السيرة
تمثل مسيرة عالمة الأنثروبولوجيا وعلم الرئيسيات الأمريكية سارة بلافير هردي (Sarah Blaffer Hrdy) إحدى أبرز الثورات المعرفية في تاريخ البيولوجيا التطورية والأنثروبولوجيا السلوكية منذ منتصف القرن العشرين. استطاعت هردي، عبر تفكيك منهجي للمسلّمات الداروينية الكلاسيكية وتوسيع أدوات البيولوجيا الاجتماعية، أن تعيد كتابة التاريخ الطبيعي للنوع البشري عامة، ولدور الإناث والأمهات على وجه الخصوص. لم تكن طروحاتها مجرد إضافة تصحيحية هامشية للفكر السلوكي، بل كانت زلزالاً إبستمولوجياً كشف عن التحيزات الذكورية التي هيمنت على تأويلات الانتقاء الجنسي والوظائف البيولوجية لعقود متطاولة، مقدّمة رؤية علمية صارمة ترى في الأنثى فاعلاً تطورياً استراتيجياً ومحركاً رئيساً للتكيف الجمعي والتنشئة التشاركية.
تتجاوز أهمية سارة هردي حدود الرصد الميداني لسلوك الرئيسيات غير البشرية؛ إذ أسهمت نظرياتها الجريئة حول وأد الرضع التكيفي، والاستثمار الوالدي المشروط، والتكاثر التعاوني، في إعادة تشكيل علوم متفرقة تشمل علم النفس التطوري، ونظرية التعلق، والطب النفسي، والسياسات الاجتماعية الحديثة. من خلال دراستها الرائدة لقردة اللانغور في الهند، ومن ثم كتاباتها التأسيسية التي توجتها بأعمال مرجعية مثل The Woman That Never Evolved وMother Nature وMothers and Others، فككت هردي أسطورة “غريزة الأمومة الأحادية والمقدسة”، لتحل محلها نموذجاً معقداً ومرناً لخيارات الأمومة المقايضة بالحسابات البيئية والموارد المتاحة.
يقف القارئ لأعمال هردي أمام صرح معرفي فريد يزاوج بين النزعة الإمبريقية الصارمة والعمق الفلسفي الإنساني. لقد بيّنت أن ما يجعلنا “بشراً” بالمعنى الأخلاقي والمعرفي—من قدرة فائقة على التعاطف، وفهم متبادل لعقول الآخرين، وتماسك اجتماعي معقد—ليس نتاج حروب الصيد الذكورية وحدها كما زعم المنظور الكلاسيكي، بل هو الثمرة التطورية العميقة لنظام “التنشئة المشتركة” (Alloparenting)، حيث تضافرت جهود الأمهات والجدات وبقية أفراد العشيرة لرعاية طفل بشري باهظ التكلفة الدماغية والجسدية. في هذه الدراسة الشاملة، نقتفي أثر هذه العالمة الاستثنائية ومحطاتها الفكرية، مستعرضين أبعاد مشروعها وتأثيره الراسخ في فهمنا لطبيعتنا الإنسانية.
1. النشأة الأكاديمية والمحطات المفصلية في حياة سارة هردي
1.1 الخلفية العائلية والتعليم المبكر
ولدت سارة بلافير هردي في 11 يوليو 1946 في مدينة دالاس بولاية تكساس، ونشأت في بيئة تجمع بين الرفاهية المادية والتطلعات الاجتماعية لأسرة بارزة تعمل في قطاع النفط والأعمال. ومع ذلك، لم تكن هذه البيئة الجنوبية التقليدية لتخنق فضولها الفطري؛ بل شكّلت محفزاً مبكراً للتمرد المعرفي والتساؤل حول الأدوار الجندرية الصارمة والطبقية الاجتماعية السائدة في جنوب الولايات المتحدة آنذاك. أمضت طفولتها متأملة في الطبيعة ومسارات الحياة البرية في مزرعة أسرتها، ما غرس فيها شغفاً مستداماً بمراقبة الكائنات الحية في سياقاتها الطبيعية، وولد لديها وعياً مبكراً بتباين الفرص والامتيازات المفروضة اجتماعياً بين الذكور والإناث.
انتقلت هردي إلى ماساتشوستس للالتحاق بكلية رادكليف المرموقة، وهي المؤسسة النسائية المرتبطة بجامعة هارفارد، حيث تخرجت بمرتبة الشرف عام 1969 في تخصص الفلسفة والأنثروبولوجيا. شكلت سنوات دراستها الجامعية منعطفاً حاسماً، حيث اطلعت على الكتابات الكلاسيكية في علم الإنسان واكتشفت سحر علم الرئيسيات بفضل أساتذة ألهموها لدراسة سلوك الحيوان في البرية. دفعها هذا الفضول للابتعاد عن التفسيرات الثقافية المجردة والاقتراب من الأسس البيولوجية للسلوك، مدفوعة برغبة جارفة في الإجابة عن السؤال الجوهري: كيف تشكلت طبائع النوع الإنساني عبر تاريخه الطويل؟
شهدت هذه المرحلة تحولاً جذرياً في مسارها الأكاديمي، إذ أدركت أن دراسة علم الإنسان الثقافي تظل غير مكتملة دون دمجها الوثيق مع البيولوجيا التطورية وعلم البيئة السلوكي. انغمست هردي في قراءة أعمال تشارلز داروين برؤية نقدية فاحصة، وبدأت تتأمل كتابات رواد البيولوجيا السلوكية مثل نيكولاس تينبرغن وكونراد لورنتس، مستشعرة فجوة فكرية جسيمة: لقد أهملت هذه الأدبيات المرجعية إدماج الإناث ككائنات تتكيف بنشاط، وتعامَلت معهن بوصفهن خلفية سالبة للمنافسات التطورية الذكورية العنيفة.
1.2 التكوين الأكاديمي تحت إشراف رواد البيولوجيا الاجتماعية
التحقت سارة هردي بقسم الأنثروبولوجيا في جامعة هارفارد لإكمال دراساتها العليا، وهي فترة تزامنت مع ذروة الغليان المعرفي الذي قاده علماء الأحياء في تلك المؤسسة العريقة. حظيت هردي بفرصة العمل البحثي والتفاعل الأكاديمي المباشر مع رائدين من ألمع منظري البيولوجيا الاجتماعية الحديثة: إدوارد أو. ويلسون وروبرت تريفرز. كان المناخ الفكري مشحوناً بتحدي النماذج السلوكية القديمة من خلال نظريات ثورية مثل “الانتقاء القرابي” (Kin Selection) لويليام د. هاملتون و”نظرية الاستثمار الوالدي” لتريفرز.
تميزت هردي بقدرتها الاستثنائية على استيعاب تلك النظريات البيولوجية المعقدة وإعادة صياغتها ضمن إطار تحليلي مبتكر لا يتجاهل الفاعلية الأنثوية. فبينما كانت الساحة تميل إلى اعتبار الانتقاء الجنسي مجرد حلبة لصراع الذكور واستعراضهم، رأت هردي أن الإناث خاضعات لضغوط انتقائية لا تقل ضراوة، وأن استراتيجياتهن التناسلية تتطلب حنكة بيولوجية وسلوكية بالغة التعقيد. هذا الدمج بين الصرامة الرياضية للبيولوجيا التطورية والوعي النقدي الجندري وضع هردي في موقع علمي متفرد ومهّد لظهور فرع جديد في العلوم الطبيعية.
توجت هردي هذا التكوين الأكاديمي الصارم بنيل درجة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا من جامعة هارفارد عام 1975. تمحورت أطروحتها حول الدراسات الميدانية لسلوك قردة اللانغور الرمادية في الهند، وهي الدراسة التي وثقت فيها، لأول مرة، ظاهرة وأد الرضع المنهجي بأيدي الذكور من منظور تطوري تكيفي. رافقت هذه الإنجازات تحديات بالغة القسوة؛ إذ كان عليها كباحثة شابة أن تخترق حقلاً ميدانياً وأكاديمياً هيمن عليه الرجال بالكامل تقريباً، وسط تشكيك مستمر في قدرة امرأة على القيام بأبحاث بيئية شاقة في بيئات وعرة وقاسية كصحراء راجستان.
1.3 المسيرة المهنية والمناصب الأكاديمية الرفيعة
عقب نيلها الدكتوراه ونشر دراساتها الميدانية الصادمة، شغلت سارة هردي مناصب تدريسية وبحثية متميزة في جامعة هارفارد، قبل أن تنتقل في عام 1984 إلى جامعة كاليفورنيا في ديفيس كأستاذة للأنثروبولوجيا، حيث أسست مساراً تدريسياً وبحثياً متقدماً أشرفت فيه على أجيال من الباحثين في علم البيئة السلوكي وعلم الرئيسيات. ساهم وجودها في ديفيس في تعزيز مكانة القسم كأحد أهم مراكز دراسة الأنثروبولوجيا التطورية في العالم، حيث تميزت مقاربتها بالانفتاح على العلوم العصبية والنفسية وعلم الآثار.
تقديراً لمساهماتها العلمية الرائدة التي أعادت صياغة النماذج النظرية للتطور، نالت هردي أعلى الأوسمة الأكاديمية؛ إذ تم انتخابها عضواً في الأكاديمية الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة عام 1990، وهو تشريف لا يُمنح إلا للقلة النادرة من العلماء ذوي البصمات التأسيسية. كما انتُخبت عضواً في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم، والجمعية الفلسفية الأمريكية، وهي أقدم مؤسسة أكاديمية في البلاد تعود أصولها إلى بنجامين فرانكلين.
توالت الجوائز المرموقة على أبحاثها، ومن بينها جائزة “ويليام جيمس” من جمعية علم النفس الأمريكية، وميدالية الجمعية الدولية لعلم البيئة السلوكية، تقديراً لأعمالها التي فتحت آفاقاً غير مسبوقة لفهم السلوك البشري وأصول المشاعر الوالدية. واصلت هردي نشاطها بعد تقاعدها كأستاذة فخرية في جامعة كاليفورنيا (ديفيس)، واستمرت في تأليف أمهات الكتب والمحاضرة في كبريات الجامعات العالمية، مساهمة كمرجع لا غنى عنه في النقاشات المعاصرة حول الأمومة، والتطور المشترك للجينات والثقافة، ومستقبل التماسك الإنساني.
2. السياق التاريخي والنظري لظهور أفكار سارة هردي في العلوم السلوكية
2.1 هيمنة النموذج الدارويني التقليدي على دراسات السلوك الجنسي
منذ أن أصدر تشارلز داروين كتابه التأسيسي الثاني The Descent of Man, and Selection in Relation to Sex في عام 1871، استقرت في البيولوجيا التطورية سردية مهيمنة تفترض أن المحرك الأساسي للاصطفاء الجنسي هو التنافس المحتدم بين الذكور للوصول إلى الإناث، بينما وُضعت الإناث في قالب نمطي مستمد بوضوح من القيم الاجتماعية الفيكتورية السائدة في عصر داروين. صُوِّرت الأنثى في هذا النموذج بوصفها كائناً خجولاً (coy)، سلبياً، يقتصر دورها على الاستسلام للذكر المنتصر وحمل الأجنة، دون أن تمتلك استراتيجيات تزاوجية معقدة أو دوافع تنافسية خاصة بها.
