السيرة
تُمثّل الطبيبة والمحللة النفسية الروسية سابينا شبيلراين (1885–1942) إحدى أكثر الشخصيات إثارةً للجدل والدهشة في تاريخ العلوم الإنسانية والطب النفسي الحديث؛ إذ ظلّ اسمها لعقود طويلة حبيس هوامش التاريخ، مختزلاً في صورة “المريضة الفاتنة” التي ألهمت أستاذها ومعالجها السويسري كارل غوستاف يونغ، أو التلميذة المستمعة في حضرة الأب المؤسس سيغموند فرويد. غير أنّ التنقيب التاريخي والتحليل الإبستمولوجي الرصين كشفا عن قامة علمية استثنائية أسهمت جذرياً في تشكيل المفاهيم المركزية للتحليل النفسي وعلم نفس النمو، ووضعت اللبنات الأولى لنظرية “غريزة الموت” (Death Drive)، ومهدت الطريق لأبحاث اللغة والفكر عند الأطفال التي استند إليها لاحقاً أعلام بارزون مثل جان بياجيه وألكسندر لوريا.
تتقاطع سيرة شبيلراين مع المفاصل التراجيدية الكبرى للقرن العشرين؛ حيث انتقلت من أروقة البرجوازية الروسية اليهودية المثقفة في روستوف على الدون، إلى غرف المصحات النفسية السويسرية المتطورة في زيورخ، ومن ثم إلى مجالس فيينا التحليلية وحلقات جنيف التربوية، وصولاً إلى خضم التجربة السوفيتية الطليعية وما تلاها من رعب ستاليني، قبل أن تُسدل الستارة على حياتها في مجزرة نازية وحشية عام 1942. إنّ دراسة تجربة شبيلراين ليست مجرد استعادة لسيرة ذاتية نسائية رائدة، بل هي قراءة تفكيكية لآليات الإنتاج المعرفي، وكيفية مصادرة الأفكار الثورية داخل بيئات أكاديمية سادتها نزعات الهيمنة البطريركية وتصفية الأقليات.
يقدم هذا البحث الموسوعي دراسة تاريخية وتحليلية شاملة لمسيرة سابينا شبيلراين، متتبعاً تطورها الفكري منذ نشأتها الأولى، مروراً بتجاربها الإكلينيكية وأطروحاتها الرائدة في الطب النفسي، وصولاً إلى استكشاف ديناميات علاقاتها الشائكة مع قطبي التحليل النفسي (يونغ وفرويد)، وتقييم مساهماتها التربوية واللغوية، وانتهاءً بتأمل مأساتها الإنسانية واسترداد إرثها العلمي الذي غُيِّب قسراً لعقود خلت.
1. النشأة والخلفية العائلية والبيئة الثقافية (1885–1904)
1.1 الأصول العائلية في روستوف على الدون
ولدت سابينا نيكولايفنا شبيلراين في السابع من نوفمبر عام 1885 في مدينة روستوف على الدون، الواقعة في جنوب الإمبراطورية الروسية، لعائلة يهودية تنتمي إلى طبقة التجار الأثرياء (النقابة الأولى للتجار)، وهو وضع اجتماعي واقتصادي استثنائي منح الأسرة هامشاً كبيراً من الحرية والاستقرار داخل نظام قيصري اتسم بمعاداة السامية وتقييد حقوق الاستيطان لليهود داخل ما كان يُعرف بنطاق الاستيطان. كان والدها، نيكولاي (نفتول) شبيلراين، تاجرًا عصاميًا ومرموقًا في تجارة الحبوب والأسمدة الزراعية، رجلاً صارمًا إلى أقصى الحدود، تتسم شخصيته بالتسلط والعصبية المفرطة والاستبداد المنزلي، حيث فرض على أبنائه نظاماً تأديبياً تعسفياً تخلله استخدام متكرر للعقاب البدني المذل، وهو ما حفر ندوباً نفسية غائرة في وجدان سابينا منذ سنوات وعيها الأولى.
في المقابل، كانت والدتها، إيفا ماركوفنا ليوبريسكايا، ابنة لأسرة حاخامية عريقة وحائزة على تكوين ثقافي وطبي كطبيبة أسنان، وإن لم تمارس المهنة تفرغاً لرعاية أسرتها. لعبت إيفا دوراً مركباً ومتناقضاً في تنشئة ابنتها؛ فمن جهة، كانت تمثل قطب الرعاية والتشجيع المعرفي والانفتاح على الآداب واللغات والموسيقى الأوروبية، ومن جهة أخرى، كانت عاجزة عن حماية أطفالها من بطش الوالد ونوبات غضبه العاتية، بل كانت أحياناً متواطئة في الضغط على سابينا لإخضاعها للمنظومة التقاليدية الصارمة. نشأت سابينا في بيئة تموج باللغات الحية؛ حيث أتقنت الروسية واليديشية والألمانية والفرنسية في سن مبكرة، وتلقت تعليماً موسيقياً كلاسيكياً مكثفاً جعل البيانو وسيلتها المفضلة للتسامي الوجداني والتعبير عن مشاعرها الدفينة.
التحقت سابينا بـ “صالة كاترين للألعاب الرياضية للفتيات” (Gymnasium) في روستوف، وهي مدرسة ثانوية رفيعة المستوى حكر على النخبة. هناك، تجلى نبوغها المعرفي الفذ؛ حيث أظهرت تفوقاً كاسحاً في العلوم الطبيعية والبيولوجيا، إلى جانب استيعاب عميق للفلسفة والأدب الروسي والغربي. غير أن هذا التفوق الأكاديمي لم يكن سوى قناع هش لواقع داخلي شديد الاضطراب، تغذيه صراعات الهوية وتمزقات الأسرة ونظام القمع الأبوي الذي حوّل جسد سابينا الصغير إلى مسرح لتسجيل القهر والإذلال.
1.2 الصدمات المبكرة وبوادر الاضطراب النفسي
شهد عام 1901 نقطة التحول الأكثر مأساوية في طفولة سابينا المراهقة؛ حيث أصيبت شقيقتها الصغرى والمحبوبة “إميليا” ذات السنوات الست بمرض التيفوئيد وتوفيت بعد معاناة قصيرة ومؤلمة. كانت هذه الفاجعة زلزالاً ضرب أركان البيت العائلي، وفجّرت لدى سابينا، التي كانت تبلغ من العمر ستة عشر عاماً آنذاك، إحساساً ساحقاً بالذنب الوجودي، لا سيما أنها كانت تشعر أحياناً بمشاعر غيرة طفولية طبيعية تجاه شقيقتها. تحولت مشاعر الفقدان غير المعالجة إلى حداد مرضي مزمن، ترافق مع إدراك مرعب لهشاشة الجسد ومفاجآت الفناء البيولوجي، وهو ما سيتحول لاحقاً إلى النواة الفلسفية لأبحاثها حول الموت والتدمير.
تزامن هذا الحداد مع تصاعد الصراع الجيلي والفكري بين سابينا ووالدها؛ فقد كانت تتوق للالتحاق بالجامعة ودراسة الطب والعلوم، بينما كان الأب يرى في تطلعاتها النسوية والمتحررة خطراً على استقرار العائلة وتهديداً لتقاليد الزواج المرتب للفتيات البرجوازيات. ولد هذا التناقض بين نزوعها العارم نحو الاستقلال الفكري وبين خضوعها الإجباري للسلطة الأبوية أزمة عصابية حادة، تمثلت في سيطرة الوساوس القهرية، ونوبات الهلع، وعجز متكرر عن السيطرة على الانفعالات الجسدية، مصحوبة بما كان يُصنف في التراث الطبي لتلك الحقبة بـ “الأعراض الهستيرية”.
