سارة ليشتنشتاين – 1933 2017

سارة ليشتنشتاين (Sarah Lichtenstein)

  • 1933 – 2017
  • أمريكية
  • علم النفس المعرفي
تمت المراجعة العلمية · د. مروة عبد العظيم · 16 أكتوبر، 2026
مراجعة وتدقيق علمي معتمد تاريخ التدقيق: 16 أكتوبر، 2026
د. مروة عبد العظيم دكتوراه في علم النفس
عضو هيئة التدريس • جامعة كربلاء
معايير التدقيق والاعتماد السريري

يخضع هذا المحتوى لمعايير ضبط الجودة والتدقيق العلمي والأكاديمي الصارمة في شبكة علم النفس العربي، لضمان صحة المعلومات ودقتها السريرية ومطابقتها لأحدث الأدلة والبراهين الصادرة عن الجمعيات النفسية والطبية المعتمدة (APA / WHO).

أبرز الإسهامات

  • ظاهرة انعكاس التفضيلات
  • النموذج القياسي النفسي لإدراك المخاطر
  • دراسة معايرة الاحتمالات وفرط الثقة الإدراكية
  • أطروحة بناء التفضيلات
  • تأسيس نظرية القرار السلوكي والنموذج الوصفي للقرار

السيرة

تُعد الدكتورة سارة ليشتنشتاين (Sarah Lichtenstein: 1933–2017) واحدة من أبرز القامات الفكرية التي أعادت تشكيل المشهد المعرفي في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أحدثت أبحاثها الرائدة في سيكولوجية اتخاذ القرار ثورة منهجية عاتية زعزعت أركان النماذج الاقتصادية الكلاسيكية القائمة على فرضيات “الإنسان الاقتصادي العقلاني” (Homo Economicus). عبر مسيرة أكاديمية امتدت لأكثر من خمسة عقود، كرست ليشتنشتاين جهودها لتفكيك العمليات الذهنية المعقدة التي توجه الخيارات البشرية تحت وطأة عدم اليقين والمخاطر، متجاوزة التنظيرات التجريدية لصالح التجريب المختبري والميداني الصارم الذي كشف عن انحيازات معرفية متأصلة وتناقضات سلوكية منهجية تضرب في صميم البناء المنطقي التقليدي.

ولم تكن إسهامات ليشتنشتاين مجرد إضافات هامشية إلى حقل علم النفس الرياضي؛ بل كانت بمثابة اللبنات التأسيسية التي مهدت لولادة ما يُعرف اليوم بـ الاقتصاد السلوكي، ونظرية القرار الحديثة. ومن خلال شراكتها العلمية التاريخية مع بول سلوفيتش (Paul Slovic) وباروخ فيشهوف (Baruch Fischhoff)، أسست ليشتنشتاين لمفاهيم محورية غيّرت النظرة السائدة إلى الإدراك البشري، كان في طليعتها اكتشاف ظاهرة “انعكاس التفضيلات” (Preference Reversals)، وتطوير “النموذج القياسي النفسي لإدراك المخاطر” (The Psychometric Paradigm)، ودراسة معايرة الاحتمالات وفرط الثقة الإدراكية، وصولاً إلى بلورة أطروحتها الكبرى حول “بناء التفضيلات” (The Construction of Preference) التي برهنت على أن الرغبات والخيارات الإنسانية لا تُسترجع من مستودعات ذاكرة مسبقة الصنع، بل تُبنى وتتشكل آنياً بحسب سياق الموقف وبنية البيئة المعرفية.

تستكشف هذه المقالة الموسوعية السيرة العلمية والمسار الفكري لسارة ليشتنشتاين، بدءاً من تكوينها الأكاديمي الصارم في رحاب جامعة ميشيغان تحت إشراف رواد القياس النفسي، مروراً بتأسيس معهد أبحاث القرار (Decision Research) في يوجين بأوريغون كمنارة مستقلة للفكر الحر، وانتهاءً بتفكيك إرثها المنهجي العميق وتطبيقاته المستمرة في عصر البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والسياسات العامة المعاصرة. إنها قصة ملهمة لعالمة رائدة استطاعت بدقة رياضية وتواضع معرفي استثنائي أن تعيد تعريف فهمنا للحدود الإدراكية للبشر وكيفية تعاملهم مع عالم يفيض بالتعقيد وعدم اليقين.

1. السيرة الذاتية والمسار الأكاديمي المبكر لسارة ليشتنشتاين (1933–2017)

1.1 النشأة والمحطات التعليمية التأسيسية

ولدت سارة ليشتنشتاين في عام 1933، ونشأت في حقبة زمنية شهدت تحولات كبرى على المستويين الاجتماعي والسياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، بدءاً من تداعيات الكساد الكبير ووصولاً إلى سنوات الحرب العالمية الثانية وما بعدها. أتاحت لها هذه البيئة التاريخية المضطربة مراقبة التفاعلات الإنسانية المعقدة تحت ضغوط الأزمات المجتمعية والاقتصادية، مما ولّد لديها فضولاً مبكراً لاستكشاف الدوافع الكامنة وراء السلوك البشري وطرق اتخاذ القرارات المصيرية. وعلى الرغم من القيود التقليدية التي كانت تُفرض على تعليم الإناث وتوجهاتهن المهنية في ذلك الوقت، تميزت ليشتنشتاين بنبوغ مبكر واهتمام استثنائي بالتفكير المنطقي والتحليل الرياضي.

في مرحلة دراستها الأولى، لم يكن اهتمامها محصوراً في العلوم الإنسانية بصورتها السردية، بل كان مشدوداً نحو التوفيق بين دقة المنهج العلمي والغموض الذي يكتنف التصرفات الفردية والجمعية. كانت ترى في الرياضيات أداة لغوية متماسكة قادرة على إخضاع الظواهر النفسية لأطر قياسية موضوعية، وهي رؤية كانت شديدة الراديكالية في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين. هذا التناغم بين الميل للنمذجة الرياضية والفضول النفسي قادها إلى التوجه نحو دراسة علم النفس في مرحلتها الجامعية الأولى، حيث تلقت تعليماً تأسيسياً متيناً ركز على المنهجية التجريبية، والتصميم الإحصائي، ونظرية القياس، مما شكل الهيكل المعرفي الذي رافقها طوال مسيرتها الأكاديمية.

أثناء هذه السنوات التكوينية، تجلت قدرة ليشتنشتاين الفائقة على التشكيك في المسلمات الفكرية الشائعة؛ فلم تكن مقتنعة بالطروحات الاستبطانية الكلاسيكية في علم النفس، ولا بالصيغ السلوكية المتطرفة التي كانت تختزل الكائن البشري في مجرد مستجيب ميكانيكي للمثيرات الخارجية. بدلاً من ذلك، كان هاجسها المستمر هو فهم البنية المعرفية الداخلية: كيف يزن الإنسان البدائل؟ وكيف يقدر النتائج غير المؤكدة؟ وكيف يمكن قياس هذه العمليات غير المرئية بدرجة من الصرامة تعادل تلك المتبعة في العلوم الطبيعية والفيزيائية؟ هذا التوجه حسم مسارها اللاحق نحو التخصص في علم النفس الرياضي والإدراكي.

1.2 سنوات الدراسة والتدريب في جامعة ميشيغان

شكل انتقال سارة ليشتنشتاين إلى جامعة ميشيغان (University of Michigan) في أواخر الخمسينيات نقطة تحول جذرية في حياتها العلمية. كانت ميشيغان في ذلك الوقت المعقل العالمي الأبرز والأكثر ابتكاراً في تأسيس وتطوير علم النفس الرياضي والقياس السلوكي. اجتذب البرنامج نخبة لامعة من العلماء والمفكرين الذين سعوا إلى صياغة نظريات كمية دقيقة للسلوك الإنساني، متأثرين بالتطورات المتسارعة في بحوث العمليات، ونظرية المعلومات، ونظرية الألعاب.

في هذا المناخ العلمي الخصب، حظيت ليشتنشتاين بفرصة التدرب والعمل المباشر مع أعلام مؤسسين تركوا بصمات لا تُمحى في تاريخ العلوم السلوكية، من أبرزهم كلايد كومبس (Clyde Coombs)، رائد نظريات المقاييس غير المترية والتحليل متعدد الأبعاد، ووارد إدواردز (Ward Edwards)، الأب الروحي لأبحاث اتخاذ القرار السلوكي ونظرية الاحتمالات البايزية في علم النفس. كان كومبس يغرس في تلاميذه الصرامة المنطقية في التعامل مع البيانات الترتيبية والقياس الهندسي للتفضيلات، في حين فتح إدواردز عينيها على المقارنة الرائدة بين كيفية تحديث البشر لمعتقداتهم الاحتمالية مقارنة بالنموذج الأمثل الذي تقدمه مبرهنة بايز (Bayes’ Theorem).

توجت ليشتنشتاين هذه السنوات الحافلة بإتمام رسالة الدكتوراه عام 1962، والتي ركزت على النمذجة الرياضية لتقييم الاحتمالات والاستجابات في مواقف الرهان والمخاطرة. لم تكن رسالتها مجرد تمرين أكاديمي روتيني، بل كانت تمريناً متقدماً في تصميم التجارب السيكوفيزيائية المتقنة. فقد طوّرت أساليب مبتكرة لضبط المتغيرات التجريبية الدقيقة وعزل التحيزات الإجرائية، مما مكنها من استخلاص نتائج إحصائية موثوقة حول كيفية تعامل الأفراد مع المعلومات الاحتمالية. لقد منحها تدريبها في ميشيغان درعاً منهجياً لا يلين؛ فقد أصبحت تمتلك ناصية الرياضيات التطبيقية، ونظرية القياس النفسي، والتصميم التجريبي الصارم، وهي الأدوات التي استخدمتها لاحقاً في نقض أعرق الفرضيات الاقتصادية المعيارية.

1.3 التحول نحو استكشاف سيكولوجية اتخاذ القرار

عقب حصولها على الدكتوراه، بدأت ليشتنشتاين تشعر بوجود فجوة إبستيمولوجية كبرى داخل النماذج الرياضية الصرفة التي كانت مهيمنة آنذاك. فقد لاحظت أن تلك النماذج، رغم جمالها المنطقي وأناقتها التجريدية، تعاني من انفصال عضوي عن الواقع الإنساني الحي. كانت النماذج المعيارية تفترض أن صانع القرار يمتلك قدرات حاسوبية غير محدودة لمعالجة المعلومات، وأنه يتصرف وفق نسق متسق داخلياً ومحصن ضد التناقضات، وهو افتراض دحضته الملاحظات الأولية لسلوكيات الأفراد الفعلية في المختبر وفي الحياة اليومية.