قاد هذا الافتراض الأيديولوجي غير المفحوص إلى إغفال شامل للسلوك التناسلي لدى إناث الثدييات. فقد افترض الباحثون أن التنافس التطوري حكر على الذكور، لأن الذكر يستطيع إنتاج ملايين الحيوانات المنوية بتكلفة حيوية منخفضة ويسعى بالتالي لتعظيم نسله عبر التزاوج المتعدد، بينما تلتزم الأنثى—بحكم بويضاتها الشحيحة وفترات الحمل والإرضاع الطويلة—بشريك واحد يوفر لها الحماية والأمان الجيني. هذا الاختزال الفج غيّب الفهم العميق للتعقيد البيولوجي والاستراتيجيات الإنجابية الدقيقة التي تمارسها الإناث في الطبيعة، وتسبب في تشويه الملاحظات الميدانية لعقود عديدة.
أدى غياب المنظور الأنثوي في الرصد الميداني إلى اعتبار أي سلوك أنثوي نشط أو عدواني أو غير أحادي جنسياً بمثابة شذوذ إحصائي أو انحراف لا يستحق التحليل النظري. أوجدت هذه الوضعية حاجة منهجية ومعرفية ملحة لتدخل علمي رصين يعيد قراءة السلوك الجنسي والتناسلي للثدييات وفق براهين إمبريقية صارمة، بعيداً عن الرواسب الأيديولوجية الذكورية، وهو الفراغ الذي انبرت سارة هردي لملئه عبر تفكيك فرضيات التطور الكلاسيكية بأدوات البيولوجيا نفسها.
2.2 ثورة البيولوجيا الاجتماعية في سبعينيات القرن العشرين
شهد عام 1975 نقطة تحول جذرية في تاريخ الفكر البيولوجي بظهور كتاب إدوارد ويلسون المرجعي Sociobiology: The New Synthesis. بشّر هذا العمل بولادة علم جديد يسعى إلى تبيان الأسس التطورية والوراثية لكافة السلوكيات الاجتماعية لدى الحيوانات والإنسان على حد سواء. استند ويلسون إلى ترسانة نظرية صاغها باحثون عباقرة، وكان في مقدمتها مفهوم “الاستثمار الوالدي” لروبرت تريفرز، الذي وضع معادلة اقتصادية-بيولوجية دقيقة لتفسير التباين في السلوك الجنسي والصراع بين الذكور والإناث والنزاع بين الآباء والأبناء.
فجرت البيولوجيا الاجتماعية صدمة فكرية هائلة وسجالاً أكاديمياً حامياً بين معسكرين: معسكر العلوم الاجتماعية والإنسانية الذي اتهم الطرح الجديد بالحتمية البيولوجية، والميل نحو تبرير الهيمنة الطبقية والذكورية والتمييز العنصري تحت غطاء العلم الطبيعي؛ ومعسكر البيولوجيا التطورية الذي دافع عن أهمية الجينات والانتقاء الطبيعي في صياغة الغرائز والسلوكيات التكيفية. كان الجو الأكاديمي مستقطباً إلى حد العداء الصريح، وبدا أن أي حديث عن الأساس البيولوجي للسلوك يعد اعتداءً مباشراً على تطلعات التحرر الاجتماعي والنسوي.
في خضم هذا الصراع الفكري المحتدم، تبنت سارة هردي موقفاً نقدياً وتركيبياً فذاً. لم تنخرط في الهجوم المناهض للبيولوجيا كما فعلت بعض التيارات الفكرية اليسارية والنسوية، ولم تبتلع التحيزات الذكورية التي رافقت الطرح البيولوجي الكلاسيكي لويلسون ورفاقه. عوضاً عن ذلك، قررت هردي توظيف نفس الأدوات الرياضية والتطورية للبيولوجيا الاجتماعية—من اصطفاء جنسي، وحسابات الكلفة والمنفعة، والاستثمار الوالدي—لتسليط الضوء على الزوايا المظلمة التي أهملها الرجال، وتفكيك الافتراضات الذكورية من داخل الحقل البيولوجي نفسه وبنفس آلياته الصارمة.
2.3 تأسيس الأنثروبولوجيا التطورية النسوية
أرست أبحاث سارة هردي حجر الزاوية لما يُعرف اليوم بـ “الأنثروبولوجيا التطورية النسوية” (Feminist Evolutionary Anthropology). تمثل هذا التحول الإبستمولوجي في إخضاع الفرضيات التطورية السائدة حول طبيعة الإناث للمحاكمة الإمبريقية القاطعة، المعتمدة على المراقبة الدقيقة لسلوك إناث الرئيسيات في بيئاتها الطبيعية الحرة، بدلاً من الاعتماد على التجارب المعملية المشوهة أو الاستنتاجات النظرية الجاهزة الملطخة بأحكام مجتمعية مسبقة.
نجحت هردي في بناء جسر معرفي غير مسبوق بين أطروحات الفكر النسوي التحرري والقوانين الصارمة للانتخاب الطبيعي. فقد أوضحت أن الاعتراف بالطبيعة البيولوجية لا يعني بالضرورة القبول بالدونية التطورية للأنثى؛ فالانتخاب الطبيعي لم يصغِ يوماً للتراتبيات البطريركية، بل كان دوماً بلا رحمة وبلا تحيز جندري: فالجينات التي تبقى هي الجينات الأكثر قدرة على التكيف لدى كلا الجنسين. وبذلك، أعادت هردي تعريف مفهوم “النجاح التكيفي” (Adaptive Fitness) للإناث، واضعة إياهن في مكانة الفواعل النشطات والمخططات الاستراتيجيات لمسارات بقائهن وبقاء نسلهن.
كان لهذا التحول المعرفي أثر بالغ في مسار ولادة ونضج علم النفس التطوري الحديث. فقد أفضت طروحات هردي إلى إجبار الباحثين على مراجعة النماذج التطورية للوظائف النفسية، ودفعتهم للإقرار بأن العقل البشري، ذكراً كان أم أنثى، قد تطور استجابة لضغوط تكيفية مشتركة ومتشابكة، وأن الاستراتيجيات النفسية الأنثوية تشتمل على دوافع تنافسية، وسياسية، واجتماعية متقدمة تضاهي بل وتفوق في كثير من الأحيان الدوافع الذكورية التقليدية.
3. أبحاث قرود اللانغور في جبل أبو وظاهرة قتل الرضع التكيفي
3.1 الدراسات الميدانية في الهند واكتشاف السلوك الصادم
في مطلع سبعينيات القرن العشرين، انطلقت سارة هردي في مشروع بحثي ميداني شاق ومكثف لدراسة مجتمعات قرود اللانغور الرمادية (Semnopithecus entellus) في منطقة “جبل أبو” (Mount Abu) في ولاية راجستان الهندية. كانت تلك المجتمعات تعيش في بيئة جبلية شبه قاحلة، وتتميز بنظام اجتماعي تتشكل فيه المجموعات من حريم يضم عدداً من الإناث المرتبطات قرابياً وأطفالهن، تحت قيادة ذكر مهيمن وحيد، بينما تعيش الذكور الأخرى في مجموعات عازبة تتربص بالمجموعة لاقتناص الفرصة للإطاحة بالذكر القائد.
خلال آلاف الساعات من الملاحظة المضنية، وثقت هردي بدقة فوتوغرافية وإحصائية ظاهرة بالغة القسوة والغرابة شكلت صدمة عنيفة للأوساط العلمية: عندما ينجح ذكر غريب أو تحالف من الذكور في طرد الذكر المهيمن والاستيلاء على المجموعة، يعمد الذكر المنتصر الجديد فوراً إلى مطاردة وقتل الرضع الرضّع التابعين للمجموعة والذين أنجبهم الذكر المخلوع، وسط محاولات مستميتة ويائسة من الأمهات للدفاع عن صغارهن.
كان التفسير الأكاديمي السائد والمريح لتلك الظاهرة آنذاك—والذي تبناه علماء رئيسيات بارزون—هو اعتبار قتل الرضع “سلوكاً مرضياً منبثقاً عن الضغط والاكتظاظ السكاني” الناجم عن قرب هذه القردة من التجمعات السكنية البشرية ورمي الفضلات الغذائية لها. لكن هردي رفضت الركون إلى هذا التفسير المرضي التبسيطي؛ إذ أثبتت من خلال البيانات الديموغرافية والتاريخية أن قتل الرضع ليس عارضاً، بل هو سلوك منظم، متكرر، وله نمط زمني محدد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بلحظة انتقال السلطة بين الذكور، مما استدعى البحث عن تفسير تطوري أعمق يستند إلى قواعد الانتقاء الطبيعي.
3.2 فرضية القتل التكيفي للأطفال كإستراتيجية ذكورية
قدمت سارة هردي فرضيتها الشهيرة التي أحدثت ضجة فكرية واسعة: “وأد الرضع كاستراتيجية تكيفية تناسلية للذكور” (Adaptive Male Reproductive Strategy). انطلقت هردي من فيزياء التكاثر لدى إناث اللانغور؛ فالأنثى المرضعة تظل في حالة من “العقم الإرضاعي” (Lactational Amenorrhea) لسنوات طالما كان رضيعها يرضع، مما يمنعها من الإباضة والحمل مجدداً. ولما كانت فترة سيطرة الذكر الجديد على المجموعة قصيرة نسبياً ولا تتجاوز في المتوسط عامين إلى ثلاثة أعوام قبل أن يطيح به ذكر آخر، فإن انتظار الذكر حتى تفطم الأنثى وليد الذكر السابق يعني هدر جزء ثمين من وقته التناسلي المحدود دون تمرير جيناته.
بقتل الرضيع، تتوقف الأنثى عن إفراز هرمون البرولاكتين ويعود نظامها الهرموني إلى الدورة التناسلية الطبيعية في غضون أسابيع قليلة، مما يمكن الذكر القاتل من مباغتة الزمن وتلقيحها وتمرير نسخته الجينية قبل أن يفقد سيادته على المجموعة. بينت هردي من خلال حسابات الكلفة والمنفعة الجينية ونظرية الانتقاء الجنسي التنافسي، أن هذا السلوك الشنيع من منظورنا الأخلاقي البشري يعزز في الواقع “الصلاحية التطورية المطلقة” (Fitness) للذكر القاتل في بيئته البيولوجية.
قوبلت فرضية هردي في البداية برفض أخلاقي وهجوم أكاديمي شرس من جانب العديد من علماء السلوك، الذين رفضوا تصديق أن الانتقاء الطبيعي يمكن أن يفضل سلوكاً يبدو مدمراً للنوع ككل. لكن السنوات اللاحقة شهدت انتصاراً باهراً لهردي؛ إذ توالت الدراسات الجينية والإمبريقية التي أكدت صحة فرضيتها ليس فقط في قردة اللانغور، بل في عشرات الأنواع الأخرى من الثدييات، بما في ذلك الأسود الإفريقية، والدببة، والعديد من أنواع القوارض والرئيسيات الأخرى، ليصبح قتل الرضع التكيفي نموذجاً معتمداً وثابتاً في كتب علم البيئة السلوكي المقارن.
3.3 الإستراتيجيات المضادة لدى الإناث للدفاع عن النسل
لم تتوقف بصيرة هردي عند تحليل الفعل الذكوري؛ بل كانت النقلة النوعية في رصدها المعمق لردود أفعال الإناث اللواتي لم يكنّ ضحايا ساذجات يقفن مكتوفات الأيدي أمام هذه المقتلة الجينية. فقد وثقت هردي منظومة متطورة من “الاستراتيجيات المضادة” (Counter-strategies) التي صقلها الانتخاب الطبيعي لدى إناث اللانغور لحماية استثمارهن الإنجابي الباهظ في أطفالهن.