تدهورت الحالة الصحية لسابينا سريعاً؛ وباتت تعاني من تشنجات حركية لا إرادية، وضحك هيستيري متشنج يعقبه بكاء عارم، وخوف دائم من النظر إلى الوجوه الغريبة، فضلاً عن نوبات من فقدان القدرة على تناول الطعام أو التبرز بصورة طبيعية، ناتجة عن التثبيتات الصدمية المرتبطة بالعقاب البدني الأبوي على مؤخرتها ويديها. أمام هذا الانهيار العصبي الشامل، وإخفاق الأطباء المحليين في روسيا عن تقديم أي عون علاجي حقيقي، اتخذت الأسرة قراراً مصيرياً بإرسال سابينا برفقة والدتها إلى الخارج، متنقلة بين المصحات الأوروبية، حتى استقر الرأي النهائي بنصحة من أطباء في فيينا على نقلها إلى سويسرا لإدخالها مصحة الأمراض النفسية الشهيرة التابعة لجامعة زيورخ: مصحة بورغهولتزلي.
2. تجربة مصحة بورغهولتزلي والتحول العلاجي (1904–1905)
2.1 الدخول إلى بورغهولتزلي تحت إشراف أويغن بلولر
في السابع عشر من أغسطس عام 1904، دخلت سابينا شبيلراين، وهي في التاسعة عشرة من عمرها، أبواب مصحة بورغهولتزلي النفسية بمدينة زيورخ السويسرية، وهي مؤسسة كانت تشهد آنذاك ثورة علمية غير مسبوقة بقيادة مديرها البروفيسور الرائد أويغن بلولر (Eugen Bleuler). كان بلولر يتبنى منظوراً إصلاحياً ثورياً تجاوز النظريات العضوية التشاؤمية السائدة في الطب النفسي الكلاسيكي، محاولاً التوفيق بين الصرامة البيولوجية العصبية وبين فهم المعنى النفسي الكامن وراء أعراض الذهان والعصاب، ما جعل المصحة البيئة الأكثر خصوبة لاستقبال وتبني أفكار سيغموند فرويد الناشئة حول التحليل النفسي واللاوعي.
صُنفت حالة سابينا عند دخولها بحسب السجلات الطبية للمصحة بأنها “هستيريا نفسية ذهانية حادة” (Hysterical Psychosis) مترافقة مع سلوكيات انسحابية وعنف لفظي وتشنجات لا إرادية متكررة وحساسية قصوى تجاه أي تواصل إنساني. ومع ذلك، وفرت بيئة بورغهولتزلي النظامية والإنسانية مساحة جغرافية ونفسية آمنة فصلت سابينا للمرة الأولى في حياتها عن المناخ الأسري المسموم ومصادر الصدمة اليومية. رأى بلولر في سابينا ذكاءً متقداً يتخفى خلف قناع الأعراض العصابية، فقرر إسناد حالتها إلى نائبه الشاب المساعد وكبير الأطباء السريريين في المصحة: كارل غوستاف يونغ، ليبدأ أحد أهم الفصول الإكلينيكية وأكثرها تعقيداً في تاريخ التحليل النفسي الحديث.
2.2 كارل غوستاف يونغ كمعالج نفسي: تطبيق التحليل الأولي
كانت سابينا شبيلراين أول مريضة يطبق عليها كارل غوستاف يونغ تقنيات التحليل النفسي المستوحاة من كتابات سيغموند فرويد المبكرة، وتحديداً كتاب “دراسات حول الهستيريا” (1895). اعتمد يونغ في مستهل العلاج على تقنية “التفريغ الانفعالي” (Catharsis)، محاولاً حث سابينا على استرجاع الذكريات الصادمة المرتبطة بالعقاب البدني والتحقير الذاتي وإعادة معايشتها وجدانياً في بيئة آمنة للتخلص من الشحنات العاطفية المحتبسة. كما طبق عليها اختبارات “ترابط الكلمات” (Word Association Tests) التي كان يطورها في مختبرات بورغهولتزلي لقياس المركبات العاطفية اللاشعورية (Complexes) عبر رصد زمن الاستجابة والتعثر اللغوي عند سماع كلمات مفتاحية معينة.
أثمر هذا النهج العلاجي نتائج مذهلة وسريعة؛ فخلال بضعة أشهر، بدأت الأعراض الهستيرية الحركية بالتلاشي تدريجياً، وحل مكانها وعي استبطاني عميق وقدرة فائقة على صياغة المعاناة النفسية بلغة رمزية وفلسفية راقية. لم تكن سابينا مجرد مريضة سلبية تتلقى العلاج، بل كانت شريكة نقدية تتفاعل مع تأويلات يونغ وتصحح مساراتها، مستفيدة من قراءاتها الواسعة في الأدب والتشريح. مع حلول ربيع عام 1905، لم تعد سابينا بحاجة إلى البقاء داخل أسوار المصحة كمريضة مقيمة؛ فتحولت في الأول من يونيو 1905 إلى مريضة خارجية تتردد على الجلسات التحليلية، واستأجرت غرفة في زيورخ وبدأت بالتحضير الفعلي لتحقيق حلمها الأكاديمي، في تحول أذهل الطاقم الطبي وكرّس نجاح منهج التحليل النفسي الواعد.
3. المسيرة الأكاديمية والطبية في جامعة زيورخ (1905–1911)
3.1 دراسة الطب والتخصص في الطب النفسي
في خريف عام 1905، التحقت سابينا شبيلراين رسمياً بكلية الطب في جامعة زيورخ، لتنضم إلى نخبة ريادية من النساء الروسيات اللواتي وجدن في الجامعات السويسرية متنفساً أكاديمياً حرمهن منه النظام القيصري في روسيا. كان قرار سابينا بدراسة الطب النفسي بالذات قراراً ثورياً وجريئاً، إذ كانت الأوساط الطبية السويسرية والأوروبية في مطلع القرن العشرين تخضع لهيمنة ذكورية كاسحة، تنظر بريبة وشك إلى قدرة المرأة على استيعاب العلوم الإكلينيكية وممارسة الطب النفسي الشاق، الذي كان يُعد مجازفة أخلاقية وعقلية لا تتناسب مع “الطبيعة الأنثوية”.
تفوقت سابينا على كل التحديات المؤسسية والاجتماعية؛ حيث جمعت بين دراسة العلوم الطبية التجريبية الصارمة، مثل علم وظائف الأعضاء، وعلم الأنسجة، والتشريح العصبي، وبين انخراطها الحيوي في الحلقات النقاشية والمختبرات النفسية بمصحة بورغهولتزلي. شاركت شبيلراين في الأبحاث المخبرية المتعلقة بقياس الاستجابات الفسيولوجية للاستثارات اللاشعورية عبر استخدام الجلفانومتر (قياس المقاومة الكهربائية للجلد)، مما عزز نزعتها للربط الجدلي بين البنية الحيوية العضوية وبين تدفقات الطاقة النفسية والرمزية. لم يكن تكوينها الطبي منفصلاً عن رؤيتها الفلسفية للعالم، بل غذى تطلعها التأسيسي إلى فهم الأساس البيولوجي للدوافع البشرية الأكثر تعقيداً.