قادها هذا التأمل النقدي إلى التحول الاستراتيجي من التركيز على النماذج الإحصائية البحتة (التي تكتفي بوصف النمط الرياضي الأمثل) إلى “النماذج السلوكية الوصفية” (التي تبحث في الآليات النفسية والعمليات المعرفية التي تحكم السلوك البشري كما هو بالفعل). أدركت ليشتنشتاين مبكراً أن الفجوة بين “ما يجب أن يفعله الإنسان العقلاني” (السلوك المعياري Normative) و”ما يفعله الإنسان الحقيقي” (السلوك الوصفي Descriptive) ليست مجرد “ضوضاء إحصائية” أو أخطاء عشوائية عابرة، بل هي انعكاس لبنية معرفية محددة تعمل وفق قواعد واستراتيجيات ذهنية خاصة تتطلب دراسة مستقلة ومعمقة.

خلال هذه المرحلة، بدأت ليشتنشتاين في نسج خيوط شبكة فكرية متميزة جمعتها بباحثين شبان يشاركونها نفس الشغف التفكيكي والشجاعة المنهجية. وكان التعارف واللقاء الفكري مع بول سلوفيتش الشاب بمثابة شرارة الانطلاق لواحد من أعظم وأخصب التحالفات العلمية في تاريخ علم النفس المعرفي. اتفق الباحثان على أن دراسة اتخاذ القرار لا يمكن أن تظل حبيسة المعادلات الرياضية الجافة في كليات الاقتصاد، بل يجب أن تُقتحم من منظور نفسي شجاع يدمج بين السيكوفيزياء، والعمليات المعرفية العليا، والتطبيقات الواقعية في مجالات المال، والطب، والسياسة العامة، مما أرسى القواعد المنهجية لبرنامج بحثي طويل الأمد أعاد تشكيل العلوم الاجتماعية لعقود تالية.

2. تأسيس نظرية القرار السلوكي ونقد العقلانية الاقتصادية الكلاسيكية

2.1 السياق المعرفي لعلم اتخاذ القرار في الستينيات

لفهم حجم التحول الثوري الذي أحدثته سارة ليشتنشتاين، يجب استحضار المناخ المعرفي الذي ساد العلوم الاجتماعية والاقتصادية في ستينيات القرن العشرين. كانت الساحة العلمية تخضع لسيطرة شبه مطلقة لـ نظرية المنفعة المتوقعة (Expected Utility Theory)، التي صاغها بصورتها الأكسيوماتيكية الحديثة عالما الرياضيات جون فون نيومان (John von Neumann) وأوسكار مورغنستيرن (Oskar Morgenstern) في كتابهما التأسيسي “نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي” (1944). افترضت هذه النظرية أن الفرد العقلاني يمتلك دالة منفعة واضحة، وأنه عند مواجهته لخيارات غير مؤكدة، يقوم بحساب القيمة المتوقعة للمنفعة عبر ضرب منفعة كل نتيجة باحتمال حدوثها، ثم يختار البديل الذي يُعظم هذه المنفعة المتوقعة إجمالاً.

تضمنت هذه الرؤية الكلاسيكية مجموعة من المسلمات والبديهيات البديهية منطقياً (Axioms)، كان أبرزها مبدأ “اكتمال التفضيلات” (Completeness)، ومبدأ “التعدي” (Transitivity) الذي ينص على أنه إذا فضّل الفرد البديل (أ) على (ب)، والبديل (ب) على (ج)، فإن المنطق يحتم عليه حتماً تفضيل (أ) على (ج). إضافة إلى ذلك، افترض النموذج استقرار التفضيلات وثباتها، وحيادية الموقف الاختياري تجاه طرق التعبير أو الصياغة (Invariance). كان الاقتصاديون ينظرون إلى هذه البديهيات ليس فقط كمعايير لكيفية التفكير السليم، بل كأوصاف دقيقة لسلوك الفاعلين الاقتصاديين في الأسواق التنافسية؛ انطلاقاً من مقولة أن أي فاعل غير عقلاني سيتم إقصاؤه وتصفيته بفعل قوى السوق وضغوط المنافسة.

إلا أن هذه الصياغات الرياضية الأنيقة كانت تفتقر إلى أساس تجريبي تجريبي يستند إلى الملاحظة المباشرة للسلوك الفعلي. تعامل معظم الاقتصاديين مع المنفعة كبناء نظري “مستكشف عبر السلوك الظاهر” (Revealed Preference)، رافضين أي محاولة للغوص في العمليات النفسية الداخلية لصانع القرار. في ظل هذا الاستعصاء المعرفي، برزت الحاجة الماسة إلى مقاربة علمية جديدة، مسلحة بالأدوات التجريبية الدقيقة، تكون قادرة على اختبار هذه الفرضيات الرياضية في المختبر وإظهار ما إذا كانت تنطبق بالفعل على الإدراك البشري، أم أنها مجرد بنيان طوباوي منفصل عن الواقع المعاش.

2.2 مساهمات ليشتنشتاين في بلورة النموذج الوصفي

دخلت سارة ليشتنشتاين هذا الميدان حاملة منظوراً مختلفاً جذرياً يستند إلى إبستيمولوجيا علم النفس المعرفي. تمثل إسهامها الجوهري في ترسيخ ونشر “النموذج الوصفي” (Descriptive Model) في دراسة القرار، في مواجهة النموذج المعياري النمطي (Normative Model). كان شعار ليشتنشتاين ومنهجها الدائم يقوم على مبدأ علمي صارم: “قبل أن نخبر الناس كيف يجب أن يتخذوا قراراتهم، يجب أولاً وبدقة تامة أن نصف ونفهم كيف يتخذون القرارات فعلياً”.

وظفت ليشتنشتاين ببراعة أدوات القياس السيكوفيزيائي—وهو العلم الذي يدرس العلاقة الكمية بين المثيرات الفيزيائية والإحساسات النفسية الناتجة عنها—لرصد الديناميات الدقيقة لعمليات التقييم والمفاضلة البشرية. أظهرت تجاربها المبكرة أن عملية الاختيار ليست عملية حسابية ميكانيكية باردة، بل هي عملية تفاعلية مشحونة بالتردد، والبحث عن استراتيجيات تبسيطية لتقليل الجهد الذهني، والتأثر الشديد بطريقة عرض البدائل وتوزيع الانتباه. استطاعت من خلال تصاميم تجريبية بالغة التعقيد قياس العتبات المعرفية التي يبدأ عندها الأفراد في تجاهل احتمالات معينة أو تضخيم أخرى، مما وفر أدلة كمية دامغة على تناقض السلوك الإنساني مع معادلات المنفعة الكلاسيكية.

أرست ليشتنشتاين بذلك دعائم جسر متين بين علم النفس المعرفي والتحليل الاقتصادي؛ جسر لا يكتفي بإبراز الأخطاء، بل يقدم تفسيرات نفسية بنائية قائمة على دراسة آليات معالجة المعلومات، وسعة الذاكرة العاملة، وحدود الإدراك الحسي. لقد حوّلت القرار البشري من مجرد “نقطة توازن رياضية” على رسم بياني إلى “مسار إدراكي حيوي” يتأثر بقيود العقل وبنية السياق المحيط به، مما شكل المنطلق الأساسي لتأسيس ما أصبح يُعرف لاحقاً بحقل “نظرية القرار السلوكي” (Behavioral Decision Theory).

2.3 مفهوم العقلانية المحدودة وتطبيقاته التجريبية

ارتبط المسار الفكري لليشتنشتاين ارتباطاً وثيقاً بالأطروحات الرائدة التي قدمها عالم الاقتصاد والعلوم المعرفية هيربرت سيمون (Herbert Simon) حول “العقلانية المحدودة” (Bounded Rationality). رأى سيمون أن البشر يعجزون عن الوصول إلى العقلانية المطلقة بسبب محدودية قدراتهم الإدراكية والحسابية، والوقت المتاح لاتخاذ القرار، وعدم اكتمال المعلومات، مما يدفعهم إلى البحث عن خيارات “مُرضية” بدلاً من الخيارات “المثلى”. بيد أن أفكار سيمون، رغم بريقها الفلسفي والنظري، كانت لا تزال في ذلك الوقت بحاجة إلى شواهد تجريبية منهجية توثق الآليات الفعلية التي تعمل بها هذه العقلانية المحدودة في مواقف الاختيار المعقدة.

وهنا تجلى الدور الاستثنائي لسارة ليشتنشتاين؛ حيث نجحت في تحويل الفكرة الفلسفية للعقلانية المحدودة إلى برامج بحثية مختبرية وميدانية خاضعة للقياس الرياضي الإحصائي. قادت تجاربها إلى رصد الحدود المعرفية الدقيقة التي تجبر العقل البشري على اللجوء إلى “الاستدلالات الإدراكية التبسيطية” (Heuristics). لم تنظر ليشتنشتاين إلى هذه الاستدلالات بوصفها علامات على الغباء أو القصور البشري، بل كاستراتيجيات تكيفية تهدف إلى الاقتصاد في المجهود المعرفي، لكنها تؤدي حتماً إلى تحيزات منهجية ومنتظمة يمكن التنبؤ بحدوثها مسبقاً وتكرار رصدها في ظروف تجريبية متطابقة.

من خلال إخضاع الفاعلين لمهام اختيار متعددة السمات (Multi-attribute Choices)، برهنت ليشتنشتاين على أن الإنسان، عندما يواجه ببدائل تشتمل على مقايضات معقدة بين الأرباح والخسائر والاحتمالات المتباينة، يلجأ إلى قواعد فرز ومعالجة متسلسلة غير تعويضية، متجاهلاً أجزاء جوهرية من المعلومات المتاحة لحماية جهازه المعرفي من التحميل الزائد (Cognitive Overload). وفرت هذه النتائج المختبرية الصارمة الدليل التجريبي الحاسم الذي كان ينقص أطروحة العقلانية المحدودة، ونقلت النقاش الأكاديمي من الجدل النظري المجرد إلى التحليل الإمبيريقي الدقيق للعمليات الذهنية التي تحكم السلوك الفعلي.