كان من أبرز هذه الاستراتيجيات ما أطلقت عليه هردي سلوك “الشبق الكاذب” (Pseudo-estrus)؛ حيث تُبدي الإناث الحوامل سلوكيات قبول جنسي متلهفة وتتزاوج بنشاط مع الذكر المغتصب الجديد. يوهم هذا التزاوج التكتيكي الذكر بأنه هو الأب البيولوجي للجنين القادم فيرحمه عند ولادته، وهو ما يمثل تضليلاً جينياً معقداً يهدف إلى إحداث “التباس في تحديد الأبوة” (Paternity Confusion). تُمكّن هذه الاستراتيجية الأنثى من حماية وليدها عبر حجب اليقين الأبوي، مما يثبط دافع القتل لدى الذكور الغرباء.
بالإضافة إلى ذلك، كشفت هردي عن الدور الحاسم للتحالفات الأنثوية الدفاعية؛ إذ تتكاتف الأمهات والعمات والجدات لتشكيل جدار صد فيزيائي عنيف ضد هجمات الذكر الجديد للذود عن الرضع المعرضين للخطر، فضلاً عن لجوء الإناث أحياناً إلى “الإجهاض التكيفي” (تأثير بروس) لإنهاء حمل ميؤوس منه مبكراً وتوفير الطاقة في حال تيقن مقتل الوليد المستقبلي. أبرز هذا التحليل الوكالة التطورية النشطة والواعية بيولوجياً للأنثى، محطماً الصورة النمطية السلبية ومؤكداً أن الأنثى تخوض حرب بقاء تكتيكية لا تقل ضراوة ودهاء عن المعارك الفيزيائية التي يخوضها الذكور.
4. كتاب ‘المرأة التي لم تتطور قط’ وإعادة تعريف الطبيعة الأنثوية
4.1 تفكيك أسطورة الأنثى الخجولة والأحادية جنسياً
في عام 1981، أصدرت دار نشر جامعة هارفارد كتاب سارة هردي الرائد The Woman That Never Evolved (المرأة التي لم تتطور قط)، والذي يُعد بياناً تأسيسياً لإعادة قراءة الطبيعة التطورية للإناث. استهلت هردي كتابها بنقد لاذع للأدبيات البيولوجية التي افترضت أن الأنثى الطبيعية مفطورة على العفة، والسكون، والارتباط الأحادي، مؤكدة أن هذا الكائن السلبي المتخيَّل هو “امرأة لم تتطور قط في الواقع”، بل هو انعكاس لأوهام المجتمع الفيكتوري والباحثين الذكور الذين ألبسوا الطبيعة رداء ثقافتهم الخاصة.
استندت هردي في تفكيك هذه الأسطورة إلى حشد هائل من الأدلة البيولوجية المقارنة من مجتمعات الرئيسيات، كاشفة عن ميل إناث القردة العليا الصريح نحو التزاوج مع شركاء متعددين كلما سنحت الفرصة التكيفية. فبينما كان يُنظر إلى التعدد الجنسي كنزوة ذكورية حصرية، أثبتت هردي أن التزاوج مع أكثر من ذكر يمثل حاجة استراتيجية ملحة للأنثى؛ فهو يوزع احتمالات الأبوة بين عدة ذكور، مما يحوّل الذكور المحتملين من أعداء قاتلين للنسل إلى حماة مدافعين عنه، أو على الأقل يدفعهم للتردد في إيذائه خشية إيذاء ذريتهم المحتملة.
علاوة على ذلك، قدمت هردي تحليلاً مقارناً فريداً للتشريح التناسلي للرئيسيات، متناولة الوظيفة التكيفية للاستجابة الجنسية لدى الأنثى، ولا سيما عدم وضوح فترة الخصوبة وتطور قدرات حسية وجسدية تبقي الذكور في حالة مستمرة من الشك والتفاوض. وبذلك، نسفت هردي الفرضية الداروينية حول الركود الغريزي للإناث، مبرهنة على أن الرغبة الجنسية الأنثوية النشطة والمتعددة هي محرك تكيفي صاغته ملايين السنين من الضغوط البيئية الحادة لتطويق المخاطر الذكورية وتأمين سلامة الصغار.
4.2 التنافس الشرس بين الإناث على الموارد والمكانة
تناولت هردي في كتابها بعداً آخر ظل محظوراً في التناول الأكاديمي الرومانسي، ألا وهو “التنافس الشرس بين الإناث”. ففي مقابل التصورات التي روجت لفكرة التضامن الأنثوي المطلق والفطري، بينت هردي عبر الملاحظة الميدانية الدقيقة أن إناث الرئيسيات يتنافسن بضراوة لا تقل عن تنافس الذكور، ولكن بأدوات وميادين مختلفة تلائم أهدافهن التطورية المحددة بالبقاء والاستثمار طويل الأمد.
أثبتت هردي وجود تراتبيات هيمنة اجتماعية نسائية بالغة الصرامة والتعقيد في مجتمعات القردة، حيث تؤثر رتبة الأنثى تأثيراً مباشراً وحاسماً على فرص بقائها وبقاء صغارها. فالإناث ذوات الرتب العالية في السلّم الاجتماعي يستحوذن على أفضل مصادر الغذاء الغنية بالطاقة والملاذات الآمنة من المفترسات، مما يترجم بيولوجياً إلى بدء مبكر في مرحلة النضج الجنسي، وفترات أقصر بين الولادات، ومعدلات نجاة أعلى بكثير لأطفالهن مقارنة بإناث الرتب الدنيا اللواتي يتعرض نسلهن للمجاعة وسوء التغذية بل وحتى التحرش والعنف من قبل الإناث الأخريات.
أسقط هذا الطرح العلمي الجريء الفكرة الساذجة القائلة بأن المنافسة شأن ذكوري نابع من التستوستيرون فقط، في حين أن الإناث مجبولات على التناغم السلبي. لقد كشفت هردي أن المنافسة النسوية غالبًا ما تكون أقل صخباً وأقل ظهوراً للعين المجردة من الصدامات الفيزيائية الصريحة بين الذكور، لكنها منافسة استراتيجية عميقة ومستدامة تمارس عبر الضغوط غير المباشرة والتهميش الاجتماعي، ما يجعل الهرمية النسائية عاملاً تطورياً فاصلاً في انتقاء الجينات والصفات التكيفية عبر الأجيال المتتابعة.
4.3 إعادة صياغة دور الأمومة في التطور البشري
أسفرت أطروحة The Woman That Never Evolved عن ثورة مفاهيمية أعادت صياغة مفهوم الأمومة بالكامل؛ حيث تحولت الأم من صورة “الضحية المنقادة” لتضحيات بيولوجية حتمية إلى “فاعل استراتيجي حذر” يدير محفظة استثمارية بيولوجية بالغة الحساسية. ركزت هردي على أن “المرونة السلوكية” (Behavioral Plasticity) هي السمة التطورية الجوهرية والتاج الحقيقي الذي يميز إناث الثدييات والبشر، وليست البرمجة الغريزية الجامدة والميكانيكية.
فتحت هذه المقاربة الباب على مصراعيه لدمج العلوم الإنسانية والبيولوجيا في توليفة خلاقة، متجاوزة الاستقطاب العقيم بين النسوية والداروينية. فقد برهنت هردي على أن دراسة التطور لا تعني تأبيد البنى البطريكية، بل تمنحنا الأدوات العلمية لتفكيكها، عبر تبيان أن استقلال الأنثى ومشاركتها في تقرير المصير الإنجابي والمكاني كانت هي القاعدة التطورية الصلبة لأسلافنا وليست استثناءً طارئاً.
كان للكتاب أثر أكاديمي ملهم تجاوز علم الرئيسيات إلى حقول شتى؛ حيث ألهم أجيالاً جديدة من الباحثات الشابات لدخول حقول علم الأحياء الميداني والأنثروبولوجيا الفيزيائية، متسلحات بأسئلة بحثية لم تطرح من قبل. أدى هذا التدفق البحثي الجديد إلى إعادة فحص مئات التقارير الميدانية السابقة وكشف الانحيازات المنهجية التي غيبت إناث الأنواع الحية لعقود، مما غير بوصلة علم البيئة السلوكي المعاصر بصورة لا رجعة فيها.
5. أطروحة ‘الأم الطبيعة’: تفكيك الغريزة وتأصيل الاستثمار المشروط
5.1 نقد مفهوم ‘غريزة الأمومة’ الأحادية والمطلقة
في عام 1999، أطلقت سارة هردي عملها الموسوعي الأضخم Mother Nature: Maternal Affections and How They Shape the Human Species (الأم الطبيعة: عواطف الأمومة وكيف شكلت النوع البشري). تصدت هردي في هذا العمل التأسيسي لتفكيك المفهوم الشائع حول “غريزة الأمومة” (Maternal Instinct) بمعناها الأسطوري الفيكتوري؛ القائل بأن كل امرأة، بمجرد أن تضع مولودها، تتدفق في داخلها عواطف جياشة غير مشروطة ولا نهائية تدفعها للتضحية العمياء بذاتها من أجل وليدها في كل الظروف والأحوال.
تتبعت هردي الجذور التاريخية والأيديولوجية لهذه السردية المثالية، مبينة كيف تمت صياغتها في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بالتوازي مع بزوغ الثورة الصناعية وتفكك شبكات التضامن الأسري الممتد، وذلك لإلزام المرأة داخل جدران البيت وتكليفها بالرعاية الحصرية في غياب الدعم المجتمعي. ثم قدمت هردي بدلاً من ذلك أطروحتها التطورية الصارمة: إن رعاية الأم لطفلها ليست مفتاحاً ميكانيكياً يعمل تلقائياً، بل هي “استثمار مشروط” (Conditional Investment) بيئياً واجتماعياً ونفسياً، محكوم بمعادلات البقاء وفرص النجاة التراكمية عبر مسيرة الحياة التناسلية للأم بأكملها.
أوضحت هردي أن مشاعر الأمومة هي استجابات عصبية وهرمونية وسلوكية تتسم بدرجة فائقة من الديناميكية والمرونة؛ فهي تقوى وتشتد، أو تضعف وتفتر، بناءً على مؤشرات معقدة يلتقطها دماغ الأم لاشعورياً حول البيئة المحيطة: هل هناك غذاء كافٍ؟ هل الشريك ملتزم بتقديم العون والحماية؟ هل توجد شبكة قرابة اجتماعية تقدم الإسناد؟ في غياب هذه المحفزات التكيفية، تصبح مشاعر النفور، أو الإهمال المؤقت، أو التردد العاطفي استجابات بيولوجية مفهومة ومرنة صممها الانتقاء الطبيعي لحماية الأم من استنزاف مواردها الحيوية في نسل محكوم عليه بالفناء، ولحفظ طاقتها لمواسم إنجابية قادمة تتوفر فيها شروط بقاء أفضل.
5.2 الاستثمار الوالدي التفريقي والمفاضلة التكيفية
وظفت هردي فرضية تريفرز-ويلارد (Trivers-Willard Hypothesis) الشهيرة في سياق رائد لتفسير السلوك الأمومي البشري؛ وهي الفرضية التي تتنبأ بأن الوالدين في ظروف الوفرة والمكانة الاجتماعية العالية سيميلون للاستثمار أكثر في الأبناء الذكور الذين يستطيعون منافسة أقرانهم وتأسيس حريم تناسلي واسع، في حين سيميل الوالدون في ظروف الفقر وشح الموارد للاستثمار في الإناث اللواتي تظل فرصهن التناسلية آمنة ومضمونة نسبياً مقارنة بالذكور المهمشين. طبقت هردي هذا النموذج على مجتمعات تاريخية وثقافات إنسانية متباينة لتبيان الدوافع الدفينة للتفضيل الجندري غير الواعي في الرعاية والتغذية.
لم تتهيب هردي من مواجهة الظاهرة الأكثر إيلاماً وإرباكاً للأخلاق الإنسانية: تاريخ وأد الأطفال وإهمالهم التكيفي عبر الحضارات. فمن مجتمعات الصيد والجمع إلى أوروبا العصور الوسطى وأرياف آسيا المعاصرة، أظهرت هردي أن التخلي عن الأطفال الضعاف، أو المرضى، أو الذين يولدون في أوقات مجاعة خانقة، أو المولودين دون إسناد ذكوري أو أسري موثوق، لم يكن نابعاً من انحراف نفسي فردي أو قسوة سيكوباتية متجردة، بل كان قراراً تكيفياً تفرضه ندرة الموارد القاسية ومفاضلة وجودية مريرة بين بقاء الأم وأطفالها الأكبر سناً وبين محاولة ميؤوس منها لإنقاذ وليد جديد معدوم الفرص.
انطلاقاً من هذا التأصيل، قدمت هردي قراءة تطورية جديدة كلياً لاضطراب اكتئاب ما بعد الولادة (Postpartum Depression). رفضت اعتباره مجرد خلل كيميائي مرضي بحت؛ بل اقترحت أنه يمثل في جوهره “إشارة تطورية تحذيرية” (Adaptive Signal) يطلقها النظام النفسي العصبي للمرأة عندما يستشعر العزلة الاجتماعية الخانقة وغياب الموارد والمساندة الأسرية، وكأن العقل اللاواعي يعلن للأم والمحيطين بها أن بيئة الرعاية غير آمنة وأن كلفة الاستثمار الوالدي في هذه اللحظة تفوق القدرة على الاحتمال، مما يستوجب استنفار شبكة الدعم أو تجميد الارتباط النفسي بالوليد مؤقتاً.
5.3 الأبعاد السيكولوجية للمقايضة الإنجابية لدى النساء
حللت هردي في Mother Nature التمزق النفسي العميق والنزاع الداخلي الوجودي الذي تعيشه المرأة عبر التاريخ بين مصلحتها الحيوية الذاتية ككائن حي يسعى للحياة والنمو، وبين المطالب الاستنزافية الطاغية لوليدها البشري الرضيع. فالأم البشرية، بخلاف إناث العديد من الحيوانات، تجد نفسها في مفترق طرق دائم بين الحفاظ على مواردها النفسية والجسدية لأجل أطفالها السابقين أو مستقبلها الذاتي، وبين الإفناء الكامل للذات تلبيةً لبكاء وليد جديد يعتمد كلياً على لبنها ورعايتها المستمرة على مدار الساعة.
تتبعت هردي البنى النفسية والاجتماعية التي ابتكرتها المجتمعات للتخفيف من وطأة هذا الصراع، مثل ظاهرة “المربيات والمرضعات المستأجرات” (Wet Nurses) التي شاعت في أوروبا بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، وظاهرة “مؤسسات اللقطاء” في المدن الكبرى كباريس ولندن، حيث كانت الأمهات الفقيرات والعاملات يتركن مواليدهن بمئات الآلاف. بينت هردي أن هذه الممارسات، رغم نتائجها الكارثية بمقاييس عصرنا، كانت محاولات عاجزة لإدارة “مقايضة إنجابية” (Reproductive Trade-off) قاسية بين العمل من أجل البقاء الغذائي وبين تقديم رعاية مستحيلة في ظل غياب أي سند مجتمعي منظم.
أفضت هذه التحليلات الباهرة إلى تفكيك جذري لعقدة “الذنب الوالدي” التي تكبل الأمهات في العصر الحديث. فمن خلال فهم المحددات التطورية والبيولوجية للاستثمار الأمومي، أظهرت هردي أن تأرجح المشاعر، والشعور بالإرهاق والاستنزاف النفسي، والرغبة في الانفصال المؤقت عن الرضيع ليست خطايا أخلاقية تدل على فشل الأمومة، بل هي تجليات طبيعية لتعقيد الدماغ البشري الذي تطور ليقدم رعاية مشروطة تعتمد على وجود سياق بيئي واجتماعي داعم، ولا يمكن إدارتها بمعزل عن الحاضنة الإنسانية الأوسع.
6. فرضية التكاثر التعاوني ونشأة التنشئة المشتركة (Alloparenting)
6.1 الأسس البيولوجية والأنثروبولوجية للتنشئة المشتركة
تعد فرضية التكاثر التعاوني (Cooperative Breeding) وتأصيل مفهوم “التنشئة المشتركة” أو “الرعاية الإضافية” (Alloparenting) بمثابة التاج النظري الذي توج مسيرة سارة هردي الأكاديمية. عرفت هردي “الآباء الإضافيين” (Allomothers) بأنهم جميع الأفراد المنخرطين في حماية ورعاية وتغذية الرضيع بخلاف الأم البيولوجية المباشرة، ويشمل ذلك الآباء، والجدات، والعمات، والخالات، والأخوة الأكبر سناً، وحتى الأفراد غير المرتبطين جينياً بالمولود داخل الجماعة الاجتماعية.
انطلقت هردي من معضلة فيزيولوجية حيوية تميز النوع البشري وتفصله تماماً عن بقية القردة العليا كـ الشمبانزي والغوريلا. فالأم الشمبانزية ترعى صغيرها بمفردها على نحو حصري ولا تسمح لأي كائن بلمسه لسنوات، لكنها تستطيع ذلك لأن صغير الشمبانزي ينمو سريعاً ويفطم نفسه دون تكاليف طاقية مدمرة للأم. في المقابل، فإن وليد النوع البشري يأتي إلى العالم وهو الأكثر عجزاً وهشاشة، ويمتلك مخاً ضخماً يتطلب وحده ما يقارب 50% إلى 60% من طاقة التمثيل الغذائي للرضيع، وتستمر مرحلة طفولته واعتماديته لسنوات طويلة تمتد لأكثر من عقد كامل قبل أن يصبح قادراً على إطعام نفسه.
حسبت هردي تكلفة الطاقة اللازمة لتربية طفل بشري واحد من الولادة وحتى مرحلة النضج المستقل بنحو 13 مليون سعرة حرارية؛ وهو عبء طاقي يستحيل فيزيولوجياً على أنثى واحدة من مجتمعات الصيد والجمع أن توفره بمفردها مهما بلغت مهارتها في جمع الثمار وقوتها العضلية. وبناءً على ذلك، خلصت هردي إلى نتيجة قاطعة: إن البشر ما كان لهم أن يبقوا كنوع بيولوجي، ولا أن تتطور أدمغتهم الكبيرة، لولا أنهم تطوروا كمتكاثرين تعاونيين، حيث تعتمد الأم اعتماداً كلياً وحتمياً على شبكة توزيع أعباء التنشئة والمؤازرة مع أفراد آخرين لضمان بقاء نسلها.
6.2 دور الجدات والتفسير التطوري لانقطاع الطمث
قدمت سارة هردي دعماً نظرياً وأنثروبولوجياً حاسماً لـ “فرضية الجدة” (Grandmother Hypothesis)، التي طورتها عالمة الأنثروبولوجيا كريستين هوكس وزملاؤها. يُعد سن انقطاع الطمث (Menopause) لغزاً تطورياً فريداً؛ فلماذا تتوقف إناث البشر عن الإنجاب في منتصف أعمارهن بينما يعشن لعقود طويلة بعد ذلك، في حين أن الغالبية الساحقة من الثدييات تستمر خصوبتها حتى الرمق الأخير من الحياة؟
أوضحت هردي أن انقطاع الطمث ليس عطلاً بيولوجياً أو نتيجة لتدهور الشيخوخة، بل هو استراتيجية تكيفية إيجابية ومصقولة بالانتخاب الطبيعي. فمع تقدم المرأة في السن، تتصاعد مخاطر الحمل والولادة وتقل احتمالات نجاة الرضع الجدد، وفي المقابل تصبح طاقتها واستثمارها أكثر كفاءة ومردوداً جينياً إذا ما وجهت نحو أبناء بناتها (الأحفاد) الذين يحملون ربع جيناتها. تقوم الجدات في مجتمعات الصيد والجمع بحفر الدرنات، وجمع الجذور، وتوفير الأغذية الصعبة التي يعجز الأطفال عن جلبها، فضلاً عن توفير الحضانة والرعاية للأطفال في مخيم الجماعة ريثما تخرج الأمهات اليافعات للبحث عن الطعام.
أظهرت البيانات الميدانية المقارنة التي استندت إليها هردي أن وجود الجدات الأموميات النشطات يؤدي بشكل مباشر وقابل للقياس الإحصائي إلى خفض ملموس في معدلات وفيات الرضع، ويزيد بشكل لافت من خصوبة الأمهات؛ حيث يسمح للأم بتقصير الفترة الفاصلة بين الولادات والإنجاب مجدداً دون خوف من انهيار الطفل السابق، نظراً لوجود الجدة كبديل أمومي حنون وذي خبرة عالية. كما وسعت هردي هذا النموذج ليشمل بقية الأقارب الإناث كالشقيقات الأكبر سناً والعمات اللواتي يتدربن على الأمومة المستقبلية عبر رعاية صغار العائلة، مكونات حاضنة أنثوية متينة تدير عملية التطور السكاني بكفاءة متناهية.
6.3 المجتمع كحاضنة تطورية: القرابة الاجتماعية والبيولوجية
لم تحصر هردي الرعاية الإضافية في حدود القرابة الجينية الصارمة، بل كشفت عن خاصية إنسانية استثنائية تتمثل في “المرونة الفائقة في بناء شبكات القرابة الاجتماعية والتخيلية”. فالإنسان يتميز بقدرته الفريدة على نسج علاقات ثقة وإيثار متبادل ورعاية للأطفال تتجاوز خطوط الدم، محولاً الجيران والرفقاء في الجماعة إلى “آباء وأمهات رمزيين” يشملون الأطفال برعايتهم وحمايتهم وعطائهم الغذائي.
أدى توزيع أعباء التنشئة المشتركة في جماعات أسلافنا في عصر البليستوسين إلى بناء نسيج اجتماعي وثيق ومستقر، قلل من الصراعات الداخلية وخلق بيئة آمنة عززت من الصحة النفسية والجسدية للأمهات. فالأم التي تعلم أن وليدها محاط بأعين ساهرة متعددة تفرز مستويات أقل من هرمونات التوتر (مثل الكورتيزول)، مما ينعكس إيجابياً على إدرار اللبن، ونوعية الاستجابة العاطفية، والقدرة على مواصلة الحياة بنشاط وطمأنينة وسط بيئات بدائية محفوفة بالمخاطر والضواري.
قادت هذه الاستنتاجات هردي إلى إجراء مقارنة نقدية عميقة بين نظم الرعاية التعاونية في مجتمعات الصيد والجمع التاريخية والحديثة (مثل شعوب الهادزا وكونغ سان)، وبين مأزق “العزلة الأسرية” في المجتمعات الصناعية المعاصرة. بينت هردي أن حبس الأم والطفل داخل قفص “العائلة النووية المعزولة” (Nuclear Family)، ومطالبة الأم وحدها بتحمل عبء الرعاية على مدار 24 ساعة دون سند من قرية أو شبكة تضامنية ممتدة، يمثل انحرافاً تطورياً وبيئياً شاذاً لم يتهيأ له جهازنا العصبي والنفسي عبر ملايين السنين، وهو الجذر الخفي لمعظم الأزمات النفسية والاضطرابات العاطفية التي تعاني منها الأمهات في عالمنا المعاصر.
7. أطروحة ‘الأمهات والآخرون’: تطور الإدراك والانفعالات الإنسانية
7.1 التكاثر التعاوني كأصل لنشأة التعاطف الإنساني
في عام 2009، فجرت سارة هردي قنبلة معرفية في حقل العلوم المعرفية والتطورية بنشر كتابها الملحمي Mothers and Others: The Evolutionary Origins of Mutual Understanding (الأمهات والآخرون: الأصول التطورية للفهم المتبادل). قلبت هردي في هذا العمل الطاولة على النظريات الأنثروبولوجية التقليدية المهيمنة، والتي دأبت منذ عقود على تفسير نشأة الذكاء الإنساني والتعاون الاجتماعي كنتيجة لـ “فرضية الصيد الذكوري” (Man the Hunter) والحروب القبلية الشرسة بين المجموعات على الموارد والأراضي.
طرحت هردي رؤية جذرية بديلة وباهرة: إن السمة التطورية الأكثر تميزاً للإنسان—وهي قدرتنا المذهلة على التعاطف العفوي، والشعور بمشاعر الآخرين، والرغبة الفطرية في مشاركة الحالات النفسية والوجدانية—لم تولد في معارك الصيد أو حلبات القتال، بل نبتت في أحضان “التكاثر التعاوني”. ففي حين أن طفل الشمبانزي لا يحتاج إلا للتمسك بفرو أمه الحصرية المضمونة، وجد الرضيع البشري نفسه مضطراً للتعامل مع بيئة اجتماعية معقدة تضم مقدمي رعاية متعددين (الأم، الجدة، الأخت، الجارة) الذين يمتلكون خيارات أخرى ولا يتفرغون له تلقائياً.
من هنا، نشأ ضغط انتقائي هائل على الرضيع البشري: لكي يضمن بقاءه، توجب عليه أن يكون قادراً على قراءة نوايا الكبار المحيطين به، ومراقبة أمزجتهم، واستمالة عواطفهم، وتحفيز رغبتهم في إطعامه وحمله. ولد هذا المأزق التكيفي ما تسميه هردي بـ “الانتباه المشترك” (Joint Attention) والمهارات الاجتماعية الاسترضائية التي ميزت جنس الهومو عن بقية القردة؛ ليصبح التعاطف والتماهي الوجداني أسلحة بقاء معرفية صقلها الرضع وأمهاتهم الإضافيات في صميم التجربة اليومية للتنشئة المشتركة.
7.2 تطور ‘نظرية العقل’ والتواصل بين الذوات
ربطت هردي بين التكاثر التعاوني والنضج البيولوجي لـ نظرية العقل (Theory of Mind)، وهي القدرة المعرفية الفائقة على عزو حالات ذهنية، ونوايا، ورغبات، ومعتقدات للذات وللآخرين، وفهم أن نوايا الآخر تختلف عن نوايانا. فبينما يمتلك الشمبانزي ذكاءً ماكيافيلياً عملياً يستخدمه في الخداع والتنافس، فإنه يفتقر إلى الرغبة في التشارك النفسي الداخلي مع أقرانه. يعود الفضل للبشر في تطوير هذه الخاصية إلى تلك العلاقة التبادلية المتعددة التي خبرها الطفل مع مراعيه منذ بواكير فجر الإنسانية.
تحول التواصل البصري العميق والابتسامة الاجتماعية التطورية في سياق التنشئة المشتركة إلى أدوات سيكولوجية غاية في التعقيد للتفاوض على الرعاية والحب. فالطفل البشري يستخدم ابتسامته، ونظراته المليئة بالشوق، وإشاراته الصوتية ليقول للآخرين: “أنا هنا، أنا لطيف، أنا أستحق استثماركم وطعامكم”. هذا التفاعل الحواري المبكر بين الذوات (Intersubjectivity) درب الدماغ الرضيع على التفكيك الدائم لرموز المشاعر، والانتقال من مجرد الاستجابة الآلية إلى الفهم العميق لما يدور في عقول الشركاء في السكن والرعاية.
دعمت هردي أطروحتها بالأدلة التشريحية العصبية، موضحة أن التوسع الهائل في حجم القشرة المخية الحديثة (Neocortex) وشبكات الخلايا العصبية المرآتية لدى الإنسان قد تطور لخدمة هذه الشبكة الاجتماعية السلوكية المعقدة. فالحاجة المستمرة لتقييم الروابط الاجتماعية، وحساب التبادلات، واستشعار الأمان في عيون رفقاء العشيرة فرضت كلفة دماغية لم تكن مخصصة للملاحة الجغرافية أو صيد الوحوش بقدر ما كانت مكرسة لفك شيفرات العواطف البشرية والحفاظ على لحمة الجماعة التعاونية المربية.
7.3 التماسك الاجتماعي والإيثار الجماعي كأساس للمدنية
أسست هردي في Mothers and Others لرؤية إناثية جديدة تعتبر أن “النزعة الاجتماعية الفائقة” (Hypersociality) والإيثار الجماعي ليسا من كماليات الحضارة ولا من نتائج القوانين والدول الحديثة، بل هما بصمة نفسية غائرة ناتجة عن ملايين السنين من التنشئة في أحضان التكاثر التعاوني. لقد مهد هذا الإرث لنشوء الثقة المتبادلة والاستعداد الفطري لتبادل الهدايا والمعاملة بالمثل؛ إذ إن الكائن الذي نشأ وهو يرى الطعام والأمان يأتيه من أيدٍ متعددة ينمو ولديه استعداد نفسي لتصديق أن العالم فضاء للتشارك لا حلبة للافتراس الحتمي.
توضح هردي أن التكاثر التعاوني كان المنصة المعرفية والوجدانية التحتية التي جعلت ظهور “اللغة الرمزية المعقدة” وتراكم الثقافة ممكناً. فاللغة لا يمكن أن تظهر في كائن نفعي يتنافس أفراده حتى الموت؛ بل تتطلب كائناً يمتلك مسبقاً الرغبة النفسية في مشاركة أفكاره وخبراته مع الآخرين، ويثق في أن الآخرين لن يستغلوا هذه المعلومات لإبادته، وهو الاستعداد النفسي الذي شيده نظام الرعاية التشاركية عبر آلاف الأجيال المتعاقبة.
جاءت أطروحة هردي لتصحح انحرافاً نظرياً كبيراً في الأدبيات التطورية المعاصرة التي روج لها باحثون ركزوا بصورة شبه حصرية على “الحرب” كأصل للتضامن الإنساني (مثل سامويل بولز وغيره). بينت هردي أن التضامن من أجل القتال لا يفسر التعاطف الرقيق والاهتمام بالضعفاء، بل إن التعاطف الإنساني هو بضاعة منزلية، صُنعت في فضاءات التنشئة الهادئة حول مواقد النار، حيث تقاسمت النساء والشيوخ والأطفال أعباء الحياة، مفسحين الطريق لولادة الكائن الأخلاقي الأول على وجه البسيطة.
8. التقاطعات السيكولوجية: أفكار هردي في مواجهة نظرية التعلق الكلاسيكية
8.1 نقد نموذج جون بولبي وماري أينسورث حول الرعاية الأحادية
اشتبكت سارة هردي اشتباكاً نقدياً رصيناً مع واحدة من أكثر النظريات رسوخاً وهيمنة في علم النفس النمائي: نظرية التعلق (Attachment Theory) التي أسسها جون بولبي وطورتها ماري أينسورث. تمحور نقد هردي حول المفهوم المركزي الذي بنى عليه بولبي فرضيته الأساسية، وهو مفهوم “أحادية التعلق والرعاية” (Monotropy)؛ والذي افترض فيه أن الطفل البشري مفطور بيولوجياً على الارتباط الحصري والمطلق بشخص واحد فقط—هو الأم البيولوجية—وأن أي تقاسم أو تشتيت لهذه الرعاية يهدد توازنه النفسي ويعرضه لخطر الانحراف والتلف النمائي الدائم.
أكدت هردي أن بولبي، رغم عبقريته في استيراد المفاهيم الإيثولوجية للتحليل النفسي، سقط في فخ “التحيز المعاصر والعرقي” (Ethnocentrism)؛ إذ اعتبر نمط الأسرة النووية البريطانية المعزولة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية بمثابة “بيئة التكيف البشري التطورية الأولى” (Environment of Evolutionary Adaptedness – EEA). واجهت هردي هذا النموذج بالمعطيات الأنثروبولوجية الدامغة لمجتمعات الجمع والالتقاط، مبرهنة على أن أطفال أسلافنا لم يتربوا قط على يد أم منعزلة تلتصق بهم بمفردها على مدار الساعة، بل نشأوا وسط شبكة واسعة وديناميكية من مقدمي الرعاية الذين تناوبوا على حملهم، وتهدئتهم، وإرضاعهم منذ الساعات الأولى لخروجهم للحياة.
أعادت هردي تقييم أنماط التعلق الشهيرة التي حددتها ماري أينسورث (الآمن، القلق، المتجنب) من منظور إيكولوجي تطوري، رافضة تصنيف الأنماط “غير الآمنة” كعيوب مرضية حتمية أو إدانات قاطعة للأمومة السيئة. بل اقترحت هردي أن هذه الأنماط هي في حقيقتها “استراتيجيات تكيفية مرنة”؛ فالطفل القلق أو المتجنب قد يطور هذه الاستجابات النفسية التكتيكية للتأقلم مع بيئة شحيحة الموارد أو مع أم منهكة تفتقر للدعم المجتمعي، ما يسمح له بانتزاع الحد الأدنى من الرعاية الممكنة للبقاء، محطمة بذلك المساءلة الأخلاقية والنفسية الجائرة التي حمّلها المحللون النفسيون للأمهات حصرياً عبر اتهامهن ببرود العاطفة أو تدمير شخصيات أطفالهن.
8.2 إعادة بناء سيكولوجية التعلق وفق المنظور التعددي
طرحت هردي نموذجاً سيكولوجياً بديلاً يقوم على مفهوم “التعلق التعددي الموزع” (Multiple/Distributed Attachment). أوضحت هردي أن الجهاز العصبي للرضيع البشري مجهز وراثياً للارتباط المتزامن بعدد من الأشخاص الموثوقين، وأن هذا التعدد ليس تنازلاً خطراً بل هو ميزة تكيفية وتطورية عليا. فالطفل الذي يمتلك روابط تعلق متعددة يكون أكثر أماناً في مواجهة الطوارئ البيولوجية؛ فإن مرضت الأم أو ماتت، لا ينهار عالمه النفسي لوجود جدة حانية، أو أب بديل، أو خالة قريبة جاهزة لتولي زمام الرعاية فوراً دون انقطاع صادم في خطوط الحياة.
أثبتت هردي أن تعرض الطفل لأساليب رعاية متنوعة من قبل أفراد متباينين في الأعمار والطبائع يثري جهازه المعرفي ويزيد من مرونته السلوكية والاجتماعية. فالطفل يتعلم باكراً كيف يتفاوض مع شخصيات مختلفة، ويكتسب ثقة أوسع في العالم المحيط، وتتطور لديه قدرات تفكير اجتماعي أعلى بكثير من الطفل المحبوس حصرياً مع شخص واحد يعكس له قلقه ومخاوفه الذاتية دون منفذ خارجي.
دعمت العلوم العصبية الحديثة هذه الأطروحة ببيان مرونة إفراز هرمون الأوكسيتوسين ومستقبلاته في الدماغ؛ حيث تبين أن الهرمون لا يُفرز حصرياً عند الأم البيولوجية أثناء الرضاعة كما كان يُعتقد، بل يتدفق في أدمغة الآباء، والجدات، وحتى مقدمي الرعاية غير البيولوجيين بمجرد انخراطهم في رعاية بدنية وعاطفية حنونة ومستمرة مع الرضيع. كان لهذا الطرح أثر مريح وثوري على معايير وتطبيقات دور الحضانة والتعليم المبكر، مؤكداً أن توفير رعاية جماعية نوعية لا يعارض الفطرة التطورية، بل يمثل في الحقيقة استعادة حديثة لأصالة “حاضنة العشيرة” التي نشأ فيها نوعنا البشري منذ الأزل.
8.3 تطبيقات نظرية التكاثر التعاوني في العلاج النفسي الحديث
فتحت أطروحات هردي حول التكاثر التعاوني آفاقاً علاجية وتطبيقية متقدمة في حقل العلاج النفسي والطب النفسي الاجتماعي والأسري. أصبح من الممكن اليوم فهم العزلة الوالدية، والاحتراق النفسي للأمهات والآباء الجدد، وحتى حالات الذهان التفاعلي، ليس كأمراض عقلية فجائية أو قصور في الحب الوالدي، بل كاعتلال بيئي ناجم عن الحرمان من الحاضنة الاجتماعية التي صُممت بيولوجيتنا للعمل داخلها؛ أي نتيجة مباشرة لتلاشي “القرية التضامنية” التي طالما حمت الأمهات من التآكل.
وظف المعالجون الأسريون المعاصرون أفكار هردي لإعادة هندسة جلسات العلاج عبر تخفيف مشاعر الذنب القاتلة لدى الأمهات المنفردات أو العاملات، وتفكيك أسطورة “الأم الخارقة” (Supermom) التي تفرض عليها الرأسمالية المعاصرة النجاح المهني والتربوي الأحادي في آن واحد. يتم توجيه العلاج نحو بناء شبكات دعم خارجية مقصودة تشمل الأصدقاء، والجيران، والمجموعات المجتمعية، كبديل وظيفي للقرابة البيولوجية الغائبة، لإنقاذ المنظومة الأسرية من الانفجار الداخلي تحت وطأة الضغوط المنعزلة.
كما ساهم منظور هردي في تطوير برامج التدخل المبكر الموجهة للوقاية من صدمات الطفولة واضطرابات التعلق في المجتمعات الهشة والمحرومة. تركز هذه البرامج الحديثة على تمكين البيئة الاجتماعية الحاضنة المحيطة بالطفل برمتها—من معلمين، وعاملين صحيين، ومرشدين—بدلاً من الاقتصار على محاسبة الوالدين المعوزين، تأكيداً للمبدأ التطوري الأصيل الذي رسخته هردي: أن نجاة الطفل واستقراره النفسي هما مسؤولية جمعية مشتركة للعشيرة الإنسانية بأسرها.
9. كتاب ‘زمن الأب’: التحولات التطورية والسيكولوجية للأبوة الذكورية
9.1 المرونة العصبية والبيولوجية للأبوة عند الرجال
في أحدث محطاتها الفكرية، وسعت سارة هردي مشروعها التفكيكي ليشمل الطرف الآخر من المعادلة التناسلية في كتابها الصادر عام 2024 بعنوان Father Time: A Natural History of Men and Babies (زمن الأب: التاريخ الطبيعي للرجال والرضع). انبرت هردي في هذا العمل لتفكيك الفرضية الداروينية والاجتماعية القديمة التي نظرت إلى الأبوة بوصفها واجباً اجتماعياً مفروضاً أو خياراً ثقافياً هامشياً، مؤكدة أن الأبوة الحنونة والمنخرطة بعمق تمتلك جذوراً بيولوجية وعصبية متينة تضرب في عمق التاريخ التطوري للنوع البشري.
كشفت هردي عن التغيرات الهرمونية الصادمة التي تطرأ على أجساد الرجال عند تحولهم لآباء؛ فعندما ينخرط الأب في رعاية رضيعه عن قرب، ينخفض لديه تركيز هرمون التستوستيرون—المرتبط بالتنافس والعدوانية الذكورية—بنسبة تصل إلى الثلث، وفي المقابل ترتفع معدلات هرمونات الترابط كالبرولاكتين والأوكسيتوسين. يمثل هذا التكيف الهرموني تحولاً فيزيولوجياً ذكياً صاغه الانتخاب الطبيعي لتقليل نزوع الذكر للتنافس الخارجي، وتوجيه طاقته واهتمامه نحو حماية ورعاية الوليد الرقيق في بيته ومجتمعه.
أبرزت هردي معطيات التصوير العصبي الوظيفي التي تؤكد وجود ما يسمى بـ “دماغ الرعاية الذكوري” (Fathering Brain)؛ حيث تنشط لدى الآباء المنخرطين نفس الدوائر العصبية واللوزية والمراكز الإدراكية التي تنشط لدى الأمهات عندما يستمعون لبكاء الرضيع أو ينظرون لملامحه. أثبتت هذه النتائج بما لا يدع مجالاً للشك أن الاستعداد البيولوجي للرعاية والتفاني ليس حكراً أنثوياً مطلقاً، بل هو خاصية بشرية مشتركة كامنة في أجساد الذكور، وتستيقظ بقوة مدهشة بمجرد تهيئة البيئة والاقتراب الجسدي الحميم من الرضع.
9.2 التنوع التطوري والأنثروبولوجي لنماذج الأبوة
استعرضت هردي في Father Time تنوعاً مذهلاً لأنماط الأبوة عبر الثقافات البشرية والمجتمعات البدائية، محطمة النموذج الأحادي للأب الفيكتوري الصارم والبعيد عاطفياً. وقفت هردي مطولاً أمام ظاهرة أنثروبولوجية مدهشة توجد لدى عدد من المجتمعات الأصلية في غابات الأمازون بأمريكا الجنوبية (مثل قبائل الباري والآتشي)، وهي ما يُعرف بـ “الأبوة التعددية أو المقتسمة” (Partible Paternity)؛ حيث تعتقد هذه الثقافات أن الطفل يتكون بيولوجياً من السائل المنوي لعدة رجال يتشاركون في مضاجعة المرأة الحامل، مما يجعل كل أولئك الرجال يعترفون بمسؤوليتهم المشتركة كآباء شرعيين للطفل.
بينت هردي الأهمية التكيفية البالغة لمثل هذه النماذج الأبوية غير التقليدية؛ فالأطفال الذين يمتلكون أكثر من “أب شرعي” يكرسون جهودهم لصيد السمك وجلب اللحوم لهم ترتفع لديهم معدلات البقاء والنجاة بشكل ملموس في بيئات الغابات الخطرة. يعكس هذا التنوع المرونة البيئية الهائلة التي تتسم بها الأبوة الإنسانية، وتؤكد أن استثمار الأب في أطفاله ليس قالباً وراثياً جامداً، بل هو استجابة تتشكل بناءً على العوامل الاقتصادية والبيئية وطبيعة وفرة الموارد ومصادر التهديد.
فكت هردي الارتباط الزائف بين “الرجولة” وبين “البرود الانفعالي” والغياب عن مشهد التنشئة، كاشفة عن نماذج أبورية حنونة ومفرطة في الالتصاق كما هو الحال لدى رجال قبائل “الأكا” (Aka Pygmies) في إفريقيا الوسطى، الذين يلقبون بـ “أفضل آباء العالم”، حيث يقضي الأب أكثر من نصف وقته ممسكاً برضيعه ومهدئاً له، بل ويدعه يمتص حلمته لتهدئته أثناء غياب الأم. أثبتت هذه الشواهد أن المشاعر الذكورية مهيأة تطورياً لمدى واسع من الحنان والاندماج الذي طمسته بعض النظم الأبوية الطبقية والزراعية المتأخرة تاريخياً.
9.3 مستقبل الأبوة والتحولات الاجتماعية المعاصرة
ربطت هردي بصيرة الماضي بأسئلة المستقبل، موضحة أن التحولات الاجتماعية المعاصرة التي تشهد انخراطاً متزايداً للآباء في أعمال الطهي وتغيير الحفاضات والتعليم المبكر لا تمثل انحرافاً ضد الطبيعة، ولا محاولة “لتأنيث الرجال” كما يزعم بعض المحافظين، بل هي “عودة مباركة للأصل البشري التشاركي” الذي ساد لملايين السنين في مجتمعات الصيد والجمع قبل أن تطغى عليه العصور الزراعية والملكية الإقطاعية الحصرية.
دعمت هردي تحليلاتها بالدراسات النفسية والتربوية المعاصرة التي تبين الأثر المذهل لانخراط الآباء الحقيقي في التنشئة؛ فالأطفال الذين يحظون برعاية لصيقة من آبائهم يظهرون تفوقاً لافتاً في القدرات الإدراكية، ومرونة عاطفية أعلى، ومستويات أقل من القلق والنزوع نحو السلوك العدواني، فضلاً عن امتلاكهم نظرة متوازنة وعادلة للأدوار الجندرية في حياتهم المستقبلية. إن التكافؤ الوالدي يعيد إحياء ديناميكية التكامل الإنساني المتجذرة في تركيبتنا الحيوية.
يعد كتاب Father Time استكمالاً فكرياً عضوياً لمشروع سارة هردي الذي امتد لخمسة عقود؛ فبعد أن ردت الاعتبار للفاعلية التناسلية للإناث، وفككت أسطورة غريزة الأمومة الأحادية، وأرست دعائم التكاثر التعاوني، جاءت في خاتمة مسيرتها لتعيد الاعتبار للأب، ليس كسيد مهيمن أو ممول مالي بارد، بل كشريك تطوري كامل الأهلية في ملحمة الرعاية والتنشئة، مقدِّمة رؤية علمية وإنسانية بالغة التوازن تعيد توحيد الجنسين في رحلتهما المشتركة لصنع الإنسان.
10. المنهجية العلمية والابتكار المعرفي في أبحاث سارة هردي
10.1 التكامل المعرفي البيني (Interdisciplinarity)
تميز المشروع العلمي لسارة هردي بفرادة منهجية قل نظيرها في الأوساط الأكاديمية المعاصرة؛ إذ رفضت الانحباس داخل الأسوار الصارمة لتخصص بعينه، ونسجت بدلاً من ذلك شبكة متكاملة من التفاعل البيني الخلاق بين البيولوجيا التطورية، والأنثروبولوجيا الثقافية، وعلم النفس الإدراكي، والإيثولوجيا المقارنة، والعلوم العصبية والغدد الصماء. مكنها هذا النهج التكاملي من تجاوز النظرة الضيقة التي طالما أعاقت فهم الظواهر السلوكية المعقدة لدى الإنسان والرئيسيات.
وظفت هردي البيانات الإثنوغرافية والتاريخية ببراعة استثنائية لتأكيد واختبار الفرضيات البيولوجية المصوغة في الميدان؛ فبينما يكتفي العديد من علماء التطور بدراسة الشمبانزي أو بناء نماذج رياضية مجردة، غاصت هردي في السجلات التاريخية للبلديات الأوروبية، ومذكرات الرعايا في العصور الوسطى، والتقارير الإثنوغرافية لشعوب أستراليا الأصلية وغابات الأمازون، مستخرجة منها براهين دامغة على تنوع أنماط الاستثمار الوالدي والتنشئة المشتركة عبر العصور والأمصار.
كما كانت من أوائل من دمجوا معطيات علم الغدد الصماء العصبي (Neuroendocrinology) في التفسير السلوكي التطوري؛ حيث استخدمت كشوف هرمونات الأوكسيتوسين، والتستوستيرون، والبرولاكتين لتوضيح كيف تتحول الضغوط التطورية البيئية إلى آليات بيولوجية داخلية توجه المشاعر والممارسات. أبعد هذا النهج الشامل هردي عن مزالق “الاختزالية الجينية” (Genetic Reductionism)، جاعلة من نموذجها التفسيري صرحاً يقر بالتفاعل الجدلي الدائم والمعقد بين الجينات، والفيزيولوجيا، والبيئة، والخيارات الفردية.
10.2 الملاحظة الإمبريقية الصارمة والتعاطف المعرفي
قامت منهجية هردي على دعامتين متكاملتين: الصرامة الإمبريقية الفائقة في تسجيل السلوك الميداني، وما يمكن تسميته بـ “التعاطف المعرفي والمنهجي” (Methodological Empathy). أمضت هردي آلاف الساعات تحت شمس راجستان الحارقة تسجل بدقة متناهية كل نظرة، وحركة، وإيماءة لقردة اللانغور، متبعة بروتوكولات الرصد الكمي الصارم للزمن والسلوك دون أن تسقط أحكامها أو رغباتها الذاتية على ما تراه عيناها في البرية.
في الوقت ذاته، امتلكت هردي شجاعة ابتكار أسلوب في المراقبة يرفض النظر إلى الحيوانات كمجرد آلات بيولوجية صماء، بل ككائنات حية تمتلك وجهات نظر خاصة، ودوافع معقدة، واستراتيجيات تفاوضية في عالمها الاجتماعي. طبقت هذا “التعاطف المنهجي” ليس فقط لفهم مشاعر وسياقات الأمهات اللواتي يدافعن عن صغارهن، بل أيضاً لفهم الدوافع التكيفية للذكور القتلة أنفسهم، مما حمى أبحاثها من الوقوع في فخ الإدانة الأخلاقية المتعجلة، ومكنها من النفاذ إلى المنطق البيولوجي الدفين الذي يوجه هذا السلوك المأساوي.
تجلت شجاعتها العلمية في استعدادها الدائم لنشر ومناقشة نتائج صادمة ومناقضة للأيديولوجيات السائدة في زمنها، سواء أغضبت هذه النتائج معسكر البيولوجيين الذكور أو أثارت حفيظة النسويات الراديكاليات. وتميزت هردي بمرونة معرفية نادرة جعلتها تراجع وتعدل فرضياتها الخاصة عبر العقود على ضوء البيانات الجينية الجديدة؛ فالعلم الحقيقي عندها ليس عقيدة للدفاع المستميت، بل هو مسار مفتوح لتنقية الرؤية والاقتراب المستمر من تعقيد الحقيقة الطبيعية.
10.3 أخلاقيات البحث والموقف من الحتمية البيولوجية
وقفت سارة هردي بحزم مبدئي ضد التوظيف الأيديولوجي المشبوه للبيولوجيا التطورية لتبرير التمييز الجندري، أو الاضطهاد الطبقي، أو الهيمنة الاجتماعية. حذرت باستمرار في كتاباتها ومحاضراتها من الوقوع في شباك المغالطة الطبيعية (Naturalistic Fallacy)؛ وهي الخلط المنطقي والأخلاقي الشائع بين “ما هو كائن تطورياً” وبين “ما ينبغي أن يكون أخلاقياً وسياسياً”.
أكدت هردي أن إثبات أن سلوكاً ما—كوأد الرضع أو التنافس الشرس—له أصول بيولوجية وتكيفية صقلها الانتخاب الطبيعي في البرية، لا يعني بأي حال من الأحوال إضفاء شرعية أخلاقية عليه في المجتمعات البشرية، ولا يعني أننا محكومون بتكراره. فالإنسان، بفضل تطوره المعرفي والثقافي، هو الكائن الوحيد القادر على التمرد على إملاءات جيناته العمياء وبناء منظومات قيمية تصون العدالة، والكرامة، وحقوق الضعفاء والمهمشين.
رسخت هردي مبدأً مفصلياً في الفكر السلوكي المعاصر: إن “المرونة التكيفية” هي جوهر الطبيعة البشرية وليست “البرمجة الحتمية الصلبة”. فالبيولوجيا التطورية، حين تُفهم بنزاهة وعمق، لا تكبل الإنسان في قيود جبرية، بل تمنحه الوعي بحدود طبيعته ونقاط ضعفه وقوته، ليكون العلم الرصين بذلك وسيلة لتحرير الفكر، وتوسيع مدارك الفهم الإنساني للذات، ورسم سياسات مجتمعية أكثر إنسانية وتراحماً واستنارة.
11. الانتقادات والجدل الأكاديمي حول أطروحات سارة هردي
11.1 المناظرات مع تيار البيولوجيا الاجتماعية التقليدي
أثارت أطروحات سارة هردي منذ لحظة بزوغها عواصف من السجال الأكاديمي والمناظرات الساخنة، ولا سيما مع أقطاب تيار البيولوجيا الاجتماعية الكلاسيكي الذين شعروا بأن نموذجها المبتكر يهدد بنيانهم النظري الراسخ. اتهمها بعض المحافظين في الأوساط العلمية بإقحام “أجندة نسوية مسيسة” في حقل البيولوجيا الدقيقة والملاحظة الحيوانية، محاولين التقليل من شأن اكتشافاتها بوصفها “إسقاطات أيديولوجية” تبحث عن فاعلية الإناث حيث لا توجد.
واجهت هردي هذه الاتهامات بأسلوب علمي رصين ومفحم؛ إذ ردت بأن التحيز الحقيقي كان يكمن في العقود الطويلة التي سبقتها، حين كان العلماء الذكور يسقطون تحيزاتهم الفيكتورية ونماذج مجتمعاتهم الذكورية على الرئيسيات دون أن يتهمهم أحد بالتحيز السياسي. وأوضحت أن إبراز الفاعلية التناسلية والمنافسة النسوية ليس انحيازاً نسوياً، بل هو استرداد للحياد العلمي الإمبريقي الذي يقتضي تطهير العلم من “النقاط العمياء” الذكورية غير المرئية وتوثيق الواقع الطبيعي بكافة فاعليه من الجنسين.
كما تركزت خلافات نظرية عميقة حول مدى عمومية ومركزية ظاهرة “وأد الرضع التكيفي” في بقية الأنواع الحيوانية؛ حيث جادل علماء بيئة مثل بول شيرمان وسوزان هولمز في الثمانينيات بأن بعض حالات القتل الملاحظة قد لا تكون تكيفية بالضرورة بل ناتجة عن خلل هرموني طارئ أو منافسة على الموارد الغذائية المباشرة وليست استراتيجية جنسية ذكورية. استمر هذا النقاش لعقود، مما دفع هردي وزملاءها لتعزيز ترسانتهم بالأدلة الجينية وإثبات الأبوة عبر تحاليل الحمض النووي (DNA) لحسم النقاش علمياً.
11.2 التحفظات الصادرة من العلوم الاجتماعية والنسوية البنائية
على الجانب الآخر من الطيف المعرفي، قوبلت هردي بتحفظات وارتياب شديد من جانب باحثات وعلماء النسوية البنائية والعلوم الاجتماعية الكلاسيكية. انطلقت هذه المخاوف من خشية متجذرة من أن إعادة الاعتبار للبيولوجيا وتفسير مشاعر الأمومة وسلوك الإناث بالاستناد إلى التطور والجينات قد يفتح الباب من جديد للتيارات الرجعية لاستغلال هذه الأفكار لتقييد النساء وحصرهن مجدداً في أدوارهن البيولوجية والإنجابية تحت مسميات “طبيعة المرأة”.
حذرت بعض الناقدات النسويات من أن مفاهيم مثل “الاستثمار الوالدي المشروط” وإهمال الأطفال التكيفي قد تُوظف بشكل غير عادل لإلقاء اللوم الأخلاقي والنفسي على الأمهات الفقيرات والمهمشات في المجتمعات الحديثة، متجاهلة دور البنى الرأسمالية والسياسية القاهرة والظلم الهيكلي الذي يفتك بالأسرة. وطالبت هذه التيارات بالتركيز المطلق على الثقافة، واللغة، والسلطة كعوامل حصرية لصياغة مشاعر وهوية الأمومة، رافضة أي تأصيل بيولوجي لتلك التجربة الإنسانية.
ردت هردي على هذا النقد البنائي بدفاع فكري مستميت؛ حيث جادلت بأن “إنكار البيولوجيا لا يخدم القضايا التحررية، بل يضعفها ويسلح خصومها”. وأكدت أن الهروب من فهم أصولنا التطورية يجعلنا عاجزين عن فهم حقيقة مشاعرنا ومأزقنا المعاصر، وأن أطروحاتها تفكك الحتمية البطريركية من جذورها الحيوية بدلاً من تكريسها، مبرهنة على أن معرفة الأساس التطوري للأمومة هو المدخل الوحيد لبناء سياسات اجتماعية حقيقية تساند المرأة ولا تستعبدها.
11.3 المسائل المنهجية المتعلقة بنماذج الصيد والجمع التاريخية
شهدت الأوساط الأنثروبولوجية نقاشات منهجية وإبستمولوجية حادة حول مدى دقة وصحة الاستناد إلى مجتمعات الصيد والجمع الحالية (مثل قبائل الهادزا في تنزانيا، والكونغ في بوتسوانا، والآتشي في باراغواي) كـ “نوافذ حية ومباشرة” على بيئة أسلافنا في عصر البليستوسين. فقد جادل باحثون إثنوغرافيون بأن هذه الجماعات المعاصرة ليست حفريات متحجرة من الماضي، بل هي شعوب عاشت تاريخاً طويلاً من التغير والتفاعل، وقد تعرضت لضغوط تهميشية قاسية ودُفعت إلى بيئات بيئية هامشية بفعل التوسع الزراعي والاستعماري الحديث، مما يجعل تعميم سلوكياتها على الإنسان القديم أمراً محفوفاً بالمخاطر المنهجية.
علاوة على ذلك، واجهت “فرضية التكاثر التعاوني” صعوبة أثرية وسلوكية تتمثل في شح وتناثر الأدلة الأحفورية المباشرة التي تؤكد بلا شك شيوع التنشئة المشتركة لدى أسلاف جنس الهومو قبل مئات الآلاف من السنين؛ إذ إن السلوك الاجتماعي، وحمل الأطفال، والتضامن العاطفي لا يترك عظاماً متحجرة ولا أدوات صوانية يمكن قياسها بدقة كربونية قاطعة، مما دفع بعض المشككين لاعتبار الفرضية سيناريو تأويلياً بارعاً يفتقر إلى الحسم الإمبريقي النهائي.
كما أثيرت تساؤلات إحصائية حول حجم عينات الملاحظة في دراسات الرئيسيات الميدانية المبكرة، ومخاطر إسقاط سلوكيات مجتمعات قردة نوعية كالانغور على الرئيسيات الإنسانية العليا. ومع ذلك، كان لهذه الانتقادات والتحفظات أثر إيجابي عظيم؛ إذ دفعت هردي ومؤيدي فرضيتها إلى تطوير أدوات البحث، وتوسيع نطاق الدراسات الميدانية المتزامنة، وإدماج التحليلات المورفولوجية المقارنة للأحافير والأسنان ومعدلات النمو، مما صقل النظرية وزاد من متانتها المنهجية وجعلها نموذجاً متماسكاً وقابلاً للصمود العلمي والاختبار المستمر عبر العقود.
12. إرث سارة هردي والتأثير المستمر في الفكر النفسي والمعاصر
12.1 التحول النموذجي في علم النفس التطوري الحديث
أحدثت أعمال سارة هردي ما يصفه فلاسفة العلم بـ “التحول النموذجي” (Paradigm Shift) في صلب علم النفس التطوري وعلم البيئة السلوكي البشري. فقبل هردي، كان التفسير الشائع يختزل التطور النفسي للإنسان في ثنائيات فجة تتمحور حول “الذكر الصياد المحارب العنيف” و”الأنثى الجامعة المنقادة الحامية للكهف”. وبفضل تفكيكها الصارم لهذه النماذج، تحول الفهم المعاصر للمشاعر الإنسانية، والتعاطف، والذكاء الوجداني إلى منظور يعتبرها نتاجات مباشرة ومتطورة لنظام “التكاثر التعاوني” والتنشئة التشاركية.
أعادت هردي التوازن المنهجي لأبحاث التطور عبر وضع الإناث والأطفال في بؤرة التحليل العلمي كفواعل مركزية تقود مسار الانتخاب؛ فالطفل لم يعد يُنظر إليه كوعاء سلبي ينتظر النضج، بل كمحفز تطوري فاعل صاغ شكل العاطفة والدماغ الإنساني عبر مطالبه النفسية المعقدة لانتزاع الرعاية. وقد ترك هذا الطرح أثراً غائراً في أعمال كبار الباحثين المعاصرين في تطور السلوك والذكاء؛ مثل عالم الأنثروبولوجيا مايكل توماسيلو الذي بنى نظريته حول “القصدية المشتركة” (Shared Intentionality) على أكتاف طروحات هردي، وعالم الرئيسيات الشهير فرانس دي فال في دراساته حول الأصول الحيوانية للتعاطف والإيثار والأخلاق.
تغيرت جذرياً الأدبيات السيكولوجية المعنية بمسائل التنشئة والاستثمار الوالدي؛ إذ لم يعد ممكناً اليوم لأي باحث رصين في علم النفس النمائي أن يكتب عن الأمومة، أو الرعاية الوالدية، أو تعلق الأطفال دون أن يبدأ من الفرضيات والمفاهيم التأسيسية التي شيدتها هردي، لتتحول رؤيتها من موقع “النقد المتمرد” إلى صلب “التيار العلمي الرئيس” المعتمد في كبريات الجامعات ومراكز الأبحاث العالمية.
12.2 إعادة صياغة السياسات الاجتماعية ورعاية الطفولة
تجاوز إرث سارة هردي أروقة المدرجات الجامعية والمجلات المحكمة ليتحول إلى قوة دافعة لإصلاح السياسات الاجتماعية والتشريعية المتعلقة بالأسرة ورعاية الطفولة على المستوى الدولي. فقد استخدمت كتاباتها ودراساتها التطورية كوثائق مرجعية لدعم سن تشريعات وطنية متقدمة تلزم بإقرار إجازات الأبوة المدفوعة الأجر للرجال (Paternity Leave)، انطلاقاً من البرهان العلمي الذي يؤكد أن انخراط الآباء المبكر في رعاية المواليد ضرورة بيولوجية ونمائية تحمي صحة الأم والطفل معاً وتستجيب لفطرتنا السلوكية الأصلية.
كما ساهمت أفكارها في ترسيخ قناعة لدى واضعي السياسات ومخططي المدن بأن دعم الأم والنهوض بوضعها لا يمكن أن ينجح عبر تقديم المساعدات المالية المنعزلة فحسب، بل يتطلب بالضرورة بناء “بيئات مجتمعية مساندة” وشبكات رعاية مؤسسية عامة ذات جودة عالية. أثرت طروحات هردي تأثيراً مباشراً على استراتيجيات المنظمات الدولية الرائدة—وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ومنظمة الصحة العالمية—في صياغة برامج تنمية الطفولة المبكرة التي تؤكد على أهمية مفهوم الرعاية الموزعة والشاملة وتطوير مهارات التفاعل الاجتماعي والترابط الإنساني الواسع للطفل في سنواته التكوينية الأولى.
وانبثقت عن كتاباتها دعوة ملحة ومستمرة بين علماء الاجتماع والناشطين لإعادة بناء ما تسميه هردي بـ “القرى الحضرية المعاصرة” لمكافحة الاغتراب التدميري والعزلة القاتلة التي تعيشها العائلات النووية المعزولة في المدن الأسمنتية الكبرى؛ مؤكدة أن سلامة المجتمع النفسية ونجاة أطفاله تظلان رهينتين بإعادة إحياء الحكمة الإفريقية الخالدة التي برهنت عليها بيولوجياً: “يلزمك قرية بأكملها لتربية طفل واحد”.
12.3 الأفق المستقبلي لنظرية التطور النفسي في ضوء أفكارها
يحتفظ فكر سارة هردي براهنية مدهشة وقدرة فريدة على إضاءة التحديات السيكولوجية الوجودية التي تواجه النوع البشري في مطلع الألفية الثالثة. تنبه هردي في تأملاتها الختامية إلى المخاطر التطورية الكامنة في انحسار التفاعل الإنساني المباشر في عصر الشاشات الرقمية والتواصل الافتراضي؛ فإذا كانت قدراتنا على التعاطف وقراءة عقول الآخرين قد صقلتها ملايين السنين من التواصل البصري الحميم والتشارك البدني داخل شبكات الرعاية التعاونية، فإن استبدال هذا النسيج الاجتماعي بالوسائط الرقمية العازلة قد يهدد بضمور تلك البصمة الوجدانية الفريدة التي جعلتنا بشراً متضامنين.
كما تطرح أفكارها تساؤلات عميقة حول مستقبل الذكاء الاجتماعي والمشاعر الإنسانية في ظل الانخفاض التاريخي الحاد لمعدلات الولادة حول العالم، وتنامي ظاهرة الأسر الخالية من الأطفال، وانهيار الهياكل الأسرية الممتدة. تحث هردي الباحثين على استشراف سبل جديدة لتأمين “بيئات تنشئة مشتركة بديلة” تتيح للأجيال الصاعدة تمرين عضلات التعاطف والتشارك الوجداني، محذرة من أن فقدان هذا الإرث التشاركي قد يدفع بالبشرية نحو انحدار انفعالي بارد يفكك مدنيتنا المشتركة من الداخل.
تقف سارة بلافير هردي اليوم في الذاكرة الحية للعلم كإحدى أعظم الرائدات اللواتي أعدن كتابة ملحمة التطور البشري برؤية علمية عادلة، شاملة، ومتحررة من الأوهام والتحيزات. لم تمنح هردي الصوت لمن لا صوت لهم في تاريخنا التطوري—من إناث وجدات وأطفال—فحسب، بل قدمت للبشرية مرآة جديدة ترى من خلالها أعمق ما فيها: أننا لم نصل إلى قمة الحياة على هذا الكوكب لأننا كنا الأكثر شراسة أو فتكاً، بل لأننا كنا، ولا نزال، الكائنات الأكثر قدرة على منح الحب، وتقاسم الرعاية، والتعاطف المشترك من أجل البقاء.
خاتمة
في ختام هذه القراءة الاستقصائية لمسيرة وفكر سارة هردي، يتضح بجلاء أن مشروعها المعرفي قد حقق نقلة إبستمولوجية غير مسبوقة أعادت توجيه بوصلة العلوم السلوكية والأنثروبولوجيا التطورية. فمن خلال شجاعتها المنهجية في دراسة قردة اللانغور في جبل أبو وتقديم فرضية وأد الرضع التكيفي، فتحت هردي الباب واسعاً لإخضاع المحرمات والمسلمات السلوكية لقوانين الانتخاب الطبيعي الصارمة، متجاوزة السرديات الأيديولوجية المريحة.
أعادت هردي، عبر مؤلفاتها المؤسسة The Woman That Never Evolved وMother Nature وMothers and Others وFather Time، تعريف الطبيعة الإنسانية ذاتها. لقد فككت أسطورة سلبية الإناث وعفتها المطلقة، ودحضت التصور الرومانسي الفيكتوري حول غريزة الأمومة الأحادية، لتؤسس لفهم علمي يرى في الاستثمار الوالدي استراتيجية مرنة ومشروطة بالسياقات الإيكولوجية والمساندة الاجتماعية، وترتقي بالتكاثر التعاوني ونظام “الرعاية المشتركة” (Alloparenting) كحجر زاوية ومحرك حاسم لنشأة التعاطف الإنساني، ونظرية العقل، والذكاء الفائق الذي ميز جنسنا عبر التاريخ.
إن إرث سارة هردي ليس مجرد صفحات مطوية في سجلات تاريخ العلم، بل هو أداة فكرية حية ونافذة لا غنى عنها لفهم أزمات العصر الحاضر. في عالم تتسارع فيه وتيرة التفكك الاجتماعي، وتغرق فيه الأسر في عزلة الحداثة الرقمية، تعيدنا أطروحات هردي إلى الجذور الحيوية لطبيعتنا الإنسانية، مذكرّة إيانا بأن نبلنا الأخلاقي، وقدرتنا على المحبة والتكافل، وتفوقنا الحضاري لم تكن يوماً ثماراً لصراعات الهيمنة الذكورية المفردة، بل هي الهبة التطورية العظمى لأمهات وآباء وأجداد تعلموا منذ فجر البليستوسين أن خلاص الذات يكمن دوماً في احتضان الآخرين والتشارك الجمعي في حماية الحياة ونمائها.
المراجع
- Darwin, C. (1871). The Descent of Man, and Selection in Relation to Sex. London: John Murray. https://www.darwinproject.ac.uk/
- De Waal, F. (2009). The Age of Empathy: Nature’s Lessons for a Kinder Society. New York: Harmony Books.
- Hawkes, K., O’Connell, J. F., Blurton Jones, N. G., Alvarez, H., & Charnov, E. L. (1998). Grandmothering, menopause, and the evolution of human life histories. Proceedings of the National Academy of Sciences, 95(3), 1336-1339. https://doi.org/10.1073/pnas.95.3.1336
- Hrdy, S. B. (1977). The Langurs of Abu: Female and Male Strategies of Reproduction. Cambridge, MA: Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/harvard.9780674430754
- Hrdy, S. B. (1979). Infanticide among animals: A review, classification, and examination of the implications for the reproductive strategies of females. Ethology and Sociobiology, 1(1), 13-40. https://doi.org/10.1016/0162-3095(79)90004-9
- Hrdy, S. B. (1981). The Woman That Never Evolved. Cambridge, MA: Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/9780674034341
- Hrdy, S. B. (1999). Mother Nature: Maternal Affections and How They Shape the Human Species. New York: Pantheon Books / Ballantine.
- Hrdy, S. B. (2009). Mothers and Others: The Evolutionary Origins of Mutual Understanding. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press. https://doi.org/10.2307/j.ctvjhzr1s
- Hrdy, S. B. (2024). Father Time: A Natural History of Men and Babies. Princeton, NJ: Princeton University Press. https://doi.org/10.2307/jj.9941198
- Tomasello, M. (2009). Why We Cooperate. Cambridge, MA: MIT Press. https://doi.org/10.7551/mitpress/8470.001.0001
- Trivers, R. L. (1972). Parental investment and sexual selection. In B. Campbell (Ed.), Sexual Selection and the Descent of Man 1871-1971 (pp. 136-179). Chicago: Aldine Publishing Company.
- Trivers, R. L., & Willard, D. E. (1973). Natural selection of parental ability to vary the sex ratio of offspring. Science, 179(4068), 90-92. https://doi.org/10.1126/science.179.4068.90
- Wilson, E. O. (1975). Sociobiology: The New Synthesis. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.