3.2 أطروحة الدكتوراه: دراسة حالة الفصام (1911)
توجت سابينا مسيرتها الأكاديمية في عام 1911 بتقديم أطروحة دكتوراه فريدة وتاريخية في الطب النفسي بعنوان: “حول المحتوى النفسي لحالة من الخرف المبكر (الفصام)” (Über den psychologischen Inhalt eines Falles von Schizophrenie)، تحت إشراف أويغن بلولر. كانت هذه الأطروحة أول دراسة تحليلية نفسية تكتبها امرأة لنيل درجة الدكتوراه في الطب، وواحدة من أوائل المحاولات العلمية الرائدة في العالم لتطبيق المفاهيم التحليلية الفرويدية على المرضى الفصاميين المقيمين في المصحات، متجاوزة الاعتقاد السائد بأن التحليل النفسي لا يصلح إلا لعلاج العصابيين فقط.
ركزت شبيلراين في أطروحتها على دراسة حالة مريضة فصامية تدعى “مارثا ب.”، محللةً بدقة متناهية التفكك اللغوي، والنيولوجيزمات (ابتكار كلمات جديدة غريبة)، والأوهام الرمزية المعقدة المرتبطة بالتحول إلى وحوش أو الاندماج في الكون وفناء العالم. أثبتت سابينا من خلال هذا التحليل أن لغة مريض الفصام ليست مجرد “هراء عضوي” ناتج عن تلف دماغي عشوائي، بل هي خطاب رمزي منظم يمتلك قواعده التعبيرية الخاصة التي تسعى من خلالها “الأنا” إلى التعبير عن تثبيتات لاواعية، ورغبات مكبوتة في التدمير الذاتي والولادة من جديد. نالت الأطروحة إشادة استثنائية ونُشرت كاملة في “الحولية الكبرى للتحليل النفسي” (Jahrbuch für psychoanalytische und psychopathologische Forschungen)، مما وضع شبيلراين في مصاف كبار المنظرين في حركة التحليل النفسي الصاعدة.
4. ديناميات العلاقة مع كارل غوستاف يونغ: العاطفة والتحويل
4.1 ظاهرة التحويل والتحويل المضاد في الممارسة الإكلينيكية
تطورت العلاقة بين سابينا شبيلراين وكارل غوستاف يونغ بين عامي 1904 و1909 من علاقة نموذجية بين معالج ومريضته إلى واحدة من أكثر قصص التحويل (Transference) والتحويل المضاد (Countertransference) تعقيداً وكثافة في تاريخ الطب النفسي. فمع تعافي سابينا التدريجي وظهور نبوغها الفكري، وجد يونغ نفسه أسيراً لجاذبية مريضته الشابة وعمقها المعرفي؛ حيث تماهت مشاعرها العصابية الباحثة عن بديل للأب القامع مع شخصية يونغ المنقذ، مما ولد “تحويلاً إيروسياً” عارماً. ومن جانبه، افتقر يونغ، الذي كان يخطو خطواته الأولى في ممارسة التحليل، إلى الأطر الإكلينيكية الصارمة والحياد العلاجي اللازمين للتعامل مع هذا الانجذاب، فوقع في فخ “التحويل المضاد” وانساق وراء مشاعره الشخصية غير المحسومة تجاهها.
كشفت المذكرات الخاصة لسابينا ورسائلها المتبادلة مع يونغ، والتي اكتُشفت لاحقاً، عن تورط عاطفي وجسدي حميم تجاوز الخطوط الحمراء لأخلاقيات الممارسة الطبية، حتى بالمعايير المرنة لبدايات حركة التحليل النفسي. عانى الطرفان من تأنيب ضمير حاد وصراع أخلاقي مدمر؛ فبينما كانت سابينا تطمح إلى تتويج هذا الحب بعلاقة معلنة وتأسيس مشروع فكري وروحي مشترك، كان يونغ يعيش رعباً دافقاً من الفضيحة الاجتماعية التي قد تطيح بمكانته الطبية والأكاديمية المرموقة في زيورخ وزواجه من إيما راوشنباخ ذات النفوذ المالي والاجتماعي. لقد دفعت هذه المعضلة المؤسسية لاحقاً بكل من فرويد ويونغ إلى سن لوائح تنظيمية صارمة تجرّم أي علاقة عاطفية أو جنسية بين المحلل والمريض لحماية حصانة العملية التحليلية.
4.2 الاحتكاك الفكري وأسطورة ‘سيغفريد’
لم تكن العلاقة بين شبيلراين ويونغ مجرد تفريغ لرغبات حسية مكبوتة، بل كانت حواراً فكرياً وميثولوجياً استثنائياً شكّل المنعطف التأسيسي للأفكار التي بنت لاحقاً “علم النفس التحليلي” عند يونغ. تمحور هذا التفاعل الفكري حول هاجس مشترك وأسطورة شخصية تجسدت في رغبتهما في إنجاب طفل رمزي وحقيقي يُدعى “سيغفريد” (Siegfried)، مستلهمين شخصية البطل الأسطوري في الميثولوجيا الجرمانية وأوبرا ريتشارد فاغنر. كان “سيغفريد” في مخيلتهما الرمزية تجسيداً للاتحاد العبقري الخارق بين الروح السلافية/اليهودية المعذبة (ممثلة في سابينا) والروح الجرمانية الصلبة (ممثلة في يونغ)، بطلاً يتجاوز عقائد الماضي ويوحد الأضداد في مصالحة إنسانية كبرى.
غير أن هذا الحلم الخيالي سرعان ما اصطدم بالواقع عندما حاول يونغ التملص من التزاماته الأخلاقية والانسحاب المذعور عام 1909 بعد أن وجهت والدة سابينا تحذيرات غير مباشرة بإبلاغ بلولر وسلطات الجامعة. عندما كتب يونغ رسالة مسيئة لوالدة شبيلراين يدّعي فيها أن علاقته بابنتها كانت تطوعية وأنه لا يدين لها بأي واجب مهني إلا إذا تلقى أتعاباً مالية، أدركت سابينا ضرورة فك الارتباط الرمزي والفكري مع يونغ دفاعاً عن كرامتها الإنسانية وشرفها المهني. ومع ذلك، وبدلاً من الاستسلام للمرارة والدمار النفسي، قامت سابينا بإنجاز نفسي عبقري: لقد حولت خيبة الأمل الرومانسية وطاقة الصدمة إلى مادة خام لتفكيرها النظري، مستخلصة من أسطورة سيغفريد وفنائها جوهر أطروحتها الخالدة عن التدمير الخلاق الذي يؤدي حتماً إلى الصيرورة والولادة الجديدة.
5. العلاقة مع سيغموند فرويد: المراسلات والوساطة والمكانة
5.1 دخول فرويد كطرف وسيط وموجه تحليلي
في ذروة الأزمة المتصاعدة مع يونغ عام 1909، اتخذت سابينا شبيلراين خطوة حاسمة ومحفوفة بالمخاطر؛ حيث راسلت سيغموند فرويد في فيينا، عارضةً عليه تفاصيل المأزق الإكلينيكي والعاطفي الذي تعيشه مع تلميذه ونائبه الأثير في سويسرا، طالبةً تدخله كحَكَم أخلاقي وموجه تحليلي محايد. تعامل فرويد في بادئ الأمر مع رسائل سابينا بحذر وتوجس شديدين؛ إذ كان حريصاً كل الحرص على حماية مكانة يونغ، الذي كان يراه “ولي عهده” والممثل غير اليهودي الوحيد القادر على نشر التحليل النفسي وتجنيبه خطر الانغلاق في دائرة “العلم القومي اليهودي”. ولذلك، كان رد فرويد الأولي محاولة لتهدئة سابينا والدفاع التبريري عن يونغ بوصفه ضحية لظواهر التحويل العنيفة.
إلا أن إصرار سابينا على عرض وثائقها ورسائلها بأسلوب تحليلي متزن وعميق أجبر فرويد على مراجعة موقفه بالكامل؛ فاعترف في مراسلاته الخاصة معها بجسامة الخطأ الإكلينيكي الذي ارتكبه يونغ، مبدياً إعجابه الكبير بشجاعتها الفائقة وذكائها الخارق. استمرت المراسلات بين فرويد وشبيلراين لسنوات طويلة، تطورت خلالها من مجرد شكوى شخصية إلى حوار علمي وإنساني رفيع المستوى. بل إن شبيلراين لعبت دوراً تاريخياً كوسيط توفيقي حاول بكل السبل تجسير الفجوة والنزاع النظري المتصاعد بين فرويد ويونغ قبل قطيعتهما المدوية في عام 1913؛ إذ سعت بجهد مضنٍ إلى دمج نظريات يونغ حول الرموز والأساطير داخل الإطار الفرويدي الصارم للنزوات الجنسية، دون أن يكتب لهذا المسعى التوفيقي النجاح أمام عناد القطبين.
5.2 الانضمام إلى جمعية فيينا للتحليل النفسي (1911)
في أكتوبر عام 1911، وبعد إتمامها أطروحة الدكتوراه في زيورخ، انتقلت سابينا شبيلراين إلى فيينا وقدمت طلباً رسمياً للانضمام إلى جمعية فيينا للتحليل النفسي المرموقة (Wiener Psychoanalytische Vereinigung). وفي التاسع والعشرين من نوفمبر 1911، أصبحت سابينا عضواً رسمياً مقيماً في الجمعية، لتكون بذلك ثاني امرأة تنال هذه العضوية بعد مارغريت هيلفردينغ، ما يمثل اعترافاً تاريخياً بمكانتها العلمية الراسخة وكسراً لاحتكار الذكور للدوائر التحليلية العليا.
بدأت شبيلراين فور انضمامها بالمشاركة النشطة في اجتماعات الجمعية الأسبوعية الشهيرة التي كانت تُعقد مساء كل أربعاء في شقة فرويد بشارع بيرغاسه (Berggasse 19). لم تكن سابينا عضواً خاملاً أو تابعاً مطيعاً، بل وقفت نداً لكبار أعضاء الجمعية مثل ألفريد أدلر، وبول فيدرن، وأوتو رانك. قدمت سابينا مداخلات جريئة ونقدية تحدت فيها التفسيرات الأرثوذكسية المبسطة لعقدة أوديب والليبيدو، مستندة إلى خبرتها الطبية العميقة في التعامل مع الذهان والفصام، وهي خبرة كان يفتقر إليها معظم أعضاء الجمعية الذين كانوا يتعاملون بشكل شبه حصري مع مرضى العصاب والاضطرابات الوظيفية الطفيفة.
6. إسهامها الجوهري: التدمير كسبب للصيرورة ونواة غريزة الموت
6.1 قراءة نقدية في بحث عام 1912 التأسيسي
في الثامن والعشرين من نوفمبر 1911، ألقت سابينا شبيلراين أمام جمعية فيينا للتحليل النفسي محاضرتها التاريخية التي نشرتها في العام التالي في المجلة المرموقة (Jahrbuch) بعنوان: “التدمير كسبب للصيرورة” (Die Destruktion als Ursache des Werdens). تُمثل هذه الورقة إحدى أعظم الثورات النظرية في تاريخ الفكر النفسي والبيولوجي؛ إذ طرحت فيها فرضية صادمة مفادها أن الغريزة الجنسية (الليبيدو) لا تنطوي فقط على نزوع نحو اللذة والتكاثر والبناء كما كان يعتقد فرويد، بل تحتوي بطبيعتها الجوهرية والبنيوية على مكوّن مدمّر وتفكيكي لا ينفصل عنها.
بنت شبيلراين أطروحتها على تقاطع مذهل بين البيولوجيا العضوية والميثولوجيا الفلسفية؛ فمن الناحية البيولوجية، أشارت إلى أنه على المستوى الخلوي، فإن عملية الإخصاب ذاتها تتطلب انحلالاً وتدميراً حتمياً لخلية الحيوان المنوي وخلية البويضة من أجل تخليق كيان بيولوجي جديد كلياً؛ فالخلق لا يبدأ إلا بفناء سابق. ومن الناحية السيكولوجية والرمزية، جادلت سابينا بأن الفعل الجنسي والاقتراب الحميمي العاطفي يمثلان تهديداً باختراق حدود “الأنا” وتذويب الذاتية الفردية في اللاشعور الجمعي، وهو ما يثير في النفس هلعاً غريزياً من التلاشي والفناء. ومن ثم، فإن “الصيرورة” النفسية والنمو الروحي لا يمكن أن يتحققا إلا عبر تدمير أجزاء من الهوية القائمة والتنازل عن الثبات الوهمي للأنا.
6.2 الأثر المباشر على فرضية ‘غريزة الموت’ عند فرويد
عندما عُرض هذا البحث في عام 1912، قوبل ببرود وتحفظ شديدين من قبل سيغموند فرويد ودائرته المحيطة؛ حيث اعتبر فرويد آنذاك أن شبيلراين تسقط صراعاتها الشخصية المترسبة من علاقتها المضطربة مع يونغ على النظرية التحليلية، رافضاً رفضا قاطعاً فكرة وجود أي دافع تدميري أصيل داخل الليبيدو ومتمسكاً بالثنائية الكلاسيكية القائمة بين النزوات الجنسية ونزوات حفظ الذات.
غير أن التحول الدراماتيكي وقع بعد ثماني سنوات؛ ففي عام 1920، وتحت وطأة أهوال الحرب العالمية الأولى وتجارب عصاب الحرب والموت التراجيدي لابنته صوفي، نشر فرويد مؤلفه المفصلي “ما وراء مبدأ اللذة” (Jenseits des Lustprinzips)، حيث أعلن ولادة نظريته الشهيرة حول “غريزة الموت” (Thanatos) في مواجهة غريزة الحياة (Eros). وفي الصفحة 54 من هذا الكتاب، وضع فرويد حاشية سفلية مقتضبة لكنها بالغة الدلالة قال فيها: “لقد سبقتني سابينا شبيلراين بجزء معتبر من هذا التخمين في بحث ثري بالأفكار ولكنه لم يكن واضحاً تماماً بالنسبة لي، حيث وصفت الجزء التدميري من الدافع الجنسي بالمدمر للصيرورة”.
فتح هذا التهميش المقتضب جدلاً تاريخياً وإبستمولوجياً كبيراً حول الاقتباس والمصادرة المعرفية في تاريخ التحليل النفسي. والأهم من ذلك، أن الفروق بين التصورين تعكس أصالة شبيلراين؛ فبينما اتسمت غريزة الموت الفرويدية بصبغة تراجيدية، عدمية، وارتدادية تسعى لإعادة الكائن العضوي إلى سكون المادة اللاعضوية، كانت فكرة التدمير عند شبيلراين تنويرية وجدلية (تفاؤلية إن جاز التعبير)، تؤكد أن التدمير هو الثمن الضروري والحتمي لتوليد الإبداع، وتطور الفرد، وتجدد الحياة الإنسانية، وهو ما يجعلها رائدة التفكير الديناميكي التحويلي.
7. أبحاث علم نفس الطفل والتطور اللغوي في سويسرا
7.1 العمل الإكلينيكي في معهد جان جاك روسو بجنيف (1920–1923)
في عام 1912، تزوجت سابينا شبيلراين من الطبيب الروسي بافل ناوموفيتش شفتسوف، وأنجبت ابنتها الأولى “إيرما-ريناتا” عام 1913. مع اندلاع الحرب العالمية الأولى واضطراب الأوضاع الجيوسياسية، استقرت شبيلراين في لوزان ثم انتقلت إلى جنيف في عام 1920، حيث انضمت إلى الكادر العلمي المرموق في معهد جان جاك روسو بدعوة من عالم النفس السويسري الشهير إدوارد كلاباريد (Édouard Claparède). كان المعهد آنذاك القبلة الأوروبية الأولى لتطوير علم نفس الطفل والتربية التقدمية المستندة إلى الملاحظة الإمبيريقية.
كرست شبيلراين سنواتها في جنيف لبناء فرع ريادي يربط التحليل النفسي باللسانيات التطورية، مركزة على مراقبة اكتساب الأطفال للغتهم الأولى وكيفية تبلور التفكير المفاهيمي انطلاقاً من الممارسات الجسدية والتواصل الحسي مع الأم. نشرت شبيلراين دراسات بالغة الأصالة حول أصل الكلمات الطفولية الأولى ككلمتي “ماما” و”بابا”، مفسرة نشأتهما كحركات شفتية مصاحبة لفعل الرضاعة وتدفق اللذة التماتعية الفموية، قبل أن تتحولا إلى مسميات ذات حمولة رمزية واجتماعية. كما كشفت عن التناوب المستمر لدى الأطفال بين مستويين من التفكير: “التفكير التوحدي الباطني” الغارق في الصور والاستيهامات اللاشعورية، و”التفكير الاجتماعي المتماسك” الخاضع لمنطق التواصل الخارجي.
7.2 التأثير على جان بياجيه والتحليل النفسي التعليمي
من بين المحطات المجهولة والمدهشة في مسيرة شبيلراين في جنيف إشرافها المباشر على التحليل النفسي التدريبي لشاب سويسري طموح كان في مطلع مسيرته العلمية يُدعى جان بياجيه (Jean Piaget). خضع بياجيه لجلسات تحليل يومية على مدار ثمانية أشهر تحت قيادة شبيلراين، وكان لهذا الاحتكاك الإكلينيكي والفكري المكثف أثر عميق لا يمكن إنكاره على تطور المنظومة النظرية لبياجيه، ولا سيما كتابه الرائد الأول: “اللغة والفكر عند الطفل” (1923).
استلهم بياجيه من شبيلراين مفهوم “التمركز حول الذات” (Egocentrism) في التفكير اللغوي للأطفال، واستعار نماذجها الإكلينيكية حول كيفية انتقال الطفل تدريجياً من الرمزية الذاتية إلى المنطق التشاركي، وإن كان بياجيه قد أحجم في كتاباته اللاحقة عن الاعتراف الصريح بحجم استعارته للمنطلقات التحليلية التي زرعتها شبيلراين في عقله. كما طورت سابينا استراتيجيات بيداغوجية ونفسية تحلل الرسوم الطفولية التلقائية والخيالات السردية لدى الأطفال كوسيلة لفك شفرات العقد العصابية المبكرة وتوجيه المربين نحو ممارسات تعليمية نشطة تحترم الدينامية النفسية الداخلية للطفل بدلاً من سحقها بالإملاءات القسرية.
8. العودة إلى روسيا السوفيتية والمساهمة في بناء علم النفس الثوري
8.1 الانتقال إلى موسكو وسياق ما بعد الثورة البلشفية (1923)
في عام 1923، اتخذت سابينا شبيلراين قراراً تاريخياً حاسماً بمغادرة أوروبا الغربية والعودة نهائياً إلى وطنها الأم، الذي كان قد تحول إلى الاتحاد السوفيتي بعد انتصار الثورة البلشفية. كانت دوافع شبيلراين وطنية وإيديولوجية وأكاديمية متداخلة؛ فقد كانت تتوق للم شمل أسرتها في روسيا، وتطمح إلى المساهمة في بناء نظام اجتماعي وإنساني جديد يعيد هيكلة الوعي الجمعي وينهي عصور التمييز الطبقي والقومي ضد النساء واليهود.
كانت موسكو في مطلع عشرينيات القرن الماضي مركزاً فكرياً وثقافياً طليعياً متفجراً؛ حيث شهدت السنوات الأولى لحكم لينين انفتاحاً استثنائياً على التحليل النفسي الذي نظر إليه قادة بارزون، مثل ليون تروتسكي، بوصفه أداة علمية متوافقة مع المادية الجدلية وقادرة على تحرير النفس البشرية من كوابيس البرجوازية. استُقبلت شبيلراين في موسكو بحفاوة بالغة نظراً لخبرتها الفريدة وعضويتها في جمعيتي فيينا وزيورخ؛ فعُينت أستاذة في جامعة موسكو الحكومية الأولى، وعضواً مؤسساً في “الجمعية السوفيتية للتحليل النفسي”، وتولت إدارة قسم علم نفس الطفل في “معهد موسكو للتحليل النفسي”، لتبدأ العمل في توفيق جريء بين النظرية التحليلية لللاشعور وبين علم المنعكسات البافلوفي والمادية الماركسية.
8.2 تجربة دار الأطفال التضامنية (المختبر التجريبي للأطفال)
شاركت شبيلراين في واحدة من أجرأ التجارب الطليعية في تاريخ التربية وعلم النفس الإكلينيكي: “دار الأطفال التجريبية” في موسكو، والمعروفة بـ “بيت الأطفال التضامن الدولي” (Detski Dom). تأسست هذه الدار كبيئة تربوية ونفسية متكاملة تهدف إلى تنشئة أطفال متحررين تماماً من العقد العصابية والتسلط الأبوي الكلاسيكي الذي كابدت شبيلراين ويلاتِه في طفولتها. كانت الفكرة المركزية هي استبدال “الأب البيولوجي المستبد” بجماعة تربوية رفيقة توفر الرعاية والحب دون استخدام أي شكل من أشكال العقاب البدني أو الترهيب الديني والطبقي.
عملت شبيلراين في هذا المختبر الميداني إلى جانب عالمين شابين سرعان ما تحولا إلى عملاقي السيكولوجيا السوفيتية: ألكسندر لوريا وليف فيغوتسكي. ألحقت شبيلراين ابنتها ريناتا بهذه الدار لتكون جزءاً من المراقبة العلمية اليومية لتطور الشخصية. غير أن هذه التجربة الطوباوية لم تعمر طويلاً؛ فمع صعود جوزيف ستالين إلى السلطة وتمدد البيروقراطية الحزبية الصارمة، بدأت الشبهات والاتهامات الإيديولوجية تلاحق الدار، متهمة القائمين عليها بالترويج لـ “أفكار جنسية فرويدية برجوازية ومنحرفة”، وتصاعدت شائعات سياسية مغرضة تلمح إلى أن بعض أطفال النخبة البلشفية (بمن فيهم فاسيلي ابن ستالين) يتعرضون لتجارب نفسية مشبوهة، مما أدى في النهاية إلى إغلاق الدار قسراً في أواخر عام 1924 وإنهاء هذه التجربة الفريدة.
9. سنوات روستوف على الدون ومواجهة القمع الستاليني
9.1 النشاط المهني والطب النفسي للأطفال في مسقط رأسها
في أواخر عام 1924، وإثر تعاظم التضييق السياسي والفكري في العاصمة موسكو، قررت سابينا شبيلراين مغادرة العاصمة والعودة إلى مسقط رأسها في روستوف على الدون لتلتحق بزوجها بافل شفتسوف وتؤسس حياة أسرية أكثر استقراراً، حيث أنجبت عام 1926 ابنتها الثانية “إيفا”. انخرطت سابينا في المشهد الطبي والأكاديمي المحلي بروستوف، فعملت كطبيبة نفسية للأطفال في العيادات العامة والمدارس الحكومية، وعينت استشارية لتطوير “علم البيدولوجيا” (Pedology) الذي كان يمثل النسخة السوفيتية المتكاملة لعلم نمو الطفل وقياس الذكاء والقدرات السلوكية.
واصلت شبيلراين نشاطها السريري بحماس منقطع النظير؛ فدربت عشرات المعلمين والكوادر التمريضية على فهم آليات المقاومة والتعلم عند الأطفال الذين يعانون من صعوبات دراسية واضطرابات نطق ورهاب مدرسي. ورغم الحظر غير الرسمي المتزايد للتحليل النفسي، استمرت سابينا، وبشجاعة استثنائية، في تطبيق التفسيرات التحليلية الرمزية في عملها السريري والتشخيصي اليومي، متنكرة تحت المصطلحات المقبولة رسمياً في علم النفس الفسيولوجي والسلوكي، محاولةً حماية الأطفال من القسوة المؤسسية المتنامية داخل جهاز التعليم السوفيتي المؤدلج.
9.2 تصاعد الإرهاب الستاليني وتفكيك العائلة والمؤسسات
شهد عقد الثلاثينيات الانقضاض الشامل للديكتاتورية الستالينية على الفكر الإنساني وحرية البحث العلمي في الاتحاد السوفيتي؛ حيث أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في عام 1936 مرسومها الشهير بحظر “علم البيدولوجيا” وتجريمه رسمياً، مع تصنيف التحليل النفسي ونظريات فرويد كـ “انحرافات أيديولوجية برجوازية فاشية مضادة للثورة”. وجدت شبيلراين نفسها فجأة مجردة من منابرها الأكاديمية وكتبها التي سُحبت من المكتبات، ومجبرة على العمل كطبيبة مدرسة عادية في عزلة علمية تامة.
تجاوزت الكارثة الجانب المهني لتضرب العائلة في الصميم؛ فمع انطلاق “حملات التطهير الكبرى” (Great Purge) بين عامي 1937 و1938، اعتقل جهاز الأمن السوفيتي (NKVD) أشقاء سابينا الثلاثة النوابغ:
- إسحاق شبيلراين: عالم النفس السلوكي الرائد في سيكولوجيا العمل ورئيس الجمعية السوفيتية لعلم النفس التطبيقي، أُعدم رمياً بالرصاص في عام 1937.
- جان شبيلراين: عالم الرياضيات والفيزياء المرموق وعميد كلية الهندسة بجامعة موسكو، أُعدم رمياً بالرصاص في مطلع عام 1938.
- إميل شبيلراين: عالم الأحياء المتميز ورئيس قسم البيولوجيا في جامعة روستوف، لقي المصير ذاته وأُعدم في خريف 1938.
توفي زوجها بافل شفتسوف بنوبة قلبية مفاجئة عام 1937 وسط أجواء الذعر المستمر والترقب الليلي لسيارات الاعتقال التابعة للشرطة السرية. عاشت سابينا سنواتها تلك في فقر مدقع ورعب دائم، متكفلة برعاية ابنتيها الصبيتين ومجبرة على حرق الكثير من مذكراتها وأبحاثها ووثائقها العلمية خوفاً من المداهمات الأمنية التي كانت تعني الإعدام الفوري لأي شخص يمتلك مراسلات مع الغرب الأوروبي أو “الخونة التروتسكيين”.
10. المأساة والشهادة: محرقة روستوف على الدون (1942)
10.1 الاحتلال النازي لروستوف على الدون ومصير السكان اليهود
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية واجتياح الجيوش النازية لأراضي الاتحاد السوفيتي في عملية “بارباروسا” صيف عام 1941، أصبحت مدينة روستوف على الدون هدفاً استراتيجياً للقوات الغازية بصفتها “بوابة القوقاز”. سقطت المدينة للمرة الأولى تحت الاحتلال الألماني في خريف 1941 لعدة أيام قبل أن يستردها الجيش الأحمر مؤقتاً، لكن في صيف عام 1942، وخلال الهجوم الألماني الجنوبي الكبير، سقطت روستوف مجدداً في أيدي الفيرماخت ووحدات الأمن الخاصة النازية في الرابع والعشرين من يوليو 1942.
رفضت سابينا شبيلراين مغادرة مدينتها أو إخلاءها مع القوات السوفيتية المنسحبة، في قرار بدا مأساوياً ومحيراً لمن حولها. كانت سابينا، بتكوينها الإنساني وتجربتها السويسرية الطويلة، عاجزة بنيوياً عن تصديق وحشية النازية وجرائم الإبادة الممنهجة ضد اليهود؛ إذ كانت تردد أمام معارفها وزميلاتها في المدرسة: “لقد عشت سنوات طويلة بين الألمان في سويسرا؛ إنهم أمة عظيمة أنتجت غوته وشيلر وفاغنر وموزارت، ولا يمكن لأمة هذه ثقافتها أن ترتكب الفظائع والهمجية التي تروج لها البروباغندا السوفيتية”. لم تكن شبيلراين تدرك أن ألمانيا التي عرفتها قد تلاشت، وأن ما يواجهها الآن هو آلة قتل صناعية نازية مكرسة للتطهير العرقي الشامل.
في الأسبوع الأول من أغسطس 1942، أصدر قائد القوات الألمانية وقائد وحدة الإبادة المتنقلة (Einsatzgruppe D) في روستوف الأوامر الإلزامية رقم (1) للجالية اليهودية: تجميع إجباري لجميع السكان اليهود، بما في ذلك النساء والأطفال، في نقاط تجميع محددة يومي 11 و12 أغسطس، مصحوبين بمفاتيح منازلهم وأمتعتهم الثمينة بذريعة “إعادة توطينهم ونقلهم إلى مناطق عمل آمنة خارج المدينة لتجنيبهم ويلات القتال”. امتثلت سابينا للأوامر، وتوجهت برفقة ابنتيها، إيرما-ريناتا (29 عاماً، عازفة التشيلو الواعدة) وإيفا (16 عاماً، الطالبة الموهوبة في الرسم)، إلى كنيس المدينة ونقاط التجمع، ممسكة بأيديهما في مسار لا عودة منه.
10.2 مذبحة زيميفسكايا بالكا وتصفية الإرث الإنساني
في الحادي عشر والثاني عشر من أغسطس 1942، نُقلت قوافل اليهود المحتجزين قسراً في شاحنات وعربات نقل عسكرية وعلى الأقدام نحو وادٍ عميق يقع على مشارف مدينة روستوف يُعرف باسم “زيميفسكايا بالكا” (Zmievskaya Balka) أو “وادي الأفاعي”. هناك، كشفت الآلة النازية عن وجهها الحقيقي؛ حيث أُجبر آلاف المدنيين على خلع ملابسهم وتسليم مقتنياتهم، قبل أن يُقادوا في صفوف متراصة نحو حافة الخنادق الكبيرة المضادة للدبابات التي كانت قد حُفرت مسبقاً.
أعدمت وحدات الموت الخاصة التابعة لقوات الأمن النازية (SS) والمتعاونون المحليون سابينا شبيلراين وابنتيها رمياً بالرصاص في مؤخرة الرأس، لتسقط جثامينهن الطاهرة إلى جوار أكثر من 27 ألف ضحية من أطفال ونساء ورجال روستوف على الدون، في أكبر مذبحة منفردة للهولوكوست على الأراضي الروسية. أُلقيت طبقات من الجير والتراب فوق الخنادق المتكدسة لإخفاء معالم الجريمة المروعة، لتنتهي حياة واحدة من ألمع وأعمق العقول النسائية في تاريخ العلوم الإنسانية في حفرة جماعية مجهولة، ولتتحقق نبوءتها الفلسفية بطريقة بالغة الوحشية والتراجيديا: لقد ابتلع “التدمير” الصرف جسد رائدة الفكر، ودُفن معها إرثها الإنساني لعقود تحت رمال النسيان والتعتيم السياسي المتعمد.
11. إعادة الاكتشاف والتأهيل التاريخي لإرث شبيلراين
11.1 العثور على صندوق وثائق جنيف المفقود (1977)
ظل اسم سابينا شبيلراين مطموساً في ظلمات التاريخ لأكثر من ثلاثة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، مجرد إشارة عابرة ومبهمة في هوامش كتابات فرويد وسير يونغ الذاتية، حتى حدث الاكتشاف الأرشيفي المعجزة في عام 1977. ففي أثناء أعمال تجديد في قبو مبنى قصر ويلسون (Palais Wilson) بمدينة جنيف، وهو المقر التاريخي السابق لـ “معهد جان جاك روسو”، عثر عمال الصيانة على صناديق كرتونية مهملة ومغبرة تحتوي على أرشيف وثائقي ضخم وشديد الخصوصية كان قد أودع هناك منذ مغادرة شبيلراين لسويسرا عام 1923.
وصلت الوثائق إلى يد المحلل النفسي والأكاديمي الإيطالي ألدو كاروتينوتو (Aldo Carotenuto)، الذي أدرك على الفور القيمة التاريخية والسريرية المذهلة لهذه الأوراق. احتوى الأرشيف على مذكرات سابينا اليومية المكتوبة بالألمانية والروسية لسنوات شبابها، بالإضافة إلى المراسلات الأصلية السرية المتبادلة بينها وبين كارل غوستاف يونغ، والرسائل المفصلية التي تبادلتها مع سيغموند فرويد بين عامي 1909 و1923. قام كاروتينوتو بتحقيق هذه الوثائق ونشرها في عام 1980 في كتاب تاريخي هز الأوساط الأكاديمية الدولية بعنوان: “سر سري: مذكرات ورسائل سابينا شبيلراين بين فرويد ويونغ” (Diario di una segreta simmetria / A Secret Symmetry).
أحدث نشر الكتاب زلزالاً إبستمولوجياً وأخلاقياً في المجتمع الدولي للتحليل النفسي؛ إذ فكك الرواية الرسمية المعتمدة التي صاغها كبار مؤرخي الحركة التحليلية (مثل إرنست جونز)، والتي اختزلت دور شبيلراين في دور الضحية السلبية أو المريضة التي سببت إحراجاً ليونغ. أثبتت الوثائق أن شبيلراين كانت المحرك الأساسي والمفصل النظري السري للحوار المعرفي الحاد الذي دار بين فرويد ويونغ، وأنها شريك فكري أصيل أسهم في صياغة مفاهيم “الأنِيما” (Anima)، والرمزية الأسطورية، وتفكيك الليبيدو، ما فرض إعادة كتابة تاريخ نشأة التحليل النفسي برمته على أسس موثقة وعادلة.
11.2 الاعتراف الأكاديمي والتوثيق النسوي الحديث
أطلق اكتشاف وثائق جنيف موجة عارمة من الدراسات النقدية والبحوث التأريخية، قادتها مؤرخات وباحثات نسويات في أوروبا والولايات المتحدة لإعادة الاعتبار لسيرة شبيلراين الفكرية وإنقاذها من “المصادرة البطريركية”. تولت باحثات بارزات، مثل ريناتي هوفر (Renate Höfer)، وزفي ل Lothane، وميريام شير هولمز، مهمة التنقيب في كتاباتها الطبية وجمع مقالاتها الكاملة وترجمتها من الألمانية والروسية إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، كاشفات عن دقة منهجيتها الإكلينيكية وأسبقيتها النظرية في علم نفس الطفل والفصام.
امتد هذا الاهتمام إلى الثقافة العامة والفنون والسينما العالمية؛ حيث كُرست لسيرتها العديد من المسرحيات والكتب السردية، كان أشهرها مسرحية كريستوفر هامبتون “العلاج بالحديث” (The Talking Cure)، والتي حولها المخرج العالمي ديفيد كروننبرغ في عام 2011 إلى الفيلم السينمائي الشهير “طريقة خطيرة” (A Dangerous Method). ورغم أن الفيلم ركز في جوانب منه على الدراما العاطفية بين يونغ وشبيلراين، إلا أنه لفت أنظار العالم مجدداً إلى عبقريتها العلمية وشجاعتها الإكلينيكية، مكرساً موقعها كشخصية محورية ورائدة تاريخية حفرت مسارها العلمي بمداد التضحية والأصالة المعرفية الخالصة.
12. التقييم النقدي: أثر سابينا شبيلراين على التحليل النفسي المعاصر
12.1 التكامل النظري بين البنية الحيوية والتفكيك الرمزي
يتجاوز الإرث العلمي لسابينا شبيلراين مجرد الأسبقية التاريخية في وضع بذور “غريزة الموت”؛ إذ تمثل رؤيتها نموذجاً إبستمولوجياً متكاملاً نجح في بناء جسر عضوي متين بين البيولوجيا التطورية وعلم وظائف الأعضاء من جهة، وبين التحليل النفسي الديناميكي وعلم الرموز واللسانيات من جهة أخرى. في وقت كانت المدارس التحليلية تنحو فيه إما نحو بيولوجية ميكانيكية ضيقة (فرويد المبكر) أو نحو صوفية ميثولوجية مجردة مفصولة عن الجسد (يونغ المتأخر)، وقفت شبيلراين عند التخوم الحيوية الدقيقة؛ حيث رأت أن الرمز النفسي ما هو إلا امتداد وتسامٍ للطاقة البيولوجية للخلية والجسد.
تنبأت شبيلراين بمفاهيم محورية ظهرت لاحقاً في مدارس “العلاقة بالموضوع” (Object Relations)؛ حيث تركت أفكارها حول تفكك الأنا والتدمير الخلاق بصمات واضحة على نظريات ميلاني كلاين حول “العدوان الأولي” ومرحلة “الموقف الاكتئابي” التي تتطلب استيعاب مشاعر التدمير كشرط لإصلاح الذات وبناء العلاقة مع الموضوع الجيد. كما تتقاطع رؤيتها مع مفاهيم المحلل البريطاني دونالد وينيكوت حول “تدمير الموضوع كشرط لاستخدامه واكتشاف الواقع الخارجي”؛ إذ لا يمكن للطفل أن يدرك حقيقة العالم الخارجي إلا بعد محاولة تدميره نفسياً وبقاء الموضوع صامداً أمام هذا العدوان المتخيل.
علاوة على ذلك، يمتلك مفهوم “التدمير كسبب للصيرورة” حضوراً لافتاً في الفلسفة المعاصرة والنقد الثقافي لما بعد البنيوية؛ إذ يتناغم بعمق مع أطروحات جاك دريدا التفكيكية، ومفاهيم جيل دولوز وجورج باتاي حول الإنفاق السيادي والتلاشي الذي يولد التعددية والاختلاف. كما يوفر نموذجها الإكلينيكي في التعامل مع الفصام أداة ثمينة للتحليل النفسي المعاصر في فهم آليات الصدمات النفسية الشديدة (Severe Trauma)، وكيف يمكن تفكيك المعاناة العصابية وتحويلها إلى طاقة إنتاجية وإبداعية خلاقة عبر الممارسة السردية والفنية.
12.2 الدروس المستفادة حول تهميش النساء في تاريخ العلوم
تقدم سيرة سابينا شبيلراين درساً إبستمولوجياً وسياسياً بالغ القسوة حول كيفية ممارسة المؤسسات العلمية والدوائر الأكاديمية الذكورية لآليات “المحو والتهميش الجندري” (Gender Erasure). لعقود طويلة، لم يتردد مؤرخو التحليل النفسي في حصر شبيلراين في صورة “المريضة الهستيرية المعقدة” أو “العشيقة والمصدر الملهم لخيالات العباقرة الرجال”، بينما جرى الاستيلاء الصامت على مفاهيمها التأسيسية وأفكارها المبتكرة حول الموت، والرمزية، واللغة، وتضمينها في كتب كبار العلماء دون إسناد علمي يليق بأصالتها وحقها الفكري.
إن إعادة كتابة تاريخ الطب النفسي والعلوم الإنسانية اليوم تتطلب تفكيك تلك النظرة الاستعلائية التي تعتبر النساء مجرد “وسائط حسية” أو “ملهمات سلبيات”، والاعتراف بهن كصانعات للمعرفة ومبتكرات للنظريات التأسيسية. تجسد شبيلراين رمزية المقاومة الفكرية في مواجهة أعتى أشكال القهر المزدوج: القهر الأبوي الأسري والمؤسسي الذي حاول خنق صوتها في مطلع شبابها، والاستبداد التوليتاري السوفيتي والنازي الذي سلبها أهلها ومنابرها وحياتها ذاتها في نهاية المطاف. إن استعادة اسم سابينا شبيلراين وتثبيته في صدارة الحركة التحليلية ليس مجرد إنصاف تاريخي لأرملة أبحاث جرى السطو عليها، بل هو انتصار للعدالة المعرفية، وتأكيد على أن وميض الفكر الإنساني الخلاق قادر على الانبثاق من بين رماد المحارق، ليظل حياً يضيء مسارات فهم النفس البشرية في أعقد تجلياتها.
خاتمة
إن الوقوف أمام سيرة سابينا شبيلراين هو وقوف أمام ملحمة فكرية وإنسانية كبرى تلتقي فيها العبقرية العلمية بأقسى تجليات المأساة التاريخية. فمن فتاة مراهقة ممزقة بصدمات القهر العائلي وأعراض الانهيار العصبي في مصحة بورغهولتزلي، استطاعت هذه العالمة الفذة، بقوة استبطانها وشجاعتها المعرفية، أن تصنع من أزمتها الوجودية منطلقاً لثورة نظرية قلبت مفاهيم الطب النفسي وعلم النمو رأساً على عقب. لم تستسلم سابينا لأدوار الضحية أو التابعة، بل خاضت معاركها الفكرية بصلابة نادرة أمام قطبي التحليل النفسي فرويد ويونغ، وفرضت حضورها في مجالس فيينا الأكاديمية ومختبرات جنيف التربوية كمنظّرة أصيلة لا تشق لها غبار.
لقد صاغت سابينا شبيلراين مفهوم “التدمير كسبب للصيرورة” ليكون في آنٍ معاً بوصلتها الفكرية ومرآة قدرها التراجيدي؛ فعبر التدمير النفسي ولدت باحثة عملاقة، وعبر التدمير العائلي والسياسي في ظل الشمولية الستالينية تابعت عملها الإنساني في صمت وإيثار، وقبل أن يُغيبها رصاص الإبادة النازية في وادي الأفاعي عام 1942، كانت قد أودعت في أرشيفات التاريخ الإنساني بذوراً معرفية غيرت ملامح السيكولوجيا الحديثة. إن سابينا شبيلراين اليوم لم تعد مجرد “سر سري” أو هامش في كتاب الآخرين، بل هي عنوان عريض للريادة والابتكار، وأيقونة للخلود العلمي الذي يتحدى الفناء والمحو، مؤكدة أن الصيرورة الحقيقية هي تلك التي تنتصر فيها المعرفة والكرامة الإنسانية على أبشع قوى التدمير والنسيان.
المراجع
- Carotenuto, A. (1982). A Secret Symmetry: Sabina Spielrein Between Franz Jung and Sigmund Freud. Pantheon Books. https://archive.org/details/secretsymmetrysa00caro
- Freud, S. (1920). Beyond the Pleasure Principle. Standard Edition, 18, 1-64. The Hogarth Press. https://www.sigmundfreud.net/beyond-the-pleasure-principle.pdf
- Höfer, R. (2000). Die Psychoanalytikerin Sabina Spielrein: Ihr Werk, ihre Beziehung zu C.G. Jung und Sigmund Freud. Psychosozial-Verlag. https://www.psychosozial-verlag.de/catalog/product_info.php/products_id/81
- Lothane, Z. (1999). Tender love and transference: Unpublished letters of C. G. Jung and Sabina Spielrein. International Journal of Psychoanalysis, 80(6), 1189-1204. https://doi.org/10.1516/0020757991600812
- Ovcharenko, V. I. (1999). The destiny of Sabina Spielrein. Journal of Analytical Psychology, 44(4), 419-428. https://doi.org/10.1111/1465-5922.00110
- Spielrein, S. (1911). Über den psychologischen Inhalt eines Falles von Schizophrenie (Dementia Praecox). Jahrbuch für psychoanalytische und psychopathologische Forschungen, 3, 329-400. https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k976865d
- Spielrein, S. (1912). Die Destruktion als Ursache des Werdens. Jahrbuch für psychoanalytische und psychopathologische Forschungen, 4, 465-503. https://gallica.bnf.fr/ark:/12148/bpt6k976866s
- Spielrein, S. (1994). Destruction as the cause of becoming (K. McCormick, Trans.). Journal of Analytical Psychology, 39(2), 155-186. https://doi.org/10.1111/j.1465-5922.1994.00155.x
- Van Waning, A. (1992). The riddle of Sabina Spielrein. International Review of Psycho-Analysis, 19, 399-415. https://www.pep-web.org/document.php?id=irp.019.0399a
- Vidal, F. (2001). Sabina Spielrein, Jean Piaget, and the Geneva Institute of Psychology: Historical context and significance. History of Psychiatry, 12(47), 281-295. https://doi.org/10.1177/0957154X0101204702