3. اكتشاف وتوثيق ظاهرة انعكاس التفضيلات (Preference Reversals)

3.1 الشراكة البحثية مع بول سلوفيتش والدراسات التاريخية (1971–1973)

في مطلع السبعينيات، دشنت سارة ليشتنشتاين وبول سلوفيتش واحدة من أكثر سلاسل التجارب إثارة للجدل وأعمقها تأثيراً في تاريخ العلوم السلوكية والاقتصادية. كان الهدف الأساسي للتجربة هو استكشاف مدى استقرار التفضيلات الإنسانية عندما تتغير طريقة الاستجابة المطلوبة من صانع القرار. قام الباحثان بتصميم أزواج من الرهانات النقدية ذات القيمة المتوقعة المتقاربة جداً ولكن ببنى احتمالية ومالية شديدة التباين:

  • رهان الاحتمال (P-Bet): يتميز بوجود احتمالية عالية جداً للفوز بمكافأة مالية متواضعة، ومخاطرة ضئيلة جداً بالخسارة (على سبيل المثال: فرصة بنسبة 35/36 للفوز بمبلغ 4 دولارات، وفرصة 1/36 لخسارة دولار واحد).
  • رهان العائد النقدي ($ -Bet): يتميز باحتمالية فوز منخفضة، ولكنه يمنح جائزة نقدية كبيرة ومغرية للغاية في حال تحقق الفوز (على سبيل المثال: فرصة بنسبة 11/36 للفوز بمبلغ 16 دولاراً، وفرصة 25/36 لخسارة 1.50 دولار).

نُشرت الورقة البحثية الأولى عام 1971 بعنوان “Reversals of preference between bids and choices in gambling decisions” في دورية Journal of Experimental Psychology المرموقة. تم إخضاع المشاركين في التجربة لمهمتين متباينتين إجرائياً لنفس أزواج الرهانات: المهمة الأولى كانت “المفاضلة والاختيار المباشر” (Direct Choice) بين الرهانين جنباً إلى جنب. أما المهمة الثانية فكانت “التسعير والتقييم الفردي” (Pricing / Bidding)، حيث طُلب من المشارك أن يحدد أقل مبلغ نقدي يقبل به للتنازل عن حق اللعب بكل رهان على حدة (أي تحديد السعر المعادل للرهان في نظره).

جاءت النتائج مذهلة وصادمة للأوساط العلمية: في مهمة الاختيار المباشر، اختار الأغلبية الساحقة من الأفراد “رهان الاحتمال” (P-Bet) لأنه يوفر أماناً عالياً ويضمن الفوز شبه المؤكد. ولكن، وبشكل لا يصدق، عندما طُلب من نفس الأفراد تسعير الرهانات بصورة منفردة، وضعوا سعراً نقدياً أعلى بكثير لـ “رهان العائد” ($ -Bet). هذا يعني ضمنياً أن الفرد إذا طُلب منه الاختيار المباشر فإنه يقول: “أنا أفضل الرهان P على الرهان $”، ولكنه من خلال تسعيره للرهانين يعلن رسمياً أن: “قيمة الرهان$ أعلى عندي من قيمة الرهان P”! ولتأكيد ثبات هذه الظاهرة واستبعاد أن تكون ناجمة عن سوء فهم من المشاركين أو أخطاء عشوائية في التصميم، أعادت ليشتنشتاين وسلوفيتش التجربة عام 1973 بتصاميم أكثر تعقيداً ورقابة شديدة، شملت تطبيقات حقيقية برهانات نقدية فعلية في كازينو بمدينة لاس فيغاس، لتتأكد النتيجة الصادمة ذاتها مراراً وتكراراً وبأعلى درجات الدلالة الإحصائية.

3.2 الآليات النفسية الكامنة وراء انفصال التقييم عن الاختيار

لم تكتفِ ليشتنشتاين وسلوفيتش بتوثيق هذه الظاهرة العجيبة، بل خاضا في تفكيك الميكانيزمات المعرفية الدقيقة التي تفسر هذا التناقض السلوكي الصارخ. وصاغا في هذا السياق ما بات يُعرف بـ “فرضية التوافق” (The Compatibility Hypothesis). تنص هذه الفرضية على أن معالجة المعلومات في الذهن البشري تتأثر بقوة بدرجة التوافق بين طبيعة المثير ومقياس الاستجابة؛ فعندما يُطلب من الفرد تقديم تقييم بمقياس نقدي (تحديد سعر بالدولار)، فإن انتباهه المعرفي يُركّز تلقائياً وبشكل مكثف على البعد النقدي للرهان (حجم الجائزة المالية)، فيقوم بتقدير السعر انطلاقاً من ذلك العائد الضخم المغري.

أما في مهمة الاختيار المباشر، فإن الموقف يفرض مفاضلة نوعية شاملة بين خيارين؛ وهنا يتحول التركيز الإدراكي إلى بعد احتمالية الفوز؛ لأن العقل يسعى بطبيعته إلى تقليل التهديد، وتجنب مشاعر الندم، والبحث عن اليقين المتاح. وبالتالي، فإن كل مهمة تستدعي استراتيجية معرفية مختلفة جذرياً لمعالجة نفس البيانات الرقمية المعروضة، مما يؤدي إلى نتائج متناقضة تماماً لنفس منظومة الخيارات.

إن هذا الانفصال المعرفي بين التقييم والاختيار كان بمثابة ضربة قاصمة لـ “مبدأ التعدي” (Transitivity). فوفقاً للمنطق الكلاسيكي، لا يمكن أن يكون (أ) مفضلاً على (ب) في سياق، بينما يكون (ب) مفضلاً على (أ) بمجرد تغيير لغة التعبير من الاختيار إلى التسعير. أثبتت ليشتنشتاين أن الإنسان لا يمتلك “قيمة جوهرية” جاهزة وثابتة للأشياء في عقله يقوم باسترجاعها وقت الحاجة، بل إنه يقوم بـ “بناء القيمة” لحظياً بناءً على طبيعة الأداة المستخدمة في الاستجواب، مما قوض الفرضية المركزية لعلم الاقتصاد القائلة بأن التفضيلات الاقتصادية متسقة مسبقاً وتتمتع بالاستقلال عن سياق القياس.

3.3 الصدمة المعرفية في علم الاقتصاد واستجابة المنظرين

أحدثت أبحاث ليشتنشتاين وسلوفيتش هزة زلزالية حقيقية في أروقة الفكر الاقتصادي. اعتبر العديد من منظري الاقتصاد التقليدي أن نتائج “انعكاس التفضيلات” تمثل تهديداً وجودياً لنموذج المنفعة المتوقعة برمته؛ لأن انهيار مبدأ التعدي يعني عجز النماذج الرياضية عن التنبؤ بحركة الأسواق وتوازنها. في البداية، قوبلت هذه النتائج بالتشكيك الشديد والإنكار؛ حيث جادل اقتصاديون بارزون بأن هذه الظاهرة ليست سوى نتيجة مصطنعة لتجارب علماء النفس الذين يفتقرون للصرامة الاقتصادية، وأن هؤلاء الباحثين استخدموا طلاباً جامعيين لم تكن لديهم حوافز مالية كافية تدفعهم للتفكير العقلاني الجاد، أو أن إجراءات التجربة تضمنت تضليلاً أو سوء فهم لقواعد اللعب.

بدافع دحض هذه النتائج وحماية النموذج الكلاسيكي، قام خبيرا الاقتصاد التجريبي البارزان ديفيد غريثر (David Grether) وتشارلز بلوت (Charles Plott) في عام 1979 بتصميم دراسة تاريخية كبرى نُشرت في الدورية الاقتصادية الأرفع عالمياً The American Economic Review بعنوان: “Economic theory of choice and the preference reversal phenomenon”. وضع غريثر وبلوت شروطاً تجريبية بالغة الصرامة بهدف “تدمير” ظاهرة انعكاس التفضيل؛ فقاموا بزيادة المكافآت المالية الحقيقية بشكل غير مسبوق، واستخدموا آليات تسعير تحفيزية معقدة ومتطورة (مثل آلية BDM)، وطبقوا جميع وسائل الرقابة والتحوط الممكنة لاستبعاد أي تأثير محتمل للارتباك الذهني للمشاركين.

لكن المفاجأة الكبرى كانت أن نتائج غريثر وبلوت لم تدحض النتائج، بل أكدتها بصورة قاطعة وراسخة! كتب الاقتصاديان في خاتمة بحثهما باعتراف أكاديمي تاريخي غير مسبوق: “إن هذه النتائج لا يمكن التوفيق بينها وبين نظرية التفضيل المعيارية… وظاهرة انعكاس التفضيل حقيقية وتحدث حتى في ظل وجود حوافز اقتصادية كاملة”. كان هذا الاعتراف بمثابة لحظة فاصلة دشنت الانفتاح القسري لعلم الاقتصاد على علم النفس المعرفي، ومهدت الطريق لظهور الاقتصاد السلوكي كنظام علمي مستقل، حيث استند دانيال كانمان (Daniel Kahneman) وعاموس تفيرسكي (Amos Tversky) بشكل مباشر وعميق إلى أبحاث ليشتنشتاين وسلوفيتش لتأسيس مفاهيم “نظرية الآفاق” (Prospect Theory) الحائزة على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2002.

4. معايرة الاحتمالات الذاتية وظاهرة فرط الثقة المعرفية

4.1 الورقة المرجعية الكبرى لمعايرة الاحتمالات (1980)

في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، وسّعت سارة ليشتنشتاين أفق أبحاثها لتشمل فضاءً إدراكياً لا يقل أهمية وحراجة: تقييم درجات اليقين والمعرفة الذاتية. بالتعاون مع زميليها باروخ فيشهوف ولورانس فيليبس (Lawrence Phillips)، قادت ليشتنشتاين مشروعاً علمياً هائلاً هدف إلى تفكيك قدرة العقل البشري على تقييم مدى صحة معلوماته، وهو ما يُعرف في الأدبيات السلوكية بـ “معايرة الاحتمالات” (Calibration of Probabilities).

تُوِّجت هذه السلسلة البحثية بالورقة المرجعية الكلاسيكية التي نُشرت عام 1980 (وأُعيد إصدارها كفصل محوري في كتاب كانمان وتفيرسكي وسلوفيتش الشهير عام 1982 بعنوان: “Judgment under uncertainty: Heuristics and biases”) تحت عنوان: “Calibration of probabilities: The state of the art to 1980”. في هذا العمل الموسوعي غير المسبوق، جمعت ليشتنشتاين وفريقها وحللت بيانات إحصائية ضخمة شملت عشرات الآلاف من التقديرات الاحتمالية التي أدلى بها أفراد وخبراء في مئات التجارب المتنوعة.

عَرّفت ليشتنشتاين “المعايرة التامة” إحصائياً بأنها الحالة التي تتطابق فيها الثقة الذاتية للفرد تماماً مع الدقة الموضوعية لنتائجه؛ أي أنه إذا أجاب الفرد على 100 سؤال، وصرح بأنه “واثق بنسبة 80%” من صحة كل إجابة، فيجب أن تكون 80 إجابة من بينها صحيحة بالفعل لكي يُوصف بأنه “مُعايَر بشكل مثالي” (Well-Calibrated). طوّرت ليشتنشتاين أدوات تحليلية متقدمة لرسم “منحنيات المعايرة” (Calibration Curves)، حيث يمثل المحور الأفقي الاحتمال الذاتي المعطى من المشارك، بينما يمثل المحور الرأسي النسبة المئوية الفعلية للإجابات الصحيحة. كشفت هذه المنحنيات بصورة بصرية ورياضية جلية عن الخلل الهائل والممنهج في تقييم الإنسان لدرجات معرفته وتأكيداته الذاتية.

4.2 تشريح ظاهرة فرط الثقة (Overconfidence Effect)

أزاحت دراسات ليشتنشتاين الستار عن واحدة من أوسع التحيزات المعرفية انتشاراً وخطورة في التاريخ البشري، وهي ظاهرة “فرط الثقة المعرفية” (The Overconfidence Effect). كشفت البيانات بوضوح قاطع أن الأفراد يميلون بشكل عام وشبه كلي إلى المبالغة الفائقة في تقدير دقة وصحة معلوماتهم الخاصة. فعلى سبيل المثال، عندما كان المشاركون يبلغون أعلى درجات التأكد واليقين المطلق في إجاباتهم—بأن يضعوا احتمالاً مقداره 1.0 (أي يقين تام بنسبة 100% أنهم محقون ولا مجال للخطأ)—أظهرت النتائج التجريبية أن نسبة إجاباتهم الخاطئة كانت تتراوح في العادة بين 15% إلى 25%! أي أن ما كان يعتبره البشر يقيناً لا يقبل الشك، كان يحتوي على نسبة فشل فادحة وكارثية.

علاوة على ذلك، اكتشفت ليشتنشتاين وفريقها تأثيراً معرفياً بالغ الأهمية عُرف لاحقاً بـ “ظاهرة الصعب مقابل السهل” (Hard-Easy Effect). ومفاد هذا الأثر أن مستوى فرط الثقة يتغير بتغير طبيعة وصعوبة المهمة الذهنية المعروضة:

  • عندما تكون المهام أو الأسئلة المعرفية شديدة الصعوبة أو غامضة، يتفجر فرط الثقة الإدراكية إلى أقصى مستوياته؛ حيث يعتقد الأفراد أنهم يعرفون أكثر بكثير مما يعرفونه في الواقع، وتتسع الفجوة بين ثقتهم ودقتهم إلى مستويات قياسية.
  • وعلى العكس من ذلك، عندما تكون الأسئلة شديدة السهولة والبساطة، تتقلص ظاهرة فرط الثقة، بل وتتحول أحياناً إلى “نقص في الثقة” (Underconfidence)، حيث يتردد الفرد في إعطاء نفسه حقه الكامل من اليقين.

الأمر الأكثر إثارة للقلق في نتائج أبحاث ليشتنشتاين تمثل في إثباتها أن الخبرة والتجربة الطويلة في مجال ما لا تؤديان تلقائياً إلى تحسين المعايرة أو كبح جماح فرط الثقة. فقد أظهرت التجارب أن الخبراء في مختلف المجالات—باستثناء فئات نادرة جداً مثل خبراء الأرصاد الجوية وموزعي الرهانات في صالات القمار—يقعون في شرك فرط الثقة بنفس الدرجة الفادحة التي يقع فيها الهواة، إذا لم يتلقوا تدريباً مباشراً وممنهجاً يزودهم بـ تغذية راجعة موضوعية وفورية حول نتائج تقديراتهم وتنبؤاتهم السابقة.

4.3 التداعيات المنهجية لتدريب الخبراء وتعديل التقديرات

أدركت سارة ليشتنشتاين أن ظاهرة فرط الثقة ليست مجرد طرفة مختبرية غريبة، بل هي مأساة معرفية لها انعكاسات مدمرة على أرض الواقع؛ فهي تقف خلف التقديرات الخاطئة التي تؤدي إلى كوارث صناعية، وفشل استخباراتي ذريع في التنبؤ بالحروب، وانهيارات مالية مروعة في أسواق الأسهم، وأخطاء قاتلة في غرف العمليات الجراحية. بناءً على هذا الإدراك، سعت إلى استثمار نتائج أبحاثها في تطوير برامج تدريبية وتدخلات معرفية ممنهجة تهدف إلى “تصحيح المعايرة” (Debiasing and Recalibration).

صممت ليشتنشتاين بروتوكولات تجريبية وتدريبية تم تطبيقها على مهندسين، وعلماء جيولوجيا، ومحللين استخباريين، وصناع قرار في الهيئات الفيدرالية الأمريكية. كان الهدف هو تعليم هؤلاء الخبراء كيفية صياغة أحكامهم وتنبؤاتهم في قوالب احتمالية متواضعة ومعايرة؛ وذلك عبر مطالبتهم بتقديم أدلة تدحض فرضياتهم المفضلة، واستحضار سيناريوهات الفشل البديلة قبل إصدار أي حكم نهائي، وإعادة ضبط فترات الثقة (Confidence Intervals) لتكون أكثر اتساعاً واستيعاباً لمناطق الجهل غير المرئية.

أثبتت أبحاثها الميدانية أن الوسيلة الوحيدة الفعالة لتقليص فجوة فرط الثقة هي توفير “تغذية راجعة موضوعية مستمرة، وفورية، ومتكررة” (Frequent Outcome Feedback). واستشهدت دوماً بنموذج خبراء الأرصاد الجوية كفئة وحيدة تتمتع بمعايرة شبه مثالية؛ والسبب في ذلك أن خبير الطقس يتلقى كل يوم تغذية راجعة صريحة تثبت له ما إذا كان المطر قد هطل بالفعل كما توقع أم لا، مما يدربه معرفياً على احترام عدم اليقين. وقد أحدثت هذه التوصيات المنهجية ثورة في آليات تحليل المخاطر الجيولوجية والهندسية، وفتحت المجال لإعادة تصميم أنظمة استطلاع آراء الخبراء (Expert Elicitation) المستخدمة حتى اليوم في الوكالات العلمية الكبرى حول العالم.

5. النموذج القياسي النفسي لإدراك المخاطر (The Psychometric Paradigm)

5.1 تفكيك مفهوم الخطر كبناء نفسي واجتماعي

في منتصف السبعينيات، دخلت الطاقة النووية والصناعات الكيماوية والتقنيات الحيوية الحديثة حلبة النقاش العام والسياسي في المجتمعات الغربية. كانت النخب التكنولوجية والهندسية تصاب بالإحباط والذهول إزاء المعارضة الشعبية الشرسة لمشاريع الطاقة النووية والمنشآت الصناعية الكبرى؛ حيث كان المهندسون وخبراء الإحصاء يجادلون بأن هذه التقنيات آمنة للغاية وفقاً لـ “الحسابات الفنية الصارمة”، والتي كانت تُعرِّف الخطر رياضياً بمعادلة بسيطة:
الخطر = (احتمالية وقوع الحادث) × (عدد الوفيات أو الخسائر المتوقعة سنوياً).

انبرت سارة ليشتنشتاين، بالشراكة مع بول سلوفيتش وباروخ فيشهوف، لرفض هذا التعريف الاختزالي الضيق للمخاطر. وجادل الفريق الثلاثي بأن حصر مفهوم الخطر في مجرد حسابات إحصائية لمعدلات الوفيات السنوية هو جهل فاضح بالطبيعة النفسية البشرية. واقترحوا مقاربة ثورية عُرفت بـ “النموذج القياسي النفسي لإدراك المخاطر” (The Psychometric Paradigm)، مؤكدين أن “الخطر ليس معطى فيزيائياً خارجياً موضوعياً يسبح في الفراغ وينتظر القياس المجرد، بل هو بناء نفسي واجتماعي معقد يُدركه العقل البشري ويتأثر بالمشاعر، والقيم الأخلاقية، والثقافة، والعدالة الإجرائية”.

من خلال تطبيق أساليب القياس النفسي المتقدمة والتحليل متعدد المتغيرات، قامت ليشتنشتاين وزملاؤها بإخضاع العشرات من الأنشطة والتقنيات البشرية (مثل: التدخين، الطيران التجاري، الطاقة النووية، الدراجات النارية، المبيدات الحشرية، اللقاحات) لتقييم جماهيري واسع يشتمل على سمات نفسية وإدراكية متعددة، بهدف تفكيك البنية التحتية لمعنى “الخطر” في الوعي الجمعي البشري.

5.2 الأبعاد الأساسية لإدراك المخاطر: الرهبة والمجهولية

أسفر التحليل العاملي (Factor Analysis) الذي أجرته ليشتنشتاين وفريقها عن اكتشاف مبهر أزال الغموض عن استجابات الجماهير؛ فقد تبين أن التقييم البشري لمخاطر أي تقنية أو نشاط يقع بشكل أساسي عند تقاطع بُعدين نفسيين رئيسيين يفسران الحصة الكبرى من التباين الإدراكي:

  1. عامل “خطر الرهبة” (Dread Risk): وهو البعد الأقوى تأثيراً في استثارة الرعب والرفض المجتمعي. يتحدد هذا العامل بسمات محددة تشمل: انعدام السيطرة الفردية، والعواقب الكارثية الجماعية (وقوع وفيات هائلة في لحظة واحدة بدلاً من وفيات متفرقة زمنياً)، والمصير القاتل الحتمي، والشعور بعدم المساواة والظلم في توزيع الأعباء والمنافع، وحقيقة أن الخطر مفروض قسراً وليس مختاراً طواعية. وتُعد الطاقة النووية والأسلحة الحربية النماذج الصارخة لهذا البعد.
  2. عامل “الخطر المجهول” (Unknown Risk): يتحدد هذا العامل بمدى حداثة التقنية أو التهديد، وما إذا كان غير مرئي بالعين المجردة، وغير مألوف للناس، وتتأخر آثاره وعواقبه السلبية لأجيال قادمة، وتكتنفه حالة من عدم اليقين والجهل لدى الأوساط العلمية ذاتها. وتمثل التقنيات الحيوية المتقدمة والإشعاعات غير المرئية والمواد الكيميائية التركيبية تجسيداً واضحاً لهذا البعد.

قامت ليشتنشتاين وزملاؤها برسم “الخرائط الإدراكية المكانية للمخاطر” (Cognitive Maps of Hazards)، حيث وُضعت التقنيات في فضاء ثنائي الأبعاد يمثل هذين العاملين. أظهرت هذه الخرائط بوضوح ساطع لماذا يُبدي الجمهور استعداداً لتحمل مخاطر الدراجات النارية أو التدخين (لأنها مخاطر طوعية، معروفة، وتخضع للسيطرة الفردية المتصورة، وبالتالي تقع في أسفل منحنى الرهبة)، في حين ينتفض رفضاً للطاقة النووية أو النفايات المشعة حتى لو كانت حسابات الوفيات السنوية للثانية جزءاً ضئيلاً من وفيات الأولى؛ وذلك لوقوع الأخيرة في أقصى الزاوية العليا التي تجمع بين أعلى درجات “الرهبة” و”المجهولية”.

5.3 الفجوة بين التقييم الفني والإدراك الجماهيري للمخاطر

قدم هذا الإطار التفسيري حلاً جذرياً لواحدة من أعقد معضلات السياسة العامة في العصر الحديث: الهوة السحيقة بين تقييمات الخبراء الفنيين والمهندسين من جهة، ومخاوف الرأي العام الجماهيري من جهة أخرى. وبدلاً من اتهام الجماهير بـ “الجهل، والغباء، واللاعقلانية، والهستيريا” كما كان دأب التكنوقراط والسياسيين، برهنت ليشتنشتاين على أن الجمهور يمتلك “عقلانية نوعية أكثر ثراءً وشمولاً” تدمج الأبعاد الأخلاقية، والعدالة الاجتماعية، وحماية الأجيال القادمة، والسيطرة الفردية ضمن مفهوم الخطر، وهي أبعاد بالغة الأهمية تسقطها المعادلات الحسابية الجافة للخبراء الفنيين.

أحدثت هذه الرؤية ثورة جذرية في علم “التواصل بشأن المخاطر” (Risk Communication) واستراتيجيات الهيئات التنظيمية الحكومية. وأكدت ليشتنشتاين أن فرض التقنيات بالقوة وإجبار الناس على قبولها بدعوى “أن الإحصاءات تثبت سلامتها” محكوم عليه بالفشل الذريع وتعميق أزمة الثقة؛ لأن استجابة الجمهور تحركها عوامل نفسية مشروعة تتطلب الشفافية، والمشاركة في اتخاذ القرار، ومعالجة جذور “الرهبة” و”انعدام السيطرة”. غيرت هذه الأبحاث بشكل لا رجعة فيه الطريقة التي تتعامل بها الوكالات الفيدرالية والمنظمات الدولية (مثل وكالة حماية البيئة الأمريكية ومنظمة الصحة العالمية) مع قضايا الصحة العامة والبيئة والطاقة.

6. تأسيس معهد أبحاث القرار (Decision Research) والاستقلال الفكري

6.1 دوافع إنشاء مركز بحثي مستقل في يوجين، أوريغون (1976)

في عام 1976، اتخذت سارة ليشتنشتاين مع رفيق دربها بول سلوفيتش، وبالانضمام لاحقاً مع باروخ فيشهوف، قراراً جريئاً وشجاعاً غير مسار حياتهم المهنية؛ حيث قرروا مغادرة المناصب الأكاديمية التقليدية المقيدة بالهياكل الجامعية الروتينية، وتأسيس معهد مستقل تماماً في مدينة يوجين بولاية أوريغون، أطلقوا عليه اسم “معهد أبحاث القرار” (Decision Research).

كانت الدوافع وراء هذه الخطوة التأسيسية نابعة من الرغبة العميقة في التحرر من البيروقراطية الجامعية، والصراعات الإدارية، ومتطلبات التدريس التقليدية التي كانت تشتت طاقتهم الفكرية، فضلاً عن السعي للتخلص من قيود التقسيم التقليدي للعلوم (Departmental Silos) الذي كان يضع حواجز مصطنعة بين علم النفس، والاقتصاد، والإحصاء، والهندسة. أراد هذا الثلاثي العلمي بناء بيئة بحثية رائدة تتسم بالمرونة الفكرية المطلقة، والتركيز المتكامل بنسبة 100% على الأبحاث الأساسية والتطبيقية في سيكولوجية اتخاذ القرار، وإدراك المخاطر، والسياسات العامة.

لعبت سارة ليشتنشتاين دوراً محورياً وأساسياً في بناء الثقافة التنظيمية والفكرية للمعهد. فقد فرضت منذ اليوم الأول أعلى معايير النزاهة العلمية، والصرامة الإحصائية، والشفافية المنهجية. وجعلت من المعهد مساحة ديمقراطية للتفكير الحر والمراجعة النقدية الجماعية المفتوحة، حيث تُعرض المسودات البحثية للنقد والتمحيص بلا هوادة وبمنأى عن أي تراتبية هرمية، مما حول هذا المركز الصغير في أوريغون إلى وجهة عالمية أولى يقصدها كبار علماء العالم للتعلم والتعاون البحثي المشترك.

6.2 المشاريع الممولة وأبحاث السياسات الفيدرالية

سرعان ما رسخ معهد أبحاث القرار مكانته المرموقة، ونجحت ليشتنشتاين وفريقها في استقطاب منح بحثية تنافسية كبرى من أرقى المؤسسات العلمية والوكالات الحكومية في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها مؤسسة العلوم الوطنية (National Science Foundation – NSF)، ووزارة الطاقة، ومفوضية التنظيم النووي، ووكالة حماية البيئة الأمريكية. لم تكن هذه المنح مجرد تمويل لمشاريع مختبرية، بل كانت استجابة لأزمات وطنية وسياسات عامة حيوية تتطلب فهماً سيكولوجياً عميقاً.

قدمت ليشتنشتاين مساهمات استشارية مرجعية في قضايا وطنية بالغة الحساسية، مثل دراسات الجدوى والقبول المجتمعي لمشروع مستودع النفايات النووية عالي المستوى في جبل يوكا (Yucca Mountain)، ومسائل الأمان الصناعي في المفاعلات النووية بعد حادثة جزيرة ثري مايل (Three Mile Island)، واستراتيجيات إدارة الكوارث الطبيعية والأوبئة. استطاعت أبحاث المعهد ترجمة المفاهيم النفسية المجردة إلى أدوات سياساتية عملية مكّنت صناع القرار في واشنطن من التنبؤ بردود الفعل المجتمعية، وتصميم استراتيجيات تنظيمية تحترم المشاعر الإنسانية والقلق العام دون التضحية بالمعايير العلمية الصارمة.

6.3 تمكين العمل الجماعي وتخريج أجيال من الباحثين

تميزت مسيرة ليشتنشتاين داخل معهد أبحاث القرار بتفانيها الاستثنائي في خلق بيئة حاضنة ومحفزة للأجيال الشابة من الباحثين، وزملاء ما بعد الدكتوراه، وطلاب الدراسات العليا الذين تدفقوا على المعهد من كافة أرجاء المعمورة. كانت تؤمن إيماناً راسخاً بأن العلم هو ممارسة تشاركية جماعية وليس نشاطاً فردياً أنانياً، وكرست وقتاً هائلاً لتدريب الباحثين الشبان على الصرامة التجريبية، والتصميم الإحصائي المحكم، وتفكيك الفرضيات قبل اختبارها.

تخرجت من تحت إشرافها وتوجيهها الفكري أجيال من كبار علماء القرار المعاصرين الذين يقودون اليوم أقسام علم النفس والاقتصاد السلوكي في كبرى الجامعات العالمية. وتجلت بصمتها في غرس ثقافة “التواضع المعرفي” والشك المنهجي البناء؛ حيث علمت تلامذتها أن أعظم فضيلة للباحث ليست إثبات صحة نظريته بأي ثمن، بل الاستعداد الدائم للإنصات إلى ما تخبره به البيانات التجريبية بكل أمانة وتجرد، حتى لو كان ذلك يعني نسف أطروحاته الشخصية المفضلة. هذا الإرث التربوي والأخلاقي ضمِن استدامة الأثر العلمي للمعهد عبر عقود متتالية من الإنتاج المعرفي الخلاق.

7. أطروحة بناء التفضيلات (The Construction of Preference)

7.1 التحول الجذري من ‘استدعاء التفضيل’ إلى ‘بنائه’

يمثل التحول من النظرة التقليدية للتفضيلات إلى أطروحة “بناء التفضيلات” (The Construction of Preference) التتويج الفكري الأرقى لمسيرة سارة ليشتنشتاين العلمية. كانت النظريات الاقتصادية والاجتماعية الكلاسيكية تفترض ضمنياً أن لدى كل إنسان ما يشبه “قاعدة بيانات داخلية متكاملة” من التفضيلات والقيم المحددة سلفاً لكل شيء في الوجود؛ من نوع القهوة التي يفضلها، إلى المبلغ الذي يقبل به للتأمين على حياته، وأن وظيفة أي موقف اختياري أو استبيان هي مجرد “استرجاع وقراءة” (Read Out / Retrieval) لهذه القيم المحفوظة مسبقاً في الذاكرة.

قامت أطروحة ليشتنشتاين الراديكالية على الهدم التام لهذا الافتراض. وأثبتت، عبر عقود من التجارب الدقيقة، أن التفضيلات البشرية في أغلب مواقف الحياة الواقعية ليست موجودة مسبقاً على الإطلاق بانتظار الكشف عنها، بل هي عمليات ديناميكية متغيرة تُصنع، وتتشكل، وتُبنى آنياً ولحظياً في سياق عملية اتخاذ القرار نفسها. وكما وصفت ليشتنشتاين وسلوفيتش الأمر بدقة متناهية: “إن التفضيلات ليست أشياء نملكها في عقولنا مسبقاً، بل هي أحكام نصنعها استجابة للموقف، وبنية البدائل، وحدود الذاكرة العاملة، وطبيعة الاستفسار الموجه إلينا”.

7.2 حساسية السياق وأثر صياغة البدائل

أوضحت أبحاث ليشتنشتاين أن بناء التفضيلات يتسم بالحساسية المفرطة لما يُسمى “معمارية الاختيار” (Choice Architecture) والسياق المحيط. وقد استعرضت تجاربها العديد من الظواهر السلوكية التي تثبت مرونة وهشاشة التفضيلات الإنسانية تحت وطأة التلاعب السياقي، ومنها:

  • تأثير الصياغة والتأطير (Framing Effects): حيث يتغير تفضيل الإنسان لنفس البديل الموضوعي تماماً بمجرد وصفه بلغة “الأرباح والمكاسب” بدلاً من لغة “الخسائر والوفيات”.
  • أثر الجاذبية والبديل التافه (The Decoy / Asymmetric Dominance Effect): حيث يمكن دفع الأفراد لتفضيل خيار معين عبر تقديم خيار ثالث بديل يكون أدنى بوضوح من أحد الخيارين فقط، مما يغير البنية المقارنة ويدفع العقل لبناء تفضيل فوري لم يكن موجوداً من قبل.
  • الاعتماد على الدلائل السطحية (Reliance on Heuristic Cues): عندما يواجه العقل البشري مهام تقييم معقدة تتضمن خيارات متعددة السمات، فإنه يتوقف عن إجراء الحسابات الشاملة ويعتمد على ترتيب ظهور الخيارات، أو الخيار الافتراضي (Default Option)، أو بروز سمة بصرية معينة لتوجيه بنائه للتفضيل.

برهنت هذه الدراسات على أن السلوك الإنساني ليس نظاماً ميكانيكياً صلباً، بل هو نظام متكيف فائق المرونة يعيد تشكيل أولوياته وفقاً للطريقة التي يُسأل بها، مما ينفي وجود “منفعة جوهرية مجردة” يمكن فصلها عن بيئة اتخاذ القرار وسياقها الظرفي.

7.3 كتاب ‘بناء التفضيلات’ (2006): تتويج الإرث الفكري المشترك

في عام 2006، توجت سارة ليشتنشتاين مسيرتها الفكرية بتحرير المرجع العلمي الشامل والأبرز في هذا الميدان بالاشتراك مع بول سلوفيتش، والذي صدر عن مطبعة جامعة كامبريدج العريقة بعنوان: The Construction of Preference (بناء التفضيلات). يُعد هذا الكتاب الضخم (الذي يتجاوز 700 صفحة) بمثابة الدستور الفكري المؤسس لتحول النموذج الإرشادي (Paradigm Shift) في علوم القرار.

جمع الكتاب بين دفتيه أهم الأوراق الكلاسيكية التأسيسية التي صاغتها ليشتنشتاين وسلوفيتش وفريقهما منذ السبعينيات، إلى جانب مساهمات نقدية موسعة من كبار علماء النفس، والاقتصاد، والفلسفة، وعلوم الإدارة في العالم، مثل كانمان، وتفيرسكي، وتالر، وسنشتاين، وفيدمان. لم يكن الكتاب مجرد تجميع تاريخي للأبحاث السابقة، بل قدم إطاراً إبستيمولوجياً متماسكاً فند تماماً النظريات المعيارية الكلاسيكية في المنفعة، وأثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن النماذج التي تتجاهل مرونة التفضيلات وبنائها الآني عاجزة تماماً عن تفسير العالم الحقيقي، مما جعل هذا العمل مرجعاً لا غنى عنه لأي باحث أو أكاديمي في العلوم المعرفية والاقتصادية الحديثة.

8. التحيزات المعرفية والاستدلالات التقديرية في أبحاث ليشتنشتاين

8.1 دراسة انحياز الإدراك المتأخر (Hindsight Bias)

كان لسارة ليشتنشتاين دور محوري وجوهري في استكشاف وتوثيق ظاهرة “انحياز الإدراك المتأخر” (Hindsight Bias)، والمعروفة شعبياً بظاهرة “كنت أعلم ذلك طوال الوقت!” (I-Knew-It-All-Along Effect)، وذلك في شراكتها الوثيقة مع باروخ فيشهوف. ركزت هذه الأبحاث على تحليل كيفية إعادة تشكيل الذاكرة البشرية لأحداث الماضي فور معرفة النتيجة الفعلية لتلك الأحداث.

أظهرت التجارب المتقنة التي صممتها ليشتنشتاين أنه بمجرد أن يعلم الأفراد بوقوع نتيجة حدث معين (سواء كان حدثاً سياسياً، أو تشخيصاً طبياً، أو نتيجة تاريخية)، يعيد عقلهم صياغة شريط الذاكرة لا شعورياً، ويقومون بالمبالغة الفادحة في تقدير الاحتمالية التي كانوا سيضعونها لتلك النتيجة قبل معرفة حدوثها. والأخطر من ذلك هو أنهم يتخيلون أن النتيجة كانت حتمية وواضحة تماماً وكان من السهل التنبؤ بها مسبقاً، متناسين حالة الشك والجهل الحقيقية التي عاشوها قبل وقوع الحدث.

برهنت ليشتنشتاين على أن هذا التحيز الإدراكي يعيق بشكل خطير قدرة البشر والمنظمات على التعلم من الأخطاء والتجارب السابقة؛ لأنه يولد وهماً بالمعرفة، ويؤدي إلى توجيه لوم جائر وغير مبرر لصانعي القرار الذين اتخذوا قرارات سليمة بناءً على المعلومات المتاحة لديهم في وقتها ولكن الحظ لم يحالفهم في النتيجة، في حين ينسب النجاح العشوائي المبني على مجرد المصادفة إلى “عبقرية التخطيط والبصيرة”. أثبتت دراساتها الصارمة مدى الاستعصاء الإدراكي لتجاهل المعرفة اللاحقة، حتى عندما طُلب صراحة من المشاركين في المختبر تجاهلها ومحاولة التفكير كما لو أنهم لم يعلموا بالنتيجة بعد.

8.2 استدلال التوفر واستحضار المخاطر النادرة

في تعاونها مع كانمان وتفيرسكي وسلوفيتش، قدمت ليشتنشتاين إسهامات رائدة في فحص “استدلال التوفر الذهني” (The Availability Heuristic) وتطبيقاته التجريبية على تقدير المخاطر وترددات الوفيات في المجتمع. قامت بإجراء دراسات استقصائية وإحصائية كبرى لقياس تقديرات الجمهور للترددات السنوية لأسباب الوفاة المختلفة ومقارنتها بالإحصاءات الرسمية للصحة العامة.

كشفت النتائج عن انحياز مذهل: فقد أفرط الأفراد بشكل هائل في تقدير وتضخيم احتمالية الوفاة الناجمة عن أحداث نادرة ولكنها صادمة ودرامية وتستحوذ على تغطية إعلامية مكثفة ومشاهد بصرية مرعبة، مثل حوادث تحطم الطائرات، وهجمات أسماك القرش، والكوارث الطبيعية، وجرائم القتل البشعة. وفي المقابل، قام المشاركون بالتقليل الفادح والمستمر من احتمالية الوفاة الناتجة عن أسباب شائعة ومهلكة جداً ولكنها هادئة وتفتقر للدراما الإعلامية، مثل السكتات الدماغية، والسكري، وأمراض الربو، وحوادث السقوط المنزلي.

ربطت ليشتنشتاين هذه التقديرات المشوهة بالسهولة الإدراكية التي يسترجع بها الذهن البشري المشاهد والصور المرئية من الذاكرة؛ فكلما كان الحدث حياً وصادماً في الوعي، توفر بسهولة في العقل، مما يدفع النظام المعرفي البشري إلى القفز التلقائي إلى استنتاج خاطئ بأن هذا الحدث يقع بمعدلات تردد أعلى بكثير في الواقع الإحصائي، مما قدم تفسيراً علمياً متكاملاً لكيفية صياغة وسائل الإعلام للمخاوف المجتمعية والسياسات الأمنية بشكل غير متوازن.

8.3 استدلال التثبيت والتعديل (Anchoring and Adjustment)

تناولت أبحاث سارة ليشتنشتاين بالتشريح المعرفي الدقيق استدلالاً إدراكياً آخر بالغ الفتك، وهو “التثبيت والتعديل” (Anchoring and Adjustment). يصف هذا التحيز ميل العقل البشري، عند محاولته تقدير قيمة كمية مجهولة، إلى البدء برقم أو نقطة بداية أولية تُطرح أمامه (المرساة Anchor)، ثم إجراء تعديلات ذهنية انطلاقاً من تلك النقطة للوصول إلى التقدير النهائي. وتكمن المعضلة المعرفية في أن هذه التعديلات تكون دائماً تقريباً “غير كافية بشكل منهجي” (Insufficient Adjustment)، مما يجعل التقدير النهائي مقيداً وأسيراً بنقطة البداية، حتى لو كانت تلك النقطة عشوائية تماماً ولا علاقة لها بالموضوع.

طبقت ليشتنشتاين دراسات التثبيت على سياقات واقعية شديدة الحساسية، مبرهنة على متانة هذا الأثر الإدراكي حتى لدى الفئات المهنية عالية التدريب. ففي مجالات مثل:

  • التقييمات القضائية والتعويضات: أظهرت كيف أن المطالبات المالية المبدئية الخيالية التي يقدمها المحامون تشكل مرساة إدراكية تؤثر على أحكام القضاة وهيئات المحلفين وتدفعهم لرفع مبالغ التعويضات النهائية.
  • مفاوضات التأمين وتثمين الأصول: بينت التجارب أن التقييمات التقديرية للخبراء تتأثر بالأرقام المبدئية التي تُقترح عليهم في جداول البيانات، ويفشلون في الانفصال عنها رغم تأكيدهم الشفوي على حياديتهم وموضوعيتهم المهنية.

أكدت هذه الدراسات على أن استدلال التثبيت ليس مجرد خطأ عابر بل هو خاصية هيكلية في آلية المعالجة الذهنية البشرية التي تستخدم المعلومات المتاحة كنقطة ارتكاز إدراكية يصعب الإفلات من جاذبيتها، مما يفرض ضرورة تبني بروتوكولات حوكمة صارمة لحجب الأرقام المبدئية المضللة في سياقات صناعة القرار الحساسة.

9. المنهجية التجريبية والمعايير البحثية الصارمة لدى ليشتنشتاين

9.1 الدقة الرياضية في تصميم التجارب السيكوفيزيائية

إذا كان هناك إجماع علمي واسع بين زملاء سارة ليشتنشتاين ومعاصريها، فهو حول صرامتها المنهجية الأسطورية ودقتها الإحصائية الفائقة في تصميم وتنفيذ الأبحاث. كانت ليشتنشتاين بمثابة “الضمير المنهجي” لفريق أبحاث القرار بأكمله. وظفت خلفيتها المتينة في علم النفس الرياضي لتطوير تصاميم تجريبية متعددة العوامل (Multifactorial Designs) بالغة التعقيد، تهدف إلى إخضاع الفرضيات النفسية لأقصى درجات الضبط التجريبي الممكنة.

كانت تعتمد على تقنيات السيكوفيزياء في قياس التغيرات الطفيفة في الاستجابات الإنسانية؛ فلم تكن تكتفي بالأسئلة البسيطة أو الملاحظات العامة، بل كانت تضبط شروط تقديم المثيرات، وتتحكم في تباين الأوزان الاحتمالية، وتُعادل بين البدائل عبر مصفوفات موازنة صارمة تضمن استبعاد أي أثر لترتيب العرض (Counterbalancing). هذا الدمج الخلاق والبارع بين القياس النفسي والنماذج الرياضية الاحتمالية منح أبحاثها قوة منهجية منيعة جعلت من المستحيل على نقادها من الاقتصاديين التقليديين الطعن في سلامة نتائجها الإحصائية أو الادعاء بأنها وليدة أخطاء في القياس أو صدف تجريبية.

9.2 مقاربة الشك المنهجي وإعادة اختبار الفرضيات

تميزت ليشتنشتاين بمقاربة فكرية تقوم على “الشك المنهجي الراديكالي”؛ ليس تجاه أبحاث الآخرين فحسب، بل وأولاً وقبل كل شيء تجاه نتائجها وفرضياتها الشخصية. كانت ترفض بشكل قاطع القفز إلى الاستنتاجات النظرية المتسرعة أو الابتهاج المبكر بنتائج تدعم توقعاتها قبل استنفاد كافة المحاولات لتفنيدها ودحضها ذاتياً.

عندما كانت ترصد ظاهرة سلوكية جديدة ومثيرة (مثل انعكاس التفضيلات أو فرط الثقة)، كانت تبادر على الفور بتصميم تجارب مضادة مصممة خصيصاً لإلغاء الظاهرة؛ فتقوم بتغيير لغة التعليمات، ورفع المكافآت المالية إلى مستويات قياسية، وتسهيل المهام الذهنية للمشاركين إلى أقصى حد، والبحث الدؤوب عن أي تفسير بديل محتمل (Alternative Explanation) قد يفسر البيانات بصورة تقليدية. وإذا صمدت الظاهرة بعد كل هذه المحاولات الشرسة للتفنيد، حينها فقط تسمح بنشر النتائج. هذا النموذج في النزاهة العلمية والتحوط المعرفي جعل من أوراقها البحثية أعمالاً خالدة صمدت أمام اختبار الزمن وأثبتت قدرة فائقة على التكرار المنهجي (Replicability) في مختلف الثقافات والبيئات الأكاديمية عبر العقود.

9.3 الابتكار في أساليب جمع البيانات السلوكية

في عصر ما قبل الحواسيب الشخصية والإنترنت، أظهرت ليشتنشتاين عبقرية ابتكارية استثنائية في ابتكار أساليب وأدوات جمع البيانات السلوكية الميدانية والمختبرية. صممت استبيانات وبطاقات لعب ميكانيكية وتفاعلية معقدة تقيس درجات اليقين، والرهانات المالية الحقيقية، والخيارات ذات السمات المتعددة، متجاوزة الأساليب التقليدية الجافة.

كما ساهمت في ابتكار أدوات تتبع العمليات الإدراكية (Process Tracing Techniques) التي مهدت لاحقاً لظهور برمجيات تسجيل حركة العين وتتبع مسار الفأرة الإلكترونية، وذلك لرصد المسار الزمني الذي يتبعه صانع القرار في قراءة المعلومات، وما هي البيانات التي يركز عليها أولاً، وتلك التي يتجاهلها تماماً أثناء محاولته حل المشكلة. والأهم من ذلك، تمردت ليشتنشتاين مبكراً على القيود المنهجية التي تفرض الاعتماد الحصري على عينات من طلاب الجامعات الصغار؛ فقادت تجارب شملت فئات سكانية متنوعة، وخبراء مهنيين، وقضاة، وأطباء، ورواد صالات القمار، لضمان أعلى درجات الصدق الخارجي والواقعي لنتائج أبحاثها.

10. التطبيقات العملية لإسهاماتها في السياسات العامة والرعاية الصحية

10.1 إدارة المخاطر البيئية والتقنيات النووية

لم تنعزل سارة ليشتنشتاين داخل الأبراج العاجية للأوساط الأكاديمية، بل آمنت بأن المسؤولية الأخلاقية للعالم تفرض عليه توظيف المعرفة لخدمة المجتمع وحل قضاياه المصيرية. وقد شكلت أبحاثها في إدارة المخاطر البيئية والتقنيات النووية حجر الزاوية في إعادة صياغة سياسات الطاقة وإدارة النفايات الخطرة في الولايات المتحدة والعديد من دول العالم.

قدمت دراسات مرجعية فارقة لمفوضية التنظيم النووي ووزارة الطاقة الأمريكية حول أزمة اختيار مواقع التخلص من النفايات الإشعاعية عالية المستوى وطويلة الأمد (مثل مشروع جبل يوكا). وأوضحت لصناع القرار أن الفشل في تمرير المشروع لم يكن بسبب نقص الأدلة الهندسية على متانة المستودع، بل كان نتيجة الفشل التام في استيعاب البنية المعرفية للمجتمعات المحلية المجاورة؛ حيث ارتبط المشروع بأعلى درجات “خطر الرهبة” وتولد شعور جماعي بالظلم الإجرائي وفرض الخطر قسراً دون فوائد ملموسة. ساعدت إسهاماتها في إرساء مبادئ “العدالة البيئية الإجرائية” والشفافية المجتمعية والموافقة المسبقة المبنية على الشراكة الحقيقية بدلاً من الفرض التكنوقراطي الاستعلائي.

10.2 التواصل بشأن المخاطر الطبية وصنع القرار السريري

في القطاع الصحي والطبي، أحدثت أبحاث ليشتنشتاين تحولات جذرية أنقذت حياة الآلاف من البشر، لا سيما في مجالين حرجين: “التواصل بشأن المخاطر الطبية” و“صنع القرار السريري للأطباء”. ركزت جهودها على تحسين أساليب نقل الاحتمالات المعقدة للمرضى وعائلاتهم حول نسب النجاح والمضاعفات المحتملة للعلاجات المعقدة والعمليات الجراحية الخطيرة.

أثبتت تجاربها أن تقديم البيانات الطبية بصيغة نسب احتمالية نسبية مجردة (مثل: “هذا الدواء يقلل خطر الإصابة بنسبة 50%”) يضلل المرضى بشكل فادح ويدفعهم لاتخاذ قرارات غير مدروسة؛ واقترحت بدلاً من ذلك استخدام الترددات المطلقة الطبيعية (Natural Frequencies) والمساعدات البصرية البيانية الواضحة (Icon Arrays)، والتي تساعد المرضى على بناء تقييم موضوعي لموازين المخاطر والمنافع.

وعلى الجانب الآخر، واجهت أبحاثها بقوة ظاهرة فرط الثقة المتأصلة لدى الأطباء في التشخيصات السريرية الأولية، وأثر استدلال التثبيت الذي يجعل الطبيب يلتصق بانطباعه السريري الأول ويرفض تغييره رغم ظهور تحاليل مخبرية جديدة تدل على تشخيص بديل. وساهمت توصياتها في تطوير “أنظمة مساندة القرار السريري” (Clinical Decision Support Systems) التي تجبر الكوادر الطبية على مراجعة الاحتمالات وتحدي فرضياتهم الأولية بشكل ممنهج، مما قلص الأخطاء التشخيصية القاتلة في المستشفيات.

10.3 السلامة العامة والاستجابة للكوارث الطبيعية

امتدت بصمات ليشتنشتاين إلى مجالات إدارة الطوارئ والسلامة العامة ومواجهة الكوارث الطبيعية كالأعاصير والفيضانات والزلازل. قامت بتحليل سيكولوجية الاستجابة للإنذارات المبكرة، محاولة الإجابة على السؤال المؤرق: “لماذا يرفض كثير من المواطنين إخلاء منازلهم رغم التحذيرات القاطعة باقتراب إعصار مدمر؟”.

كشفت أبحاثها عن دور “انحياز التفاؤل غير الواقعي” (Unrealistic Optimism) واستدلال التوفر العكسي؛ حيث يعتقد الأفراد المقيمون في مناطق الخطر المزمن أن “المصيبة لن تصيبهم هم تحديداً بل تصيب الآخرين”، كما أن نجاتهم من عواصف سابقة ضعيفة رسخ لديهم شعوراً مضللاً بالأمان وتثبيتاً على أن العاصفة القادمة لن تكون أسوأ. بناءً على هذه النتائج المعرفية، شاركت ليشتنشتاين في صياغة إرشادات حكومية جديدة لإدارة الكوارث تعتمد على أساليب تواصل تستهدف كسر التفاؤل المضلل، وتوضيح المخاطر بلغة ملموسة ومباشرة، وتسهيل لوجستيات الإخلاء كخيار افتراضي لحماية الأرواح في الأوقات الحرجة.

11. ريادة المرأة في العلوم المعرفية والعمل الأكاديمي التعاوني

11.1 تحديات البيئة الأكاديمية للمرأة في منتصف القرن العشرين

لا يمكن قراءة المسيرة المظفرة لسارة ليشتنشتاين بمعزل عن السياق التاريخي والاجتماعي القاسي الذي شقت فيه طريقها العلمي. في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، كانت البيئة الأكاديمية في الولايات المتحدة محكومة ببنية ذكورية صلبة تمارس تمييزاً وتهميشاً منهجياً ضد النساء، لا سيما في المجالات العلمية الدقيقة والكمية مثل الرياضيات، والإحصاء، والفيزياء، وعلم النفس الرياضي القياسي.

واجهت ليشتنشتاين حواجز بنيوية خانقة؛ بدءاً من صعوبة الحصول على تمويلات وفرص توظيف متكافئة، ووصولاً إلى النظرة النمطية الدونية التي كانت تعتبر المرأة غير مؤهلة للخوض في النمذجة الرياضية المعقدة. ومع ذلك، لم تستسلم ليشتنشتاين لهذه القيود ولم تنجرف نحو التراجع؛ بل شقت مساراً استثنائياً بقوة كفاءتها العلمية المطلقة، ورسوخ إنتاجها المعرفي، وصرامتها المنهجية التي لا تقهر. لقد انتزعت احترام المجتمع العلمي العالمي انتزاعاً، وأجبرت كبار منظري العلوم الرياضية والاقتصادية على الإنصات لأطروحاتها والاعتراف بنبوغها المنهجي الفذ.

11.2 نموذج الشراكة الفكرية والمساهمة المتكافئة

قدمت سارة ليشتنشتاين عبر شراكتها الأسطورية مع بول سلوفيتش (ولاحقاً باروخ فيشهوف) نموذجاً فريداً ومضيئاً للشراكة الفكرية المتكافئة القائمة على الاحترام المتبادل وتكامل المواهب والقدرات. في عصر كانت تُسرق فيه جهود الباحثات وتُنسب لزملائهن الذكور، كانت ليشتنشتاين حاضرة بندية كاملة كعقل تحليلي ونقدي استثنائي في الفريق، وكانت أبحاثهم تصدر دوماً بالترتيب التبادلي للمؤلفين، مما عكس اعترافاً عملياً بمساهمتها الجوهرية والقيادية في توليد الأفكار وتصميم التجارب وتحليل النتائج.

نجح هذا الفريق الثلاثي في كسر النمط الأكاديمي الهرمي الاستبدادي، واستبداله بنموذج البحث التشاركي الأفقي؛ حيث كانت الأفكار تخضع للنقاش الحر الشفاف بغض النظر عن مصدرها، وكان هدف الجميع هو خدمة الحقيقة العلمية بدلاً من خدمة الذوات الفردية (Ego). وقد كان لليشتنشتاين دور محوري في إضفاء التوازن والعمق الرياضي المتأني على طروحات الفريق، مما جعل من شراكتهم واحدة من أكثر الشراكات تأثيراً وإنتاجية في تاريخ العلوم الإنسانية والمعرفية قاطبة.

11.3 إلهام الأجيال النسائية القادمة في أبحاث القرار

مهدت سارة ليشتنشتاين الطريق بصلابة وإخلاص لعشرات ومئات الباحثات اللاتي أتين من بعدها في حقول الاقتصاد السلوكي، وعلم النفس المعرفي، وعلوم اتخاذ القرار. لقد قدمت دليلاً حياً وملموساً على أن المرأة قادرة على قيادة التحولات المعرفية الكبرى ونسف النظريات الراسخة بأدوات القياس الكمي والتحليل الرياضي المتقدم.

وقد شكلت طوال حياتها نموذجاً يحتذى به في الموازنة النادرة بين الصرامة الأكاديمية الشرسة في قاعات البحث، والتواضع المعرفي الإنساني الرقيق في تعاملها مع الآخرين. ورغم أنها لم تكن تسعى وراء الأضواء الإعلامية والشهرة الشخصية، واكتفت بالعمل العلمي الخالص والمخلص في معهدها في أوريغون، فإن التاريخ الأكاديمي أنصفها باعتراف مستحق ولا ريب فيه؛ حيث تُذكر اليوم باعتبارها “الأم الروحية الحقيقية” لعلم القرار السلوكي وإحدى أعظم الرائدات اللاتي غيرن خريطة العلوم المعرفية في العالم.

12. الأثر الدائم والإرث العلمي لسارة ليشتنشتاين (1933–2017)

12.1 التأثير المباشر على الاقتصاد السلوكي وجوائز نوبل المرتبطة

إن تتبع الشجرة المعرفية لما يُعرف اليوم بـ “الاقتصاد السلوكي” يقود مباشرة ودون مواربة إلى الجذور التي غرستها سارة ليشتنشتاين وزملاؤها في السبعينيات. فعندما صاغ دانيال كانمان وعاموس تفيرسكي ورقتهما التاريخية حول “نظرية الآفاق” (Prospect Theory) عام 1979—والتي نال كانمان عنها جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 2002 (بعد رحيل تفيرسكي)—أقر العالمان بصراحة ووضوح تامين بالفضل الحاسم لأبحاث ليشتنشتاين وسلوفيتش في انعكاس التفضيلات والمعايرة، معتبرين أن تلك الأبحاث هي التي أضاءت لهما الطريق وفتحت أعينهما على حقيقة الانهيار التجريبي لنظرية المنفعة المتوقعة التقليدية.

ولم يتوقف الأثر عند هذا الحد؛ بل إن الأبحاث اللاحقة لـ ريتشارد ثالر (Richard Thaler)، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2017 ومؤسس “نظرية الوخز” (Nudge Theory)، استندت بكامل ثقلها الفلسفي والإجرائي إلى أطروحة ليشتنشتاين الكبرى حول “بناء التفضيلات”. ففكرة أن التفضيلات ليست محددة مسبقاً بل تتشكل وفقاً لمعمارية الاختيار هي القاعدة التأسيسية التي تجعل “الوخز” والتدخلات السلوكية ممكنة وفعالة ومبررة لتوجيه المجتمعات نحو قرارات صحية ومالية أفضل دون تقييد حريتهم الشكلية.

12.2 حيوية أفكارها في عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة

مع انفجار ثورة التكنولوجيا الرقمية، والتعلم الآلي، والذكاء الاصطناعي، وتدفق البيانات الضخمة في القرن الحادي والعشرين، تجددت حيوية أفكار سارة ليشتنشتاين لتكتسب أهمية أكثر استثنائية وإلحاحاً من أي وقت مضى. فالقضايا المركزية التي أفنت حياتها في دراستها أصبحت اليوم في قلب التحديات التقنية الكبرى:

  • معايرة نماذج الذكاء الاصطناعي: تعاني خوارزميات التعلم العميق والشبكات العصبية اليوم من متلازمة “فرط الثقة المعرفية” (Model Overconfidence)، حيث تخرج التنبؤات بدرجات يقين احتمالية مضللة تؤدي إلى كوارث تشخيصية أو حوادث في السيارات ذاتية القيادة. وتُعد مبادئ ليشتنشتاين في “معايرة الاحتمالات” هي الإطار الرياضي المرجعي الذي يوظفه علماء الحاسوب اليوم لإعادة معايرة مخرجات نماذج التعلم الآلي.
  • إدراك المخاطر الوجودية للتقنيات الناشئة: يخضع الجدل الدائر حالياً حول “مخاطر الذكاء الاصطناعي العام” (AGI Risks) وأسلحة الفضاء والأمن السيبراني بدقة متناهية لأبعاد “النموذج القياسي النفسي للمخاطر”؛ حيث يستثير الذكاء الاصطناعي أعلى مستويات “الرهبة” و”المجهولية” بسبب غموضه، وغياب السيطرة البشرية، وعواقبه الوجودية المتصورة.
  • تفاعل الإنسان والآلة: إن تصميم أدوات ومساعدات الذكاء الاصطناعي التي تدعم اتخاذ القرار البشري يتطلب فهماً عميقاً لطبيعة بناء التفضيلات لضمان ألا تقوم الخوارزميات بتوجيه وتشويه إرادة البشر عبر استدلالات التثبيت والتأطير المؤتمتة.

12.3 الخلاصة: استحضار إرث ليشتنشتاين المعرفي واستشراف المستقبل

عندما وافت المنية الدكتورة سارة ليشتنشتاين في عام 2017 عن عمر يناهز الرابعة والثمانين، خسرت العلوم المعرفية عقلاً استثنائياً وواحدة من أشجع رائداتها اللاتي أعادوا كتابة فهمنا للطبيعة الإنسانية. لم تكن رسالتها العلمية أبداً هي الإحباط من القصور البشري أو الاستهزاء بضعف عقولنا، بل كانت دعوة مخلصة إلى “التواضع المعرفي”، والوعي الصادق بحدودنا الإدراكية، وفهم آليات تفكيرنا بعيداً عن الغرور الرياضي والوهم العقلاني.

لقد علمتنا ليشتنشتاين أن الحكمة الإنسانية الحقيقية لا تكمن في ادعاء اليقين المعرفي المطلق، بل في امتلاك الشجاعة للشك في تأكيداتنا، وإدراك أن تفضيلاتنا واختياراتنا ليست حقائق كونية صلبة بل هي نتاج سياقات وبيئات نصنعها بأيدينا. سيظل اسم سارة ليشتنشتاين محفوراً في ذاكرة العلم كمنارة شامخة غيرت مسار الفكر الإنساني، وأيقونة أثبتت أن الدقة المنهجية والتواضع الفكري هما السبيل الوحيد لبناء عالم أكثر وعياً ورشداً وتفهماً لتعقيدات النفس البشرية.

المراجع

  • Coombs, C. H., Dawes, R. M., & Tversky, A. (1970). Mathematical psychology: An elementary introduction. Prentice-Hall.
  • Edwards, W. (1961). Behavioral decision theory. Annual Review of Psychology, 12(1), 473–498. https://doi.org/10.1146/annurev.ps.12.020161.002353
  • Fischhoff, B., Lichtenstein, S., Slovic, P., Derby, S. L., & Keeney, R. L. (1981). Acceptable risk. Cambridge University Press.
  • Fischhoff, B., Slovic, P., & Lichtenstein, S. (1977). Knowing with certainty: The appropriateness of extreme confidence. Journal of Experimental Psychology: Human Perception and Performance, 3(4), 552–564. https://doi.org/10.1037/0096-1523.3.4.552
  • Grether, D. M., & Plott, C. R. (1979). Economic theory of choice and the preference reversal phenomenon. The American Economic Review, 69(4), 623–638. https://www.jstor.org/stable/1808697
  • Kahneman, D., & Tversky, A. (1979). Prospect theory: An analysis of decision under risk. Econometrica, 47(2), 263–291. https://doi.org/10.2307/1914185
  • Kahneman, D., Slovic, P., & Tversky, A. (Eds.). (1982). Judgment under uncertainty: Heuristics and biases. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511809477
  • Lichtenstein, S., & Slovic, P. (1971). Reversals of preference between bids and choices in gambling decisions. Journal of Experimental Psychology, 89(1), 46–55. https://doi.org/10.1037/h0031207
  • Lichtenstein, S., & Slovic, P. (1973). Response-induced reversals of preference in gambling: An extended replication in Las Vegas. Journal of Experimental Psychology, 101(1), 16–20. https://doi.org/10.1037/h0035254
  • Lichtenstein, S., & Slovic, P. (Eds.). (2006). The construction of preference. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511618031
  • Lichtenstein, S., Fischhoff, B., & Phillips, L. D. (1982). Calibration of probabilities: The state of the art to 1980. In D. Kahneman, P. Slovic, & A. Tversky (Eds.), Judgment under uncertainty: Heuristics and biases (pp. 306–334). Cambridge University Press.
  • Lichtenstein, S., Slovic, P., Fischhoff, B., Layman, M., & Combs, B. (1978). Judged frequency of lethal events. Journal of Experimental Psychology: Human Learning and Memory, 4(6), 551–578. https://doi.org/10.1037/0278-7393.4.6.551
  • Simon, H. A. (1955). A behavioral model of rational choice. The Quarterly Journal of Economics, 69(1), 99–118. https://doi.org/10.2307/1884852
  • Slovic, P. (2000). The perception of risk. Earthscan Publications.
  • Slovic, P., & Lichtenstein, S. (1971). Comparison of Bayesian and regression approaches to the study of information processing in judgment. Organizational Behavior and Human Performance, 6(6), 649–744. https://doi.org/10.1016/0030-5073(71)90033-X
  • Slovic, P., & Lichtenstein, S. (1983). Preference reversals: A broad-based challenge for economic theory. The American Economic Review, 73(4), 596–605. https://www.jstor.org/stable/1816565
  • Slovic, P., Fischhoff, B., & Lichtenstein, S. (1982). Why study risk perception? Risk Analysis, 2(2), 83–93. https://doi.org/10.1111/j.1539-6924.1982.tb01369.x
  • Slovic, P., Fischhoff, B., & Lichtenstein, S. (1987). Behavioral decision theory perspectives on risk and safety. Acta Psychologica, 56(1–3), 183–203. https://doi.org/10.1016/0001-6918(84)90018-0
  • Thaler, R. H. (2015). Misbehaving: The making of behavioral economics. W. W. Norton & Company.
  • Von Neumann, J., & Morgenstern, O. (1944). Theory of games and economic behavior. Princeton University Press.
★

تقييم هذا المحتوى

5.0 / 5 • 7 تقييمات