Gallistel, C. R., & Gelman, R. (1992). Preverbal and verbal counting and computation. Cognition, 44(1–2), 43–74. https://doi.org/10.1016/0010-0277(92)90050-R
  • Gallistel, C. R., & Gelman, R. (2000). Non-verbal numerical cognition: From reals to integers. Trends in Cognitive Sciences, 4(2), 59–65. https://doi.org/10.1016/S1364-6613(99)01424-2
  • Gelman, S. A., & Gelman, R. (1987). Non-obvious properties in children’s language and thought. In Cognitive Development (pp. 120–145). Cambridge University Press.
  • Hartnett, P. M., & Gelman, R. (1998). Early understandings of number: Paths or barriers to the construction of new understandings? Learning and Instruction, 8(4), 341–374. https://doi.org/10.1016/S0959-4752(97)00026-1
  • Subrahmanyam, K., Gelman, R., & Lafosse, A. (2002). Animate and other intrinsically motivated systems. In The Cognitive Animal: Empirical and Theoretical Perspectives on Animal Cognition (pp. 341–348). MIT Press.
  • Zur, O., & Gelman, R. (2004). Young children can add and subtract by predicting and checking. Early Childhood Research Quarterly, 19(1), 121–137. https://doi.org/10.1016/j.ecresq.2004.01.006
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات